موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (6)

Apr 18 2016 12:07:56

الكاتب : مدير الموقع

التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (6)
التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (6)

وليام جي. زيمان

الفصل التاسع

التداعيات

بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 1963 وجد حزب البعث نفسه خارج السلطة ،  فقد دخل الجناح المدني لحزب البعث في صراع مع الجناح العسكري (الذي كان صدام ينتمي اليه [!!!!]) منذ اليوم الأول للانقلاب.  وخلال حملة الاعتقالات والتطهيرات المتواصلة ضد اليساريين انقسم الجناح العسكري إلى كتلة أشد تطرفا تريد ملاحقة الشيوعيين بأساليب حتى أشد قسوة وآخرين يدعون إلى الاعتدال.  كان عارف زعيم الجناح المدني [؟؟؟؟؟] واستثمر الانشقاق لإقصاء البعثيين عن السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر.   وابتداء من هذا المنعطف جاهد الجناح العسكري لحزب البعث من أجل العودة إلى السلطة حتى نجاحه في عام 1968 بعد وفاة عارف الثاني في عام 1967 [توفي عبد الرحمن عارف في عام 2007].  وكتب عادل درويش وغريغوري الكسندر عن محاولة انقلابية قام بها البعثيون مرة أخرى عام 1964 ولكن هذا هو المصدر الوحيد الذي وجدته يذكر المحاولة (168).  وينفي أبو ريش وجود أي مؤامرة في عام 1964 (187).  لم يرد درويش والكسندر على استفساراتي وإلى أن تتوفر أدلة أخرى فإن تخطيط السي آي أي للقيام بانقلاب في عام 1964 لا يمكن أن يعتبر واقعة تاريخية. 

بعد إقصاء البعث عن السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر ركز صدام حسين على بناء "جهاز حنين" ، الذي كان بمثابة الاستخبارات والأمن البعثي.  وفي الفترة الممتدة من 1964 حتى الانقلاب البعثي في تموز/يوليو 1968 كان البعثيون يشغلون أنفسهم باغتيال الشيوعيين والطلاب والنقابيين.  وكانوا يستخدمون العنف ضد كل مَنْ تشكل أفكاره أو نشاطاته تهديدا للبعث ، بمن فيهم بعض البعثيين.  و"زعم أعضاء سابقون في حزب البعث أن الوكالة (السي آي أي) كانت تزود جهاز حنين بأسماء ناشطين يساريين كان صدام يقوم منهجيا بتصفيتهم بعد ذلك" (188). 

بحسب أبو ريش  كتب صدام في عام 1966 رسالة إلى القنصلية الأميركية في البصرة يطلب مساعدتها في إطاحة نظام الحكم (189).  وهذا أيضا ما لا أستطيع التحقق منه من أي مصدر آخر أو مقابلة.  ويقدم أبو ريش ودرويش والكسندر تفاصيل كثيرة عن ضلوع الولايات المتحدة والسي آي أي في انقلاب 1968 الثاني (190).  فبعد الحرب العربية الإسرائيلية في حزيران/يونيو 1967 عمَّت الشارع العراقي مشاعر العداء لأميركا بسبب دعمها الإسرائيليين.  وكان من شأن هذا أن يجعل أي شكل من أشكال التعاون الأميركي ـ البعثي أمرا صعبا ، ولكن بحسب أبو ريش ودرويش فإن القسم الأعظم مما قُدم من معونة أميركية للبعثيين كان قبل الحرب.

استولى البعث على السلطة مرة أخرى وأخيرة في تموز/يوليو 1968.  وأشار العديد من الكتاب الآخرين إلى ضلوع الولايات المتحدة في هذا الانقلاب أيضا.  وكتب النايف في مذكراته.... "بالنسبة لانقلاب 1968 يجب أن تنظروا إلى واشنطن" (191).  وكتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية المعروفة "أن التغيير الذي حدث في العراق لم يكن لأسباب داخلية بحتة" (192).  وينقل حنا بطاطو عن الرئيس عبد الرحمن عارف تطرقه إلى تدخل "أيدٍ غير عراقية" (193).  والمطلوب إجراء مزيد من البحث للتوثق من ضلوع الولايات المتحدة أو السي آي أي في انقلاب 1968 ، لا سيما من الإرشيفات الأميركية. 

