موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

May 19 2016 10:38:02

الكاتب : مدير الموقع

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد

لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين الحق والعدل ، وأن العدل في شريعتنا يتسع ليشمل العدل مع المخالفين لنا في الاعتقاد ،وأن الإسلام يحرم الظلم والعدوان أياً كان المعتدَى عليه ، ومن أعظم الأمثلة العملية على ذلك موقف الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى في البلاد التي فتحها المسلمون ، فقد أقر المسلمون من بقي على دينه في تلك البلاد على دينه ، وكفل لهم الأمان في أنفسهم وأموالهم ومعابدهم ، ومن ذلك ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الحطاب رضي الله عنه لما فتح القدس من إعطائه أهلَها الأمان في أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر أمورهم .

وقد ظل المسلمون على وفائهم بهذا الأمان العمري طوال تاريخهم ، حتى إن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لما حرر بيت المقدس من الصليبيين عزم على هدم كنيسة القيامة ، لكن مستشاريه من أهل العلم أثنوه عن ذلك ، فذكروه بأن عمر رضي الله عنه قد فتح هذه المدينة قبله ،وترك هذه الكنيسة بأيديهم ، وأن عليه التأسي بعمر رضي الله عنه ، فأعرض صلاح الدين عنها عنها وتركها على حالها  تأسياً بعمر رضي الله عنه [ البداية والنهاية : 12/ 348]

فهذا الذي أشرنا إليه من عدل الإسلام ومنعه من ظلم الآخرين حق لا مرية فيه، ولا بأس من التذكير به بين الحين والآخر وبخاصة حين تقع المخالفة له من بعض المسلمين ، لكن هذا التذكير لا يجوز أبداً أن يحملنا على مخالفة ثوابت التاريخ وتزييف حقائقه ، أو المجاملة على حساب ديننا ومعتقدانتا.

 أقول ذلك بمناسبة وقوفي على كتاب صدر مؤخراً عن وزارة الأوقاف المصرية ضمن سلسلة : قضايا إسلامية ، وهو بعنوان : (حماية الكنائس في الإسلام ) ، والكتاب عبارة عن مجموعة دراسات لبعض أساتذة الجامعة الأزهرية ، وقد قدم له كل من وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية .

وقد لفت نظري في هذا الكتاب استدلال بعض كاتبيه بوقائع غير ثابتة من الناحية التاريخية ، بل لا أصل لها ،ولم ترد في أي مصدر تاريخي ، من ذلك ما جاء في ص: 25 من الكتاب المذكور ؛حيث تعرض أحد مؤلفي الكتاب لواقعة فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبيت المقدس ثم قال : (( لما استجاب عمر لرغبة أهل إيلياء ودخل القدس وكتب كتاب الصلح هذا أقبل إلى الأتربة والأوساخ المتراكمة فوق الصخرة يزيحها بردائه ، فأقبل من حوله من المسلمين وغيرهم يسابقونه إلى ذلك ، ثم اتجه إلى حيث القمامة المتراكمة بفعل اليهود وبوحي من الرومان فوق مكان كنيسة القيامة فباشر إزاحة القمامة عنها بنفسه ، وما هو إلا أن أقبل كل من كانوا حوله يسابقونه على العمل ذاته )).

وفي هذه القطعة من الكتاب المذكور أخطاء شنيعة إن لم نقل إنها تزوير واضح لحوادث التاريخ ووقائعه ، وذلك أن الكاتب قد زعم أن عمر رضي الله عنه بعد أن أزال القمامة من على الصخرة اتجه ليزيل القمامة من موضع كنيسة القيامة ، وهذالم يحدث ولا يمكن أن يحدث كما سنبينه بعد قليل بمشيئة الله ،  والعجيب أن الكاتب لما ذكر ذلك عزاه في الهامش إلى كتاب البداية والنهاية للإمام ابن كثير ( 7/56) ، وقد رجعت إلى الموضع المشار إليه في البداية والنهاية فلم أجد أي إشارة لما ذكره الكاتب من إزالة القمامة عن الكنيسة ، بل إنه لا يتصور أصلاً أن يحدث ذلك ، لأن اليهود لم يكونوا يستطيعون في تلك الفترة أن يضعوا قمامة في موضع الكنيسة ، لماذا؟ لسبب بسيط وهو أن الدولة الرومانية التي كانت مسيطرة على بيت المقدس في ذلك الوقت كانت على الديانة النصرانية ، وكان اليهود في ذلك الوقت في غاية الذلة والانكسار ، وكانت الكنيسة المسماة الآن بكنيسة القيامة مبنية منذ حوالي ثلاثمائة عام ،بنيت في عصر الإمبراطور قسطنطين وهو الذي تحولت الدولة البيزنطية في عصره من الوثنية إلى الديانة النصرانية ، فالفترة التي فتح المسلمون فيها القدس كانت هي فترة سيطرة النصارى على بيت المقدس ، أي أن الكنائس كانت معظمة مبجلة مصانة لا يستطيع اليهود ولا غيرهم أن يلقوا فيها ولا حولها قمامة ، بل كان النصارى المسيطرون على مقاليد الأمور في بيت المقدس هم الذين يلقون بالقمامة على الموضع الذي كان مقدساً عند اليهود وهو الصخرة ، وكان ذلك كما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 57 ) مكافأة لما  كان يفعله اليهود في السابق من تدنيس للأماكن التي يعظمها النصارى ،حيث كان اليهود في فترة وثنية الدولة الرومانية يؤلبون الحكام الرومان على النصارى ويغرونهم بهم ، وفي تلك الفترة -أي فترة وثنية الدولة الرومانية -كان اليهود بالفعل يلقون بالقمامة في الموضع الذي يعتقد النصارى أنه قبر المسيح عليه السلام ، فلما تغير الحال واعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية طهر ذلك الموضع ، وبنت أمه هيلانة البندقية كنيسةَ في موضع تلك القمامة ، ولذلك تُسمى تلك الكنيسة في مصادرنا الإسلامية باسم كنيسة القمامة نسبة إلى القمامة التي كانت تلقى في موضعها من قبل اليهود ، [ انظر البداية والنهاية لابن كثير : 7/ 59] .

والمقصود أنه حين فتح عمر بيت المقدس كانت الكنيسة مقامة وكانت السيطرة والغلبة في بيت المقدس للنصارى ،فعلى ذلك لا يتصور وجود قمامة على الكنيسة أصلاً حتى يزيلها عمر رضي الله ، فما الداعي يا عباد الله إلى اختلاق وقائع لا أصل لها ولا ذكر لها في شيء من المصادر التاريخية المعتمدة ؟ وعمر رضي الله عنه إنما أتعب نفسه في إزالة القمامة من على الصخرة من أجل أن يصلي فيها المسلمون لأن تلك البقعة من الأماكن المقدسة في عقيدة المسلمين ،وهي داخلة في جملة المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ، أما معابد غير المسلمين فمهمة الحاكم المسلم أن يمنع الاعتداء عليها ، أما تنظيفها وتهيئتها للعبادة فيقوم به من يعتقد صحة العبادة فيها .    

ثم إننا نلاحظ أن الكاتب حين تحدث عن الأوساخ التي كانت على الصخرة لم يقل لنا من الذي وضعها ، في حين أنه حين تحدث عن القمامة التي زعم وجودها في موضع الكنيسة بادر سريعاً إلى ذكر أنها كانت بفعل اليهود والرومان ، فلماذا لم يقل لنا الحقيقة وهي أن القمامة التي كانت في موضع الصخرة إنما كانت بفعل النصارى ، وذلك أمر ثابت في كتب التاريخ حتى إن الإمام ابن كثير يذكر في البداية والنهاية ( 7/ 57) أن الروم جعلوا الصخرة مزبلةً ؛ لأنها قبلة اليهود ، حتى إن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها لتلقى في الصخرة ،ثم قال رحمه الله : (( وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء ، وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود ، قال لهم : إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد ، كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا . ثم أمروا بإزالتها ، فشرعوا في ذلك ، فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب )) .

إن إثارتي لهذه النقاط ليست لمجرد تصحيح خطأ تاريخي ،وإنما هي أيضاً لبيان خطورة المجاملة على حساب الحقيقة التاريخية ،التي تحمل في كثير من الأحيان أبعاداً عقدية لا بد من مراعاتها والوقوف عندها.

ثم إذا كانت وزارة الأوقاف قد أهمها ما قد يحدث من اعتداء في بعض الأوقات على كنائس النصارى ،وهو أمر ننكره كما تنكره تماماً ، فلِمَ لمْ يهمها أيضاً ما يحدث من تجاوزات تقع من قبل بعض متعصبة الأقباط وتوسعات في دور عبادتهم بالمخالفة لصريح القانون ؛فهناك ألاف الأفدنة من أملاك الدولة قد ضمت في الفترة الأخيرة إلى الأديرة تحت سمع وبصر وزارة الأوقاف وغيرها من أجهزة الدولة ، ويكفيك مثالاً على ذلك ما حدث في أزمة دير وادي الريان بالفيوم حيث استغل بعض القائمين على الدير حالة الانفلات الأمني في الفترة الماضية فقاموا بالاستيلاء على محمية وادي الريان الطبيعية وبناء سور حولها بهدف ضمها للدير ، بالرغم من أنها مسجلة رسمياً في وثائق الدولة واليونسكو ضمن المحميات الطبيعية، ثم كان ما كان من تصديهم لشق طريق يمر في جزء من تلك الأرض التي اغتصبوها ،إلى آخر  القصة المعروفة .

فيا وزارة الأوقاف حتى متى هذه المجاملة على حساب ديننا ومعتقدانتا ، ولِمَ العبث بتاريخنا وتراثنا ؟

 

الوسوم

( الأوقاف الإسلام عمر بن الخطاب كنيسة القيامة اليهود النصارى صلاح الدين )
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

 د / أحمد عبد الحميد عبد الحق تهل علينا كل عام في شه�...

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
زعيم تتار القرم مصطفى عبدالجميل : مصير بوتين سيكون مثل هتلر

زعيم تتار القرم "مصطفى عبدالجميل" : مصير بوتين سيكون مثل هتلر

اعتبر زعيم تتار القرم، "مصطفى عبد الجميل قرم أوغلو&q...;

قيادي في حماس: لسنا دعاة حرب وإن فرضت علينا فنحن لها

قيادي في حماس: لسنا دعاة حرب وإن فرضت علينا فنحن لها

  قال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حما�...

الغنوشي: النهضة تودع الإسلام السياسي وتتحول لحزب مدني

الغنوشي: النهضة تودع الإسلام السياسي وتتحول لحزب مدني

أعلن راشد الغنوشي، مؤسس ورئيس حركة النهضة الإسلام...

  • أيام في سيلان والمالديف