موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

الشافعي واضع علم أصول الفقه

Apr 12 2016 9:02:48

الكاتب : مدير الموقع

الشافعي واضع علم أصول الفقه
الشافعي واضع علم أصول الفقه

مصطفى عبد الرزاق

الشافعي هو أحد الأئمة الأربعة الفقهاء: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي المتوفى سنة (1500هـ - 767م) وأبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني المتوفى سنة (179هـ - 795م) وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المكي المتوفى سنة (204هـ - 820م) وأبي عبد الله أحمد بن حنبل البغدادي المتوفى سنة (241هـ - 855م)

وهؤلاء الأئمة هم اللذين استقرت مذاهبهم في الفقه الإسلامي بين جمهور المسلمين منذ نحو ألف عام.

وتلاشى ما عداها من المذاهب كمذهب (الحسن البصري) المتوفى سنة (161هـ - 777م) ومذهب (سفيان الثوري) المتوفى سنة (161هـ - 777م) ومذهب (عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي) المتوفى سنة (240هـ - 854م) ومذهب (محمد بن جرير الطبري) المتوفى سنة (310هـ - 922م) .

وطالت مدة المذهب الظاهري الذي أسسه (داود بن علي الأصفهاني)) المتوفى سنة (270هـ - 883م) وزاحم المذاهب الأربعة ودرس بعد القرن الثامن.

والتنافس بين المذاهب الأربعة على الغلبة والانتشار والسلطان قديم يرجع إلى عهودها الأولى، ولعل بعض آثاره لا تزال باقية إلى اليوم والآن ، وإذا كان هذا التنافس قد أدى في بعض الأحايين إلى إثارة أحقاد وفتن بين العامة  فإنه في أكثر أمره كان سبب حياة عقلية ونشاط فكري وتسابق إلى الإتقان والكمال في البحث العلمي ، فإن أهل كل مذهب كانوا لا يفتأون يتفننون في جعل مذهبهم ميسراً لإفهام الناس وأذواقهم، متسعا لما يتجدد من حاجاتهم، متميزا بلطف الاستنباط وحسن التخريج، وكثرة الجمع للمسائل، وجودة التأليف حتى أصبحت علوم الأحكام الشرعية أكمل مظهر للمجهود العقلي العظيم في الإسلام بوفرة أبحاثها ومؤلفاتها التي لا يحصى عديدها ، وبما في كثير من هذه المؤلفات والأبحاث من ابتكار وإبداع.

لا جرم كان التراث الفقهي الإسلامي من أنفس ما ادخر البشر من مباحث المتفقهين.

نزاع في أن لأشخاص واضعي المذاهب أثراً في رواج مذاهبهم وإقبال الناس عليهم وتغلبها على ما عداها. وقلما تمتاز عند الجمهور مقالات المفكرين عن صورهم وأشخاصهم.

ومن أجل هذا كان من وسائل أهل المذاهب الأربعة لنشر مذاهبهم والدعوة لها: وضع المصنفات في مناقب الأئمة أصحاب هذه المذاهب، وفي الترجمة لحياتهم على وجه يبرز فضائلهم ويبين مزايا مذاهبهم وقد تفرد الأئمة الأربعة بكثرة ما دون من المؤلفات في تراجمهم حتى ليقول (أبو زكريا النووي) المتوفى سنة 676هـ - 1277م في شرحه للمهذب المسمى بالمجموع: (وقد أكثر العلماء من المصنفات في مناقب الشافعي رحمه الله وأحواله من المتقدمين كداود الظاهري وآخرين.، ومن المتأخرين كالبيهقي وخلائق لا يحصون) .

ويقول أبو حفص عمر بن أبي الحسن الشافعي المعروف بابن الملقن في كتابه (العقد المذهب في تاريخ المذهب) المؤلف في القرن الثامن الهجري: (وترجمة الشافعي حذفناها في هذا المؤلف لأنها أفردت تأليفا فبلغت نحو أربعين مؤلفا) .

على إن كثرة هذه المؤلفات وإن وفرت للمؤرخ مراجع البحث فإنها تقوم في الغالب على العصبية لإمام على إمام، فلا تخلو من سرف في المدح وسرف في الذم، وجدل فيما ينسب لهذا من المناقب وما ينسب لهذا من الهنات، ولا تخلو من اعتماد على روايات ظاهرة البطلان وعلى الأحلام والرؤى.

ومن أمثلة ذلك: ما ورد في كتاب مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان لمحمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الكردي صاحب فتاوي البزازية المتوفى سنة 827هـ 1423م، من عقد فصل لصفة الإمام في التوراة.

وقلما تجد كتابا في مناقب الأئمة ألا وفيه باب لما رأى الإمام المترجم له في المنام وما رؤى له.

نعم لكل ذلك وزنه ودلالته في نظر الباحث، لكن التقصي لهذه المقالات في مصادرها والمقارنة بين رواياتها المختلفة واعتبار حجج المثبتين لها والمزيفين مما لا يدخل في غرضنا ولا يتسع له المقام.

غرضنا من هذا البحث أن ندرس ما يتعلق بأثر الشافعي في تكوين العلم الإسلامي.

ولما كان وصف الأثر العلمي للإمام يستدعي تصوير شخصية التي صدر عنها هذا الأثر، فإنى أجعل هذا البحث قسمين:

- ما يتعلق بالشافعي في خاصة نفسه من نشأته وسيرته.

- ما يتعلق بأثر الشافعي في وضع علم (أصول الفقه) وأتناولهما على هذا الترتيب.

أ - نشأة الشافعي وسيرته:

يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري المالكي المتوفى سنة 463هـ في كتابه (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة رضي الله عنهم) لا خلاف علمته بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب، وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي رضي الله عنه هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبي بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن قهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف بن قصي، والنبي صلى الله عليه وسلم (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف).

والشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وإلى شافع ينسب، وقد تقدم أنه شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هاشمي، والشافعي مطلبي، وهاشم والمطلب أخوان ابنا عبد مناف، ولعبد مناف أربعة بنون: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس (ص66) وهذا الذي لم يكن يعرف فيه ابن عبد البر خلافا من نسب الشافعي قد حدث فيه الخلاف.

قال فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة 606هـ - 1209م في كتابه في مناقب الإمام الشافعي:

(وطعن الجرجاني وهو واحد من فقهاء الحنفية في هذا النسب وقال: إن أصحاب مالك لا يسلمون أن نسب الشافعي رضي الله تعالى عنه من قريش، بل يزعمون أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل، فعلى هذا التقدير يكون الشافعي رضي الله تعالى عنه من الموالي لا من قريش). ص5

وعرض الرازي للرد على هذه الدعوى بما لا نرى حاجة للإطالة به ما دام صاحب الطعن يعزوه إلى أصحاب مالك، وقد نقلنا عن إمام من أئمة المالكية ما ينقض هذه الدعوى التي يقول في أمرها الرازي: (واعلم أن الجرجاني إنما أقدم على هذا البهتان لأن الناس اتفقوا على أن أبا حنيفة كان من الموالي، ألا أنهم اختلفوا في أنه كان من موالي العتاقةأو من موالي الحلف والنصرة، وطال كلامهم في هذا الباب ، وأراد أن يقابل ذلك بمثل هذا البهت، وما مثله في إلا كما قال الله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)) ص7 و8

وقد يكون أصل هذه الحكاية ما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمة للشافعي من أن أم شافع أم ولد.

فالشافعي من جهة أبيه قريشي مطلبي ليس في ذلك نزاع يقام له وزن، وإن كانت أم جده ليست من العرب.

وقد ذكر الكثيرون ممن ترجم للشافعي: أن جده السائب أسلم يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم مع المشركين فأسر ففدى نفسه وأسلم وروى: أنه اشتكى فقال عمر: اذهبوا بنا نعود السائب ابن عبيد فإنه من قريش، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين أتى به وبعمه العباس: هذا أخي.

أما ابنه شافع فلقي النبي وهو مترعرع، فالسائب بن عبيد صحابي، وابنه شافع صحابي، وأخوه عبد الله بن السائب والي مكة صحابي.

وروى ابن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة (852هـ - 1448م) في كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) عند الكلام على عبد يزيد بن هاشم بن المطلب روايات قال على أثرها:

(وعلى هذا فيكون في النسب أربعة أنفس في نسق من الصحابة: عبد يزيد وولده عبيد، وولده السائب بن عبيد، وولده شافع بن السائب) ج8 ص193

ويظهر أن بيت الشافعي كان بيت حكم وعلم في مكة. فقد رأينا أن عبد الله بن السائب أخا شافع بن السائب كان واليا لمكة.

وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه (توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس): (وأما عثمان بن شافع فعاش إلى خلافة أبي العباس السفاح) وله ذكر في قصة بني المطلب لما أراد السفاح إخراجهم من الخمس وإفراده لبني هاشم، فقام عثمان في ذلك حتى رده على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) ص45

وذكر ابن عبد البر فيمن أخذ عن الشافعي علمه من أهل مكة أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع قال: (وهو ابن عمه، وروى أيضا عن ابن عيينة وغيره وكان، ثقة حافظاً للحديث ولم ينتشر عنه كبير شيء في الفقه، وكان منشؤه بمكة وتوفي بها سنة سبع وثلاثين ومائتين، وحدث عن جماعة) ص104

ولسنا نعرف من أمر إدريس والد الشافعي إلا أنه كان رجلا حجازيا قليل ذات اليد، وأنه خرج مهاجرا من المدينة حين ظهر فيها، بعض ما يكرهه، أو خرج من مكة إلى الشام لحاجة في رواية أخرى، وأقام بغزة أو بعسقلان من بلاد فلسطين ثم مات بعد مولد الشافعي بقليل.

أما أم الشافعي فهي أزدية في أرجح الروايات، وهي الرواية المشهورة المعزوة إلى الإمام نفسه، وذكر بعض المؤرخين أن كنينها (أم حبيبة الأزدية).

ونقل بعض أصحاب التراجم أن أم الشافعي هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

وقيل: فاطمة بنت عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي.

وقالوا: إنهم لا يعلمون هاشميا ولدته هاشمية إلا علي بن أبي طالب والشافعي.

ورجح هذا القول ابن السبكي في كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) لكن الفخر الرازي يرى: أن هذا القول شاذ، ويقول ابن حجر العسقلاني: إنه لم يثبت ويرده كلام الشافعي نفسه. قال ابن السبكي: (ولله درها من أي قبيلة كانت!).

قال ابن حجر: (ومن ظريف ما يحكى عن أم الشافعي من الحذق: أنها شهدت عن قاضي مكة هي وأخرى مع رجل. فأراد القاضي أن يفرق بين المرأتين، فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) فرجح القاضي لها في ذلك. وهذا فرع غريب واستنباط قوي).

ولو أن أم الشافعي كانت بهذه المثابة من دقة التفريع وقوة الاستنباط لعرف التاريخ على الأقل اسمها وعرف أين وافاها حمامها وفي أي زمن.

هذه السيدة التي يختلفون في نسبها ويختلفون في اسمها هي التي كفلت طفلها يتيما غريبا فقيراً، ولم تزل ترعاه بعنايتها وتتولاه بهديها حتى أصبح بين المسلمين إماماً.

خرج إدريس بن العباس والد الشافعي من مكة مهاجراً يفر من الظلم أو يفر من الفقر أو يفر من كليهما، وقد يكون في طريقه إلى فلسطين أقام في المدينة زمنا، فقال بعض الرواة: إن هجرته كانت من المدينة ثم نزل في غزة أو في عسقلان، وهما ثغران من ثغور فلسطين متجاوران، وعسقلان هي المدينة، وأقام هناك مع زوجه التي وضعت له طفلا ذكرا لم يكد يتنسم الحياة حتى أدرك الموت أباه.

هذا مولد الشافعي، ولا خلاف بين الرواة في أن الشافعي ولد (سنة 150 هـ - وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة على الصحيح كما ذكر ابن حجر وغيره.

والمروي عن الشافعي: أنه قال: إنه حمل إلى مكة وهو ابن سنتين من غزة أو عسقلان.

وفي كتاب (معجم الأدباء) لياقوت: وفي رواية أن الشافعي قال: ولدت باليمن فخافت أمي على الضيعة فحملتني إلى مكة وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه ذلك. وتأول بعضهم قوله (باليمن) بأرض أهلها وسكانها قبائل اليمن، وبلاد غزة وعسقلان كلها من قبائل اليمن وبطونها.

قلت: وهذا عندي تأويل حسن إن صحت الرواية وإلا فلاشك أنه ولد بغزة وانتقل إلى عسقلان إلى أن ترعرع، ج6ص318.

ويقول ابن حجر في توالي التأسيس ص49: (والذي يجمع الأقوال أنه ولد بغزة عسقلان، ولما بلغ سنتين حولته أمه إلى الحجاز ودخلت به إلى قومها وهم من أهل اليمن، لأنها كانت أزدية، فنزلت عندهم، فلما بلغ عشراً خافت على نسبه الشريف أن ينسى ويضيع فحولته إلى مكة).

وليس من رأيي التوفيق بين الروايات المتضاربة قويها وضعيفها على هذا الوجه، فتلك طريقة ليست من التمحيص التاريخي في شيء، بل يجب تخير الروايات الصحيحة السند التي يرجحها ما يحف بها من القرائن ، والذي تدل عليه الروايات الراجحة أن الشافعي ولد بغزة ومات فيها أبوه كما مات بها من قبل هاشم جد النبي عليه السلام. ثم حملته أمه إلى عسقلان وهي من غزة على فرسخين أو أقل. وكان يرابط بها المسلمون لحراسة الثغر منها. وكان يقال لها (عروس الشام) وفي كتاب (أحسن التقاسيم) للمقدسي المعروف بالبشاري: (أن خيرها دافق، والعيش بها رافق).

وكل هذه الاعتبارات جديرة بأن تجعل الأيم الفقيرة تختارها سكنا لها ولطفلها اليتيم الغريب.

فلما بلغ الطفل سنتين وترعرع وأصبح يحتمل السفر حملته أمه إلى مكة لينشأ بين قريش، ولعلها كانت تريد أن تستعين على تكاليف العيش بما ينال الطفل من سهم ذوي القربى باعتباره مطلبياً.

على أن حظ الطفل من خمس الغنائم لم يكن ليرفه من عيشه فنشأ في قلة من العيش وضيق حال. قال الرازي:

(وذكروا أن الشافعي رضي الله عنه كان في أول الزمان فقيرا، ولما سلموه إلى المكتب ما كانوا يجدون أجرة المعلم، وكان المعلم يقصر في التعليم إلا أن المعلم كلما علم صبيا شيئا كان الشافعي رضي الله عنه يتلقف ذلك الكلام، ثم إذا قام المعلم من مكانه أخذ الشافعي رضي الله عنه يعلم الصبيان تلك الأشياء، فنظر المعلم فرأى الشافعي رضي الله عنه يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي يطمع بها منه، فترك طلب الأجرة واستمرت هذه الأحوال حتى تعلم القرآن كله لسبع سنين) ص15و16.

ويروى عن الشافعي: أنه كان يحدث عن طفولته فيقول: (وكانت نهمتي في شيئين؛ في الرمي، وطلب العلم. فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة. وفي رواية من عشرة تسعة، وسكت عن العلم، فقال عن بعض من كان يستمع اليه: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي).

ويروى عنه أيضا: أنه قال: كنت ألزم الرمي حتى كان الطبيب يقول لي: (أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر) تاريخ بغداد ج6 ص59، 60.

ويظهر: أن حب الرماية لم ينزعه من بين جوانب الشافعي جلال السن وجلال الإمامة.

(عن المزني قال: كنت عند الشافعي فمر يهدف، فإذا رجل يرمي بقوس عربية، فوقف عليه الشافعي وكان حسن الرمي فأصاب سهاما، فقال له الشافعي: أحسنت، وبرك عليه، قال لي: ما معك؟ فقلت: ثلاثة دنانير، فقال: أعطه إياها واعذرني إذ لم يحضرني غيرها (توالي التأسيس) ص67.

قال الشافعي: (لما ختمت القرآن دخلت المسجد أجالس العلماء وأحفظ الحديث والمسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، وكنت فقيرا بحيث ما أملك ما أشتري به القراطيس، فكنت آخذ العظم أكتب فيه وأستوهب الظهور من أهل الديوان وأكتب فيها) - الرازي ص16.

وكان الشافعي في أول أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب. قال الشافعي: (وخرجت من مكة، يعني بعد أن بلغ قال: فلزمت هذيلا بالبادية أتعلم كلامها وآخذ اللغة وكانت أفصح العرب) ابن حجر ص50.

ثم توجه الشافعي إلى الفقه يدرسه وقد اختلفت الروايات في سبب توجهه إلى الفقه أو تكاد ترجع كلها إلى نصح الناصحين له: إن يصرف جهده وذكاءه في علم تكمل به سيادته من غير خطر على دينه ولم يكن يومئذ إلا الفقه سبيلا إلى ذلك.

 ويعبر عن روح الوقت من تلك الناحية: ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها فقيل لي: تعلّم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ فتذهب رياستك، قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني، قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك، فقلت لا حاجة لي في هذا، ثم قلت: أتعلّم النحو، فقلت: إذا تعلمت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا تقعد معلما وأكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة، قلت وهذا لا عاقبة له، قلت: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك ويحملك على دابة أو يخلع عليك خلعة، وأن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، فقلت: لا حاجة لي في هذا قلت: فإن نظرت في الكلام فما يكون آخره؟ قالوا لا يسلم من نظر في الكلام من شنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فأما أن يؤخذ فيقتل، وأما يسلم فيكون مذموما، قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء وإن كنت شابا، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته) - تبييض الصحيفة - ص11و12 وتفقه الشافعي أول أمره على (مسلم بن خالد الزنجي) مفتي مكة سنة 180هـ 796م مولى بني مخزوم، وقد اختلف النقاد في أمر مسلم فقيل: ثقة وقيل ضعيف وقيل: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث ، ونقل: أنه كان يرى القدر ولعل هذا هو سر تضعيفه.

ويقولون: إن مسلم بن خالد الزنجي قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتي، وكان الشافعي حينئذ دون عشرين سنة.

وأخذ الشافعي في مكة عن: (سفيان بن عيينة الهلالي) المتوفى سنة 198هـ 813م أحد الثقاة الأعلام، روي عن بعضهم: أنه اختلط سنة 197هـ 812م.