اعترى التوتر علاقات الولايات المتحدة مع العراق بعد عام 1968.  وكانت الصدمة النفطية عام 1973 أحدثت تحولا جذريا في السياسة الأميركية.  فحتى ذلك الوقت كانت "الشقيقات السبع" الشهيرات تتكفل ببقاء إمدادات النفط العالمي بأيدي صديقة للغرب وبأسعار منخفضة على نحو مفتعل باستمرار.  وبعد عام 1973 اعتمدت الولايات المتحدة فرضية لا مجال لوضعها موضع تساؤل:  أن نفط الشرق الأوسط يجب أن يبقى بأيدي موالية للغرب.  وعلى امتداد عام 1974  حاولت الولايات المتحدة أن تقنع حلفاءها الاوروبيين واليابان بتشكيل كارتيل يواجه منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) بجبهة موحدة ويهدد بالعقوبات الاقتصادية أو الغزو العسكري لفرض الامتثال (194).

لم تتمكن الولايات المتحدة من المضي بمفردها هذه المرة بسبب "عقدة فيتنام" ، أي أن الشعب الأميركي لن يتحمل حربا خارجية أخرى في بلد غريب لا يفقهونه ؛  لذا رسم المخططون الأميركيون سياسة سموها سياسة "الركيزتين التوأمين".  وتتمثل هذه السياسة في أن تبسط الولايات المتحدة هيمنتها من خلال وكلاء ، هم حليفا الولايات المتحدة القويان العربية السعودية وإيران.  وعملت أميركا على تسريع بناء جيوش وكلائها بوتيرة عالية بأمل أن تستطيع ممارسة سطوتها من خلال هؤلاء الأتباع.  وعندما قامت الثورة الإيرانية شديدة العداء لأميركا في عام 1979 فقدت الولايات المتحدة إحدى ركيزتيها.  وبادرت على الفور إلى تشكيل "قوة الانتشار السريع" التي كان الغرض منها أن تتمكن من إنزال قوات في الشرق الأوسط بسرعة في حال إقدام حكومات غير ودية تجاه الغرب على تهديد إمدادات النفط. 

وبدأت أميركا تبني قواعد عسكرية بلا هوادة في المحيط الهندي وشرق أفريقيا ومنطقة الخليج.   وأصبحت قوة الانتشار السريع ما يسمى اليوم "قيادة المنطقة الوسطى".  وبما أن الغرض من تشكيلها هو وضع قوات أميركية في المنطقة التي يوجد فيها أكثر نفط العالم فلم تكن المسألة إلا مسألة وقت قبل أن تتمركز هذه القوات هناك (195). 

بسبب المشاكل التي أخذت تلوح في الأفق نتيجة الوضع في إيران ابتداء من عام 1975 شرعت الولايات المتحدة في دعم العراق مرة أخرى بمساعدات أمنية وعسكرية.  واتسع حجم المعونة العسكرية وامداد العراق بمعدات استراتيجية حتى نهاية الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت من 1980 إلى 1989 [انتهت عام 1988].  وكانت الولايات المتحدة تدعم الجانبين في هذه الحرب معبرة بوضوح عن سياسة (وإن لم تكن مطروحة علنا) هدفها إطالة أمد الحرب على أمل الحاق أكبر قدر ممكن من الاضرار بالجانبين ؛ لأن كلا النظامين كانا يهددان الهيمنة الأميركية في المنطقة.  وقدمت الولايات المتحدة دعما أكبر للعراق ، وكانت إيران ستنتصر في هذه الحرب لولا المساعدات الكبيرة التي قدمتها الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى إلى العراق. 

بعد أن وضعت الحرب أوزارها اختصم العراق المفلس واليائس مع الكويت ،  وكانت الكويت تاريخيا جزءا مما أصبح لاحقا العراق إلى أن اقتطعها البريطانيون في تسعينات القرن التاسع عشر لإضعاف الإمبراطورية العثمانية وكسب قاعدة غنية بالنفط على طريق الهند ، وخلال الحرب الإيرانية العراقية كانت الكويت تقوم بأعمال الحفر الأفقي في الجزء العراقي من حقل الرميلة النفطي متسببة في فيض الإنتاج وهبوط الاسعار ، وحرمت العراق من منفذ بحري.  وبعد الحرب اتخذ ممثلو الكويت موقفا متعنتا في المفاوضات مع العراق بوساطة الجامعة العربية.  في هذه الأثناء كانت قيادة قوات المنطقة الوسطى تنفذ عمليات عسكرية للتدريب على غزو الكويت غزوا برمائيا.  وبسبب العجز عن إيجاد حل لأزمة العراق بعد الحرب عن طريق المفاوضات مع الكويت قام صدام حسين بغزوها.  وأتاح غزو الكويت عام 1990 فرصة للولايات المتحدة كي تحقق ما كانت تطمح به منذ عام 1973: وجود قوات في الشرق الأوسط.  وصار للولايات المتحدة قوات كبيرة هناك منذ عملية "عاصفة الصحراء" عام 1991.

باحتلال العراق عام 2003 والقبض على صدام اكتملت الدورة وعادت القصة إلى نقطة البداية.  فقد تسلم حزب صدام حسين مقاليد الحكم بمساعدة أميركا وفقدها بقوة اميركا بعد ثلاثين عاما [خمسة وثلاثين عاما].  ويعكس إسقاط صدام حسين عام 2003 ما حدث بعد إطاحة عبد الكريم قاسم بمساعدة أميركية في عام 1963.  فمنذ اليوم الذي فقد البريطانيون سيطرتهم على العراق حرص صانعو السياسة الأميركية دوما على تحقيق النفوذ والسيطرة في بلاد الرافدين. 

من الحقائق التاريخية المرَّة أن الولايات المتحدة حاولت شل عبد الكريم قاسم عام 1960 وساعدت على أقل تقدير في تمويل اطاحته على يد البعث عام 1963.  ويبدو من المرجح أنها تدخلت في فترات أخرى خلال عهد قاسم الذي دام خمس سنوات ، وقدمت أكثر من مساعدة مالية للانقلاب ، مثل تزويد معلومات استخباراتية من الكويت واعطاء تأكيدات بدعم الانقلابيين بعد نجاحهم.  ولعل الولايات المتحدة التزمت بتقديم هذا الدعم بعد الانقلاب من خلال تقديم قائمة بالشيوعيين المطلوب تصفيتهم وإقامة جسر جوي ، ولكن ما زال يتعين التحقق من ذلك بوثائق رسمية. 

إحدى العبر المهمة التي ينبغي تعلمها من دراسة سنوات أميركا الأولى في التعامل مع العراق أن سياسة الولايات المتحدة وقتذاك (معاداة الشيوعية) قادت أميركا إلى دعم زعماء لا يستحقون الدعم ,  لعل قاسم ومَنْ جاءوا بعده كانوا أفضل للعراق والمنطقة بأكملها ولمصالح الولايات المتحدة من حزب البعث ،  والآن إذ تتحدث التقارير عن فرق الموت الشيعية وغرف التعذيب (196) وتتجمع نذر حرب أهلية جائزة في العراق ،  يبدو وكأن سياسة مكافحة الإرهاب أعادت الولايات المتحدة إلى دعم زعماء غاشمين من جديد.  وكما في زمن البعث ، أصبح العراق بعد غزو 2003 مشكلة كبيرة للولايات المتحدة.  لذا تدعم هذه الدراسة انتهاج سياسة أميركية في المستقبل تقوم على عدم التدخل في العراق.

الوسوم

( العراق ، البعث ، صدام حسين ، الحرب العراقية الإيرانية إيران الكويت ، أمد الحرب الانقلابات )
جديد المقالات المزيد
حرب عام 1948 وآثارها على مدينة القدس

حرب عام 1948 وآثارها على مدينة القدس

د. أكرم محمد عدوان* بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة: ...

التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (6)

التدخلات السرية الأميركية في العراق خلال الفترة 1958- 1963م (6)

وليام جي. زيمان الفصل التاسع التداعيات بحلول تشرين...

المصالحة الفلسطينية بين سندان الرفض ومطرقة المصالح

المصالحة الفلسطينية بين سندان الرفض ومطرقة المصالح

نعمان فيصل تعتبر سنوات الانقسام الفلسطيني بين حركتي ...

جديد الأخبار المزيد
المعارضة الجزائرية تطالب باستخلاف بوتفليقة

المعارضة الجزائرية تطالب باستخلاف بوتفليقة

  دعا عبد الله جاب الله، زعيم "جبهة العدالة...

معطيات: 15% من يهود الاتحاد السوفييتي غادروا الأراضي الفلسطينية

معطيات: 15% من يهود الاتحاد السوفييتي غادروا الأراضي الفلسطينية

قالت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، إ...

الطيران السوري يقتل العشرات من عناصر حزب الله خطأ بقصف كيميائي

الطيران السوري يقتل العشرات من عناصر حزب الله خطأ بقصف كيميائي

 كشفت تقارير إعلامية عن تسبب النظام السوري في ق�...

  • أيام في سيلان والمالديف