موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

هذا نبي الإسلام الحلقة 26

Apr 9 2016 11:33:28

الكاتب : مدير الموقع

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

سماحة رسول الله مع اليهود غير المحاربين:

رغم ما فعله يهود بني قريظة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان سمحا بهم ، وما قتل إلا المقاتلة منهم ، واستبقى صلى لله عليه وسلم النساء والأولاد الذين لا ذنب لهم ، ولم يقتل من النساء غير امرأة ، قتلها قصاصا لأنها ألقت على أحد المسلمين حجرا من سطح دارها فقتلته ، أما باقي اليهود الذين لم ينقضوا عهدهم معه ، فإنه ترك لهم حرية الإقامة بأموالهم في المدينة أو الرحيل حيث يشاءون ، ولم يتعرض لهم أحد بسوء ، وأظهر الأدلة على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري أنه- صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير.

وأشير هنا إلى أن حكم القتل الذي نفذ في رجال يهود بني قريظة هو الحكم الذي تنطق به التوراة الذي قالوا عنه لا نفارق حكم التوراة أبدا ، فقد جاء في سفر التثنية " حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإن أجابتك إلى الصلح ، وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك التسخير ويستعبد لك * وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصَرْها * وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك ، فاضرب جميع ذَكَرٍوها بحدّ السيف * وأما النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة كل غنيمة فاغتنمها لنفسك ، وتأكل غنيمةَ أعدائك التي أعطاكها الرب إلهك * هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا* وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيها لك الرب إلهك ميراثًا فلا تستَبْقِ منها نسمة * ... " (1)

وطهرت المدينة بعد الخلاص من بني قريظة من دنس اليهود ، وجعل الله سبحانه وتعالى قصصهم عبرة لمن يعتبر ممن يعادي الله أو يعين من عاداه ، فقال سبحانه وتعالى :" وأنزلَ الَّذين ظاهَرُوهُم مِن أهلِ الكتابِ مِن صَيَاصِيهِم وقذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعبَ فرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأسِرونَ فريقاً، وأَورَثَكُم أَرضَهُم وديارَهُم وأموالَهُم وأرضاً لم تَطَؤوهَا وكانَ اللهُ على كلِّ شَيءٍ قَديراً(2).

وبرحيل الأحزاب والقضاء على بني قريظة أصبحت المدينة في مأمن من أي اعتداء ، باستثناء غارات الأعراب المحدودة ، التي تستهدف الخطف ، أو نهب بعض الأموال ، وتصدى لهم المسلمون بكل حزم ، وبعض مكائد اليهود بخيبر ، ولم تكن ذات شأن ، مما جعل الفرصة تتاح لرسول الله لأن ينشط في تبليغ دعوته لاستكمال رسالة ربه .

التشريعات الإسلامية التي شرعها الله بعد غزوة الأحزاب :

هذا وقد شرعت بعد غزوة الأحزاب كثير من الأحكام الإسلامية التي يحتاجها المجتمع الإسلامي في تلك المرحلة من عمر الدولة الإسلامية، ومن هذه التشريعات :

1 ـ إبطال عادة التبني:

كانت عادة التبني من العادات السائدة بين العرب ، فقام الإسلام بإلغائها ، وكان الغرض من إلغائها صيانة الأنساب ، وعدم إدخال ما ليس منها فيا ، وصيانة حقوق الأقارب ، وليس القضاء على مبدأ كفالة الفقراء والأيتام ؛ لأن الإسلام حض على كفالة اليتيم ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة "(3). وأشار بإصبعه السبابة والوسطى .

وما يفعله الناس من أخذ بعض اليتامى أو المساكين والتعهد بتربيتهم من الملاجئ وغيرها والتعهد بتعليمهم والإنفاق عليهم ، وجعلهم بمنزلة الأولاد يعد من أفضل الأعمال عند الله سبحانه وتعالى ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " من قبض يتيما بين المسلمين "أي تسلم وأخذ، وفي رواية" من آوى يتيما أو يتيمين ثم صبر واحتسب كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ، وحرك أصبعيه السبابة والوسطى "(4) .

وفي رواية أخرى من آوى يتيما إلى طعامه وشرابه "أي يضم اليتيم إليه ويطعمه "أدخله الله الجنة البتة" أي إدخالاً قاطعاً بلا شك وشبهة "إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر" كالشرك لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ".(5)  .