ثم رحل الشافعي إلى المدينة ليطلب العلم عن (مالك بن أنس) فقرأ الموطأ على مالك بعد أن حفظه عن ظهر قلب في مدة يسيرة وأقام بالمدينة إلى أن توفي (مالك) سنة 179هـ 795م.

وخبر رحلته إلى مالك مروي على وجوه مختلفة تتفق كلها في أن الشافعي كان فقيرا لا يملك نفقة السفر على فرط شوقه إلى الأخذ عن إمام دار الهجرة.

ثم يسر الله له أسباب الرحلة، وأحسن مالك لقاءه لما تفرس من نجابته وفضله.

وتلقى الشافعي في المدينة عن غير مالك كإبراهيم بن أبي يحيى الذي يقول الرازي: اتفقوا على أنه كان معتزليا.

وخرج الشافعي إلى اليمن بعد موت مالك.

(قال الشافعي: لما مات (مالك) كنت فقيرا، فاتفق أن والي اليمن قدم المدينة فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه فذهبت معه واستعملني في أعمال كثيرة وحمدت فيها والناس أثنوا علي) الرازي ص 18.

وكادت الولاية تشغل بالشافعي عن العلم حتى نبهه بعض شيوخه فانتبه.

قال الشافعي: كنت على عمل باليمن واجتهدت في الخير والبعد عن الشر، ثم قدمت المدينة فلقيت ابن أبي يحيى وكنت أجالسه، فقال لي: تجالسوننا وتسمعون منا فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه. ثم لقيت ابن عيينة فقال؛ قد بلغنا ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك، وأديت كل الذي لله عليك ولا تعد . قال الشافعي رضي الله عنه: موعظة ابن عيينة أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى - الرازي ص 20

وقد أخذ الشافعي عن جماعة من أهل اليمن منهم مطرف بن مازن الصنعاني المتوفى سنة 191هـ 806م وقد كذبه يحيى بن معين وقال النسائي ليس بثقة، وقال غيره كان قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحا وعمرو بن أبي سلمة المتوفى سنة 214هـ 829م وهو صاحب الاوزاعي.

ويقولون إن الشافعي جمع كتب الفراسة من اليمن واشتغل بها حتى مهر فيها.

ارتفع شأن الشافعي في اليمن (ثم أن الحساد سعوا إلى هارون الرشيد، وكان باليمن واحد من قواده فكتب إليه يخوّفه من العلويين وذكر في كتابه: إن معهم رجلا يقال له: محمد بن إدريس الشافعي يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بسيف، فإن أردت أن تبقي الحجاز عليك فاحملهم إليك. فبعث الرشيد إلى اليمن وحملوا الشافعي مع العلوية إلى العراق) الرازي ص18.

وتلك هي المحنة التي اقتضت دخول الشافعي العراق. وفي حديث هذه المحنة اختلاف كبير وقد يكون أسلم هذه الروايات من الحشو وأدناها إلى الاعتدال والقصد: ما رواه ابن عبد البر في كتاب (الانتقاء) قال:

حمل الشافعي من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد وكان الرشيد بالرقة، فحملوا من بغداد إليه وأدخلوا عليه ومعه قاضيه (محمد بن الحسن الشيباني) وكان صديقا للشافعي وأحد الذين جالسوه في العلم وأخذوا عنه فلما بلغه أن الشافعي في القوم الذين أخذوا من قريش بالحجاز واتهموا بالطعن على الرشيد والسعي عليه، اغتم لذلك غما شديدا: وراعى وقت دخولهم على الرشيد قال: فلما أدخلوا على الرشيد سألهم وأمر بضرب أعناقهم: فضربت أعناقهم إلى أن بقى حدث علوي من أهل المدينة وأنا، فقال للعلوي: أأنت الخارج علينا والزاعم أني لا اصلح للخلافة؟ فقال العلوي: أن أدعى ذلك أو أقوله قال: فأمر بضرب عنقه، فقال العلوي: إن كان لابد من قتلي فأنظرني أكتب إلى أمي بالمدينة فهي عجوز لم تعلم بخبري، فأمر بقتله فقتل.

ثم قدمت و (محمد بن الحسن) جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى فقلت: يا أمير المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغياً علي؛ وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف بن قصيولي مع ذلك حظ من العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك. وأنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا هو كما يقوله؟ قال: بلى وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه، قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره، فأخذني محمد وكان سبب خلاصي لما أراد الله عز وجل منه .ص - 97 - 98.

ويقول ابن حجر في كتاب (توالي التأسيس) ص71 (وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله محمد البلوي فقد أخرجها (الابرى) و (البيهقي) وغيرهما مطولة ومختصرة وساقها (الفخر الرازي) في مناقب الشافعي بغير إسناد معتمدا عليها وهي مكذوبة وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب، قوله فيها: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان قد مات ولم يجتمع به الشافعي.

والثاني أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لاسيما وقد أشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما آتاه الله من العلم، هذا ما لا يظن بهما وأن منصبهما وجلالتهما، وما أشتهر من دينهما ليصد عن ذلك.

والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة: أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة 184هـ800م. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه.

وممن أخذ عنهم الشافعي في العراق (وكيع بن الحراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ) المتوفى سنة 190هـ 805 - 806م و (حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي) المتوفى سنة 210هـ - 852م، و (عبد الوهاب بن عبد المجيد البصري) المتوفى سنة 194هـ 809 - 810م. وقد قرأ الشافعي كتب (محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ 804 - 805م ولازمه وأخذ عنه.

ولم نر فيما بين أيدينا من تراجم الشافعي ذكر مدة مقامه في بغداد في هذه القدمة.

وقدم الشافعي بعد ذلك إلى بغداد سنة 195هـ 810 - 811م فأقام سنتين واشتهرت جلالة الشافعي رحمه الله في العراق وسار ذكره في الآفاق وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون. وعكف عليه للاستفادة منه الصغار والكبار من الأئمة والأحبار من أهل الحديث والفقه وغيرهما، ورجع كثيرون منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه وتمسكوا بطريقته كأبي ثور وخلائق لا يحصون. . . . وصنف في العراق كتابه القويم ويسمى (كتاب الحجة) ويرويه عنه أربعة من جلة أصحابه وهم: أحمد بن حنبل، وأبو نور، والزعفراني، والكرابيسي) (شرح المذهب للنووي) ج1 ص9

ثم خرج الشافعي إلى مكة وعاد إلى بغداد في سنة 198هـ 813 - 814م وأقام بها أشهراً، ثم إنه خرج إلى مصر في هذه السنة كما في معجم الأدباء ويقول ياقوت في موضع آخر (ويقال: إن الشافعي رضي الله عنه قدم إلى مصر سنة 199هـ 814 - 815م في أول خلافة المأمون وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن العباس استصحبه فصحبه وكان العباس هذا خليفة لأبيه على مصر) ج6 ص 394. وفي شرح المهذب: (وقال الربيع قدم الشافعي (مصر) سنة مائتين ولعله قدم في آخر سنة تسع جمعا بين الروايتين)

وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر وسار ذكره في البلدان وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي للأخذ عنه وسماع كتبه الجديدة) ص9.

وفي ابن خلكان: (ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر وكان وصوله إليها سنة تسع وتسعين ومائة وقيل إحدى ومائتين)

وأقام الشافعي بمصر إلى أن مات سنة 204هـ و819 - 820م كان في آخر عمره عليلاً شديد العلة من البواسير حتى قالوا: أن صدره أصبح ضيقا، وأنه كان يقول أني لآتي الخطأ وأنا أعرفه يعني ترك الحمية.

وفي كتاب (توالى التأسيس) لابن حجر: (قلت: قد اشتهر أن سبب موت الشافعي: أن فتيان بن أبي السمح المالكي المصري وقعت بينه وبين الشافعي مناظرة فبدرت من فتيان بادرة فرفعت إلى أمير مصر فطلبه وعزره فحقد ذلك فلقي الشافعي ليلا فضربه بمفتاح حديد فشجه فتمرض الشافعي منها إلى أن مات ولم أر ذلك من وجه يعتمد) ص86.

لم تقتل الشافعي شجة (فتيان) المزعومة إنما قتل الشافعي ما بذله من جهد عنيف في السنين الأربع التي أقامها بمصر ما بين تأليف وتدريس ومناظرة وسعي في بث مذهبه ومدافعة كيد خصومه، هذا إلى مرضه المنهك، وقد كان في ذلك العهد مصابا بنزيف من الباسور.

قال الربيع تلميذه: (أقام الشافعي ههنا أربع سنين فأملى ألفا وخمسمائة ورقة، وخرج كتاب (اللام) ألفي ورقة وكتاب (السنن) وأشياء كثيرة كلها في مدة أربع سنين، وكان عليلا شديد العلة. . .) ابن حجر ص83، وكان يلازم الاشتغال بالتدريس والإفادة في جامع عمرو. .

(وكان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فيسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه عن معانيه وتفسيره، فإذا ارتفعت الشمس قاموا واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة: فإذا ارتفع النهار تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو حتى يقرب انتصاف النهار ثم ينصرف إلى منزله) ابن حجر ص92.

واخرج أبو نعيم من طريق ابن حسين البصري سمعت طبيبا مصريا يقول: ورد الشافعي مصر فذاكرني بالطب حتى ظننت أنه لا يحسن غيره، فقلت له أقرأ عليك شيئا من كتاب أبقراط فأشار إلى الجامع فقال أن هؤلاء لا يتركونني. ابن حجر ص66

وقد يكون الشافعي درس الطب فيما درسه من العلوم في العراق حينما جاءها أول مرة.

وقد يكون درس علوم التنجيم أيضا هناك، وأنهم ذكروا أن الشافعي اشتغل بعلوم التنجيم؛ وكل ذلك يدل على ما كان شغف للإمام بالعلم كله.

وقد يكون هذا الجلوس المتوالي في الجامع من أسباب ما أصيب به الإمام من المرض. وذكر الأستاذ مصطفى منير أدهم في رسالته ورحلة الإمام الشافعي إلى مصر، أن أهل الإمام ذهبوا إلى الوالي في صباح الليلة التي توفي فيها، وكان الوالي هو محمد بن السري بن الحكم، وطلبوا إليه الحضور لتغسيل الإمام كما أوصى، فقال لهم الوالي: هل ترك الإمام دينا؟ قالوا نعم، فأمر الوالي بسداد ذلك الدين كله، ثم نظر إليهم وقال لهم هذا معنى تغسيلي له ص41.

وان صحت هذه القصة التي لم يذكر راويها لها استنادا فهي تدل على أن الشافعي خرج من الدنيا فقيراً كما دخلها فقيراً ولسنا نشك في أن الشافعي مات فقيراً، لكنا نشك في أمر استدانته، فقد روي ابن حجر في (توالي التأسيس) عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سواد السرحبي قال: قال لي الشافعي أفلست ثلاث مرات فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي ابنتي وزوجتي ولم أستدن قط ص67.

وتزوج الشافعي (حميدة) بنت نافع بن عنبسة بن عمرو بن عثمان ابن عفان فولدت له (أبا عثمان محمدا) وكان قاضيا لمدينة حلب (وفاطمة) (وزينب).

أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي.

 ب - أهل الرأي وأهل الحديث.

ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث وآثاره وكتبه.

د - وضع الشافعي علم أصول الفقه

أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي

1 - كان التشريع في عهد النبي عليه السلام يقوم على الوحي من الكتاب، والسنة. وعلى الرأي من النبي ومن أهل النظر والاجتهاد من أصحابه بدون تدقيق في تحديد معنى الرأي وتفصيل وجوهه وبدون تنازع ولا شقاق بينهم

ومضى عهد النبي عليه السلام وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين من سنة 11م5هـ - 632 إلى سنة 40هـ - 660 وقد اتفق الصحابة في هذا العهد على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم، وفي هذا العهد أخذت تبدو الصورة الأولى من صور الإجماع بما كان يركن إليه الأئمة من مشاورة أهل الفتوى من الصحابة، وكان أهل الفتوى من الصحابة يومئذ وهم المعتبرون في الإجماع قلة لا يتعذر تعرف الاتفاق بينهم في حكم من الأحكام.

ولم يكن يفتي من الصحابة ألا حملة القرآن، الذين كتبوه وقرءوه وفهموا وجوه دلالته وناسخه ومنسوخه، وكانوا يسمون (القراء) لذلك، وتمييزاً لهم، عن سائر الصحابة بهذا الوصف الغريب في أمة أمية - لا تقرأ ولا تكتب -

ثم كان عصر بني أمية من سنة 40هـ - 660م إلى سنة 132هـ - 749م وتكاثر الممارسون للقراءة والكتابة من العرب، ودخلت في دين الله أمم ليست أمية فلم يعد لفظ القراء نعتا غريبا يصلح لتمييز أهل الفتوى ومن يؤخذ عنهم الدين، هنالك استعمل لفظ العلم للدلالة على حفظ القرآن ورواية السنن والآثار وسمي أهل هذا الشأن (العلماء) واستعمل لفظ (الفقه) للدلالة على استنباط الأحكام الشرعية بالنظر العقلي فيما لم يرد فيه نص كتاب ولا سنة وسمي أهل هذا الشأن (الفقهاء) فإذا جمع امرؤ بين الصفتين جمع له اللفظان أو ما يراد فهما.

وفي طبقات ابن سعد (كان ابن عمر جيد الحديث غير جيد الفقه، وكان زيد بن ثابت فقيها في الدين عالما بالسنن.

وقد كان كثير من الصحابة والتابعين يكره كتاب العلم وتخليده في الصحف كابن عباس، والشعبي، والنخعي، وقتادة، ومن ذهب مذهبهم، وهؤلاء كلهم عرب طبعوا على حفظ جبلة العرب.

قال ابن عبد البر: من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين:

أحدهما - ألا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به، ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب فلا يحفظ فيقل الحفظ. (مختصر جامع بيان العلم ص24) .

ولما انقرض عهد الصحابة ما بين تسعين ومائة من الهجرة وجاء عهد التابعين، انتقل أمر الفتيا والعلم بالأحكام إلى الموالي إلا قليلا (عن عطاء قال: دخلت على هشام بن عبد الملك فقال: هل لك علم بعلماء الأمصار؟ قلت: بلى قال: فمن فقيه المدينة. قلت: (نافع) مولى ابن عمر، وفقيه مكة (عطاء بن رياح) المولى، وفقيه اليمن (طاوس) بن كيسان المولى، وفقيه الشام (مكحول) المولى، وفقيه الجزيرة (ميمون) بن مهران المولى، وفقيها البصرة (الحسن، وابن سيرين) الموليان، وفقيه للكوفة (إبراهيم) النخعي الغربي، قال هشام: لولا قولك عربي لكادت نفسي تخرج) مناقب الأمام الأعظم للبزاز جـ1 - ص57

عندئذ تضاءلت النزعة العربية إلى خطر التدوين وصارت كتابة العلم أمراً لازما (عن سعد بن إبراهيم قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة 101هـ - 720م بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا فبعث إلى كل بلد له عليها سلطان دفترا) مختصر جامع بيان العلم ص33

وقد بدت مخايل نهضته في التشريع الإسلامي منذ ذلك العهد فحصل تدوين بعض السنن وبعض المسائل ولم يصل إلينا من تلك المدونات إلا صدى.

ويقول (جولد زيهر) في مقاله عن كلمة (فقه) في دائرة المعارف الإسلامية: (وينبغي ألا يعطى كبير ثقة لما نسب لهشام بن عروة من أنه في يوم الحرة حرقت لأبيه كتب فقه، ولا يمكن أن يتصور بحال أنه في ذلك العهد البعيد كانت توجد كتب بالمعنى الصحيح وإنما هي صحائف متفرقة، وتوفي عروة سنة 94هـ - 712 التي كانت تسمى (سنة الفقهاء) لكثرة من مات فيها من الفقهاء) .

وبالجملة: فانه إذا كان دون شيء لضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيها في عهد بني أمية، فان التدوين في الفقه بالمعنى المحدث لم يكن إلا في عهد العباسيين.

هذا هو الرأي الذي كان مقررا بين الباحثين لكن (جولد زيهر) يذكر في المقال الذي أشرنا آنفا ما يأتي: (وقد اكتشف (جرفيني) بين المخطوطات القيمة في المكتبة (الامبروزية) بميلانو الخاصة ببلاد العرب الجنوبية مختصرا في (الفقه) اسمه (مجموعة زيد بن علي) المتوفى سنة 122هـ - 740م وهو منسوب إلى مؤسس فرقة (الزيدية) من الشيعة، وعلى ذلك تكون هذه المجموعة أقدم مجموعة في الفقه الإسلامي، وعلى كل حال ينبغي أن يوضع هذا الكتاب موضع الاعتبار فيما يتعلق بتاريخ التأليف في الفقه الإسلامي. وإذا صح: أنه وصل إلينا من بطانة (زيد بن علي) وجب أن نعترف بأن أقدم ما وصل إلينا من المصنفات الفقهية هو من مؤلفات الشيعة الزيدية

على أن البحث الذي أثير لتعيين مركز هذا الكتاب بين المؤلفات الفقهية لم يكمل.

ومن أسف أن هذا البحث لم يثره مسلمون ولا أثير في بلاد أسلامية.

وقد ذكر صاحب (الفهرست) عند الكلام على (الزيدية) ما نصه: الزيدية الذين قالوا بإمامة زيد بن علي عليه السلام، ثم قالوا بعده بالإمامة في ولد (فاطمة) كائنا من كان بعد أن يكون عنده شروط الإمامة، وأكثر المحدثين على هذا المذهب مثل: (سفيان ابن عيينة) و (سفيان الثوري). . . ص187

وعلاقة هذين الإمامين بنهضة الفقه عند أهل السنة تجعل للبحث الذي يشير إليه (جولدزيهر) شأنا خطيرا.

وجاء عهد العباسيين منذ سنة 132هـ و749 - 750م وشجع الخلفاء الحركة العلمية وأمدوها بسلطانهم، فكان طبيعيا أن تنتعش العلوم الدينية في ظلهم، بل كانت حركة النهوض أسرع إلى العلوم الشرعية لأنها كانت في دور نمو طبيعي وتكامل.

وهناك سبب آخر يذكره (جولدزيهر) في كتابه (عقيدة الإسلام وشرعه) هو: أن حكومة الأمويين كانت متهمة بأنها دنيوية فحلت محلها دولة دينية سياستها سياسة ملية.

كان العباسيون يجعلون حقهم في الإمامة قائما على: أنهم سلالة البيت النبوي، وكانوا يقولون: إنهم سيشيدون على أطلال الحكومة الموسومة عند أهل التقى بالزندقة نظاما منطبقا على سنة النبي وأحكام الدين الإلهي

ويلاحظ أن المثل الأعلى للسياسة الفارسية، وهو الاتصال الوثيق بين الدين والحكومة، كان برنامج الحكم العباسي.

(وقد اقتضى ضبط أمور الدولة على منهاج شرعي، جمع الأحكام الشرعية، وتدوينها)

أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي.

 ب - أهل الرأي وأهل الحديث

ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث وآثاره وكتبه

د. وضع الشافعي علم أصول الفقه

وفي صدر العهد العباسي تمكن الاستنباط واستقرت أصوله وجعل لفظ (الفقه) ينتهي بالتدريج إلى أن يكون غير مقصور على المعنى الأصلي أي الاستنباط من الأدلة التي ليست نصوصاً واصبح المعنى الأول للفقه هو: (الأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية) نصوصا كانت أو رأياً وسمي أهل هذا الشأن بالفقهاء ونشأ التأليف في الفقه بهذا المعنى وانقسم الفقه إلى طريقتين طريقة أهل الرأي والقياس، وهم أهل العراق، وطريقة أهل الحديث وهم: أهل الحجاز

ب - أهل الرأي وأهل الحديث

ومقدم جماعة أهل الرأي الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه هو: (أبو حنيفة) المعتبر أبا لمذهب أهل العراق، أسسه وأعانه على تأسيسه تلميذاه الجليلان: (أبو يوسف) القاضي المتوفي سنة 182هـ - 797م و (محمد بن الحسن) الشيباني المتوفي سنة 189هـ - 804 م.

ولئن كان حماد بن سليمان الكوفي المتوفى سنة 120هـ - 737 و738 م هو أول من جمع حوله طائفة من التلاميذ يعلمهم الفقه. مع ميل غالب للرأي. وكان (أبو حنيفة) من هؤلاء التلاميذ فان حماداً لم يترك آثراً علميا مكتوبا. أما أبو حنيفة فيقول صاحب (الفهرست)؛ وله من الكتب (كتاب الفقه الأكبر) - كتاب رسالته إلى اليسقى - كتاب العالم والمتعلم - رواه عنه مقاتل - كتاب الرد على القدرية - والعالم براً وبحراً، شرقا وغربا، بعداً وقرباً، تدوينه رضى الله عنه) ص 202

ويذكر الموفق بين أحمد المكي الحنفي في كتابه (مناقب الأمام الأعظم) آثر أبي حنيفة الفقه بقوله جـ1 ص 136، 137: (وأبو حنيفة أول من دون علم هذه الشريعة، لم يسبقه أحد ممن قبله لأن الصحابة والتابعين لم يضعوا في علم الشريعة أبوابا مبوبة ولا كتبا مرتبة إنما كانوا يعتمدون على قوة فهمهم وجعلوا قلوبهم صناديق علمهم فنشأ أبو حنيفة بعدهم فرأى العلم منشرا فخاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم  : إن الله تعالى لا يقبض العلم انزاعا ينتزعه من الناس وإنما ينتزعه بموت العلماء فيبقى رؤساء جهال فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون فلذلك دونه أبو حنيفة فجعله أبوابا مبوبة وكتبا مرتبة. فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة ثم بسائر العبادات على الولاء ثم بالمعاملات ثم ختم بكتاب المواريث

وإنما ابتدأ بالطهارة ثم بالصلاة لأن المكلف بعد صحة الاعتقاد أول ما يخاطب بالصلوات لأنها أخص العبادات واعم وجوبا، وآخر المعاملات لأن الأصل عدمها وبراءة الذمة منها وختمه بالوصايا والمواريث لأنها آخر أحوال الإنسان فما أحسن ما ابتدأ به وختم وما أحذقه وأفهم وأفقه وأمهر وأعلم وأبصر

ثم جاء الأئمة من بعده فاقتبسوا من علمه واقتدوا به وفرعوا كتبهم على كتبه، ولهذا روينا بإسناد حسن عن الشافعي - رح - أنه قال في حديث طويل: (العلماء عيال على أبي حنيفة في الفقه)

وروى عن ابن سريج - رح - أنه (سمع رجلا يتكلم في أبي حنيفة فقال له يا هذا مه، فإن ثلاثة أرباع العلم مسلمة له بالإجماع والرابع لا نسلمه لهم.

قال: وكيف ذلك؟ قال: لان العلم سؤال وجواب، وهو أول من وضع الأسئلة فهذا نصف العلم، ثم أجاب عنها فقال بعض: أصاب، وبعض: أخطأ، فإذا جعلنا صوابه بخطئه صار له نصف النصف الثاني والربع الرابع ينازعهم فيه ولا يسلم لهم. . . ولأنه - رح - أول من وضع كتابا في الفرائض وأول من وضع كتابا في الشروط. والشروط لا يستطيع أن يضعها إلا من تناهى في العلم وعرف مذاهب العلماء ومقالاتهم لأن الشروط تتفرع على جميع كتب الفقه ويتحرز بها من كل المذاهب لئلا ينقضها حاكم بنقض أو فسخ. . . وقد قيل بلغت مسائل أبي حنيفة خمسمائة ألف مسألة وكتبه، وكتب أصحابه تدل على ذلك) .

وجملة القول: أن مذهب أهل الرأي هو الذي رتب أبواب الفقه، وأكثر من جمع مسائله في الأبواب المختلفة وكان الحديث قليلاً في العراق فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل: (أهل الرأي) .

وإنما كان أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق لأن المدينة دار الهجرة، ومأوى الصحابة ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد وغيره من شؤون الدولة أكثر.

ومذهب أهل العراق كان يقصد إلى جعل الفقه وافيا بحاجة الدولة التشريعية فكان همه: أن يجعل الفقه فصولا مرتبة يسهل الرجوع إليها عند القضاء والاستفتاء، وكان همه أن يكثر التفاريع حتى تقوم بما يعرض ويتجدد من الحوادث. لا جرم كان مذهب أهل الرأي مذهب الفضاء، وكان أئمة قضاة كأبي يوسف، ومحمد. وكان أهل الحديث يعيبون أهل الرأي بكثرة مسائلهم وقلة رواياتهم

وسئل رقبة بن مصقلة عن أبي حنيفة فقال: (هو أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما قد كان، وقد روى هذا القول عن حفص بن غياث في أبي حنيفة: يريد أنه لم يكن له بآثار من مضى) عن كتاب مختصر جامع بيان العلم

ويروى ابن عبد البر في كتاب (الانتقاء) ص 147 (عن الحكم بن واقد قال: رأيت أبا حنيفة يفتي من أول النهار إلى أن يعلو النهار، فلما خف عنه الناس دنوت منه فقلت: يا أبا حنيفة لو أن أبا بكر وعمر في مجلسنا هذا ثم ورد عليهما ما ورد عليك من هذه المسائل المشكلة لكفا عن بعض الجواب ووقفا عنه. فنظر إليه وقال: أمحموم أنت؟ يعني مبرسما)

أما أهل الحديث - أهل الحجاز - فإمامهم (مالك بن أنس) وكانت طريق أهل الحجاز في الأسانيد أعلى من سواهم وامتن في الصحة لاشتدادهم في شروط النقل من العدالة والضبط، وتجافيهم عن قبول (المجهول الحال)، في ذلك

وكتب (مالك) كتاب (الموطأ) أودعه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه ورتبه على أبواب الفقه

وفي كتاب (تبيض الصحيفة): أن (مالكا) في ترتيبه للموطأ متابع لأبي حنيفة، ومن العسير إثبات ذلك، فان أبا حنيفة ومالكا كانا متعاصرين، وإن تأخر الأجل بمالك وأقدم ما حفظ من المجاميع الفقهية المؤلفة في عصور الفقه الأولى بين السنيين هو (موطأ مالك)

ويقول صاحب الفهرست في سرد كتب مالك:. . وله من الكتب؛ كتاب (الموطأ - كتاب رسالته إلى الرشيد - ص 199

وكانت وجهة أهل الحجاز كوجهة أهل العراق تدوين الأحكام الشرعية مبوبة مرتية، إلا أن اعتماد أهل الحديث على السنة أكثر من اعتمادهم على الرأي، بل هم كانوا يعتبرون الرأي ضرورة لا يلجأون إليها إلا على كره وعلى غير اطمئنان.

وقد روى عن مالك: انه قال في بعض ما كان ينزل فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: (أن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) مختصر جامع بيان العلم ص 192.

وكان أهل الحديث يكرهون أن يتكاثر والناس بالمسائل كما يتكاثر أهل الدرهم بالدراهم، وكانوا يكرهون السؤال عما لم يكن، قالوا: إلا ترى أنهم كانوا يكرهون الجواب في مسائل الأحكام ما لم تنزل، فكيف بوضع الاستحسان والظن والتكلف وتسطير ذلك واتخاذه دينا!

وفي (الانتقاء): قال (الهيثم بن جميل): (شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: (لا أدري) .

ولم يكن أهل الحديث مع ذلك ينكرون اجتهاد الرأي والقياس على الأصول في النازلة تنزل عند عدم النصوص)

ح - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث.

ظهر الشافعي والأمر على ما وصفنا من نهضة الدراسة الفقهية في بلاد الإسلام نهضة ترمي إلى الوفاء بالحاجة العلمية في دولة تريد أن تجعل أحكام الشرع دستوراً لها.

ومن انقسام الفقهاء إلى أهل رأي يعتمدون في نهضتهم على سرعة إفهامهم ونفاذ عقولهم وقوتهم في الجدل. وأهل حديث يعتمدون على السنن والآثار ولا يأخذون من الرأي إلا بما تدعو إليه الضرورة

كان أهل الرأي يعيبون أصحاب الحديث بالإكثار من الروايات الذي هو مظنة لقلة التدبر والتفهم (حكي عن أبي يوسف قال: سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير، فأجبته، فقال لي: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتني أنت. فقال يا يعقوب أني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك ما عرفت تأويله إلى الآن. مختصر جامع بيان العلم ص 182.

فأصحاب الحديث كانوا حافظين لأخبار رسول الله، إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أحد من أصحاب الرأي سؤالا أو أشكالا بقوا في أيديهم متحيرين. الرازي ص 38.

هم ضعاف في الاستنباط وفي القدرة على دفع المطاعن والشبهات عن الحديث.

- الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي.

ب - أهل الرأي وأهل الحديث     .

جـ - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث وآثاره وكتبه.

د - وضع الشافعي علم أصول الفقه.             

وكان أهل الحديث يعيبون أهل الرأي بأنهم يأخذون في دينهم بالظن، وأنهم ليسوا للسنة أنصاراً ولاهم فيها بمتثبتين، فان أصحاب أبي حنيفة يقدمون القياس الجلي على خبر الواحد وهم يقبلون المراسيل، والمجاهيل - أي الحديث المرسل الذي أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي خلى الله عليه وسلم من غير أن يذكر الصحابي الذي روى الحديث. أما المجاهيل فهم مجهولو الحال من الرواة -.

ثم لا يقبلون الحديث الصحيح إذا كان مخالفاً للقياس، ولا يقبلونه في الواقعة التي تعم فيها البلوى: الرازي ص250، 251.

كانت الحال على ما ذكرنا حين جاء الشافعي، وقد تفقه الشافعي أول ما تفقه على أهل الحديث من علماء مكة، كمسلم بن خالد الزنجي، وسفيان بن عيينه، ثم ذهب إلى إمام أهل الحديث (مالك) ابن أنس في المدينة فلزمه، ولقي من عطفه ومن فضله ما جعله يحبه ويجله (عن يونس بن عبد الأعلى أنه سمع الشافعي يقول: (إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك بن أنس) الانتقاء ص23.

على أن نشأة الشافعي لم تكن من كل وجه نشأة أهل الحديث، ولا استعداده استعدادهم.

لقد توجه في أول أمره إلى درس اللغة والشعر والأدب وأخبار الناس، ولم يقطع صلته بهذه العلوم حين وصل حبله بأهل الحديث الذين كانوا لا يرونها من العلم النافع (حكي عن مصعب الزبيري قال: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظاً وقال: لا تعلم بهذا أحداً من أهل الحديث فانهم لا يحتملون هذا، معجم الأدباء ص380) وكان الشافعي بطبعه نهماً في العلم، يلتمس كل ما يجده من فنونه، وقد ذكر من ترجموا له: أنه اشتغل بالفراسة حين ذهب إلى اليمن، وعالج التنجيم والطب، وربما كان درسهما في إحدى رحلاته إلى العراق، حيث كان التنجيم يعتبر فرعاً من فروع العلوم الرياضية، وكان الطب فرعاً من العلم الطبيعي، والعلم الرياضي، والعلم الطبيعي قسمان من أقسام الفلسفة التي كان مسلمو العراق أخذوا يتنسمون ريحها، وكان الشافعي مغرى بالرمي في شبابه ولم يكن في كهولته يأنف من الوقوف عند مهرة الرماة يدعو لهم ويمدهم بالمال، ويظهر: أنه لم يكن شديداً في جرح الرجال كعادة أهل الحديث، وقد نقل صاحب كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) حكاية تدل على سخرية الشافعي من تزمت المزكين.

(قال الشافعي - رضي الله عنه - حضرت بمصر رجلاً مزكياً يجرح رجلاً فسئل عن سببه وألح عليه فقال: رأيته يبول قائماً، قيل وما في ذلك؟ قال: يرد الريح من رشاشه على بدنه وثيابه فيصلي فيه، قيل هل رأيته أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل ما أصابه؟ قال: لا ولكن أراه سيفعل؟ حـ - 1 - ص 194، 195

وكان في العلماء المعاصرين للشافعي: بل أهل الرأي منهم بله أهل الحديث من لا يراه ممعناً في الحديث (عن أبي عبد الله الصاغاني يحدث عن يحيى بن أكثم قال: كنا عند محمد بن الحسن في المناظرة، وكان الشافعي رجلاً قرشي العقل والفهم، صافي الذهن، سريع الإصابة، ولو كان أكثر سماع الحديث لاستغنت أمة محمد به عن غيره من العلماء (ابن حجر ص59) .

ولما ذهب الشافعي إلى العراق استرعى نظره تحامل أهل الرأي على أستاذه مالك وعلى مذهبه، وكان أهل الرأي أقوى سنداً وأعظم جاهاً بما لهم من المكانة عند الخلفاء، وبتوليهم شؤون القضاء، ذلك إلى أنهم أوسع حيلة في الجدل من أهل الحديث وأنفذ بياناً، ويمثل حال الفريقين من هذه الناحية، ما روي عن أمامي أهل الرأي وأهل الحديث: أبي حنيفة ومالك.

روى ابن عبد البر المالكي عن الطبري قال: وكان مالك قد ضرب بالسياط، واختلف فيمن ضربه وفي السبب الذي ضرب فيه قال: فحدثني العباس بن الوليد قال: خبرنا ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: (ليس على مستكره طلاق) ثم دس إليه من يسأله عنه فحدث به على رؤوس الناس (الانتقاء ص43، 44)

أما أبو حنيفة فينقل في شأنه الموفق المكي في كتاب (المناقب) (عن معمر بن الحسن الهروي يقول: اجتمع أبو حنيفة ومحمد ابن إسحاق عند أبي جعفر المنصور، وكان جمع العلماء والفقهاء، من أهل الكوفة والمدينة وسائر الأمصار لأمر حزبه وبعث إلى أبي حنيفة فنقله على البريد إلى بغداد، فلم يخرجه من ذلك الأمر الذي وقع له إلا أبو حنيفة، فلما قضيت الحاجة على يديه حبسه عند نفسه ليرفع القضاة والحكام الأمور إليه، فيكون هو الذي ينفذ الأمور ويفصل الأحكام، وحبس محمد بن إسحاق ليجمع لابنه المهدي حروب النبي – عليه الصلاة والسلام - وغزواته قال فاجتمعا يوماً عنده وكان محمد بن إسحاق يحسده لما كان يرى من المنصور من تفضيله وتقديمه واستشارته فيما ينوبه وينوب رعيته وقضاته وحكامه، وسأل أبا حنيفة عن مسألة أراد بها أن يغير المنصور عليه، فقال له ما تقول يا أبا حنيفة في رجل حلف ألا يفعل كذا وكذا أو أن يفعل كذا وكذا ولم يقل إن شاء الله موصولاً باليمين، وقال ذلك بعدما فرغ من يمينه وسكت، فقال أبو حنيفة لا ينفعه الاستثناء إذا كان مقطوعاً من اليمين، وإنما كان ينفعه إذا كان موصولاً به، فقال وكيف لا ينفعه وقد قال جد أمير المؤمنين الأكبر أبو العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن استثناءه جائز ولو كان بعد سنة، واحتج بقوله عز وجل (واذكر ربك إذا نسيت)؟ - فقال المنصور لمحمد بن إسحاق: أهكذا قال أبو لعباس صلوات الله عليه؟ قال نعم! فالتفت إلى أبي حنيفة - رحمه الله - وقد علاه الغضب، فقال تخالف أبا العباس فقال أبو حنيفة لم أخالف أبا العباس، ولقول أبي العباس عني تأويل نخرج على الصحة ولكن بلغني أن النبي - ص - قال (من حلف على يمين واستثنى فلا حنث عليه). وإنما وضعناه إذا كان موصولاً باليمين، وهؤلاء لا يرون خلافتك. لهذا يحتجون بخبر أبي العباس، فقال له المنصور كيف ذلك؟ قال: لأنهم يقولون إنهم بايعوك حيث بايعوك تقية وإن لهم الثنيا متى شاءوا يخرجون من بيعتك ولا يبقى في أعناقهم من ذلك شيء قال هكذان قال: نعم فقال المنصور: خذوا هذا يعني محمد بن إسحاق فأخذ وجعل رداؤه في عنقه وحبسوه) ج1 ص142 - 144.

كان طبيعيا: أن يجادل الشافعي عن أستاذه وعن مذهب أستاذه وقد نهض الشافعي لذلك قوياً بعقله، قوياً بعلمه، قوياً بفصاحته قوياً بشباب في عنفوانه، وحمية عربية، وقد رويت لنا نماذج من دفاع الشافعي عن مالك ومذهبه: (عن محمد بن الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من صاحبكم يعني (أبا حنيفة ومالكاً) وما كان على صاحبكم أن يتكلم وما كان لصاحبنا أن يسكت، قال فغضبت وقلت نشدتك الله من كان أعلم بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام مالك، لكن صاحبنا أقيس، فقلت: نعم ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من أبي حنيفة فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام) الانتقاء ص24

كان هذا الحجاج عن مذهب مالك، في قدوم الشافعي إلى العراق أول مرة، وأقام الشافعي في العراق زمناً غير قصير ودرس فيه كتب محمد بن الحسن وغيره من أهل الرأي فيما درس في العراق ولازم محمد بن الحسن ورد على بعض أقواله وآرائه نصيراً لأهل الحديث.

ولاشك أن الشافعي في ذلك العهد كان متأثراً بمذهب أهل الحديث ومتأثراً بملازمة عالم الهجرة فهو كان يدافع عن مذهبه يدافع حميته لأستاذه وأنصار أستاذه المستضعفين.

أما البزاز الكردري فهو يروي في سبب اختلاف الشافعي على محمد بن الحسن روايات يقول فيها: (عن عبد الرحمن الشافعي: لم يعرف الشافعي لمحمد حقه وأحسن إليه فلم يف له. وعن إسماعيل المزني قال الأمام الشافعي: حبست بالعراق لدين فسمع محمد بي فخلصني فأنا له شاكر من بين الجميع. وعن ابن سماعة قال: أفلس الشافعي غي مرة فجاء إلى محمد أصحابه فجمع له مائة ألف فكان فيه قضاء حاجته ثم أفلس مرة أخرى فجمع له سبعين ألف درهم ثم أتاه الثالثة، فقال: لا أذهب مروءتي من بين أصحابي، لو كان فيك خير لكفاك ما جمعت لك ولعقبك وكان قبل هذا مولعاً بكتبه يناظر أوساط أصحابه ويعد نفسه منهم، فلما أتى محمداً الثالثة أظهر الحلاف) المناقب - ج2 - ص150، 151

والشافعي نفسه يرد على ذلك، فقد أخرج الحاكم من طريق محفوظ بن أبي توبة قال: سمعت الشافعي يقول: يقولون. إني إنما أخالفهم للدنيا، وكيف يكون ذلك والدنيا معهم؟ وإنما يريد الإنسان الدنيا لبطنه وفرجه، وقد منعت ما ألذ من المطاعم ولا سبيل إلى النكاح، وعني لما كان به من البواسير ولكن لست أخالف إلا من خالف سنة رسول الله. ابن حجر ص76 ولما عاد الشافعي إلى بغداد في سنة 195هـ - 810 - 811م ليقيم فيها سنتين اشتغل بالتدريس، والتأليف وروى البغدادي في كتاب (تاريخ بغداد):

(عن أبي الفضل الزجاج يقول: لما قدم الشافعي إلى بغداد وكان في الجامع إما نيف وأربعون حلقة، أو خمسون حلقة فلما دخل بغداد مازال يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم: قال الله وقال الرسول وهم يقولون قال أصحابنا حتى ما بقي في المسجد غيره) ص68، 69

واختلف إلى دروس الشافعي جماعة من كبار أهل الرأي كأحمد بن حنبل وأبي ثور فانتقلوا عن مذهب أهل الري إلى مذهبه، ويروى عن أحمد ابن حنبل: أنه قال (ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه منة) فقلنا: يا أبا محمد كيف ذلك؟ (قال إن أصحاب الرأي كانوا يهزؤون بأصحاب الحديث حتى علمهم الشافعي وأقام الحجة عليهم) الانتقاء ص76

ووضع الشافعي في بغداد كتاب: (الحجة) (روى ابن حجر عن البويطي: أن الشافعي قال: اجتمع علي أصحاب الحديث فسألوني أن أضع على كتاب أبي حنيفة فقلت: لا أعرف قولهم حتى أنظر في كتبهم، فكتبت إلى كتب محمد بن الحسن فنظرت فيها سنة حتى حفظتها ثم وضعت الكتاب البغدادي يعني (الحجة) ص76

ويظهر من ذلك: أن مذهب الشافعي القديم الذي وضعه في بغداد كان في جل أمره رداً على مذهب أهل الرأي وكان قريباً إلى مذهب أهل الحديث.

وروى البغدادي عن حرملة: أنه سمع الشافعي يقول: (سميت ببغداد ناصر الحديث) ج2 ص68

ونقل ابن حجر عن البيهقي: أن كتاب الحجة الذي صنفه الشافعي ببغداد حمله عنه الزعفراني، وله كتب أخرى حملها غير الزعفراني منها: كتاب السير، رواية أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي) وفي كتاب كشف الظنون:

((الحجة) الإمام الشافعي، وهو مجلد ضخم ألفه بالعراق إذا أطلق القديم من مذهبه يراد به: هذا التصنيف، قاله الأسنوي في المبهمات ويطلق على ما أفتى به هناك أيضاً)

ثم انتهى الشافعي إلى مصر فآزره تلاميذ مالك حتى إذا وضع مذهبه الجديد وأخذ يؤلف الكتب رداً على مالك تنكروا له وأصابته منهم محن (قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: قدمت مصر لا أعرف: أن مالكاً يخالف من أحاديثه إلا ستة عشر حديثاً فنظرت فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل.

ثم ذكر الشافعي في رده على مالك: المسائل التي ترك الأخبار الصحيحة فيها بقول واحد من الصحابة أو بقول واحد من التابعين أو لرأي نفسه

ثم ذكر: ما ترك فيه أقاويل الصحابة لرأي بعض التابعين أو لرأي نفسه وذلك: أنه ربما يدعى الإجماع وهو مختلف فيه

ثم بين الشافعي أن ادعاء: أن إجماع أهل المدينة حجة، قول ضعيف. الرازي ص26

ويروي بعض الرواة: أن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقي بها وكان يقال لهم: قال رسول الله (عليه الصلاة والسلام) فيقولون: قال مالك، فقال الشافعي: إن مالكاً بشر يخطئ فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه وكان يقول استخرت الله تعالى في ذلك. ابن حجر ص76

ومذهب الشافعي الجديد الذي وضعه في مصر هو الذي يدل على شخصيته وينم عن عبقريته ويبرز استقلاله

(سئل أحمد ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أهي أحب إليك، أم التي بمصر؟ قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك كما يرويه الذهبي في تاريخه الكبير (هامش الانتقاء ص77)

أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث

ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث آثاره وكتبه

د - وضع الشافعي علم أصول الفقه

ومذهب الشافعي الجديد وصل إلينا فيما ألفه بمصر من الكتب وقد سرد البهيقي المتوفى سنة 458هـ - 1065 - 1066م كتب الشافعي ولخصها عنه ابن حجر في ص78

(الرسالة القديمة، ثم الجديدة - اختلاف الحديث، جماع العلم - أبطال الاستحسان - أحكام القرآن - بيان الفرض - صفة الأمر والنهي - اختلاف مالك والشافعي - اختلاف العراقيين - اختلافه مع محمد ابن الحسن - كتاب علي وعبد الله - فضائل قريش - كتاب الأم -. . .)

وعدة كتب الأم: مائة ونيف وأربعون كتاباً وحمل عنه حرملة كتابا كبيرا يسمى (كتاب السنن) وحمل عنه المزني كتابه (المبسوط) وهو المختصر الكبير والمنثورات وكذا المختصر - المشهور - قال البهيقي: وبعض كتبه الجديدة لم يعد تصنيفها وهي: الصيام - والصداق - والحدود - والرهن الصغير - والأجارة - والجنائز فانه أمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد وأمر بتحريق ما يغاير اجتهاده قال: وربما تركه اكتفاء بما نبه عليه من رجوعه عنه في مواضع أخرى.

قلت: وهذه الحكاية مفيدة ترفع كثيرا من الإشكال الواقع بسبب مسائل اشتهر عن الشافعي الرجوع عنها وهي موجودة في بعض هذه الكتب.

ثم نقل ابن حجر: إن لأصحاب الشافعي من أهل الحجاز والعراق عنه مسائل وزيادات قال: وهذا يدل على إن (كتبا أخرى حملها عنه هؤلاء لان هذه المسائل ليست في الكتب المقدم ذكرها) وقد ترك ابن حجر في تلخيصه: كتاب (مسند الشافعي) ولا ندري: إن كان البهيقي قد تركه أيضاً أم لا؟ ويقول الرازي (ان كتابه المسمى (بمسند الشافعي) كتاب مشهور في الدنيا، ص146) كان اتجاه المذاهب الفقهية قبل الشافعي إلى جمع المسائل وترتيبها وردها إلى أدلتها التفصيلية عندما تكون دلائلها نصوصا.

وأهل الحديث لكثرة اعتمادهم على النص كانوا اكثر تعرضا لذكر الدلائل من أهل الرأي.

فلما جاء الشافعي بمذهبه الجديد كان قد درس المذهبين ولاحظ ما فيهما من نقص بدا له أن يكمله واخذ ينقض بعض التفريعات من ناحية خروجها عن متابعة نظام متحد في طريق الاستنباط.

وذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاه جديدا هو اتجاه العقل العلمي الذي لا يعني بالجزئيات والفروع.

ويدل على إن اتجاه الشافعي لم يكن إلى تمحيص الفروع: ما نقله ابن عبد البر في (الانتقاء) من: إن احمد ابن حنبل قال: (قال الشافعي لنا: أما انتم فاعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني أن يكون كوفيا، أو بصريا أو شاميا اذهب إليه إذا كان صحيحا) ص75.

وطريقة علاجه لمسائل العلم تدل على منهجه قال أبو محمد بن أخت الشافعي عن أمه قالت: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو اقل أو اكثر المصباح بين يدي الشافعي، وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي الجارية هلمي مصباحا فتقدمه ويكتب ما يكتب ثم يقول: ارفعيه، فقيل لأحمد: ما أراد برد المصباح؟ قال: الظلمة أجلى للقلب. مفتاح السعادة ج2ص91.

وليس هذا النوع من التفكير الهادئ في ظلمة الليل تفكير من يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع.

بل يعني بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها، وذلك: هو النظر الفلسفي.

قال ابن سينا في الشفاء (إنا لا نشتغل بالنظر في الجزئيات لكونها لا تتناهى وأحوالها لا تثبت وليس علمنا بها من حيث هي جزئية تفيدنا كمالا حكيما أو تبلغنا غاية حكيمة، بل الذي يهمنا هو النظر في الكليات).

وكان احمد يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة - واختلاف الناس - والمعاني - والفقه (الرازي ص35)

وقد حاول الشافعي: ان يجمع أصول الاستنباط الفقهي وقواعدها علما ممتازا وان يجعل الفقه تطبيقا لقواعد هذا العالم.

وبهذا يمتاز مذهب الشافعي من مذهب أهل العراق وأهل الحجاز.

د - وضع الشافعي لعلم أصول الفقه.

إذا كان الشافعي هو أول من وجه الدراسات الفقهية إلى ناحية علمية فهو أيضا: أول من وضع مصنفا قي العلوم الدينية الإسلامية على منهج علمي بتصنيفه في أصول الفقه، قال الرازي: اتفق الناس على: إن أول صنف في هذا العلم - أي علم أصول الفقه - الشافعي وهو الذي رتب أبوابه وميز بعض أقسامه من بعض وشرح مراتبها في القوة والضعف.

وروى: أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقران والسنة، والإجماع والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص فوضع الشافعي رضى الله عنه (الرسالة) وبعثها إليه.

فلما قرأها عبد الرحمن بن المهدي قال: ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل ثم قال الرازي: واعلم: أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة (ارسططاليس) إلى علم (المنطق) وكنسبة (الخليل) بن احمد إلى علم (العروض).

وذلك لأن الناس كانوا قبل (أرسططاليس) يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة لكن ما كان عندهم قانون مخلص في كيفية ترتيب الحدود والبراهين.

فلا جرم. كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة فأن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلي، قلما أفلح. فلما رأى (أرسططاليس) ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة واستخرج علم (المنطق) ووضع للخلق بسببه قانونا كليا يرجع إليه في معرفة الحدود والبراهين.

وكذلك الشعراء كانوا قبل (الخليل بن احمد) ينظمون أشعارا وكان اعتمادهم على مجرد الطبع فاستخرج (الخليل) علم (العروض) فكان ذلك قانونا كليا في معرفة قانون الشعر ومفاسده فكذلك هنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل (أصول الفقه) ويستدلون ويعترضون، ولكن مكان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم (أصول الفقه) ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع 00 ثم يقول الرازي: واعلم إن الشافعي صنف كتاب (الرسالة) ببغداد ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب (الرسالة) وفي كل واحد منهما: علم كثير ص 89 ـ102

ويقول (بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي) المتوفي سنة 749هـ 1391 ـ1392 في كتاب في أصول الفقه المسمى بالبحر المحيط (فصل): الشافعي أول من صنف في (أصول الفقه) صنف فيه كتاب (الرسالة) وكتاب أحكام القرآن واختلاف الحديث وأبطال الاستحسان وكتاب (جماع العلم ـ كتاب القياس ـ الذي ذكر فيه؛ تضليل المعتزله ورجوعه عن قبول شهادتهم)

ثم تبعه المصنفون في علم الأصول، قال احمد بن حنبل (لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي)

وقال الجويني في شرح الرسالة: لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف (الأصول) ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس (تخصيص عموم) وعن بعضهم (القول بالمفهوم) ومن بعدهم لم يقل في الاصول شئ ولم يكن لهم فيه قدم فانا رأينا كتاب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم فما رأيناهم صنفوا فيه (من نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس)

ويقول ابن خلدون في المقدمة: (وكان أول من كتب فيه أي في (علم أصول الفقه) الشافعي رضي الله عنه أملى فيه (رسالته المشهورة) تكلم فيها في: الأوامر والنواهي، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة، من القياس

ثم كتب (فقهاء الحنفية) فيه، وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضاً) ص 397

وفي كتب (طبقات الفقهاء) للقاضي شمس الدين العثماني الصفدي: وابتكر الشافعي ما لم يسبق إليه من ذلك (أصول الفقه) فانه أول من صنف (أصول الفقه) بلا خلاف

ومن ذلك: (كتاب القسامة ـ وكتاب الجزية ـ وكتاب قتال أهل البغي) من نسخة خطية بدار الكتب الأهلية بباريس

ويقول صاحب كتاب (كشف الظنون): وأول من صنف فيه (الإمام الشافعي) ذكره الأسنوي في التمهيد وحكى الإجماع فيه ص 334 والباحثون في هذا الشأن من الغربيين يرون في (الشافعي) واضعاً (لأصول الفقه) يقول (جولد زيهر) في مقالته في كلمة (فقه) في دائرة المعارف الإسلامية: (واظهر مزايا محمد بن إدريس الشافعي): انه وضع نظام الاستنباط الشرعي من أصول الفقه وحدد مجال كل أصل من هذه الأصول وقد ابتدع في (رسالته) نظاما للقياس العقلي الذي ينبغي الرجوع إليه في التشريع من غير إخلال بما للكتاب والسنة من الشان المقدم ريث الاستنباط من هذه الأصول ووضع القواعد لاستعمالها بعدماكان جزافاً).

على أنا نجد في كتاب الفهرست في ترجمة (محمد بن الحسن) ذكر كتاب له يسمى (كتاب أصول الفقه).

ويقول الموفق المكي في كتابه (مناقب الإمام الأعظم) نقلا عن طلحة بن محمد بن جعفر؛ إن ابا يوسف أول من وضع الكتب في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة ج 2 ص245 ونقل ذلك طاش كيري زاده في كتابه (مفتاح السعادة) ج 2 ص 102

ولم يرد كتاب في هذا العدد فيما أورده صاحب (الفهرست) لأبي يوسف من الكتب وإذا صح. إن لأبي يوسف أو لمحمد كتاباً (في أصول الفقه) فهو فيما يظهر كتاب لنصرة ما كان يأخذ به أبو حنيفة ويعيبه أهل الحديث من الاستحسان.

وقد يؤيد ذلك، إن صاحب (الفهرست) ذكر في أسماء كتب أبي يوسف. كتاب الجوامع ألفه ليحيى ابن خالد يحتوي على أربعين كتاب، ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به ولم يكن فيه طبيعة مذهب أهل الرأي الذين كان من همهم؛ إن يجمعوا المسائل ويستكثروا منها، النزوع إلى تقييد الاستنباط بقواعد لا تتركه متسعا رحبا على إن القول بان أبا يوسف هو أول من تكلم في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة لا يعارض القول بان الشافعي هو الذي وضع (أصول الفقه) علما ذا قواعد عامه يرجع إليها كل مستنبط لحكم شرعي وقد لا يكون بعيدا عن غرض (الشافعي) في وضع (أصول الفقه): إن يقرب الشقة بين أهل الرأي وأهل الحديث ويمهد للوحدة التي دعا إليها الإسلام.

 

 

الوسوم

( الشافعي المذاعب الأربع أصول الفقه غزة ، العباسي )
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
فتح القسطنطينية(1)

فتح القسطنطينية(1)

أيتاج أوزكان  تحرك السلطان محمد الفاتح من "أَدِ�...

فتح القسطنطينية(1)

فتح القسطنطينية(1)

أيتاج أوزكان  تحرك السلطان محمد الفاتح من "أَدِ�...

أمْرُ إجلاءِ بني النضير

أمْرُ إجلاءِ بني النضير

د.عثمان قدري مكانسي  خرج رسول الله صلى الله عليه وس...

جديد الأخبار المزيد
إطلاق أول منظمة إسلامية تعني بالأمن الغذائي

إطلاق أول منظمة إسلامية تعني بالأمن الغذائي

 أعلنت منظمة التعاون الإسلامي إطلاق أول منظمة إسلا�...

برلمان طبرق يمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني الليبية

برلمان طبرق يمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني الليبية

حازت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج على ثقة ب�...

 إسرائيل :عمليات الطعن انخفضت بفضل جهود عباس

"إسرائيل":عمليات الطعن انخفضت بفضل جهود عباس

 قال رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش "الإسرائي�...

  • أيام في سيلان والمالديف