موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (4)

Mar 14 2016 04:43:29

الكاتب : مدير الموقع

التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (4)

وليام جي. زيمان

الفصل السابع

انقلاب البعث ـ السي آي أي في 1963

شهد عام 1962 في العراق تصاعدا كبيرا في التآمر على قاسم ،  وبحسب وثيقة لسفارة الولايات المتحدة في بغداد تاريخها 25 حزيران/يونيو فإن مجموعة من الضباط "القوميين المعاديين للشيوعية" الذين كانوا يخططون لإسقاط الحكومة العراقية فاتحوا البريطانيين بمخططهم.  و"طلبوا تأكيدات بأن ينالوا اعترافا سريعا ويزوَّدوا بمعدات عسكرية لتمكين الجيش من الإفلات من السوفيت مصدرا للامدادات".

  ولم تكن هذه المجموعة الوحيدة من المتآمرين العسكريين الذين كانت السفارة على علم بوجودها لأن البرقية تمضي قائلة "إن الضباط ذوي العلاقة ليسوا أولئك المنخرطين في الحركة المذكورة في برقية المرجع".  وتشير هذه الوثيقة إلى برقيتين أخريين على الأقل تستعرضان اتصالات السفارة بمتآمرين في صفوف الجيش العراقي ،  كما تتحدث البرقية عن ثلاث مجموعات أخرى من المتآمرين "عدا حزب البعث" الذي يشكل "خطرا حقيقيا على قاسم" ، وتقدم تحليلا سياسيا للوضع ،  كما تروي الرد البريطاني على المفاتحة:  "لا يمكن لحكومة صاحبة الجلالة أن تورط نفسها في السياسة الدولية ، ولكن أي حكومة عراقية يمكن أن تتوقع علاقات ودية تُقام مع العراق بالحد الذي يكون مرغوبا [كذا] (120).

 وتبين وثائق حكومة ماكميلان أن بريطانيا بعد أقل من شهرين على الانقلاب وافقت على "تدريب عدد من الضباط العراقيين في البلاد وتزويدهم بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات ، بما فيها ناقلات أفراد مصفحة من طراز "ساراسن" Saracen وطائرات "هنتر" واعتدة (121). 

ويبدو من المرجح أن ضباط الجيش الذين فاتحوا البريطانيين بشأن التسهيلات التي يريدونها بعد انقلابهم هم الضباط أنفسهم الذين قدموا الطلب لاحقا ،  وبهذا المعنى يكون البريطانيون قدموا بعض الدعم للمتآمرين قبل الانقلاب بوعدهم اتخاذ موقف "ودي..... بالحد.....المرغوب".

بحلول 26 أيلول/سبتمبر قالت السفارة في تقرير لها "إن الحكومة والصحافة أخذت تصبح حتى أشد عداء للولايات المتحدة وأكثر ودا تجاه الكتلة السوفيتية" (122).  وبحسب أبو ريش فإن قاسم اكتشف المؤامرات التي كانت تستهدفه في كانون الأول/ديسمبر (123).  وكان آخرون يعرفون بالمؤامرة قبل الموعد.  فإن السفارة اليوغسلافية في بيروت (124) اكتشفت المؤامرة من خلال أحد مخبريها ، وأبلغت قاسم في بغداد أيضا (125).  بعد ذلك بفترة اعتُقل موظفون عراقيون في السفارة الأميركية ، بتهمة التجسس دون ريب (126).  وبدأت الحكومة العراقية تتهم الولايات المتحدة مرارا بالتآمر ضدها,  ويبدو واضحا أن مخابرات قاسم اكتشفت أدلة على مساعدة الولايات المتحدة للمتآمرين ،  لم يرد الأميركيون على الاتهامات علنا لكنهم نفوها بقوة أمام الحكومة العراقية (127).

بعثت وزارة الخارجية ببرقية من الوزير رسك إلى سفارتها في العراق لبحث الوضع في 5 شباط/فبراير 1963,  وتكشف البرقية الثانية عن وجود عناصر سرية مهمة يمكن أن تهددها قرارات يتخذها قاسم بطردها.

ربما كانت تصريحات قاسم الأخيرة مصاغة عمدا لاستثارة رد فعل أميركي يمكن استغلاله فيما بعد على أنه "دليل" يؤكد عداء الولايات المتحدة للعراق ، ويكون أساسا لتصعيد الحملات التي بعد ردنا عليها من قبل لا يمكن أن نتجاهلها الآن.

 إن تصريحات الولايات المتحدة لا يمكن أن تُنشر  من دون تشويه داخل العراق ، والبث على الموجة القصيرة لن يكون له تأثير واسع النطاق ،   وستكون لدى قاسم حرية تشويه مواقف الولايات المتحدة داخل العراق بغية إيجاد مبرر لتصعبد وتيرة الحملة المعادية للولايات المتحدة وتشديد التضييق على السفارة والقنصلية في البصرة ،  نحن لا نستطيع أن نتأكد أن قاسم لن يمضي إلى تمديد قراره بطرد موظفين مختلفين من موظفي بعثتنا وبذلك التهديد بخفض "وجود" يشكل عنصرا أميركيا مهما [سطر واحد من نص المصدر لم يُرفع عنه حظر النشر باعتباره مادة مصنفة] (128).

من الجائز تماما أن "العنصر المهم" في السفارة كان عميلا من عملاء وكالة المخابرات المركزية يعمل بغطاء سري في وظيفة متدنية في السفارة ،  وبعد مناقشة هذه الوثيقة مع ليكلاند اقترح قائلا: "كان لدينا ملحق ثقافي يدير مكتبة ومركزا ثقافيا ، وهو كان جاسوسا".  ولعل هذا هو "العنصر المهم" الذي تشير إليه برقية 5 شباط/فبراير. 

أجرت صحيفة "لوموند" الفرنسية مقابلة مع قاسم نشرت أيضا في 5 شباط/فبراير 1963.  وينم من تصريحات قاسم بشأن الأميركيين والبريطانيين أن واشنطن هددته: "[اكتشفتُ إلى أي درجة كان شعبنا قريبا من الشعب الفرنسي] |إلا أني لا أقول ذات الشيء حيال البريطانيين والأميركيين ،  فما الذي لم يفعله هؤلاء كي يستعبدوا العراق ويحكموا قبضتهم على ثرواتنا؟ والأدهى من ذلك أنني تسلمت قبل بضعة أيام فقط مذكرة تنذرني بلغة لا لبس فيها أن واشنطن ستفرض عقوبات على العراق إذا تمسكتُ بموافقي ،  كيف نستطيع السكوت على لغة كهذه؟  كل متاعبنا مع الإمبرياليين بدأت يوم أكدنا حقوقنا المشروعة في الكويت.  انظر إلى هذه الخريطة (يعطيني كراسا بعنوان "حقيقة الكويت" وخريطة الإمارة).....لاحظ هذه النقطة الخضراء الصغيرة.  هذه هي الكويت ، الجزء المغتصَب من بلدنا.  قل لي رجاء ما هي العناصر التاريخية أو الفكرية أو الاقتصادية التي تجعل هذه الامارة مملكة؟ ليس لديها حتى ماء صالح للشرب!" (129).

تفاصيل المؤامرة التي دُبرت لإسقاط الزعيم العراقي يعتريها الغموض ،  فإن أبو ريش يذهب إلى أن المؤامرة كانت بقيادة وليام ليكلاند ، عميل السي آي أي السري الذي عمل منتحلا صفة ملحق في السفارة الأميركية في بغداد (130) ولكن هذا خطأ (131).  فإن وليام ليكلاند كان موظفا مسلكيا في وزارة الخارجية ،  وكان وقت وقوع الانقلاب يعمل على ملاك وزارة الخارجية في سفارتها في بغداد سكرتيرا سياسيا أولا ،  إذ كانت الدائرة السياسية هي التي كثيرا ما تدس وكالة المخابرات المركزية عناصرها فيها ، ويصح هذا على حالة بغداد عام 1963 وبالتالي من الطبيعي أن يُفترض أن لكيلاند كونه مدير هذا القسم ، كان رئيس محطة السي آي أي أيضا.  وفي الحقيقة أن رئيس المحطة كان آرت كالاهان الذي كان غطاؤه أن يعمل موظفا صغيرا في الدائرة السياسية في السفارة (132).  وكان هناك مكتب منفصل تماما لوكالة المخابرات المركزية يعمل فيه عدة موظفين ، بمعزل عن الدائرة السياسية ولكنه جزء منها في الظاهر ، رغم أنهما نادرا ما يعملان معا (133).

في عام 1963 كان جيمس ايكنز (موظف مسلكي آخر في وزارة الخارجية) يأتي بعد ليكلاند بالدرجة الوظيفية في بغداد بوصفه السكرتير السياسي الثاني.  وقال ليكلاند أنه لم يكن يعرف أي بعثيين قبل الانقلاب ولكن "ايكنز نفسه كانت له علاقات مع بعثيين ، لم يكونوا عملاء مأجورين وإنما في إطار العلاقات المعهودة من موظف في وزارة الخارجية.  كان له توجه مؤيد للبعث" (134).  من الجائز أن يكون ايكنز قام بتسهيل عملية الاتصال بين البعثيين العراقيين ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) ، ولعل دوره كان أكثر من ذلك.  وكان ايكنز لمَّح على مر السنين إلى أن أميركا ضالعة في انقلاب 1963 البعثي (135) ولكنه لم يكن يوافق على نشر ما يعرفه (136). 

والأرجح أن ايكنز أحد "الدبلوماسيين السابقين" الذين يكتب ماريون وبيتر سلغليت وسايل وبنروز أنهم كشفوا لهم (في تصريحات ليست للنشر) عن علاقة الولايات المتحدة بالبعث قبل عام 1963.  وقال لي العديد من الأشخاص أن ايكنز معروف بكونه مستعدا للمساعدة حول هذا الموضوع. 

من المرجح أن ارتشيبولد روزفلت كان على اتصال بأعضاء في حزب البعث قبل الانقلاب.  وفي مراسلاتي مع أبو ريش قال لي: "أحد الأشخاص الضالعين في التحضيرات لانقلاب 1963 كان ارتشي روزفلت.  كان رئيس محطة في بيروت وعاد إلى بيروت قبل أشهر قليلة من الانقلاب.  كان ارتشي يتحدث 14 لغة بينها العربية والكردية.  وكان ارتشي يعرف كثيرين في العراق عندما خدم هناك بعد الحرب العالمية الثانية.  وقبل سنوات على ذلك ، عندما كان رئيس محطة في بيروت ، كان له دور في اعتراض ما يُتخذ من خطوات نحو اقامة  الوحدة العراقية ـ السورية" (137).  ثم كتب لاحقا "ان الدورين اللذين كشفت أنا شخصيا عنهما هما دور ماكهايل McHale ودور ارتشي روزفلت.  لا استطيع أن اقول لك كيف ولكني كنتُ أعرف الرجلين" (138).  ويتفق هذا مع قول روجر موريس أن "عناصر من السي آي أي ـ بينهم ارتشيبولد روزفلت حفيد تيودور روزفلت والمسؤول الكبير في السي آي أي لشؤون الشرق الأدنى وإفريقيا وقتذاك ـ يتحدث بصراحة عن علاقاتهم الوثيقة مع البعثيين العراقيين" (139).  يتعين أن نعلم المزيد لكي نعرف على وجه الدقة كيف قام ارتشي روزفلت بمساعدة الانقلاب. 

بصرف النظر عن طريقة السي آي أي في إقامة علاقتها بالبعثيين العراقيين فقد وصل نبأ لقاءاتهم إلى القادة البعثيين في دمشق ، واحتدمت جدالات بين البعث السوري والبعث العراقي.  وروى جمال الأتاسي الذي كان وزيرا في الحكومة السورية وقتذاك فحوى تلك النقاشات:

"عندما اكتشفنا هذا الأمر بدأنا نناقشهم.  كانوا يذهبون إلى أن تعاونهم مع وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) والولايات المتحدة لإسقاط عبد الكريم قاسم والاستيلاء على الحكم ـ كانوا يقارنون ذلك بكيف وصل لينين بقطار ألماني للقيام بثورته قائلين إنهم وصلوا بقطار أميركي.  ولكن في الواقع ـ وحتى في حالة تسلم مقاليد الحكم في سوريا ـ كانت هناك دفعة من الغرب وبخاصة من الولايات المتحدة ليستولي البعث على السلطة ويستأثر بها ويستبعد كل العناصر والقوى الأخرى [أي الشيوعيين والناصرين] (140).

تعني الإشارة إلى قطار لينين أن البعثيين العراقيين كانوا يقبضون من الولايات المتحدة مثلما أخذ لينين والشيوعيون ، على ما يُفترض ، قطارا محملا بالذهب من ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى لمساعدتهم في ثورتهم البلشفية. 

وهذه هي الطريقة التي ساعدت الولايات المتحدة بها هذا الانقلاب ـ ماليا.  وكان هاري روسيتزكي Harry Rositzke المحلل الاستخباراتي العتيق في مكتب الخدمات الاستراتيجية (أو أس أس) ووكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) وصف الانقلاب في مذكراته بأنه مثال على انقلاب كان لدى المخابرات معلومات وافية عنه على النقيض من انقلابات أخرى فاجأت الوكالة.  وأن "عملاء في السي آي أي تنبأوا" بوقوع الانقلاب البعثي إلى حد العلم "بتفاصيل دقيقة":

"كان عملاء في مقر حزب البعث في بغداد طيلة سنوات يبقون واشنطن على اطلاع بشأن كوادر الحزب وتنظيمه واتصالاته السرية ومصادر تمويله وتغلغله في الجيش والمؤسسات التراتبية المدنية في بلدان متعددة.

وكانت مصادر السي آي في موقع مثالي لمتابعة كل خطوة في تحضيرات البعث لانقلاب العراق ، التي ركزت على إجراء اتصالات بقادة عسكريين ومدنيين في بغداد.  ونقل مصدر السي آي أي الرئيسي ، من موقعه الأمثل ، ساعة تنفيذ الانقلاب على وجه الدقة وقدم قائمة بأسماء الوزارة الجديدة.

....ان التعاطي مع انقلاب مقبل يتطلب من السي آي أي أن يكون لها مصدر داخل المجموعة المتآمرة ،  ولكن من وجهة نظر دبلوماسية فإن إقامة اتصالات سرية مع متآمرين تعني مشاركة غير رسمية على الأقل في المؤامرة" (141). 

حقا "مشاركة غير رسمية في المؤامرة"! كانت وكالة المخابرات المركزية ستدفع الكثير من المال مقابل هذا المصدر الثابت من المعلومات ، لا سيما وأن المخططين الأميركيين قرروا أن صعود حزب البعث سيكون خير ما يخدم السياسة الأميركية في العراق ، وكانوا يريدون دعم الانقلاب. 

وقد اعترف ليكلاند بأن ضابط السي آي أي ايد كين أبلغه بأن الولايات المتحدة "كان لديها أشخاص يطلعوننا على الأمور....وكان يجري إبقاء السي آي أي على علم بما يحدث..... وأنها كانت تدفع إلى مخبرين داخل حزب البعث ولكن لم يكن لديها سيطرة على أي عمليات.....كان الأمر سريا للغاية.....(142).   قال ليكلاند هذه الأشياء وكرر هذه المعلومات في أربع مناسبات مختلفة ولكن كل مرة ، لدى تذكيره بموقف كين المكتوب ، كان يصر على أن كل الاتصالات جرت بعد الانقلاب ، وأنه يصدق بشكل قاطع قصة ايد كين القائلة أن "الانقلاب....كان مفاجأة تامة للوكالة ، وأنا متأكد أنه كان مفاجأة تامة للحكومة الأميركية أيضا" (143). 

ومن الجانب العراقي سمع أبو ريش من عضو الوزارة البعثية التي شُكلت بعد الانقلاب هاني الفكيكي وعدة عراقيين أن وكالة المخابرات المركزية كانت تعمل مع حزب البعث قبل الانقلاب (144) ، وأن هاشم جواد وزير خارجية قاسم أبلغ بنروز أن وزارته كان "لديها معلومات عن وجود تواطؤ بين البعث والسي آي أي" (145).  وخير دليل مباشر على أن الولايات المتحدة كانت شريكا هو المذكرة التي رفعها الموظف في مجلس الأمن القومي بوب كومر الى الرئيس جون كندي ليلة الانقلاب ، في 8 شباط/فبراير 1963.  وتقول المذكرة في فقرتها الأخيرة: سنرفع عقيرتنا بأصوات ودية غير رسمية ما أن نعرف مَنْ نتحادث معهم ، وينبغي أن نعترف بهم ما أن نتأكد أن هؤلاء رسخوا مواقعهم......تقارير ممتازة عن تخطيط المؤامرة لكني أشك في أن لهم أو لبريطانيا أن يدعوا الفضل فيها" (146). 

ما زالت ثمانية أسطر مطبوعة بالآلة الكاتبة مصنفة بوصفها أسرارا قبل كلمة "تقارير".  وأن عبارة "كانت السي آي أي تتلقى" تنسجم هنا انسجاما تاما لتكملة الفقرة بحيث تكون "كانت السي آي أي تتلقى تقارير ممتازة" ، والأرجح  أن العبارة موجودة في الأصل.  ويتفق هذا مع مذكرات روسيتزكي التي يكتب فيها أن وكالة المخابرات المركزية كان لديها "مصدر كبير في موقع مثالي".  وكان سيتعين عليهم أن يدفعوا مالا لقاء ذلك لكنهم ربما لم يفعلوا أكثر من تمويل الانقلاب ولهذا السبب كتب كرومر: "أشك في ما إذا كان لهم [السي آي أي] أو المملكة المتحدة [الاستخبارات البريطانية] أن يدعوا الفضل فيه".  فهم يستطيعون أن يدعوا بعض الفضل في بعض ما تحقق ولكن ليس في كل ما حدث.  إذ إنهم على الأقل ساعدوا في تمويل الانقلاب وأعطوا تطمينات بأن حكم البعث سيلقى استقبالا حسنا في واشنطن.  ولعلهم قدموا مساعدة أكبر لم يكن كرومر يعرف بها أو أنه استبعدها. 

قبل تنفيذ الانقلاب  أمر قاسم في 3 شباط/فبراير 1963 باعتقال العقيد صالح مهدي عماش ، قائد الانقلاب المخطَّط له وحامل أسراره كلها.  وكان عماش ملحقا عسكريا سابقا في السفارة العراقية في واشنطن (حيث جرى تجنيده على الأرجح) وأحد رجال الاتصال من جانب حزب البعث مع وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي).  وفي اليوم التالي اعتقل قاسم القائد المدني لحزب البعث علي صالح السعدي.  ودفع اعتقال عماش والسعدي وعدد من الآخرين إلى التحرك سريعا خشية ان تتسرب تفاصيل كثيرة عن الخطة خلال الاستجواب (147).  فأصدر أحمد حسن البكر ، القيادي العسكري في حزب البعث أوامره بالشروع في التنفيذ يوم 8 شباط/فبراير ، أي قبل أسبوعين من الموعد. 

كانت الخطة تتضمن القيام بتحركات عسكرية لعزل وحدات الجيش الموالية للزعيم عبد الكريم قاسم واحتلال محطتي الإذاعة والتلفزيون وتصفية أنصار قاسم الرئيسيين مثل جلال الاوقاتي ووصفي طاهر واعتقال قاسم واحتلال مقره في مبنى وزارة الدفاع.  وكان الضباط البعثيون الذين قادوا الانقلاب أحمد حسن البكر وعدنان خير الله [؟؟؟؟؟؟] (كلاهما تكريتيان من أقارب صدام) ومنذر الونداوي وحردان التكريتي وعبد الستار عبد اللطيف وخالد الشاوي (148).  وكان البعث يتمتع بتأييد شعبي واسع لدوره النشيط في الحركات القومية ومحاربة الشيوعيين ، وصمود البعثيين في المحاكمات التي جرت بعد إحباط هذه الحركات.  ولكن الكثير من الجنود بقوا أوفياء للزعيم عبد الكريم قاسم ، وتسبب هذا في اندلاع قتال واسع النطاق.  وبحسب العاهل الأردني الملك حسين فان وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي)  كانت توجه المقاتلين البعثيين من مركز قيادة الكتروني في الكويت (149).  ولكن ليس بالامكان حتى الآن التحقق من صحة ذلك بما يسنده من وثائق الحكومة الأميركية أو تصريحات "منشورة". 

وكتب أبو ريش: "أن مركز القيادة الالكتروني في الكويت.... كان يوجه الوحدات المتمردة ، بمن في ذاك منذر الونداوي ، الطيار الوحيد الذي انضم إلى المتمردين ، وتولى لاحقا قيادة الحرس القومي" (150).

بعد يومين من القتال الشرس داخل وزارة الدفاع التي كانت محاصرة من الأرض وتُقصَف من الجو ، استسلم قاسم (151).  وكتب أبو ريش: "رفض قاسم حتى اللحظة الأخيرة أن يسلح عشرات الألوف من الشيوعيين والفلاحين والعمال الذين ساروا إلى مقره عارضين الدفاع عنه في حين قام البعثيون بتسليح مدنييهم واستخدامهم في دور مساند.

 وعندما استسلم قاسم في النهاية.... كان استسلامه لحقن مزيد من سفك الدماء على البلد.  وبعدما رُفض طلبه الاحتفاظ بسلاحه الشخصي وتقديمه إلى محاكمة علنية ، لم يعد يجيب عن أسئلة آسريه.  وإذ رفض أن تُعصب عيناه مات ضابطا نبيلا وهو يهتف بحياة الشعب العراقي.  ولدى النظر إلى الوراء فإن قاسم بسبب عمله من أجل الفقراء وتواضعه والاعتراف بحقوق الكرد لأول مرة على الإطلاق ... ما زال يحظى بحب الشعب العراقي أكثر من أي زعيم في هذا القرن (152).

جديد المقالات المزيد
محرقة حلب ورهانات النظام السوري وحلفائه

محرقة حلب ورهانات النظام السوري وحلفائه

د / خطار أبو دياب الأربعاء 26 أبريل 2016 في يوم اختتام ال�...

التحديات المقبلة أمام المعارضة السورية

التحديات المقبلة أمام المعارضة السورية

يزيد صايغ تواجه المعارضة السورية تحدّيات متزايدة ، &n...;

قراءة وتحليل لكتاب نفاق اليهود لـ مارتن لوثر

قراءة وتحليل لكتاب" نفاق اليهود" لـ مارتن لوثر

  عيسى القدومي الكتاب بعنوان " نفاق اليهود"( ...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: إذا لم نتحرر من التبعية العسكرية للغرب فسنعاني كثيرا

أردوغان: إذا لم نتحرر من التبعية العسكرية للغرب فسنعاني كثيرا

 أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم السبت، ...

حملة إعلامية غير مسبوقة بإيران لدفع المتطوعين للقتال بسوريا

حملة إعلامية غير مسبوقة بإيران لدفع المتطوعين للقتال بسوريا

 دعت وسائل الإعلام الإيرانية، السبت، الإيرانيين وا...

الحوثيون يصعدّون على الأرض ويدفعون بتعزيزات إلى تعز والضالع والحدود مع السعودية

الحوثيون يصعدّون على الأرض ويدفعون بتعزيزات إلى تعز والضالع والحدود مع السعودية

أفاد مراقبون محليون ومصادر عسكرية وأخرى ميدانية بأن م...

  • أيام في سيلان والمالديف