• الصليب وحكاياته

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

May 21 2016 11:35:34

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

 د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

تهل علينا كل عام في شهر شعبان ذكرى تحويل قبلة المسلمين لتذكرنا بمكر اليهود ومن يسير في ركابهم , وسعيهم الحثيث لصرف الناس عن الحق , وتشكيك الناس في قواعد الإسلام وشرائعه , بداية من يهود يثرب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاء بالمستشرقين اليهود في العصر الحديث الذين سخروا كل إمكانياتهم لطمس معالم الحضارة الإسلامية , وتصميهم على ذلك تصميما شديدا أفصح عنه حيي بن أخطب ( أحد كبراء اليهود بيثرب )  عندما سئل عن رأيه في رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سيفعل معه بعدما أقر بصحة نبوته حيث أجاب : " عداوته والله ما بقيت" .

والمواقف المبرهنة على ذلك عديدة , تضج من كثرتها أحداث التاريخ الإسلامي غير أني ساقتصر في هذا المقال على ما بدا منهم بعد تحويل قبلة الصلاة من جهة المسجد الأقصى إلى البيت الحرام , حيث لجأ اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أسلوب الحرب الإعلامية الدنيء, وحاولوا استغلال تلك الحادثة في تشكيك الناس في شرع الإسلام وصرفهم عنه بعد أن أيقنوا ألا قبل لهم بمواجهة المسلمين عسكريا ، وجرأهم على ذلك حلم رسول الله وأخذ نفسه وأصحابه بالصبر على ما كان يبدو (يظهر) من أفواههم ؛ احتراما للعهود التي عقدها معهم ؛ وتقديرا لجوارهم..

فما إن سمع هؤلاء بتحويل المسلمين قبلة المسلمين واتجاههم قِبَلَ المسجد الحرام حتى صاروا يرددون في كل مكان ينزلونه أو يقيمون فيه عبارات مثل : " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "  و" ما بال محمد يصلي مرة إلى بيت المقدس , ومرة إلى بيت الله الحرام " .

ولم يكن ذلك من قبيل الاستفسار , أو محاولة العلم لأمر يجهلونه , ولا حتى استنكارا منهم لما حدث , وإنما لبث الشك في قلوب المؤمنين .

 ولكي يعرف القارئ ملابسات ذلك الحادث , وكيف حاولوا استغلاله أقول: إن رسول الله صلى عليه وسلم والمؤمنون معه كانوا يستقبلون في صلاتههم قبل الهجرة بيت الله الحرام , ويجعلون أمامهم بيت المقدس مقر الأنبياء السابقين من أولاد إبراهيم ـ عليه السلام ـ بحيث يكونون مستقبلين للقبلتين معا , كما كان يفعل من سبقهم من الأنبياء وأتباعهم , يستقبلون المسجد الحرام جاعلين أمامهم المسجد الأقصى .

فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى المدينة المنورة لم يمكنهم أن يجمعوا بين القبلتين , لأنهما في اتجاهين مختلفين بالنسبة للمدينة , فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم إلى بيت المقدس بأمر من الله عز وجل , وظل يصلي هكذا قرابة ستة عشر شهرا , حتى أمره الله تعالى أن يتوجه في صلاته تجاه البيت الحرام ، فاستجاب صلى الله عليه وسلم والمسلمون لأمره سبحانه وتعالى , فهو الذي فرض عليهم الصلاة من قبل, وبالتالي فهو أحق بأن يوجههم كيف يشاء , والكون كله له مشرقه ومغربه.

ثم شرع اليهود في إثارة تساؤل آخر لعلهم يجدون من يتأثر به من المسلمين , فقالوا: إذا كانت قبلتهم الأولى صحيحة فلماذا غيروها , وإذا كانت خطأ فما حكم صلاة من مات قبل أن تحول القبلة , وهذا سؤال ينم عن غبائهم غير المتناهي ؛ لأن الله إذا كان هو الآمر الناهي فكيف يحاسب الناس على أمر لا يملكونه .

وهذه التساؤلات كان بمكنة رسول الله أن يجيب عليها, لكن الله سبحانه وتعالى كفاه هذا الأمر ؛ ليرسم ـ وهو أعلم بمراده ـ للمسلمين سبل مجابهة مثل تلك المزاعم فيما بعد, وبما لا يدع مجالا لكيد كائد . وهذه السبل تمثلت في

1ـ جمع تلك الشبهات والتساؤلات والافتراءات, ثم تفنيدها والرد عليها شبهة شبهة ،  فرد سبحانه وتعالى على قولهم  :" ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" بقوله عز وجل : " لله المشرق والمغرب " وقوله سبحانه :" أينما تولوا فثم وجه الله " ..

ثم وصف هؤلاء الذين خاضوا في شأن تحويل القبلة وقبل أن يتكلموا بأنهم سفهاء , فقال سبحانه وتعالى : " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها".

نعم هم سفهاء لأن الذي فرض الصلاة على المؤمنين وحدد قبلتهم هو الذي أمرهم بالتحويل عنها , وبالتالي ما على المصلين إلا السمع والطاعة .

ورد على من قالوا : ما حكم صلاة من مات قبل تحويل القبلة بقوله تعالى : " وما كان الله ليضيع إيمانكم ( أجر صلاتكم )إن الله بالناس لرءوف رحيم " .

ثم بين للمسلمين أن الحكمة من وراء بقاء رسول الله إلى بيت المقدس طوال الستة عشر شهرا هو اختبار المسلمين في أمر الطاعة المطلقة لله ؛ لذلك قال تعالى : " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " .

فالإنسان إما أن يؤمن بأن محمدا رسول من عند الله عز وجل ، فيصدق بأن كل ما جاء به هو من عند ربه , وإما أن يكفر برسالته , فلا يسأل عن علة الشرع .

2 ـ بيان حقيقة ما يدور بخلد هؤلاء كي لا يخدع بهم أحد , وأنهم لا يقولون ما يقولونه لجهل بأمر الإسلام , وإنما لحقد دفين؛ لذلك لم يكتف القرآن بتفنيد مزاعمهم , بل أخذ يخرج ما كانوا يخفونه من قبل , منتقلا بالمسلمين من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم , وبين أن هؤلاء الذين تكلموا في أمر القبلة يعلمون علم اليقين أن التوجه إلى بيت الله الحرام هو شرع كل الأنبياء السابقين , فقال سبحانه وتعالى : "وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم " ..

ومنهم من يعلمه أكثر من معرفته بأولاده الذين هم من صلبه , كما قال تعالى : " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ".

3 ـ بيان أنهم لن يقدموا على قبول الحق ـ إلا قليلا منهم ـ مهما قُدمت لهم من أدلة وبراهين ؛ لأن الله طمس على قلوبهم , يقول سبحانه وتعالى : " ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ".

وذلك كي لا يفرط المسلمون في ثقتهم بهم فيوالونهم , وأنهم لن ينتهوا عن طعنهم في الإسلام , وتشكيك الناس في أصوله ومعتقداته , وعلى المسلم العاقل أن يحذرهم , امتثالا لأمر الله الموجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته " وما أنت بتابع قبلتهم " وإلا ستكون العاقبة خسرانا في الدنيا والاخرة " ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ".

4 ـ تهديد هؤلا اليهود ومن على ضربهم بأن الله ليس بغافل عما يدبرونه ويمكرونه , وسيعاقبهم على مكرهم في الدنيا والآخرة فقال سبحانه وتعالى : " وما الله بغافل عما تعملون " وكذلك ينبغي للمسلمين إلا يغفلوا عما يدبرونه لهم من مكر في العلن والخفاء.

5 ـ بث الثقة في قلوب المؤمنين بأنهم أصاحب الوسطية والهيمنة على الناس جميعا , فقال سبحانه وتعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" وهذا يتطلب أن يكون الناس تبعا لهم وليس العكس .

بقي أن نشير إلى أن الله سبحانه وتعالى أكد على ضرورة لزوم المسلم لقواعد الإسلام في أي زمان ومكان , فقال سبحانه : " وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " ( إشارة إلى المسجد الحرام الذي هو رمز الإسلام ) دون خوف أو وجل من أحد "... لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني .." وذلك غيض من فيض تلك الذكرى المباركة .

تحويل 

الوسوم

( تحويل القبلة المسجد الحرام المسجد الأقصى التاريخ الإسلامي اليهود الصلاة المدينة المنورة )
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
مسلسل أرطغرل وتفسير الحاضر بالتاريخ

مسلسل أرطغرل وتفسير الحاضر بالتاريخ

عامر عبد المنعم حقق المسلسل التركي "قيامة أرطغرل" أكبر نسبة...

شهادات الغرب على نشر الإسلام لثقافة التسامح

شهادات الغرب على نشر الإسلام لثقافة التسامح

د. عبد الرحمن عبد الناصر سيد التسامح والإخاء من القيم العظيمة التي...

مالك بن نبي والمسألة اليهودية

مالك بن نبي والمسألة اليهودية

إبراهيم العجلوني نفهم من كتاب «مالك بن نبي» عن «المسألة...

جديد الأخبار المزيد
وفاة عبد الله نمر درويش أحد مؤسسي الحركة الإسلامية بالـ48

وفاة عبد الله نمر درويش أحد مؤسسي الحركة الإسلامية بالـ48

توفي الشيخ عبد الله نمر درويش، أحد مؤسسي الحركة الإسلامية بالأراضي...

قوات حفتر تعلن مسؤوليتها عن احتجاز سفينتين إيطالية ويونانية

قوات حفتر تعلن مسؤوليتها عن احتجاز سفينتين إيطالية ويونانية

أعلنت القوات المنبثقة عن مجلس النواب المنعقد شرقي ليبيا بقيادة...

هادي يصف الإمارات بـالاستعمار الغبي

هادي يصف الإمارات بـالاستعمار الغبي

قال مصدر يمني مطلع لـ"عربي21" إن المواجهة بين الرئيس اليمني...

  • أيام في سيلان والمالديف