ولكن الإسلام لا يبيح أن ينسب هذا الولد أو البنت إلى من يكفله ، ويعامل قضائيا على أنه ابنه أو بنته ، كما لا يسمح للولد المكفول إذا بلغ أن يعيش مع بنته أو زوجته كأنه ابنه من صلبه ، أو يشترك مع أولاده  في الميراث الشرعي ، وإن وصى له بشيء قبل وفاته فلا بأس .

ولكي يؤكد الله سبحانه على ذلك طلب من رسول الله أن يتزوج امرأة زيد بن حارثة الذي كان يتبناه بعد أن طلقها ، ونهى المسلمين أن ينادوه بقولهم زيد بن محمد كما كان يدعى من قبل ، فقال تعالى :" فلما قضى زيد منها وطرا( أي طلقها) زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في زواج أدعيائهم  إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا  ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل " (6).

2 ـ مشروعية حجاب المرأة المسلمة:

شرع الله لنساء وبنات المؤمنين لبس الخمار والملابس المحتشمة التي تستر أجسادهن ، فقال تعالى : "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما " (7) وقد قال أحد العلماء وهو سعيد بن جبير : "يدنين عليهن من جلابيبهن"أي : يسدلن عليهن من جلابيبهن ، ويسترن النحر والصدر فلا يرى منه شيء ، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها ، وقال آخر وهو عكرمة مولى ابن عباس  : تدني الجلباب حتى لا يرى ثغرة نحرها.

وقد جاءت آية أخرى تبين أن غطاء المرأة لا بد أن يستر رأسها ورقبتها وصدرها ، وأوضحت أن المرأة أو الفتاة المؤمنة البالغة لا يجوز أن تتكشف إلا على محارمها أو زوجها ، وهي قوله تعالى : " وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن ...". (8)

والإسلام لا يريد بذلك أن يضيق على المرأة ، وإنما الهدف من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يحفظ المرأة المسلمة والفتاة المسلمة ، وأن تعرف بين الناس بالعفة ، فلا يتعرض لها فاسق بأذى من قول ولا ريبة ، وهو ما يفهم من قوله تعالى : " ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين "(9) أي يعرفن بالصلاح والتقى والعفة ، ولم تكثر جرائم التعرض للنساء والفتيات في العصر الحديث إلا بسبب لبسهن الملابس غير المحتشمة التي تثير شهوات الشباب فتجعلهم يفقدون صوابهم ، فلا ينفع معهم زجر أو تخويف.

وأما أزواج النبي فقد فرض الله عليهن الاحتجاب عن غير المحارم ، وأمرهن الله ألا يكلمن أحدا إلا من وراء حجاب ، وألا تخرج الواحدة من بيتها إلا لضرورة وأن تستر وجهها إذا خرجت من البيت ، حتى لا يراهن أحد ممن يتعمد النظر إليهن من المنافقين ، الذين كانوا يقصدون إيذاء رسول الله بذلك ، فقال تعالى :" يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً  وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (10).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني .

1 ـ الكتاب المقدس ص 311 سفر التثنية : 20 / 10 – 17  .

2 ـ  سورة " الأحزاب : الآية 26 و 27)

3 ـ  رواه البخاري ومالك والترمذي

4 ـ  رواه الطبراني في المعجم الأوسط

5 ـ سورة " النساء " : الآية 116

6 ـ  سورة " الأحزاب " : الآية 37 : 38   

7 ـ سورة " الأحزاب " : الآية 59

8 ـ  سورة " النور"  : 31

9 ـ  سورة "  الأحزاب " :59

10 ـ سورة " الأحزاب " : 32 و 33 و 34

 

الوسوم

( الأحزاب بني قريظة ، التبني ، العفة ، جلاببيب )
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد

الاتحاد الأفريقي يدعم حكومة الوفاق الوطني الليبية

أعلنت الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، الأربعاء...

مرضى في غزة يطالبون بإنشاء "ممر مائي" لتسهيل سفرهم للعلاج

 شارك العشرات من المرضى الفلسطينيين في قطاع غزة، ال...

بعد مجازر حلب وحمص.. الأسد يصعد حملته العسكرية جنوب سوريا

 منذ فشل آخر جولة للمحادثات صعد النظام السوري ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف