موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

هذا نبي الإسلام الحلقة 25

Dec 28 2015 07:31:47

الكاتب : مدير الموقع

هذا نبي الإسلام الحلقة 25
هذا نبي الإسلام الحلقة 25

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

نظرات في غزوة الأحزاب

ذُكر فيما سبق أن اليهود من بني النضير لما أصروا على الوقوف ضد رسول الله ودعوته ، ولم تصلح معهم كل الأساليب الحسنى التي عاملهم بها أُخرجوا من المدينة ، ولكنهم خرجوا بغدرهم الذي تأصل في قلوبهم ، إذ ذهب الأشراف منهم إلى بلدة "خيبر " التي كان يقطنها يهود أمثالهم  ، وأخذوا يكيدون للمسلمين ، ولما لم ينفع كيدهم  سعوا في تأليب سكان الجزيرة العربية كلها على المسلمين ، حيث خرج وفد منهم للطواف على مشايخ القبائل ؛ ليوهموهم أن في انتشار دعوته خطر عليهم ، وكانت أول محطة لهم في مكة ، حيث يوجد العدو التقليدي لرسول الله ، وكان مما قالوه لأهلها : " نَحْنُ مَعَكُمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمّدًا" .

ومع إن قريشا مالت إلى تجنب الاحتكاك بالمسلمين بعد غزوة "أحد " إلا أن ذلك قد أثار حميتهم ، وشجعهم على ذلك أنهم زعموا لهم أنهم  ـ أي مشركي مكة ـ بعبادتهم الأوثان على الحق دون رسول الله ، وأهدى من المسلمين .

تماما كما يصف أمثالهم الآن الخارجين على الإسلام بأنهم هم المعتدلون في الدين ، وغيرهم من المسلمين متطرفون ، فأخزاهم الله في قوله تعالى " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا "(1).

ثم خرجوا من مكة حتى جاءوا قبيلة تسمى " غطفان " حيث كانت المحطة الثانية  لهم ، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك ، فوافقوهم على الخروج معهم ، وظلوا يطوفون على القبائل العربية حتى اجتمع معهم عشرة آلاف مقاتل بعدتهم وعتادهم ـ أي ما يفوق عدد سكان المدينة رجالا ونساء وأطفالا ـ  وجعلوا قيادتهم العامة تحت لواء أبي سفيان وزحفوا تجاه المدينة  .

ووصلت أنباء زحفهم  إلى رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَدَبَ النّاسَ سريعا ، وَأَخْبَرَهُمْ بما جاءه ، وَشَاوَرَهُمْ في الأَمْرِ كما فعل في الغزوات السابقة ، وَقَالَ: أَنَبْرُزُ لَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ، أَمْ نَكُونُ فِيهَا وَنُخَنْدِقُهَا عَلَيْنَا، أَمْ نَكُونُ قَرِيبًا وَنَجْعَلُ ظُهُورَنَا إلَى هَذَا الْجَبَلِ؟ .

وأخذ كل واحد يعرض ما عنده من آراء ،  فَقَالَ سَلْمَانُ الفارسي : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا إذْ كُنّا بِأَرْضِ فَارِسَ وَتَخَوّفْنَا الْخَيْلَ خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَهَلْ لَك يَا رَسُولَ اللّهِ أَنْ نُخَنْدِقَ؟ فَأَعْجَبَ رَأْي سَلْمَانَ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرُوا حِينَ دَعَاهُمْ النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يُقِيمُوا وَلا يَخْرُجُوا، فَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الْخُرُوجَ وَأَحَبّوا الثّبَاتَ في الْمَدِينَةِ .

ومما حبذا هذه الفكرة لهم أن المدينة كان يحيط بها حرتان (جبلان ) من الشرق والغرب ، وفي الجنوب منازل اليهود من بني قريظة وهم حلفاء معاهدون للمسلمين، كما إن بيوت المدينة المتلاصقة تمنع دخول جيوش الأحزاب من جهة بني قريظة، فلم يَبْقَ إذا إلاّ شمال المدينة بين الحرّتين  ، وهي المسافة التي حفر فيها الخندق ، وتقدر باثنين كيلو مترا .

ولم يتمهل رسول الله في تنفيذ القرار  فما هي إلا أيام  وتصبحهم جيوش المغيرين ، فبدأ بتقسيم أصحابه إلى مجموعات ، كل مجموع عشرة أفراد حسب ما قيل ، وحدد لكل مجموعة مسافة معينة تقدر بأربعين ذراعا تقريبا ، يحفرونها وينقلون التراب الذي يخرجونه إلى جهة المدينة ليقيموا به حاجزا ترابيا بجوار الخندق  .

وسابق صلى الله عليه وسلم إلى العمل  في الحفر ونقل التراب كما فعل عند بناء المسجد ، حتى غطى غبار التراب سائر جسده ، فكان من ينظر إليه لا يجد بياض جسمه من كثرة التراب ، يقول الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ:  وَلَقَدْ رَأَيْته يَوْمَئِذٍ يَحْمِلُ التّرَابَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتّى حَالَ الْغُبَارُ بيني وَبَيْنَهُ، وإني لأَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ بَطْنِهِ، وقد بلغ به الإرهاق يوما مبلغاً شديداً، فاتكأ على حجر لحظةً وغلبته عيناه فنام ، ثم انتبه -صلّى الله عليه وسلَّم- فقام يقول: أفلا أفزعتموني ؟  .

وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَنْقُلانِ التّرَابَ في ثِيَابِهِمَا يَوْمَئِذٍ مِنْ الْعَجَلَةِ إذْ لَمْ يَجِدَا مَكَاتِلَ لِعَجَلَةِ الْمُسْلِمِينَ ، كل ذلك من أجل أن ينشروا الدين الذي نعتنقه الآن ، ولو لم يفعلوا ذلك لقضى الأحزاب على دولة الإسلام في مهدها ، وأحسب أن المسلمين الآن الذين يناصرون الإسلام ، لن ينتصروا على أحزاب العصر الحديث الذين يريدون القضاء على الإسلام  إلا إذا جدوا وشمروا عن ساعدهم وزجروا نائمهم ، ورضوا بحمل التراب على أكتافهم  وجلابيبهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

وصارت كل مجموعة إذا اعترضتها صخرة من الصخور ، وتعبوا في تكسيرها استعانوا به في تحطيمها ، فيسرع إليهم ويبشرهم أن النصر سيكون حليفهم إن شاء الله ، بل بشرهم أن النصر سيمتد إلى بلاد اليمن والعراق وفارس والشام ، وتحققت كل نبوءاته ، وعاصرها كثير ممن حفروا معه. 

فارتفعت روحهم المعنوية ، وأقبلوا على الحفر بجد وصاروا ينشدون الأشعار التي تذهب عنهم السآمة ، وتنسيهم الألم والتعب والرسول يردد معهم ، وصار يمازح بعضهم بعضا ، ويتندرون بما يضحك حتى فرغوا من الحفر بعد ستة أيام تقريبا ، وكان طوله حوالي 2 كيلومترا  ، وعرضه نحو تسعة أذرع ، وعمقه بين سبعة وعشرة أذرع أيضا ً.

بعد الفراغ من الخندق َشَبّكُوا الْمَدِينَةَ بِالْبُنْيَانِ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ حتى صارتَ كَالْحِصْنِ ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع النّسَاء وَالصّبْيَان داخل الحصون ، وجعل حامية عسكرية لحمايتهم ، ثم خرج  صلى الله عليه وسلم بالمسلمين المقاتلين وعددهم ثلاثة آلاف  مقاتل فجعل ظهورهم إلى جبل سلع ، وجعل الخندق أمامه ، ثم جعل نقاط مراقبة على طول الخندق وحاميات لصد أي محاولة لاقتحام الخندق .

ووصلت جيوش الشرك إلى المدينة ليحيطوا بها من كل مكان ، ولكن خابت ظنونهم ، ووجدوا الأمر على غير ما توقعوا ، إذ فوجئوا بهذه الحيلة التي لم يسمعوا بها ، وأخذ فرسانهم يطوفون بالخندق ويقولون : هذه مكيدة لم تكيدها العرب من قبل .

وحطوا رحالهم حول المدينة ، ونزل كل جيش على حده ،حيث ضربوا خيامهم قريباً من الخندق، لا يفصل بينهم وبين المسلمين غيره ، وأخذوا يبحثون عن ثغرة في الخندق يقتحمون منها المدينة فلم يجدوا ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وزع الرماة على طول الخندق في الضفة المقابلة للمدينة ، فكانوا يرمون كل من يحاول الاقتراب منه ، ومن حاول اقتحامه كان مصيره القتل .

وبقوا على هذه الحالة بضعا وعشرين ليلة ، يرمون المسلمين بالنبال ويرمونهم ، والمسلمون مرابطون ليلا ونهارا لا يستطيع أحد منهم مغادرة مكانه وقضاء حاجته ، إلا إذا أناب من يقف على ثغرته حتى يقضيها ويعود إليه ، حتى إذا يأسوا من عبور الخندق والوصول إلى المسلمين بجموعهم ، بدءوا يفكرون في مكيدة أخرى ، إلا وهي حض يهود بني قريظة على نقض عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجمته ، فإذا ما انشغل بالرد عليهم عبر المشركون الخندق إليهم بعد ردمه ، وبذلك  يطوقون المسلمين من أمامهم ومن خلفهم .

فذهب حيي بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد القرظي صاحب عهد بني قريظة وعقدهم؛ ليعرض عليه هذا الأمر  فرفض أن يقابله وأغلق دونه الحصن ، فناداه: يا كعب افتح لي ، فلما كلمه بما جاء به  قال كعب : إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً ، فقال حيي: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، وبغطفان على قادتها وسادتها ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه

فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر يا حيي فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء (2).

فلم يزل حيي به حتى أقنعه بنقض عهد رسول الله ، وأوهمه بأن جيش الأحزاب لن يعود حتى يقضي على المسلمين ، فلا خوف إذا من نقض عهدهم  ، فنقض حينئذ هو ومن معه العهد ، ومزقوا الصحيفة التي كتب فيها ، فلما انتهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث نفرا من أصحابه ، وهم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة ، وعبد الله بن رواحة ، وخوات بن جبير ـ رضي الله عنهم ـ  فقال:" انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء؟ فإن كان حقاً فألحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس " (3).

فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم، وقالوا : من رسول الله ؟!! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وقالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين (4).

ومع إنه - صلّى الله عليه وسلَّم- كتم الخبر عن النّاس، إلا أنه سرعان ما انتشر ، بدعاية المنافقين الذين كانوا يتصلون باليهود سرا ، فاشتدّ البلاء على المسلمين ، وتعاظم عليهم الخطب ، وظنوا أنهم هلكى لا محالة ، حتى وصفهم الله تعالى بقوله : " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً" (5). .

وجدّ المنافقون في بث الخوف في قلوب الناس ، إذ كانوا يذيعون بين الحين والحين أن الأحزاب تسللوا إلى بيوت المدينة كما حكى القرآن الكريم عنهم في قوله تعالى :" وإذا جاءهم أمر  من الأمن أو الخوف أذاعوا به " (6)..

وأخذوا يحرضون المسلمين على ترك أماكنهم المرابطين فيها على الخندق ليعودوا إلى بيوتهم ، ففضح الله صنيعهم هذا ، وأنزل فيهم " وإذ قالت طائفةٌ مِنْهُمْ يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لَكُم فارجعوا ويستأذن فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبيَّ يقولون إنَّ بيوتنا عورةٌ وما هي بعورةٍ إن يُريدونَ إلا فراراً "(7)..

ووضح للمسلمين أن هذا الفعل منهم لن ينجيهم من قدر الله ، وأن فرار الإنسان من القتل لن ينجيه من الموت إذا كان الله كتبه عليه ، فقال سبحانه وتعالى " ولو دُخِلتْ عليهِمِ من أقطارِها ثُمَّ سُئِلُواْ الفِتنَةَ لأَتَوها وما تلبَّثوا بها إلاَّ يسيراً * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبلُ لا يُوَلّونَ الأدبارَ وكانَ عهدُ اللهِ مَسؤولاً * قُل لن ينفعَكُمُ الفِرارُ إن فررتُمْ مِنَ الموتِ أو القتلِ وإذاً لا تُمَتَّعُونَ إلاّ قليلاً * قُلْ مَن ذا الذي يعصمُكُم مِن اللهِ إن أرادَ بكم سُوءاً أو أرادَ بِكُم رحمةً ولا يجدونَ لَهُم من دونِ اللهِ ولياً ولا نصيراً " (8).

وصاروا يسخرون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله سيفتح عليكم اليمن والعراق وفارس والشام ، وقالوا : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط بكنوز كسرى وقيصر ، وسخروا من وعد الله لعباده المؤمنين ، فقالوا كما حكى القرآن : "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا "(9).. (الأحزاب 12).

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه أصحابه من الخوف ، عزم على أن يرسل إلى غطفان ويعرض عليهم أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة في مقابل أن ينصرفوا عنه ، واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ـ رضي الله عنهما ـ في ذلك  فقالا: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا منه، أن شيئاً تصنعه لنا؟

قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم ، فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطعمون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله (10).

ونفذت بذلك أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الأسباب الممكنة ، ولم يبق أمامه سوى السلاح الذي اعتاد أن يلجأ إليه بعد نفاذ أسلحة الدنيا ، ألا وهو سلاح الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، فأخذ يردد هو وأصحابه : ‏:‏ "‏اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا‏" "‏اللّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللّهم اهزمهم وزلزلهم‏"(11).‏ 

وجاءت نتيجة الدعاء الأول بأن بث الله الفرقة بين اليهود والمشركين ، فصار كل منهم لا يثق بالآخر ، فأما اليهود فخافوا أن ينصر الله نبيه ،  فيفر الأحزاب ويتركونهم يواجهونه بمفردهم ، فطلبوا من حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من أهل مكة وغطفان رهنا ؛ ليتأكد لهم أنهم لن يتخلوا عنهم إذا كانت الدائرة لرسول الله ، فساءت نية المشركين وتخوفوا منهم الغدر ، وأحسوا أن هزيمتهم ممكنة أمام المسلمين فرفضوا هذا الطلب .

حتى إذا طال عليهم المقام أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان من يقولون لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ، فردوا عليهم أن اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً ، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً ، فإنا نخشى إن اشتدت الحرب عليكم أن تعودوا  إلى بلادكم ، وتتركونا والرجل في بلادنا ، ولا طاقة لنا به .

وستر الله بذلك عورة المسلمين حيث كانوا يخافون أن يغير بنو قريظة على نسائهم وأطفالهم وهم مشغلون بالأحزاب خارج منازلهم ، وأمنهم من أن يؤتوا من الخلف (12).

ثم جاءت نتيجة الدعاء الثاني إذ زلزل الله سبحانه وتعالى الأحزاب وأرسل عليهم بردا قاتلا ، وريحاً شديدة كفأت قدورهم ، وأطفأت نيرانهم ، وانتزعت خيامهم فانكشفوا أمامَ نبال المسلمين ، وسلط عليهم جنودا لم يروها ملأت قلوبهم رعبا ، مما جعل أبا سفيان القائد الأول لهم يسرع إلى جمله ، فيركبه قبل أن يحل عقاله من شدة الخوف ، وهو يقول: يا معشر الناس، ارتحلوا فإني مرتحل ؛ فأسرع الناس يلتقطون متاعهم ، ويجمعون حوائجهم، بعد أن فرقتها الرّيح ، فما طلع الصبح إلاّ وقد صرف الله كيدهم ، وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيراً(13).

فَلَمَّا طلع النهار ولم يجد الْمُؤْمِنُونَ لهم أثرا غير أطلالهم "قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا‏‏ (14).

فقد أتم الله نعمة النصر عليهم دون قتال ، ونزل القرآن الكريم يأمرهم بشكر الله على هذه النعمة ، فقال تعالى " " يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اذكروا نِعمَةَ اللهِ علَيكُم إذ جاءَتْكُم جُنُودٌ فأرسلنا عليهِمْ ريحاً وجُنوداً لَم تَرَوها وكانَ اللهُ بِما تعمَلُونَ بصيراً، إذ جاؤوكُم مِن فوقكم ومِنْ أَسفلَ مِنكُم وإذ زاغتِ الأبصارُ وبلَغَتِ القلوبُ الحَناجِرَ وتَظنُّونَ باللهِ الظُّنونا، هُنالِكَ ابتُليَ المؤمنونَ وزُلْزِلوا زِلزالاً شديداً (15).

وانتهت بذلك غزوة الأحزاب التي أشعل نارها اليهود لتقدم للمسلمين خير ما كانوا يتوقعونه ؛ وعلموا أنه لن يجرأ أحد من المشركين على مهاجمة المدينة مرة أخرى ، لأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بجمع أقوى مما أتوا به في الأحزاب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏"الآن نغزوهم، ولا يغزونا.. ‏" (16).

ولتقدم لمن بعدهم دليلا على أن نصر الله قريب وإن يأسوا من مجيئه ، وسجل الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " (17). ولتعلم المسلمين أيضا أن أي خطر ينزل بهم ، يمكن مواجهته ، والتغلب عليه ، لو جدوا في الأمر كما جد رسول الله والمؤمنون معه‏‏.‏

وأما يهود بني قريظة  الذين نقضوا عهدهم ، وتآمرهم مع الأحزاب ضده فقد نزل الوحي يأمره أن يسرع إليهم قبل أن يخرج زعماؤهم مع حيي بن أخطب فيؤلبوا عليه الناس مرة أخرى .

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً فأذن في الناس‏:‏ "من كان سامعاً مطيعاً فلا يصَلِّينَّ العصر إلا ببني قريظة" (18). ثم خرج بعد أن استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وأعطي الراية على بن أبي طالب، وبعثه على مقدمة الجيش ، فسار علي حتى إذا دنا من حصونهم سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 

ولحق به صلى الله عليه وسلم في موكبه من المهاجرين والأنصار، ثم ضرب عليهم الحصار خمساً وعشرين ليلة ، حتى اشتد عليم الحصار ، فلما كانت ليلة السبت قال لهم رئيسهم كعب بن أسد : إني أعرض عليكم ثلاث خصال‏ فاختاروا واحدة منها ، قالوا : وما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه الذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون بذلك على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم .

فقالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، قال : فإن أبيتم هذه فهلُمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبينه ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجد النساء والأبناء ، فقالوا : نقتل هؤلاء المساكين ؟! فما خير العيش بعدهم ؟ فقال : فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة ، فقالوا نفسد سبتنا ، وأنت تعلم ما حدث لمن قبلنا من المسخ لما أحثوا فيه (19).

وكان أملهم أن يشفع لهم بعض الأنصار ، أو يتدخل المنافقون لرفع الحصار عنهم ويخرجوا سالمين ، ولكن هذا لم يحدث ، فقد أخذ الرسول صلى لله عليه وسلم الدرس ممن سبقهم ، وعلم أن إخراجهم لن يعود عليه إلا بالمشاكل ، وأنهم سيحرضون الناس عليه ، ولم يجد أمامه من حل غير قتل الرجال منهم ، ولو نفع معهم أمر غير القتل ما قتلهم، بدليل أنهم لم يندموا على معاداته ، بل قال له حيي بن أخطب : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1 ـ   سورة " : النساء " : الآيات من 51 :52

2ـ   البداية : ج4 ص 103

3ـ     تاريخ الطبري : ج3 ص 93

4ـ   ابن كثير  : السيرة ج3 ص189

5ـ     سورة " الأحزاب " : الايات 10 و 11

6ـ     سورة " النساء " : الآية 83            

7ـ     سورة " الأحزاب " : الآية13

8ـ     سورة " الأحزاب " : 14 الى 17

9ـ     سيرة ابن هشام : ج3 ص 56

10ـ   عيون الأثر : ج2 ص 84

11ـ     رواه البخاري ومسلم

12ـ     عيون الأثر : ج2 ص 84

13ـ   تاريخ الطبري : ج2 ص 98

14ـ     سورة " الأحزاب " : الآية 22

15ـ     سورة " الأحزاب " : الآيات 9 الى 11

16ـ     رواه البخاري

17ـ     سورة " البقرة " : الآية 214

18ـ     رواه البخاري ومسلم

19ـ   سيرة ابن هشام  : ج4 ص 195

المصدر : موقع التاريخ

جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
الاتحاد الأفريقي يدعم حكومة الوفاق الوطني الليبية

الاتحاد الأفريقي يدعم حكومة الوفاق الوطني الليبية

أعلنت الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، الأربعاء...

مرضى في غزة يطالبون بإنشاء ممر مائي لتسهيل سفرهم للعلاج

مرضى في غزة يطالبون بإنشاء "ممر مائي" لتسهيل سفرهم للعلاج

 شارك العشرات من المرضى الفلسطينيين في قطاع غزة، ال...

بعد مجازر حلب وحمص الأسد يصعد حملته العسكرية جنوب سوريا

بعد مجازر حلب وحمص.. الأسد يصعد حملته العسكرية جنوب سوريا

 منذ فشل آخر جولة للمحادثات صعد النظام السوري ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف