موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

حرب عام 1948 وآثارها على مدينة القدس

Apr 19 2016 11:29:36

الكاتب : مدير الموقع

حرب عام 1948 وآثارها على مدينة القدس
حرب عام 1948 وآثارها على مدينة القدس

د. أكرم محمد عدوان*

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

في الحقيقة أن ما دفعني لكتابة هذا الموضوع الهام، هو مرور ما يقرب من ستين عاماً على ما يسمى بالنكبة في التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية، تلك النكبة التي وقعت عام 1948، والتي لعبت دوراً خطيراً في التأسيس للواقع الذي يعيشه الشعب والقضية الفلسطينية اليوم.

من هنا تأتي أهمية هذا الموضوع، فهو يركز بالدرجة الأولى على أهم النتائج التي ترتبت على حرب عام 1948م، خاصة على مدينة القدس الشريف، فالكل مجمع أن حرب عام 1948م، كان لها نتائج وخيمة وصعبة ليس فقط على مدينة القدس، بل على مجمل القضية الفلسطينية والعربية أيضاً، تلك النتائج التي لا زلنا نعايشها حتى هذه اللحظة من ضياع القدس ومشكلة اللاجئين وضياع كل أرض فلسطين.

فمدينة القدس ليست ككل المدن الفلسطينية أو العربية أو الإسلامية، فهي مدينة لها مكانة خاصة في قلب كل  فلسطيني وعربي ومسلم ولها مكانة دينية وسياسية وثقافية، لهذا كان تعرضها للغزو الصهيوني في تاريخها الحديث، أثر واضح في نفوس الجميع، وكان للضربة التي تلقتها عام 1948م، والمتمثلة في تقسيمها أكبر الأثر في تاريخها المعاصر.

وتهدف الدراسة هنا إلى إلقاء الضوء على أهم الممارسات والسياسات التي قامت بتطبيقها كلا من إسرائيل والأردن بعد سيطرتهما على مدينة القدس عام 1948، خاصة فيما يتعلق بها بالجانب الصهيوني، الذي عمد على استخدام سياسة مفادها، تهويد الجزء الغربي من المدينة وفي كل المجالات والعمل على إخراجها نهائياً من محيطها وطابعها العربي والإسلامي، وهو الهدف الاستراتيجي للحركة الصهيونية منذ نشأتها.

فمنذ اليوم الأول للسيطرة الإسرائيلية على مدينة القدس العربية، عمدت على تنفيذ سياسة مبرمجة  لفرض سياسة أمر واقع على مدينة القدس، سياسة الهدف منها خلق أوضاع جديدة على هذه المدينة، بحيث تصبح في النهاية جزء لا يتجزأ من مخططها الصهيوني,بمعنى أن تصبح  المدينة العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني، لهذا بدأت بتنفيذ تلك السياسة على أرض الواقع، ضاربة بذلك كل القرارات الدولية عرض الحائط، وقد وقفت هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها وأعضائها من الدول،عاجزة عن وقف تنفيذ تلك السياسة، والحقيقة أن إسرائيل نجحت في فرض أمر واقع على المدينة المقسمة، وذلك من خلال دخولها في اتفاقية مع المملكة الأردنية الهاشمية عام 1949 (اتفاقية الهدنة)، رسخت من خلالها الواقع الجديد للمدينة والمتمثل في تقسيمها إلى قسمين، يخضع الأول لسيطرتها المباشرة، ويخضع القسم الآخر للملكة الأردنية الهاشمية، مع جعل الأردن يرفض أية حلول دولية أو أية مقترحات لإعادة المدينة إلى سابق عهدها، مما مثل نصراً جديداً للسياسة الصهيونية على مدينة القدس.

تم تحديد الدراسة بعام 1948م مباشرة وهو العام الذي وقعت فيه النكبة، وتم تقسيم مدينة القدس، مع التطرق على بعض السنوات اللاحقة لهذا التاريخ، خاصة السنوات التي مارست إسرائيل والأردن، سياستها على قسمي المدينة (مرحلة الخمسينيات).

استخدم الباحث المنهج التاريخي، بالاعتماد على أهم الوثائق والمراجع التي كتبت حول الموضوع، محاولاً تحليل بعض النقاط خلال تناوله لموضوعات البحث.

قبل الحديث عن أثار حرب عام 1948 على مدينة القدس، سنتحدث عن ماهية حرب عام 1948م والأسباب التي أدت إلى وقوعها.

قبل وقوع الحرب بسنة واحدة فقط، كانت فلسطين خاضعة للسيطرة البريطانية وذلك منذ عام 1917، وظل الوضع كذلك حتى عام 1948، عندما قررت بريطانيا التخلي عن فلسطين وإنهاء انتدابها، ورفع القضية إلى هيئة الأمم المتحدة.

عمدت بريطانيا ومنذ اليوم الأول لاحتلالها فلسطين عام 1917، على تنفيذ وعد بلفور والذي قطعته على نفسها للحركة الصهيونية، والذي نص على إقامة دولة يهودية صهيونية على أرض فلسطين، وهو الوعد الذي صدر حتى قبل أن تسيطر بريطانيا على فلسطين، فالوعد صدر في 2/11/1917، والسيطرة البريطانية على فلسطين كانت في ديسمبر عام 1917م.

فالسياسة البريطانية، اتخذت مساراً رئيساً لها ألا وهو، العمل على تمكين اليهود والحركة الصهيونية من فلسطين، باستخدام كل الأساليب السياسية منها والاقتصادية.

وهذا ما حدث بالفعل فما أن جاء عام 1948، حتى أصبحت معظم فلسطين تحت سيطرة عصابات الصهاينة، فبعد أن كان اليهود لا يقدرون بـ 4% من سكان فلسطين، أصبحوا عام 1948 ما يقرب من 40% ويملكون مساحات واسعة جداً من أرض فلسطين.

رفعت القضية لهيئة الأمم المتحدة، وبدأت المناقشات بخصوصها داخل الجمعية العامة، وذلك لإيجاد حل مناسب للقضية، وبعد مناقشات ولجان منبثقة عن الجمعية صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على تقسم فلسطين إلى دولتين واحدة  عربية والأخرى يهودية وذلك في 29/11/1948، على أن تبقى منطقة القدس تحت الإدارة الدولية التابعة للأمم المتحدة. (1)

اختلفت المواقف تجاه هذا القرار فالشعب الفلسطيني وممثليه رفضوا هذا القرار رفضاً قطعياً، واعتبروه مجحفاً لحقوقهم الشرعية والقانونية في فلسطين (2) أما اليهود فقد وافقوا على هذا القرار واعتبروه بمثابة نصر لجهودهم السابقة، التي تقوم على انتزاع اعتراف دولي بدولتهم المزمع إنشاءها على أرض فلسطين إلا أنهم وبالرغم من قبولهم القرار، تحفظوا على إخراج القدس من تحت السيطرة اليهودية وأعلنوا أنه كان يجب أن تشمل دولتهم مدينة القدس. (3)

(أما موقف الجامعة العربية، فقد جاء داعماً ومؤيداً للموقف العربي الفلسطيني) لهذا وبمجرد صدور القرار، عقد في 17 ديسمبر 1948، إجتماعاً برئاسة رؤساء حكومات الدول العربية في القاهرة، واتخذ قرار، نص صراحة على العمل على إحباط مشروع التقسيم وتدويل مدينة القدس والحيلولة دون قيام دولة يهودية على أرض فلسطين (4)، وكان من نتائج الاجتماع أن وضعت الدول العربية العديد من القرارات السياسية والعسكرية للحيلولة دون تنفيذ القرار على أرض الواقع، وطالبوا بإحالة القضية الفلسطينية وتوصيه الأمم المتحدة، بتقسيم فلسطين إلى محكمة العدل الدولية.(5)

إلا أن هذا المطلب رفض عند عرضه على هيئة الأمم المتحدة عند التصويت عليه (6).

على أثر هذه التطورات وأمام الفشل السياسي العربي، في إلغاء القرار، كان لا بد من أن تتخذ الأمور شكلاً جديداً، وهو العمل العسكري.

فقام رئيس اللجنة العسكرية بتقديم تقرير كامل للجنة السياسية العربية، يوضح فيه ما تتمتع به القوة الصهيونية داخل فلسطين فذكر أنها لا تقل عن 60 ألف مقاتل، وأنه من الممكن أن تحصل هذه القوات على دعم لوجستي وعسكري من وراء البحار، وأن لدى اليهود ما يكفي من السلاح الخفيف، وكذلك إمكانيات لاستيراد الأسلحة الثقيلة والطائرات ، وأنه ليس للعرب في فلسطين من القوات المسلحة ما يكفي لدرء خطر اليهود.

وبعد  أن عرض رئيس اللجنة العسكرية الموقف العسكري للطرفين، اقترح أن يتم حشد الجيوش العربية على مقربة من الحدود مع فلسطين، على أن يكون لهذه الجيوش قيادة واحدة، إلا أن اللجنة السياسية العربية لم تهتم كثيراً بتقرير رئيس اللجنة العسكرية ولم تقم بتنفيذ بنداً واحد منه. (7)

عقد رؤساء أركان الجيوش العربية النظامية في 30/4/1948 اجتماعاً في عمان، وقرروا من خلاله أن الغلبة والتقدم على القوات اليهودية يتطلب ما لا يقل عن ست فرق كاملة التنظيم والسلاح، وستة أسراب من الطائرات المقاتلة وأن تكون جميع القوات العربية التي ستخوض المعركة خاضعة لقيادة موحدة، تسيطر على جميع القوات وتحركها وفق خطة معينة. (8)

رفضت اللجنة السياسية، التي انعقدت في عمان أيضاً، هذه الأفكار، ورأت أن تشرع الجيوش العربية، بما لديها من قوات، مهما كان حجمها وتسليحها، بالعمل في فلسطين وبالفعل عقد رؤساء الأركان اجتماعات عدة، وضعوا خلالها خطة التحرك الموحدة، والتي تعرضت فيما بعد لعدة تغيرات جذرية، فرضتها القيادة العامة.

اجتمع ممثلو الدول العربية في دمشق في 11/5/1948م، وقرروا إنشاء قيادة عامة لجميع القوات النظامية وغير النظامية العاملة في فلسطين، تولاها الملك عبد الله، وسمي اللواء نور الدين محمود (العراق) نائباً له، (9) وبدء التحرك لدخول فلسطين.

دخلت الجيوش العربية فلسطين في الساعات الأولى من يوم 15/5/1948، لتبدأ الحرب الفعلية على أرض الواقع.

لن نتطرق هنا للعمليات العسكرية داخل فلسطين كلها، ولكن سنقصر الحديث فقط عن العلميات العسكرية داخل مدينة القدس وما حولها.

في 15/12/1948، نسفت القوات الفدائية أنابيب مياه رأس العين، بالقرب من اللد، بعد 63 كم من القدس وكان النسف بالقرب من اللطرون، وفي 25/12/ هاجم اليهود قرية بيت صفافا العربية، الواقعة جنوب القدس، وذلك ليمنعوا اتصال القدس بالخليل وليضمنوا الاتصال مع مستعمرة رامات راحيل، وميكور حاييم، وفي 15/1/1948م نسفت الهاجاناه فندق "سمير اميس" في حي القطمون، بالقدس الجديدة، فسقط على من بداخله، وقتل 18 عربياً وجرح 20، وعلى أثر ذلك شعر أهالي الحي العربي بالذعر، وأخذوا يرحلون، الأمر الذي أساء كثيراً إلى معنويات المقاومين، الذين كانوا يسيطرون على تلال المدينة، وفي 2/2/1948 اشتد الاشتباك بين حي الشيخ جراح العربي ومباشورم اليهودي، إثر محاولة اليهود نسف عمارة الوقف الإسلامي من بوابة مند لبوم، ودام الاشتباك 24 ساعة، اشترك فيه أكثر من مائتي يهودي من الهاجاناه، ومثلهم من العرب، ولم يتوقف القتال إلا عندما تدخلت القوات البريطانية وفي هذا الوقت كان المقاومين يشددون الخناق على اليهود في البلدة القديمة، بحيث أصبح الوضع داخل مدينة القدس على درجة كبيرة من الخطورة، لأن اليهود حشدوا الكثير من قواتهم فيها، للاستيلاء عليها، ولفك الحصار عن الأحياء اليهود المحاصرة، وذلك قبل أن تدخل الجيوش العربية، وقبل أن يشترك الجيش الأردني في الدفاع عنها وقد صمدت القدس رغم تدفق الأسلحة على اليهود وبالرغم من تمكن القوافل اليهودية من الاتصال بين تل أبيب والقدس (10)

وكان قد أسند للجيش الأردني جهة الدفاع عن مناطق نابلس والقدس والخليل وتحركت القوات الأردنية إلى المناطق المخصصة لها يوم 15 أيار/ مايو/ 1948، وكان المناضلون قد حاصروا يوم 15/5/1948م الحي اليهودي في القدس القديمة ثم تتابع وصول القوات الأردنية التي احتلت شارع المصراره (خارج السور) وتمركزت في حي الشيخ جراح، وحاصرت الحي اليهودي حتى استسلم في 28/5، وفي 28/5 هاجم اليهود حي الشيخ جراح إلا أنهم فشلوا في استرجاعه، وهنا ركز اليهود جهودهم على فتح طريق القدس ـ تل أبيب، والعمل على فك الحصار عن الأحياء اليهودية في القدس الجديدة، فقد سعوا إلى فتح الطريق بين باب الواد ودير محيسن (المعروف بطريق بورما) إلا أنه فشل في هجومه المتكرر على القدس وحي الشيخ جراح لفك الحصار عن جبل المكبر، (11) واستسلم المقاتلون الثلاثمائة من اليهود، ووقعوا أسرى في أيدي الجيش الأردني، وبذا أغلقت القدس القديمة في وجه اليهود، لمدة 19 عاماً متصلة وكان الحصار الذي ضرب على الطائفة اليهودية في مدينة القدس، وانقطاع وسائل الاتصال بها، هي  من أكبر المشاكل العسكرية التي واجهت اليهود، وقد أصبح من الجلي أن نظام الحراسة لم يكن فعالاً وأنه ينبغي إيجاد وسيلة أخرى لفك الحصار، هذا بالطبع كل ما كانت تفكر فيه القيادات الصهيونية في تلك المرحلة.

الحقيقة أن الحصار العربي، الذي كان مفروضاً على مدينة القدس، كان محكماً للغاية، فلم يتمكن اليهود من تقديم أية مساعدة لليهود في القدس، حتى الذين كانوا في النزع الأخير، فالطائرات اليهودية لم تنجح في إمداد القدس بأية مساعدات، خاصة بعد أن ضربت الطائرات المصرية مطار دير ياسين بالقنابل، وهو المطار الذي بناه اليهود فترة الحرب.(12)

في هذه الأثناء تدخلت هيئة الأمم المتحدة من جديد، واتخذت قراراها الخاص بإرسال مبعوث خاص عنها إلى المنطقة.ففي 28/مايو/1948، وصل إلى القاهرة (الكونت برنادوت) مبعوثاً للأم المتحدة للوساطة بين العرب واليهود، وفي 29/ مايو/ أصدرت الأمم المتحدة قراراها بإعلان الهدنة بين الطرفين لمدة أربعة أسابيع (13).

جاءت الهدنة، كطوق نجاه لليهود في فلسطين بشكل عام وفي مدينة القدس بشكل خاص، فابعتراف القادة الصهاينة أنفسهم، أن هذه الهدنة جاءت كقطرة ندى في يوم حار، فقد كانت معظم الوحدات اليهودية وفي كل الاتجاهات متعبة .

ويبدو أن القوى الدولية وعلى رأسها أمريكا وروسيا والقوى الأوربية في هيئة الأمم المتحدة لعبت دوراً رئيساً وخطيراً في وضع هذه الهدنة  لإعطاء الفرصة لليهود لالتقاط الأنفاس وللأستعداد لجولة أخرى من الحرب.

هذا ما حدث بالفعل، فقد وافقت الدول العربية على الهدنة، حيث استغل اليهود هذه الهدنة أفضل استغلال وذلك في إعادة ترتيب أوضاعهم العسكرية الميدانية، واستقبالهم للكثير من المساعدات اللوجستية الاقتصادية منها والعسكرية من العديد من الدول الأوربية وعلى رأسهما الولايات المتحدة الأمريكية، أما الطرف العربي، فقد ظل ينتظر تطور الأحداث السياسية، ولم يعمل على استغلال هذه الهدنة بشكل جيد الأمر الذي أنعكس على تطور الأحداث العسكرية وذلك من خلال الجولة الثانية من الحرب والتي بدأت بانتهاء الهدنة الأولى في 9/7/1948. ويمكن القول أن في الجولة الثانية من الحرب كان الجيش الأردني من أفضل الجيوش العربية استعداداً وموقفاً فقد كان لا يزال يحاصر مدينة القدس.(14)

تجدد القتال مرة أخرى، إلا أنه كان داخل المدينة أقل قوة من مناطق أخرى، بحكم حصار المدينة، واستسلام معظم القوات المقاتلة اليهودية فيها للجيش الأردني، بالرغم من ذلك كان هناك محاولات يهودية لاسترجاع المدينة، خاصة بعد أن تسربت معلومات أن هناك هدنة أخرى سيتم فرضها قريباً في الساعة 5:45 من يوم 17/6/1948م، لذلك قرر قائد اللواء اليهودي في القدس بأن يقوم، في الليلة الأخيرة قبل الهدنة، بعملية "كيرم" لاحتلال البلدة القديمة، مستفيداً من الواقع وهو أن قوات (الأرجون وشتيرن) لم تكن قد حُلتا داخل مدينة القدس كباقي مناطق فلسطين، بحكم أن منطقة القدس كانت تعتبر بمثابة منطقة حكم عسكري، وليست جزءاً  من أراضي الدولة،  إلا أن هذا الهجوم فشل أيضاً في السيطرة على مدينة القدس القديمة، وظل الجيش الأردني مسيطراً عليها، حتى وقوع الهدنة الثانية، والتي أجبرت عليها الجيوش العربية، بعد أن تلقت الهزائم المتكررة وخرجت من معظم المناطق التي سطرت عليها قبل الهدنة الثانية(15).

انتهت الحرب، التي كان من أهم نتائجها زيادة مساحة الأراضي التي سيطر عليها اليهود بمقدار الثلث حيث استولت القوات اليهودية، علاوة على ما كان مخصصاً لها في قرار التقسيم، على الجليل الغربي، وغربي مدينة القدس ويافا وعكا واللد والرملة، وهكذا أصبحت مساحة الأراضي الواقعة تحت السيطرة اليهودية 20.900كم مربع من مجموع مساحة فلسطين البالغة 26.323 كم مربع، وبتعبير آخر أصبح اليهود الذين بلغ نسبتهم في هذه المرحلة ما يقارب 40% من سكان فلسطين يملكون 80% من مساحتها في حين حشر العرب الذين بلغت نسبتهم 70% من سكان فلسطين في مساحة 20% من أرض فلسطين.(16)

كما قسمت مدينة القدس على النحو التالي:

1.        القدس المحتلة (القطاع اليهودي) القدس الغربية، ومساحته 4065 فداناً أي ما يعادل 84% من مساحة القدس وفيها الأحياء العربية التالية، (القطمون ـ الكولونية ـ الألمانية ـ البقعا التحتا ـ البقعة الفوقاـ حي سعيد).

2.        القدس العربية (القطاع العربي) القدس الشرقية ومساحته 555 فداناً، أي ما يعادل 11.5% من مساحة القدس،بما فيها الحي اليهودي.

3.      قطاع هيئة الأمم المتحدة والأراضي الحرام:  ومساحتها 214 فداناً، أي ما يعادل 4.9% من مساحة القدس، وتشمل مقر المندوب السامي البريطاني على جبل المكبر ومنطقة مستشفى هداسا والجامعة العبرية وقطعة أرض تفصل القطاعين الإسرائيلي والعربي من المدينة (المنطقة الحرام). (17)

وتوالت النتائج على المدينة بشقيها العربي واليهودي وفي كل المجالات، القانونية والتشريعية، والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أما على الجانب السياسي فقامت إسرائيل بالإجراءات التالية:

فبدلاً من أن تصغي إسرائيل، التي أعلنت عن قيامها كنتيجة مأساوية أخرى من نتائج حرب عام 1948 إلى توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتستعد لتطبيق نظام التدويل الذي عكف مجلس القضاة على وضعه بخصوص المدينة، حتى بدأت بفرض سياسة أمر واقع داخل المدينة باتخاذ الإجراءات السياسية التالية:

قامت إسرائيل بتشكيل محكمتها العليا في القدس 1948 وفي 17/فبراير من نفس العام أقسم "حاييم وايزمن" اليمين القانونية في القدس كأول رئيس لدولة إسرائيل ثم قامت بنقل عاصمتها إلى مدينة القدس الشرقية، وذلك يوم 14/نوفمبر/1949، حيث عقدت الكنيست الإسرائيلية أولى جلساتها يوم 13/ ديسمبر /1949، ثم أعقبت ذلك نقل معظم الوزارات، باستثناء وزارتي الدفاع والخارجية وذلك مع بداية عام 1951، إلا أنها عادت ونقلت وزارة الخارجية إلى مدينة القدس في يوليو 1953،(18) وفي هذه الأثناء تم في بداية مارس 1949، حل الحكم العسكري في المدينة والذي تشكل عشية وقف إطلاق النار، التزاما بأحكام القانون الدولي المتعلق بالمناطق الخاضعة للاحتلال مما شكل إشارة أخرى إلى نية إسرائيل الاحتفاظ الدائم بالجزء الذي احتلته من المدينة. (18)

أما على الصعيد التشريعي. كانت إسرائيل بعد إعلان نفسها دولة مستقلة وبسط نفوذها على المناطق التي احتلتها، بموجب مستند خاص عرف بوثيقة الاستقلال، قد استخدمت أكثر من أسلوب قانوني وتشريعي لهذا الغرض منها( قانون أنظمة السلطة والقضاء رقم 1 لسنة 5708 – 1948)(19)، الذي أعلنت بموجبة أن صلاحيات التشريع والقضاء والإدارة في المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، أو التي قد تحتلها فيما بعد، تناط بالحكومة الإسرائيلية المؤقتة، وأن القوانين التي كانت قائمة عشية الإعلان عن استقلال إسرائيل تبقي نافذة المفعول، وبالمدى الذي لم تلغ فيه تلك القوانين صراحة، أو لم يتعارض وجودها مع إقامة إسرائيل ونظامها، ومنها أيضاً أمر مناطق القضاء والصلاحيات 5708 – 1948، الذي أقرة مجلس الدولة المؤقت (البرلمان) في 16/سبتمبر/ 1948. (20)، بهدف فرض السلطة الإسرائيلية على المناطق التي أحتلها العرب، فقد جاء في المادة الأولى من هذا الأمر أن " كل قانون مطبق في دولة إسرائيل كلها يعتبر سارياً على كامل المنطقة التي تقع عليها دولة إٍسرائيل وعلى كل جزء من أرض إسرائيل يصدر وزير الدفاع بشأنها بلاغاً يعلن وجودها في أيدي جيش الدفاع الإسرائيلي" وكان الهدف من هذا القانون، إلغاء صفة الاحتلال عن هذه المناطق وضمها إلى دول إسرائيل وتطبيق القوانين الإسرائيلية عليه.(21)

بهذه السياسة بدأت إسرائيل تفرض أمر واقع على المدينة، بالرغم من موافقة الطرف العربي على اقتراح هيئة الأمم المتحدة بتطبيق نظام التدويل على المدينة على الأقل في هذه المرحلة، أما إسرائيل فقد رفضت هذا الاقتراح، واقترحت أن يطبق فقط على الجانب الذي يسيطر عليه الأردن أي القدس الشرقية، وهو الطرف الذي لا يستطيع اليهود الوصول إليه مع العلم أن الأردن وعند توقيعها معاهدة الهدنة مع إسرائيل عام 1949، اعترفت بالأمر  الذي نتجت عنه الحرب بالنسبة للقدس، وأصرت على وضعها كذلك، ورفضت قبول العرض الأممي بتدويلها(22).

وبالطبع كان الاقتراح اليهودي بتدويل فقط الطرف العربي من المدينة، فيه من المكر و الدهاء الكثير بأن سيكون لهم موضع قدم في القدس الشرقية وبقرار دولي.

في الحقيقة أن الإجراءات الإسرائيلية ضد مدينة القدس هي التي فرضت نفسها على مجمل مستقبل مدينة القدس سواء في الشطر الشرقي من المدينة أو الغربي منه، صحيح أن إسرائيل لم تكن لها سيطرة سياسية على مدينة القدس الشرقية،  إلا أن إجراءاتها على مدينة القدس الغربية انعكست بشكل ما على أوضاع  القدس الشرقية خاصة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.

بدأت نتائج حرب عام 1948 تظهر على مدينة القدس بقسميها منذ اليوم الأول لانتهاء الحرب، وذلك بتقسيمها إلى قسمين مختلفين من جميع النواحي وفي اعتقادي أن إسرائيل حاولت تطبيق سياسة مفادها تهويد مدينة القدس الغربي على أن يشمل هذا التهويد كل معالم المدينة السياسية والحضارية والتاريخية، ووضعت أمامها سياسة أن تهويد القسم الغربي سيتبعه في المستقبل القريب تهويد القسم الشرقي، وأن سياسة إسرائيل قائمة على أساس توحيد هذه المدينة في المستقبل القريب.

وقد ظهر هذا التوجه من خلال كلمة بن غوريون أمام الكنيست الإسرائيلي في 24/6/1948م والتي قال فيها:" إننا نفهم حاجة رفاقنا من القدس للبوح بما في صدورهم، ولكنه ليس صحيحاً أن القدس قد غيبت، إن رفاقنا من القدس وإذا حكمنا على أقوالهم لا يقدرون أن مسألة القدس في إحساسها ليست مسألة ترتيبات أمنية، ولا حتى مسألة سياسية بل هي في المقام الأول مسألة قدرة عسكرية، هل ستكون لدينا القدرة العسكرية من أجل احتلال المدينة، احتلال جزء واسع بما فيه الكفاية من تل أبيب إلى القدس بحيث لا يشكل ممراً فحسب، بل قطاعاً  استيطانياً كافياً يربط القدس ببقية أراضي الدولة اليهودية، وأخيراً تدمير الجيش الأردني في المثلث، وبدون هذه المراحل الثلاث لا يمكن القول بثقة أن القدس قد حررت هذه الأمور يجب أن لا تتم داخل القدس، بل خارجها بشكل أساس، لكننا لا نستطيع حل كل مشاكل القدس بالقوة العسكرية وحدها، إن المرحلة الأولى هي احتلال القدس وستعقبها بعد ذلك عدة مراحل تتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية للقدس".(23)

استناداً إلى هذه الإستراتيجية الواضحة قامت إسرائيل في السنوات اللاحقة للحرب، بتطبيق سياسة مفادها السيطرة سيطرة كاملة على شطري المدينة ولكن بالتدريج.

وقد سبق الإشارة إلى بعض الإجراءات الإسرائيلية من عقد الكنيست الإسرائيلي في القدس، ونقل بعض الدوائر والوزارات للمدينة، إلا أنه وبمجرد أن وضعت إسرائيل يدها على القدس بدأت مرحلة من التهويد المبرمج لها، فقد شهدت مرحلة الخمسينيات سياسة حاسمة لجعل القدس الغربية عاصمة حقيقية لدولتهم رغم عدم اعتراف المجتمع الدولي بذلك، فقد كانت الأمم المتحدة وما زالت ترى أن مدينة القدس بشطريها مدينة واحدة يجب أن تكون كياناً منفصلاً، وفي عام 1952م أصبح "إسحق زفاي" ثاني رئيس لدولة إسرائيل وقام بنقل مقره من تل أبيب إلى القدس مما أجبر سفراء الدول الأجنبية للقيام بتقديم أوراق اعتمادهم للرئيس في مدينة القدس مما مثل اعترافا ضمنياً بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ومثل قيام كلاً من سفيري الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في عام 1954 بتقديم أوراق اعتمادهما في القدس قمة الاعتراف الغربي الغير مباشر بأن القدس هي عاصمة دولة إسرائيل، بالرغم من إعلان كلا الدولتين أنهما متمسكتان بقرارات الأمم المتحدة بشأن القدس، وبعد ذلك قام وزير الخارجية موشيه شاريت بنقل مكتبه، إلى القدس الغربية، وتدريجياً أعتاد الدبلوماسيون  الأجانب زيارته هناك، وما إن جاء عام 1967 إلا وكانت حوالي 40% من المؤسسات الدبلوماسية الغربية في إسرائيل قد انتقلت من تل أبيب إلى القدس الغربية.(24)

هيئة الأمم المتحدة وموقفها من هذه الإجراءات:

لقد كان الاستيلاء الإسرائيلي على الجزء المخصص للتقسيم القانوني، خرقاً واضحاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29/نوفمبر /1947 والتوصيات والقرارات الملحقة به والتي أكدت على عزم المنظمة الدولية العمل على تدويل منطقة القدس، ولم يسعى قرار قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة خلال مايو/1949، على إعفاء إسرائيل من التعهد بتنفيذ هذه القرارات من ناحية، وكذلك فإنه لم يتضمن اعتراف المنظمة الدولية بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، فقد تعهدت إسرائيل بتنفيذ هذه القرارات، عندما تقدمت بطلب العضوية إلى الأمم المتحدة، ثم أكدت الجمعية العامة في شهر ديسمبر عزمها على تدويل القدس (25)، إلا أن إسرائيل قابلت ذلك بالإسراع في الإعلان  في الكنيست بأن القدس كانت وسوف تظل العاصمة التاريخية والأبدية لإسرائيل، إلا أن هيئة الأمم المتحدة لم تعترف بهذا الإعلان وبهذا تكون معظم التغيرات الطبيعية والسياسية والسكانية في مدينة القدس التي احتلتها إسرائيل عام 1948 باطلة وغير شرعية من وجهة نظر القانون الدولي، وذلك نظراً لطبيعتها الاحتلالية. (26)

خلال تطورات الحرب، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً حمل رقم 186، بتعيين مبعوث خاص لها، ووقع اختيارها على الكونت "فولك برنادوت" وذلك لإيجاد تسوية سلمية للوضع في فلسطين. (27)

وفعلاً بدأ المبعوث الأممي مهمته في فلسطين، وبعد دراسة الوضع، قام بوضع تصور خاص لإنهاء حالة الصراع، وكان من أهم ما جاء في هذا التصور بخصوص مدينة القدس "أن تبقى منطقة القدس ضمن القسم العربي مع توفير حكم ذاتي بلدي للجالية اليهودية فيها مع ضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة". (28).

رفض اليهود مقترحات برنادوت بشأن منطقة القدس، وقد رفضت نفس المقترحات من هيئة الأمم المتحدة، نظراً لأنها تبتعد كثيراً عما جاء في قرار التقسيم، وكما نعلم فقد أدت هذه المقترحات إلى قيام العصابات الصهيونية باغتياله، بالرغم من تراجع برنادوت عن هذه المقترحات فيما بعد.

أمام هذا الواقع أعادت هيئة الأمم المتحدة المناقشات بخصوص القضية الفلسطينية، وأفضت مناقشاتها في باريس إلى صدور قرار جديد حمل رقم 194، والذي تم إقراره وتبنته في 11/ديسمبر /1948، وكان من أهم ما جاء في هذا القرار، "إنشاء لجنة توفيق دولية مكونة من ثلاث دول أعضاء في الأمم المتحدة توكل لها المهمات التالية.

أولاً:  تنفيذ المهمات والتوجيهات التي جاءت في قرار رقم 194.

ثانياً: القيام بنفس المهام التي كان يقوم بها الوسيط الدولي. (29)

أنشأت لجنة التوفيق الدولية منذ أن شكلت, لجنة خاصة بمدينة القدس والأماكن المقدسة واعتبرت هذه اللجنة قبول إسرائيل والعديد من الدول العربية، مطلباً أو شرطاً أساسياً لصياغة أي عرض لتدويل المدينة المقدسة، لهذا أعلنت إسرائيل، أنها غير قادرة على قبول إنشاء نظام حكم دولي لمدينة القدس بأكملها، ولكنها مستعدة أن تقبل وبلا تحفظ أي نظام دولي على الأماكن المقدسة للمدينة، (30) مع العلم من أن معظم هذا الجزء والذي يشمل هذه الأماكن كان تحت السيطرة الأردنية في هذه المرحلة.

وقد توافق هذا الموقف مع موقف الأردن من نفس المقترح، والتي رفضت أي مشروع لتدويل هذه المنطقة.

أما عن مقترحات لجنة توفيق بخصوص القدس فجاءت على النحو التالي:

تقسيم المدينة إلى منطقتين، يطلق على الأولى ـ المنطقة العربية، وعلى الأخرى المنطقة اليهودية (31) وبالطبع كان هذا الأمر مخالفاً لما جاء في قرار التقسيم رقم 181، والذي نص على أن تكون القدس وحدة واحدة، وتدخل كلها تحت نطاق الإدارة الدولية ولا مجال لتقسيمها.

كما نص مقترح اللجنة، على الحفاظ على حياد منطقة القدس ونزع سلاحها، ويشكل مجلس عام لمنطقة القدس يؤلف من أربعة عشر عضواً، يستمر عمله ثلاث سنوات، على أن يرأس هذا المجلس مندوب عن هيئة الأمم المتحدة أو وكيله، فمهمة هذا المجلس الحفاظ على مصالح سكان المدينة، ووضع الأنظمة والتشريعات الخاصة بمنطقة القدس وإدارة الخدمات الرئيسية المشتركة فيها، ووضع المشاريع والإشراف على تنفيذها، ووضع القوانين المتعلقة بحماية الأماكن المقدسة وتوزيع الأموال التي تتطلب إنفاقها على المصالح العامة في كلا المنطقتين. (32)

رفض الجانبين العربي واليهودي هذه المقترحات وكذلك رفضتها هيئة الأمم المتحدة، لأنها تبتعد كثيراً عن قراراها السابق بخصوص القدس، خاصة كلاً من إسرائيل والأردن، اللتان بدأتا في هذه المرحلة ترسخان أمراً واقعاً في المدينة.

فقد تبنت هيئة الأمم المتحدة، قراراً حمل رقم 303/1949 ـ رفضت من خلاله خطة لجنة التوفيق، ووضعت على عاتق مجلس الوصاية مراجعة التشريع الأساسي المبكر لمنطقة القدس وتأسيس نظام حكم دولي للقدس كجسم منفصل خاضع لسيطرة الأمم المتحدة. (33)

استجابة لتعليمات الجمعية العامة، أجتمع مجلس الوصاية في دورة خاصة، من 8 – 20 ديسمبر 1949م، عبر المجلس من خلالها عن اهتمامه وقلقه من قيام إسرائيل بنقل وزارتها إلى غربي المدينة، الأمر الذي سيجعل، من أعمال التشريع الأساسي للقدس أكثر صعوبة كما طالب إسرائيل أن تبطل إجراءاتها التي اتخذتها في القدس، على أن يقوم رئيس مجلس الوصاية بدعوة حكومة إسرائيل إلى تقديم بيان خطي بشأن المسائل التي تناولها هذا القرار، وإلى إلغاء تلك الإجراءات والامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعيق تنفيذ قرار الجمعية العامة الصادر في 9/ ديسمبر / 1949م. (34)

لهذا شرع مجلس الوصاية في تنفيذ نظام التدويل حرفياً كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة وقام بوضع دستور لإدارة هذه المنطقة.

المهم أن هذا المشروع والمشاريع الأخرى التي تبنتها الأمم المتحدة بخصوص القدس، لم يطبق منها حرفاً واحداً على أرض الواقع، وذابت القضية داخل هيئة الأمم المتحدة، واصطدمت جميع هذه المشاريع بالأمر الواقع على الأرض، المتمثل بتقسيم المدينة إلى قسمين كل قسم خاضع لطرف ما، مع رفض هذه الأطراف كل هذه المشاريع وتطبيق سياسة مفادها، العمل على استقلال الجزء الخاضع له استقلالاً تاماً.

وأمام هذا الواقع، لم تطرح مشكلة القدس في الجلسة السادسة للجمعية العامة في باريس عام 1952، كذلك لم يتم عرض القضية خلال الجلسة السابقة للجمعية في نهاية عام 1952، هذا يعني أن هيئة الأمم المتحدة وقفت عاجزة أمام السياسة التي اتبعتها إسرائيل والأردن داخل المدينة، وأمام ما جاء في اتفاقية الهدنة الإسرائيلية الأردنية في إبريل 1949، وهي الاتفاقية التي ضبطت العلاقة ما بين الدولتين على مدى 18 عام لاحقاً، مع محاولة كلا الطرفين دمج القطاع الذي يسيطر عليه من المدينة واعتباره جزءاً لا يتجزأ من أرضه القومية، مع محاولة وضع الحواجز السياسية والجغرافية لكل قسم.

أما على صعيد الحكم البلدي: قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بتعيين لجنة بلدية موسعة مؤلفة من أعضاء البلدية اليهود السابقين الستة وممثلين عن "فاعد هكهيلاه" (لجنة الجالية) والأحياء اليهودية، وفي يناير 1949، قامت وزارة الداخلية بتعيين مجلس بلدي جديد تشكل بالطريقة نفسها برئاسة "دانييل اوستر" وفي نوفمبر 1950، جرت أول انتخابات بلدية خاضتها قوائم حزبية على أساس التمثيل النسبي وفاز فيها شلومو زلمان مزراحي كرئيس للبلدية عن الصهيونيين العموميين، ثم توالى انتخاب رؤساء البلدية فيما بعد. (35)

أما على الصعيد الديموغرافي (السكاني): استطاعت إسرائيل خلال السنوات اللاحقة للسيطرة على القدس الغربي، مضاعفة عدد السكان في هذا الجزء، الذين كان يبلغ عددهم أنذاك نحو 100.000 نسمة، يهود وعرب، تضاعف هذا العدد بحيث بلغ 103.000 في سنة 1949، وكان معظم القاطنين الجدد من اليهود، وذلك على حساب العرب الذين هجروا هذا القسم بعد سيطرة اليهود عليه، واستمر عدد اليهود بالتزايد بشكل سريع حتى عام 1951، حيث بلغت الزيادة 54.000 ألف مما كان عليه في عام 1948 أي ما نسبته 65% وما أن جاء  عام 1961، حتى بلغ عدد سكان المدينة في تلك السنة 167.400 نسمة، وارتفع بعد حرب حزيران 1967 إلى 196.000. (36)

أدى ارتفاع عدد السكان في المدينة إلى زيادة النشاط العمراني، ففي نهاية الخمسينيات، تم البدء ببناء مركز حكومي جديد (هكرياه) مقابل الموقع الجديد للجامعة العبرية، وذلك كمقر لرئاسة الوزراء ووزارتي المالية والداخلية، ثم وزارة العمل، ثم بدأ بإقامة المبنى الجديد للكنيست على هضبة واقعة إلى الجنوب الشرقي من هذا المركز، وإلى الجنوب منه حيث المتحف الوطني الإسرائيلي، كما تم نقل العديد من المباني الحكومية والوزارية، كمقر  الهستدروت، والحاخامية الرئيسية، وفرع الكلية العربية، وأكاديمية العلوم. (37)

اتسعت رقعة المدينة وزادت المشاريع السكنية فيها لاستيعاب المهاجرين الجدد، فأقيمت أحياء جديدة على خط وقف إطلاق النار في الجهة الشمالية منها وفي المحراره، إلا أن الامتداد الرئيسي كان باتجاه الجنوب والجنوب الغربي،فالأحياء الجنوبية مثل أبو طور والبقعة، والمستعمرة الألمانية والقطمون والتي كان يسكنها عرب قبل عام 1948، أصبحت في مجملها أحياء يهودية وأعطيت أسماء يهودية مثل (تلبيوت، حي راسكو، وقفعات مردخاي وغيرها).

أما القرى العربية مثل (المالحة ودير ياسين ولفتا)، فتم تغيير أسمائها، وتوسيع أركانها وإسكانها باليهود بعد أن طردوا منها، وجرى دمج عين كارم وبيت صفافا اليهودية بالقدس كذلك أقيم في المدينة عدد من الفنادق (كينجز، بريز يدانت، هولي لاند، ودبلومات) وغيرها(38).

أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي: عمدت إسرائيل ومنذ الإعلان عن القدس عاصمة لها ونقل البرلمان لها إلى زيادة وتيرة الاستيطان فيها، وقامت بمصادرة العديد من أراضي القدس المحتلة من سكانها العرب وطردتهم وشردتهم واستبدلتهم بسكان يهود، وقد تم بناء واستيطان عشرات المستوطنات، خلال المرحلة الواقعة ما بين عامي 1948 – 1967 والجدول يوضح هذه المستوطنات ومكانتها وتاريخ إنشائها، وجاءت المستوطنات على النحو التالي:

الجدول رقم (1)

البلدات التي أقيمت في منطق القدس خلال الفترة 1948 – 1967

البلدة أو المستوطنة

مكانها

تاريخ إنشائها وعائديتها

بيت شيمش

منطقة القدس على طريق تل أبيب

1951

ميغاسريت

منطقة القدس

 

نحشون

منطقة القدس على طريق تل أبيب تبعد 3 كم عن اللطرون

1948 الكيبوتس القطري

تسوراه

على طريق القدس تل أبيب على أراضي قرية صرعة العربية

1948 الكيبوتس القطري

تسوفاه

منطقة القدس على أراضي قرية صوبا العربي قرب القسطل

1948 الكببوتس القطري

نتيف هلميدهاي

منطقة القدس

1949 الكيبوتس القطري

شعالييم

طريق القدس تل أبيب بجوار اللطرون

1951 عمال أغودات إسرائيل

 

الجدول رقم (2)

المستوطنات بمختلف أنواها التي أقيمت في منطقة القدس (40) خلال الفترة 1948 – 1967

 

المستوطنات الزراعية (الموشاف)

مكانها

تاريخ إنشائها وعائداتها

رامات واتيستل

جبال القدس على أراضي قرية بيت أم الميس العربية

حركة جروت 1948

بيت نيتوفه

منطقة القدس على طريق تل أبيب على 12 كم من القدس

حركة الموشاف 1949

بيت زايت

منطقة القدس

حركة الموشاف 1949

اشتاؤل

منطقة القدس

حركة الموشاف 1949

عمينا داف

منطقة القد

حركة الموشاف 1950

ايفن سابير

منطقة القدس

حركة الموشاف 1950

جعفان يعاريم

منطقة القدس

حركة الموشاف 1950

مطاع

منطقة القدس على أرض قريبة علار العربية

حركة الموشاف 1950

ميسيلون زيون

 منطقة القدس

حركة الموشاف 1950

ناحام

منطقة القدس اللطرون

هبويغل مزارحي 1950

نيس هريم

منطقة القدس على أرض قريبة دير الهوي العربية

حركة الموشاف 1950

أوراه

منطقة القدس

حركة الموشاف 1950

زخارياه

منطقة القدس جنوب غربي مدينة القدس مكان قرية زكريا العربية

حركة الموشاف 1950

تسيلافون

سفوح جبال القدس على طريق القدس ـ الرملة

حركة الموشاف 1950

تاروم

منطقة القدس على طريق تل أبيب القد قرب تاعوز

هبو عيل مزراحي 1950

زانواه

منطقة القدس قرب بيت شيمش

عمال آغودات إسرائيل 1950

شوعقاه

جبال القدس

الاتحاد الزراعي 1950

سدوت ميخاه

جبال القدس

الاتحاد الزراعي 1955

تاعوز

السهل الداخلي طريق تل أبيبت القدس على أراضي قرية سوسين العربية

هبو عيل مزراحي 1955

تيروش

منطقة القدس

هبو عيل مزراحي  1955

روجليت

سهول جبال القدس

اتحاد الفلاحين 1958

ميغوموديعيم

منطقة القدس اللطرون

عمال آغودات إسرائيل 1963

 

 

 

البلدة أو المستوطنة

مكانها

تاريخ إنشائها وعائديتها

كفار دانئيل

على سفوح  جبال القدس

حركة الموشاف 1949

شوريش

على طريق القدس تل أبيب في أراضي قرية ساريس العربية

العامل الصهيوني 1948

ميفوبيتار

منطقة القدس

حيروت 1950

ماهاسياه (مستوطنة زراعية خاصة)

طريق القدس على مكان قرية دير أبان العربية 

1950

مركز تطوير ريفي تسور هداس

طريق القدس

1960

 

وبالرغم من كون إسرائيل اتجهت نحو تهديد هذا الجزء من المدينة باستخدام كل الوسائل، إلا أن المدينة لم تستفيد استفادة كبيرة من مكانتها كعاصمة، واستمر معدل نموها الاقتصادي أقل نوعاً ما من نمو باقي المناطق، فقد كان المستخدمون الرئيسيون في المدينة هم موظفو الحكومة والجامعة العبرية، وكانت كلتاهما مؤسسات غير منتجة وكانت معظم المواقع السياحية المهمة غالباً على الجانب الآخر من المدينة (القسم العربي) لهذا تأثر القسم الغربي كثيراً من ذلك الواقع، كذلك لم يكن هناك سوى القليل من الصناعات الحقيقية وكانت الأسعار مرتفعة كما أن بعض أجزاء القدس الغربية، أصبحت مناطق فقيرة مكدسة باللاجئين اليهود من البلاد العربية الذين تم قدومهم بعد إقامة دولة إسرائيل، ولم تتقبل المؤسسة الصهيونية الاشكنازية منذ البداية هؤلاء اليهود السفرديم الشرقيين، فتم إسكانهم في المناطق الأكثر تعرضاً للخطر من القدس، أي قرب المنطقة المنزوعة السلاح حيث أصبحوا في متناول طلقات القناصة وبهذا ساد عدم المساواة، و الشعور بالاستياء أنحاء المدينة التي يغلب عليها الطابع اليهودي (41).

ومجمل القول أن القدس الغربية خلت من التناسق والوحدة الاجتماعية تحت السيطرة اليهودية إذ أنها كانت تتكون من سلسلة من الضواحي يسكن كل منها مجموعة أثينية أو دينية مميزة لها حياتها المستقلة، وكانت أيضاً مدينة منقسمة على نفسها، فكان السفارديم يعادون الاشكناز والمتدينون يعادون العلمانيين، واستمر اليهود الأرثوذكس يعارضون الدولة الإسرائيلية بضراوة، فكانوا يقضون على نواصي شوارع أحيائهم أيام السبت ويلقون بالحجارة على سيارات الإسرائيليين التي تمر مخترقة تقاليد يوم السبت ولم يكن للقدس الغربية معنى لدى هؤلاء اليهود نظراً لكونهم كانوا منعزلين عن قلب المدينة القديمة، كما أن مدينتهم كانت مجرد جزء مسدود منعزل عن بقية إسرائيل ومحاط من جوانب ثلاث بمناطق عربية، فقد صورها الكثير من اليهود، على أنها ضواحي متناثرة مثل قلاع وحيدة مفقودة تغلب عليها خلفية طبيعية مخيفة وتبعث منها عواءات بنات آوي، كان أبرزها مدينة أسوار وأطلال ومساحات خصبة استمرت توصد أبوابها في وجه سكانها اليهود. (42)

أما القدس الشرقية: فقد عانت هي الأخرى وعانى سكانها الفلسطينيين، بالرغم من وقوعها تحت حكم عربي، فقد أزيلوا من الخريطة وضاعت حقوقهم، وظل سكان المدينة من الشعب الفلسطيني، يعانون من الصدمة التي هزت كيانهم إثر تقسيم المدينة، وهو الأمر الذي لم يعتادوا عليه في السابق، كما أن سكان القدس الغربية من العرب أيضاً عانوا من الاضطهاد اليهودي.

أما عن السياسة الأردنية تجاه القسم الأخر من القدس وهو القسم الشرقي فجاءت على النحو التالي:

فالأردن كما ذكرنا سيطر على الجزء الشرقي للمدينة، ووقعت مع إسرائيل اتفاقية الهدنة عام 1949، والتي كان من  أهم بنودها، الإبقاء على الوضع الراهن للمدينة، بمعنى أن يظل تقسيم المدينة كما هو، القسم الشرقي تحت السيطرة الأردنية، والقسم الغربي تحت السيطرة الإسرائيلية، ورفض أي مقترحات دولية أو عربية تناقض هذا الواقع وهو الاتفاق الذي أسس للأمر الواقع داخل مدينة القدس.

وقد تمثلت السياسة الأردنية تجاه القسم الشرقي من المدينة، على ترسيخ الحكم الأردني لهذا القسم وجاءت أولى الخطوات السياسية، في  يوليو عام 1953، عندما اجتمع مجلس الوزراء الأردني في القدس لأول مرة، وبعد ذلك بفترة وجيزة اجتمع البرلمان الأردني بكامل هيئته هناك كفرض أمر واقع سياسي على المدينة، وعندما أصبح روحي الخطيب رئيساً لبلدية القدس عام 1957، استقر الحكم المحلي للمدينة، وعمل هذا على ترطيب الأجواء بين الأردن وبعض القادة الفلسطينيين في المدينة، وفي عام 1959، رفعت مرتبة القدس من بلدية إلى أمانة وأصبحت بذلك على نفس مستوى مدينة عمان، ثم أعلن الملك حسين القدس عاصمة ثانية للمملكة الأردنية وخطط لبناء قصر له شمال المدينة (43).

أما في المجال الاجتماعي والاقتصادي: عانت مدينة القدس كثيراً اجتماعياً واقتصادياً من آثار الحرب، فقد عانت من مشكلة اللاجئين الضخمة ، بالإضافة إلى الدمار الذي أصابها أثناء الحرب، وكانت الأردن قد استنفذت مواردها ولم تكن في مركز يسمح لها بالتخفيف من محنة آلاف الفلسطينيين الموجودين في مدينة القدس، وبالرغم من هذا الواقع وامتناع الملك عبد الله من استثمار أية أموال في مدينة هي مركز رئيسي للشعب الفلسطيني، بل أنه كان يلبي حاجات نابلس والخليل أكثر من القدس، وعمد الأردن أيضاً إلى نقل الدوائر الحكومية من القدس إلى عمان، وحينما تم اغتيال الملك في مدخل المسجد الأقصى في أبريل 1951 لم يعد هناك احتمال لتحسين علاقة المدينة بالحكومة الأردنية.(44)

بالرغم من ذلك، وبعد تول الملك حسين الحكم في الأردن، عاد الاهتمام بالمدينة من جديد فتم إصلاح المسجد الأقصى عام 1953، كما أنشئت جمعية البر الإسلامية لإعادة تعمير القدس وبناء المدارس والمستشفيات ودور اليتامى، وخلال مرحلة الخمسينيات أنشأت مباني جديدة للسكان داخل القدس على جبال عيبال في وادي الجوز وأبي طور والشيخ جراح، هذا و بالرغم من تمسك الأردن بالخطة الرئيسية لمدينة القدس التي وضعت أثناء مرحلة الانتداب البريطاني، كما لم يقم الأردنيون بتطوير عمراني للمنحدرات الغربية لجبل سكوبس ووادي قدرون من أجل الحفاظ على جمال المدينة، وأيضاً تم إنشاء منطقة تجارية جديدة على الشمال والشرق من المدينة القديمة، وفي عام 1958 بدئ في عملية تجديد شامل للحرم القدسي، مما أدى إلى تحسن اقتصادي في البلدة القديمة، واهتمت الحكومة الأردنية بقطاع السياحة في المدينة الذي أصبح يمثل مصدر 85% من دخل الضفة الغربية. (45)

يمكن القول أن السياسة الأردنية تجاه القدس الشرقية، ومنذ أن أصحبت تحت سيطرتها عام 1948، تمحورت حول جعل هذه المدينة جزء لا يتجزأ من المملكة الأردنية الهاشمية، بل جزء هام جداً منها ، فالأردن والقائمين عليه كانوا يعرفون جيداً أهمية هذه المدينة سياسياً ودينياً وأن وقوعها تحت سيطرتهم يعطي للأردن مكانة خاصة في العالمين العربي والإسلامي، لهذا رفضت الأردن كل المشاريع التي طرحت لإيجاد حل مناسب لقضية القدس حتى مراحل متأخرة من تاريخ هذه المدينة.

     خاتمة:

يمكن القول أن حرب عام 1948، كان لها نتائج صعبة للغاية على مدينة القدس وفي كل المجالات، فمدينة القدس قلب فلسطين، وأصابها ما أصاب فلسطين جراء حرب عام 1948، بل يمكن القول، أن مدينة القدس كانت من أكثر المدن تضرراً على الإطلاق، فقد قسمت المدينة وأصبحت خاضعة لسلطتين مختلفتين واحدة عربية والأخرى يهودية، الأمر الذي أدى إلى دخول المدينة وسكانها في متاهة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية عوضاً عن المتاهة الجغرافية، فالمدينة بعد أن كانت وحدة واحدة في كل شيء، أصبحت تمثل عنصر انقسام كبير للمجتمع الفلسطيني، لهذا أصبحت المدينة بعيدة كل البعد عن الثقافة الفلسطينية الإسلامية العربية، خاصة القسم الغربي منها الذي خضع للسيطرة الصهيونية، والتي عمدت ومنذ اليوم الأول لسيطرتها على هذا الجزء بالعمل على تهويده وإخراجه من النطاق العربي الإسلامي مستخدمة كل الأساليب السياسية منها والاقتصادية.

هذا الانقسام للمدينة تمخض عنه أيضاً، تطبيق سياسة الأمر الواقع على المدينة وسكانها سواء على الجانب الشرقي من المدينة والخاضع للسلطة الأردنية، أو على الجانب الغربي الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، بمعنى عمدت كلا الدولتين ومنذ ترسيخ هذا الانقسام، بالعمل على جعل كل قسم من أقسام المدينة، جزءاً لا يتجزأ، من دولتهما  فالأردن مثلاً، بدأ باستخدام سياسة مفادها جعل القسم الغربي الذي تسيطر عليه جزءاً من أراضيه بل أكثر من ذلك، عمد إلى اعتبار هذا الجزء عاصمة جديدة لدولته وذلك باتخاذ العديد من الإجراءات  في هذا المجال والتي سبق الحديث عنها، والأمر لا يختلف كثيراً عن وضع القسم الغربي من المدينة والخاضع لليهود، فقد قامت إسرائيل بالعديد من الإجراءات التي هدفت من ورائها ترسيخ الأمر الواقع وإعلان هذا الجانب من المدينة عاصمة لدولتهم، باستخدام أيضاً العديد من الإجراءات التي سبق الحديث عنها. ولا ننسى هنا، أن هيئة الأمم المتحدة لعبت دوراً رئيساً في هذه النتيجة المأساوية، بل يمكن القول أن دور هيئة الأمم المتحدة محورياً ورئيساً في هذه النتيجة، فمنذ بداية الأزمة وإصدار قرار التقسيم وتدويل مدينة القدس، القرار الذي كان السبب الرئيس في وقوع الحرب، ثم أن هيئة الأمم المتحدة وقفت موقف العاجز أمام تطور الأحداث سواء الحربية منها أو السياسية، فأثناء الحرب لم تستطع التدخل إلا بعد أن أنجز اليهود مهمتهم بالسيطرة على معظم فلسطين ومنها القدس الغربية، ثم أنه بعد الحرب وقفت عاجزة عن إجبار اليهود على تطبيق قرار التدويل، ولم تستطع اتخاذ أي إجراء من شأنه وقف الإجراءات الأردنية واليهودية بخصوص مدينة القدس.

لهذا فالنتائج التي ترتبت على هذه الحرب على مدينة القدس، كانت بمثابة مقدمة حقيقة لما حدث لها عام 1967، عندما احتلت باقي أراضي هذه المدينة على يد الصهاينة، وأصبحت المدينة بالكامل تحت السيطرة اليهودية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها المعاصر، مرحلة كانت ولا زالت من أسوأ المراحل في تاريخ هذه المدينة المقدسة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

* الجامعة الإسلامية ـ كلية الآداب ـ قسم التاريخ والآثار

1.     قرارات الأمم المتحدة، بشأن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، المجلد الأول، 1947،1974، مراجعة وتدقيق، جورج طعمة.

2.     Hadawi.Sami, Bitter Harvest, Palestine- 1914 – 1967 New York, 1967. P92.

3.     Tomeh George Jerusalem At the United Nations-liberation Organization, Political Department 1983.P.4.

4.  فلاح خالد على ـ الحرب العربية الإسرائيلية، 1948/1949، تأسيس إسرائيل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط الأولى، 1982، بيروت ، ص 31.

5.     جامعة الدول العربية، الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين، فلسطين، المجموعة الثانية، ص 129.

6.     Hidawi- Bitter Harvest, oP.Cit- P 42.

7.     فلاح خالد علي، مرجع سابق، ص 36.

8.     الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني ـ الدراسات الخاصة، المجلد الخامس، ط الأولى، بيروت ، 1990، ص 492.

9.     المرجع السابق، 493.

10.             محمد فائز القصري، حرب فلسطين عام 1984، مرحلة النضال والجهاد، دمشق، ط1، إبريل ،1962، ص، 164.

11.             قاسم محمد صالح: الجيش العربي ودوره في الحروب العربية الإسرائيلية، ط الأول، 1988، 370.

12.     مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس ـ كارثة فلسطين، القاهرة، دار القلم، رمضان378/1 مارس 1959م، ص، 197.

13.             مذكرات جلوب باشا/ جندى مع العرب، ترجمة عفيف حسن العربي، بيروت، دار النشر للجامعيين،د، ت، ص 64.

14.     حاييم هرتزوغ، الحروب العربية الإسرائيلية، 1948 – 1982 ترجمة بدرالرفاعي، القاهرة، دار سينا، 1993، ص 6.

15.     حرب فلسطين ـ 1947 ـ 1948/ الرواية الإسرائيلية الرسمية/ ترجمة أحمد خليفة، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1982، ص 594.

16.             الموسوعة الفلسطينية، مرجع سابق، ص 483.

17.     يحيى الفرحان، قصة مدينة القدس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، منظمة التحرير الفلسطيني، بيروت، ص 28. وانظر، سمير جريس، القدس المخططات الصهيونية، الاحتلال، التهويد، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط الأولى، بيروت 1981، ص 35.

18.             سمير جريس، مرجع سابق، ص 40 -  41.

19.             مرجع سابق، ص 41.

20.             Laws of the State of lsrael,vol.1 – (1948 – 1949) (Jerusalem: The Govern – meut Priuter, 1948 P.P. 3 – 5.

21.             I 6id – P.64.

22.     كيت ماجواير، تهويد القدس، الخطوات الإسرائيلية للاستيلاء على القدس، الآفاق الجديدة بيروت،ط الأولى، 1981، ص 18.

23.     خليل إسماعيل الحرثي، قضية القدس، البداية والجذور، مجل شؤون عربية، العدد 52، كانون الأولى، 1987، ص 54.

24.     كارين أرمسترونج، القدس مدينة واحدة وعقائد ثلاث، مترجمة، فاطمة نصر، محمد عناني، القدس، 1996، ص، 629.

25.             كيت ماجواير، تهويد القدس، مرجع سابق، ص18.

26.             المرجع السابق، ص 18.

27.     قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين، مرجع سابق، ص 16، وانظر، V.N.Year.Book- Department of Public Information- New York – 1947 – 1949-P.432.

28.             U.N. Year Book1947 – 1948-oP-Cit P.432.

29.             قرارات الأمم المتحدة، مرجع سابق، القرار رقم 194، الدورة الثالثة، ص 19.

30.             Lenczowski,Georg American Enterprise Institute for Public Policy Research – P.29.

31.     الجمعية العامة، الوثائق الرسمية للدورة الرابعة، اللجنة السياسية الخاصة، المجلد الأول، وثيقة رقم 973، مذكرة موجه من لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين إلى الأمين العام للأمم المتحدة، تنص على المشروع الذي تقترحه اللجنة بشأن القدس، سبتمبر، 1949، ص 12.

32.             المرجع السابق، ص13.

33.             U.N Year Book -1950 – oP- cit.p-337.  وانظر،30 lenczwki-oP-Cit-P

34.             قرارات الأمم المتحدة، قرار مجلس الوصاية رقم 114، مرجع سابق، ص243.

35.             سمير جريس، مرجع سابق، ص 42.

36.             Meron Benvenisti, Jerusalem the torn city (Minneapolis- University of Minnesota Press, 1976) – P13.

37.             سمير جريس، مرجع سابق، ص 44.

38.             المرجع السابق، ص44، 45.

39.     حبيب قهوجي، إستراتيجية الاستيطان الصهيوني، مؤسسة الأرض للدراسات، الفلسطينية، دمشق، 1978، ص 168، 169.

40.             المرجع السابق، ص، 169.

41.             كارين آرمسترونج، مرجع سابق، ص، 630، 631.

42.             نفس المرجع، ص 631، 632.

43.             نفس المرجع، ص 633.

44.             نفس المرجع، ص 634.

45.             نفس المرجع، ص 634.

 

الوسوم

( القدس المسجد الأٌقصى 1948 و إسرائيل الملك حسين دير ياسين اليهود )
جديد المقالات المزيد
فتح القسطنطينية(1)

فتح القسطنطينية(1)

أيتاج أوزكان  تحرك السلطان محمد الفاتح من "أَدِ�...

فتح القسطنطينية(1)

فتح القسطنطينية(1)

أيتاج أوزكان  تحرك السلطان محمد الفاتح من "أَدِ�...

أمْرُ إجلاءِ بني النضير

أمْرُ إجلاءِ بني النضير

د.عثمان قدري مكانسي  خرج رسول الله صلى الله عليه وس...

جديد الأخبار المزيد
إطلاق أول منظمة إسلامية تعني بالأمن الغذائي

إطلاق أول منظمة إسلامية تعني بالأمن الغذائي

 أعلنت منظمة التعاون الإسلامي إطلاق أول منظمة إسلا�...

برلمان طبرق يمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني الليبية

برلمان طبرق يمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني الليبية

حازت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج على ثقة ب�...

 إسرائيل :عمليات الطعن انخفضت بفضل جهود عباس

"إسرائيل":عمليات الطعن انخفضت بفضل جهود عباس

 قال رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش "الإسرائي�...

  • أيام في سيلان والمالديف