موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

هذا نبي الإسلام الحلقة 23

Aug 08 2015 14:55:35

الكاتب : مدير الموقع

هذا نبي الإسلام الحلقة 23
هذا نبي الإسلام الحلقة 23

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

سعي المنافقين لنشر الفرقة بين المسلمين وموقف نبي الإسلام من ذلك

ذكرنا من قبل أن التقدم الإسلامي السريع كان يوغر قلوب المشركين واليهود والمنافقين عليه ، ورأينا كيف تصرف صلى الله عليه وسلم مع اليهود والمشركين والمواقف التي تدل على نبل أخلاقه في كل تلك المواقف ، ونقف الآن لحظات مع ما كان يلقاه من المنافقين الذين كان صدره لهم أوسع ، وصبره عليه أكبر ، ورغم ذلك صاروا يندسون في صفوف المسلمين ، ويثيرون بينهم الفتن حتى في ساعات الجهاد ، فقد حدث أن خرجوا مع رسول الله في غزوة تسمى " المريسيع "  وبعد رجوعه صلى الله عليه وسلم منتصرا  ، حدث شجار بين رجلين من المسلمين أحدهما أنصاري ، الآخر مهاجري ثم أصلح النبي بينهما .

  فلما بلغ أمر هذا الشجار كبيرهم " عبد الله بن أُبي " أخذ يحرض الأنصار قائلا  قَدْ فَعَلُوهَا، قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا في بَلَدِنَا، وَأَنْكَرُوا مِنّتَنَا، وَاَللّهِ مَا صِرْنَا وَجَلابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إلاّ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمّنْ كَلْبَك يَأْكُلْك، وَاَللّهِ لَقَدْ ظَنَنْت أَنّى سَأَمُوتُ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِمَا هَتَفَ بِهِ جَهْجَا( اسم المهاجري ) وَأَنَا حَاضِرٌ لا يَكُونُ لِذَلِكَ مِنّى غِيَرٌ . واَللّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَة ِ لَيُخْرِجَن الأَعَزّ مِنْهَا الأَذَلّ ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلادَكُمْ فَنَزَلُوا مَنَازِلَكُمْ ، وَآسَيْتُمُوهُمْ في أَمْوَالِكُمْ حَتّى اسْتَغْنَوْا أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوّلُوا إلَى غَيْرِ بِلادِكُمْ، ثُمّ لَمْ يَرْضَوْا بِمَا فَعَلْتُمْ، حَتّى جَعَلْتُمْ أَنَفْسَكُمْ أَغْرَاضًا لِلْمَنَايَا، فَقَتَلْتُمْ دُونَهُ فَأَيْتَمْتُمْ أَوْلادَكُمْ وَقَلَلْتُمْ وَكَثُرُوا (1) ..

وردد أتباعه هذا الكلام بين الأنصار وأثاروهم ، حتى  أوشك الصدام أن يقع بينهم ، كما حصل من شاوس بن قيس اليهودي ، لولا أن رسول الله عالج الموقف بحكمته  .

ومن العجب أنه حلف بعد ذلك أمام رسول الله ، وكذب من سمعه منه ، إلا أن الله فضحه وأنزل فيه قوله تعالى :" يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ..." (2) ولما جاء ابنه "عبد الله " إليه ـ وكان مؤمنا صادقا ـ وقال له يا رسول الله : إنْ كُنْت تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَ أَبِى فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ فمرني، فَوَاَللّهِ لأَحْمِلَن إلَيْك رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِك هَذَا، وَاَللّهِ لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا رَجُلٌ أَبَرّ بِوَالِدٍ مِنّى، وَمَا أَكَلَ طَعَامًا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا مِنْ الدّهْرِ وَلا يَشْرَبُ شَرَابًا إلاّ بيدي ، فقال له : يَا عَبْدَ اللّهِ مَا أَرَدْت قَتْلَهُ، وَمَا أَمَرْت بِهِ ، وَلَنُحْسِنَنّ صُحْبَتَهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا .

سبل الإسلام في معالجة إدمان الخمر والقمار

الإدمان بشرب الخمر وتناول المسكرات ، ولعب القمار أو الميسر من الأمراض الفتاكة صحيا وماليا في تاريخ البشرية ، ويلجأ إليها بعض الناس رجالا ونساء بسبب المشاكل النفسية أو الاجتماعية وغيرهما ، حيث يتخيلون أن في سكرهم راحة من تلك الهموم ، وهو في الحقيقة هروب من الواقع ومواجهته ، لذلك سرعان ما يفيقون فيبحثون عن طريقة مثالية للشفاء منها دون أن يعثروا عليها ..

 وكم سعت الدول وخاصة الناضجة منها عن حل ميسر لتلك المعضلة دون جدوى !!

 فلننظر كيف عالجها الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم .

وبداية أقول : إن الخمر والميسر قد انتشرا قبل الإسلام في سائر الجزيرة العربية ، وأدمن شربها أكثر الناس ، فقل من امتنع عن تعاطيها حتى سمعنا أحد شعرائهم يقول :

إذا مت فادفني إلى ظل كرمة ( شجرة العنب )

                            فإني أخاف إذا مت ألا أذوقها

فلما جاء الإسلام كان لابد من القضاء على تلك الأمراض ؛ حتى يقيم مجتمعا سويا ، لكنه لم يسن القوانين الحاسمة ـ كما تفعل النظم التي يشرعها البشر الذين يحسبون أنه كلما كان القانون حاسما كان أدعى لعلاج المشاكل ـ وإنما ترك المسلمين أولا حتى تتشبع قلوبهم بالإيمان ، ويستجيبوا لأوامر الله عن رضا ، فأوامر الإسلام كلها تقوم على الإقناع والرضا ، كما أنه راعى طبيعة النفس البشرية حيث تعجز كثيرا عن ترك ما اعتادت عليه فجأة.

فبدأ أولا بتخفيف الجرعة التي يتعاطاها شارب الخمر، وذلك بإيضاح أضرارها ، فقال تعالى :" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس ، وإثمهما أكبر من نفعهما " (3) ثم نهاهم عن شربها قبل أوقات الصلاة ، حتى يفهموا ما يقولون في الصلاة ، فقال تعالى :" يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأنْتُمْ سُكَارَى حتى تعلموا ما تقولون "(4).

وبالتالي قلل مرات تعاطيها ؛ لأن شارب الخمر يحتاج  إلى فترة طويلة حتى يفيق ؛ وبالتالي فلن يقدم على الخمر في فترات النهار التي تتقارب فيها أوقات الصلوات ، ثم جاء الأمر الأخير من الله تعال في قوله :" يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون..." (5).

وكانت الإجابة على السؤال هي نعم يا ربنا انتهينا ، حكى لنا هذا الرد الصحابي  "بريدة " حيث قال : "بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر جلاء، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه وقد نزل في تحريم الخمر "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر" إلى قوله "منتهون" فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم ، وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء ، فقلبوا الإناء ثم صبوا ما فيه.

وقالوا: انتهينا ربنا ، وقال الصحابي أنس بن مالك : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر الرسول مناديا ينادي ، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت ، قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت ؛ فقال: اذهب فأهرقها ، وكذلك فعل باقي الصحابة حتى جرت الخمر المسكوبة  في سكك المدينة ، ولبث المسلمون زمانا يجدون ريحها من طرق المدينة لكثرة ما أهرقوا منها" (6).

ونجح النظام الإسلامي في علاج المدمنين للخمر من العرب هذا النجاح الفائق ، وبدون أي تكلفة مالية،  في حين فشلت المنظمات الحديثة في علاج هذا الداء ، رغم ما تنفقه من أموال طائلة ..

وبنفس الأسلوب الذي عالج الإسلام به الإسلام مشكلة الخمر عالج مشكلة  الميسر (القمار وسمي الميسر ؛ لأن الإنسان يأخذه في يسر) أيضا ؛ حيث كان من العادات السيئة التي انتشرت في البيئة العربية قبل الإسلام ، ووصل الأمر بالناس إلى درجة أنهم كانوا يقامرون بأهليهم ، كما قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله ، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله" ..

وقد قرن الله تحريمه بالخمر كما رأينا في الآيتين السابق ذكرهما ؛ لأن شارب الخمر غالبا ما يلجأ إلى فقد ماله في القمار دون وعي منه ، ومدمنها قد يلجأ إلى القمار إن كان فقيرا ليكسب المال السهل الذي يوفر له ثمنها .

وقد حرم الإسلام القمار ؛ لأن فيه أخذ أموال الناس بالباطل ، والإسلام يحرص على صيانة أموال الناس ، كما أنه يسبب الشجار والعداوة التي قد تصل بالناس إلى القتل كما نسمع كثيرا ونرى ، فينعدم الأمن الذي جاء الإسلام لإيجاده .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1 ـ البداية والنهاية لابن كثير : ج4 ص157.

2ـ سورة " التوبة" : الآية 74.

3ـ سورة " البقرة " : الآية 219.

4ـ  سور " النساء " : الآية 43

5ـ سورة " المائدة " : الآيات 90 و91.

6ـ  والخبر عند  البخاري ومسلم ومالك وأبي داود وأحمد .

المصدر : موقع التاريخ 

جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
الاتحاد الأفريقي يدعم حكومة الوفاق الوطني الليبية

الاتحاد الأفريقي يدعم حكومة الوفاق الوطني الليبية

أعلنت الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، الأربعاء...

مرضى في غزة يطالبون بإنشاء ممر مائي لتسهيل سفرهم للعلاج

مرضى في غزة يطالبون بإنشاء "ممر مائي" لتسهيل سفرهم للعلاج

 شارك العشرات من المرضى الفلسطينيين في قطاع غزة، ال...

بعد مجازر حلب وحمص الأسد يصعد حملته العسكرية جنوب سوريا

بعد مجازر حلب وحمص.. الأسد يصعد حملته العسكرية جنوب سوريا

 منذ فشل آخر جولة للمحادثات صعد النظام السوري ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف