موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

معاهدة الصلح المصرية- الإسرائيلية

May 26 2016 10:02:14

الكاتب : مدير الموقع

معاهدة الصلح المصرية- الإسرائيلية

في السادس والعشرين من آذار سنة 1979 تم، في واشنطن، التوقيع على معاهدة الصلح المصرية- الإسرائيلية، وفق الأسس التي أرسلتها اتفاقيات كامب ديفيد بين الحكومة المصرية وحكومة (إسرائيل).

وقد وقع المعاهدة عن مصر الرئيس أنور السادات وعن (إسرائيل) رئيس وزرائها مناحيم بيغن، كما وقعها بصفة شاهد” الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

تتألف معاهدة الصلح المصريةالإسرائيلية هذه من تسع مواد وثلاثة ملاحق وبروتوكولات ومحضر متفق عليه لبعض مواد المعاهدة، وكذلك من مجموعة رسائل تم تبادلها بين الموقعين. وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة التاسعة من المعاهدة على أن “تعد كافة البروتوكولات والملاحق والخرائط الملحقة بهذه المعاهدة جزءاً لا يتجزأ منها”. وهذا يعني، قانوناً، أن الرسائل المتبادلة بين الموقعين، وأهمها تلك المتعلقة بمفاوضات الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا تشكل جزءاً من المعاهدة، مما يؤكد من جديد، الطابع الثنائي للاتفاق الموقع، ويثبت نجاح (إسرائيل) وأمريكا في إخراج مصر من الصف العربي.

تبدأ المعاهدة بديباجة “دعائية” أكد فيها الطرفان المتعاقدان التزامهما “بإطار السلام في الشرق الأوسط المتفق عليه في كامب ديفيد”. باعتبار أن هذا الإطار إنما قصد به أن يكون أساساً للسلام، ليس بين مصر وإسرائيل فحسب، بل أيضاً بين إسرائيل وأي من جيرانها العرب، كل فيما يخصه، ممن يكون على استعداد للتفاوض من أجل السلام معها على هذا الأساس”. أي أن بنود هذه الاتفاقية ستشكل “النموذج” لأي اتفاق مماثل يمكن أن يعقده أي طرف عربي مع (إسرائيل)  وتمضي الديباجة إلى إظهار “الجدية القانونية” التي يفترض أن تتسم بها ديباجات المعاهدات فتنص على أن مصر و(إسرائيل) قد اتفقتا على أحكام المعاهدة بمقتضى “ممارستها الحرة لسيادتهما”. وفي هذا منتهى المغالطة بالنسبة إلى مصر التي ارتأت حكومتها الدخول في هذه المعاهدة، وقسم من أرضها ما زال تحت الاحتلال، وأمنها بالتالي مهدد في كل حين. فأهليتها، والحالة هذه، مشوبة بالبطلان عملاً بقانون المعاهدة (المادة 51 من اتفاقية فيينا لعام 1969) .

تم الاتفاق بموجب المادة الأولى من المعاهدة على إنهاء حالة الحرب بين الطرفين. وعلى إقامة سلام بينهما عند تبادل وثائق التصديق على المعاهدة وتبدو الفقرة الثانية من هذه المادة مضللة، فهي تنص على أن تسحب إسرائيل كافة قواتها المسلحة والمدنيين من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب. وتتألف مصر ممارسة سيادتها الكاملة على سيناء”. لكن هذه العبارة الأخيرة مقيدة بكيفية الانسحاب ومؤداه. إذ تولى البروتوكول الأول من المعاهدة بيان معنى السيادة المصرية التي ستمارسها مصر على سيناء. وهي سيادة منقوصة بشكل واضح ورمزية أحياناً. فسيناء بموجب البروتوكول المشار إليه، قسمت إلى ثلاث مناطق: “أ” و”ب، و”ج”. ففي المنطقة أ، التي يجدها من العرب قناة السويس والساحل الشرقي لخليج السويس ومن الشرق ما أسمته المعاهدة الخط الأحمر، والتي تشكل أقل من ثلث شبه الجزيرة مساحة، لايحق لمصر أن تحشد فيها أكثر من فرقة عسكرية واحدة، مجموع جنودها لا يتجاوز 22 ألفاً مع عدد محدد من المدافع والمركبات والدبابات والصواريخ (الفقرة 1 من المادة 2 من الملحق الأول). وفي المنطقة ب التي يحدها من الشرق الخط الأخضر، ومن الغرب الخط الأحمر لا يحق لمصر أن تحشد فيها أكثر من أربع كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة للمحافظة على النظام في المنطقة، فلا يتجاوز مجموع القوات المصرية 4.000 جندي.

وتشكل هذه المنطقة أكثر من ثلث شبه الجزيرة، أما ما تبقى منها، وهو المنطقة ج التي تمتد من الخط الأخضر إلى الحدود الدولية لمصر مع فلسطين، فكل ما يمكن لمصر ممارسته من سيادة عليها، هو إرسال شرطة مدنية فقط، تعمل بالتعاون مع قوات الأمم المتحدة.

وفي مقابل كل هذا التقييد للسيادة المصرية على أراضيها رضيت (إسرائيل) أن تقيد سيادتها على شريط حدودي لا يزيد عرضه عن ثلاثة كيلومترات داخل الأرض الفلسطينية المحتلة من الحدود الدولية لمصر وفلسطين، إلى ما عرفته المعاهدة بالخط الأزرق.

وفي هذه المنطقة يحق (لإسرائيل) أن تحشد مثل ما سمح لمصر بحشده في قلب سيناء، أي أربع كتائب مشاة يصل عدد أفرادها إلى 4.000 جندي.

إذن، فالحكومة المصرية، إضافة إلى انعدام التكافؤ في حجم المناطق المحددة التسليح بينها وبين (إسرائيل). ارتضت ما يعرف في القانون الدولي بالسيادة المنقوصة (Servitude)، وهو انتقاص للسيادة تواضع الفقه على الإشارة إليه في المعاهدات بين المنتصر والمهزوم. ومما يزيد من ثقل الالتزام الذي ارتضته حكومة مصر أن الانسحاب الإسرائيلي سيتم على مراحل تنتهي في ثلاث سنوات، في حين أن تطبيع العلاقات مع الدولة المعتدية سيبدأ بعد الانسحاب الإسرائيلي الأولي (أي من أقل من ثلث سيناء). وهذه سابقة لا مثيل لها في التعامل الدولي المؤرخ، خاصة وأن هذا التطبيع في العلاقات المصرية – الإسرائيلية، يتجاوز الاعتراف الكامل والتبادل الدبلوماسي والقنصلي، ليصل إلى إقامة العلاقات الاقتصادية والثقافية. وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي، المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع. ومعاملة مواطني الطرفين على قدم المساواة بالنسبة للضمانات القانونية (المادة 3 من المعاهدة).

وقد خصص البروتوكول الثالث الملحق بالمعاهدة، لتفصيل هذه الأصول بطريقة تقطع كل شك في أن حكومتي مصر و(إسرائيل) ستتعاملان لا كدولتين في حالة سلم وحسب، كما ذهبت إليه بنود المعاهدة، بل كدولتين حليفتين ضد أعداء مشتركين. فالمادة الخامسة من هذا البروتوكول ذات مدلول خاص، إذ تنص فقرتها الثانية على أن “يتعاون الطرفان في إنشاء السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة، ويوافق كل منهما على النظر في المقترحات التي قد يرى الطرف الآخر التقدم بها تحقيقا لهذا الغرض”.

هذا النص يشكل قاعدة نواة تحالف عسكري بين الطرفين. تجاه أي طرف معارض لهما في المنطقة التي لم تحدد جغرافياً من صفد، بما يضمن مصالهما ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي وقفت، وتقف وراء هذا التحالف الجديد، إن لم تكن هي ذاتها شريكة فيه، وبما يفرض وجهة نظر هذا التلاقي الجديد في استراتيجية التنمية والسلام في هذه المنطقة.

وقد جعلت المعاهدة من مصر، فوق ذلك، حامية الأمن (إسرائيل) بالذات. فبموجب الفقرة الثانية من المادة الثالثة منها يتعهد كل طرف بأن يكفل “عدم صدور فعل من أعمال الحرب أو الأعمال العدوانية، أو افعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته… إلخ”، كما يتعهد كل طرف أيضاً بالامتناع عن التنظيم، أو التحريض، أو الإشارة، أو المساعدة، أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب،أو الأفعال العدوانية،أو النشاط الهدام،أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الأخر في أي مكان. كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة.

والمعنى المباشر لهذه العبارة الأخيرة أن تقاوم مصر أي عمل فدائي فلسطيني يقوم ضد الكيان الصهيوني في أي مكان، وأن تقدم أبطاله للمحاكمة. وأن تمتنع عن مساعدة أي دولة عربية قد تجد نفسها في صراع مسلح مع هذا الكيان.

تتصل المادة الرابعة من المعاهدة بتوفير الحد الأقصى للأمن لكلا الطرفين على أساس التبادل. وبموجبها اتفق على إقامة ترتيبات أمن تشمل مناطق محدودة التسلح في الأراضي المصرية الإسرائلية على النحو غير المتكافىء الذي أشرنا إليه. وكذلك وجود قوات أمم متحددة ومراقبين دوليين يتمركزون في المناطق المتفق عليها، ولا تنسحب هذه القوات إلا بموافقة مجلس الأمن التابع للمنطقة الدولية. وفي هذا ما فيه من تجاوز لصلاحيات هذا المجلس. وتعد عليها، فالمجلس بموجب ميثاق الأمم المتحدة هو الساعد التنفيذي الرئيس للأمم المتحدة، وهو وحده الذي يقرر إرسال قوات دولية أو مراقبين دوليين بالشروط التي يحددها، ولا يمكن لدولتين أو ثلاث فرض مثل هذا الالتزام عليه. وأكثر من هذا، وإمعاناً في تحدي الأمم المتحدة، ذهبت المادة السادسة من البروتوكول الأول للمعاهدة، إلى أن مصر و(إسرائيل)، هما اللتان تحددان الدول التي تشكل منها قوات الأمم المتحدة ومراقبوها.

وذهبت المادة الثالثة من ملحق البروتوكول الأول إلى أن الفريقين المعنيين هما اللذان يتوليان طلب توزيع قوات الأمم المتحدة، ويقومان بإعادة توزيع هذه القوات.

كما حددت هذه المادة وسواها مهام هذه القوات بما يؤكد “الدور المظهري” الذي تصوره أرباب الاتفاقية للأمم المتحدة ومجلس أمنها.

إن المنظمة الدولية في ذهن الطرفين، مجرد غطاء لتصرفات وترتيبات اتفق عليها مع الولايات المتحدة التي أوكل إليها الطرفان المتعاقدان، ووافقت هي، على إقامة محطات إنذار مبكر، والقيام بطلعات استكشافية لضمان ترتيبات الأمن المتبادل بينهما، كما وافقت أن تتولى منفردة اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان إنشاء واستمرار قوة بديلة لقوات الأمم المتحدة المتفق عليها، واستمرارها، إذا أخفق مجلس الأمن في التجاوب مع رغائب مصر و(إسرائيل) والولايات المتحدة.

أما المادتان الخامسة والسادسة من المعاهدة فلعلهما من أخطر المواد وأبعدها أثراً. فبموجب المادة الخامسة تتمتع السفن الإسرائيلية، بغض النظر عن نوعها وشحناتها، بحق المرور الحر في قناة السويس ومداخلها في كل من خليج السويس والبحر المتوسط، وفقاً لأحكام اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 المنطبقة على جميع الدول.

ويعتبر الطرفان أن مضيق تيران وخليج العقبة من الممرات المائية الدولية المفتوحة، لكافة الدول دون عائق أو إيقاف لحرية الملاحة أو العبور الجوي.

وبالنسية إلى الملاحة الإسرائيلية في قناة السويس التي سمحت بها الفقرة الأولى من هذه المادة فإنها تعني إسقاط مصر – قانونياً، لجميع التحفظات المشروعة التي كانت تثيرها في وجه (إسرائيل) اعتباراً من مطلع الخمسينات، والتي كانت تجد فيها مستنداً لها، في رأي العديد من الدول والفقه القانون الدولي، بدليل عدم لجوء أحد من أطراف معاهدة عام 1888، لمقاضاة مصر أمام محكمة العدل الدولية، حول هذه التحفظات. رغم قبول مصر لاختصاص هذه المحكمة حول الموضوع في عام 1957. إثر قيامها بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، والضجة الإعلامية الكبرى التي أثارها أنصار (إسرائيل) حول حقها في الملاحة فيها، وفق أحكام الاتفاقية سالفة الذكر. لكن ما هو أدهى في هذه الفقرة من المادة الخامسة إقرار مصر بأن هذه السويس ممر مائي دولي مفتوح لجميع الدول. بمعنى أنه لن يحق لمصر، وبإقرارها هي، ممارسة سيادتها الكاملة على القناة تجاه أي دولة أخرى، حتى ولو كانت في حالة حرب معها.

وفي هذا الإقرار إسقاط نهائي لحجج مصرية تاريخية وقانونية بسيادتها على القناة وخاصة في حالة الحرب. ذلك أنه وفق قانون المعاهدات الدولية تعتبر جميع الدول الأخرى مستفيدة من هذا الحق الممنوح لها بموجب المعاهدة، ما دامت وافقت عليه، ويعتبر السكوت هنا موافقة (المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات) .

أما الفقرة الثانية من المادة الخامسة  فآية من آيات المخالفة لأحكام القانون الدولي. فحين تتفق مصر و(إسرائيل) على اعتبار مضيق تيران وخليج العقبة من الممرات المائية الدولية تعتديان على الحقوق الثابتة لدول أخرى، لا يمكن بدون رضاها تحديد صفة هذا المضيق والخليج. فمضيق تيران يقع بين جزيرتي تيران وصاقير وشاطىء شبه جزيرة سيناء الشرقي. وإذا كانت مصر دولة مطلة على المضيق، وتملك أن تعبر عن موقفها القانوني منه فإن إضفاء الصفة القانونية التي منحت لهذا المضيق تحتاج إلى موافقة المملكة العربية السعودية، لأن السيادة القانونية على تيران وصنافير لها، وما الوجود المصري في هاتين الجزيرتين إلا وجود واقعي نشأ نتيجة إعارة السعودية مصر هاتين الجزيرتين بغية حماية مداخل خليج العقبة من العدوان الإسرائيلي باللذات. والسعودية لم توافق على اعتبار المضيق ممراً دولياً. ولا قيمة قانونية لاعتبار(إسرائيل) لهذا المضيق كذلك لأنها ليست دولة ساحلية بالنسبة إلى هذا المضيق.

أما بالنسبة إلى خليج العقبة فقد كان دوماً من وجه نظر العربية أحد الخلجان التاريخية التي لا تسري عليها أحكام الخلجان العادية التي حددتها اتفاقيات جنيف لعام 1958، كما أنه ليس (لإسرائيل) على الخليج حق قانوني معترف به. لأنها وصلت إلى ما يعرف الآن بميناء إيلات بطريقة الاحتلال العسكري لأم الرشرش العربية بعد توقيع اتفاقات الهدنة الدائمة مع الدول العربية. والاحتلال لا ينشىء حقوقاً قانونية مهما بعد به الزمن.

إن خليج العقبة يقع بين السعودية والأردن ومصر، ولا تملك مصر وحدها أن تغير في وضعه القانوني، لأن الإقرار في القانون لا ينصرف إلا إلى صاحبه. والالتزامات التي حاولت هذه المادة من المعاهدة فرضها على دول أخرى (السعودية والأردن) باطلة، لأن كلتا الدولتين لم تقبل هذه الالتزامات. والمعروف في قانون المعاهدات أنه ليس من شأن دول غير أطراف في معاهدة ما أن تلتزم بأحكامها، إلا إذا قبلت ذلك صراحة وكتابة. إذن، فالنص هذا باطل قانوناً بالنسبة إلى من يتعلق بهم فعلاً، بغض النظر عن المنعكسات السياسية له.

والمادة السادسة من معاهدة الصلح المصريةالإسرائيلية أخطر، ذلك أنه بموجب الفقرة الخامسة منها، يقر الطرفان بأنه في حال وجود تناقص بين التزامات الأطراف التي تنص عليها هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة. ومفهوم هذا النص، أن الالتزامات مصر بموجب هذه المعاهدة، تحت التزاماتها العربية الأخرى. وخاصة تلك التي يرتبها ميثاق جامعة الدول العربية، ومعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي أبرمت، فيما أبرمت من أجله، لمواجهة العدوان الصهيوني. فمعنى نص الفقرة الخامسة من معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية، وأن مصر تبرأت من مواجهة (إسرائيل)، حتى عندما يتعرض قطر عربي آخر لعدوانها. كما تعهدت مصر بتصريح العبارة في الفقرة 4 من هذه المادة بعدم الدخول مستقبلاً في أي التزام يتعارض مع معاهدة الصلح الحالية.

إن مصر لا تملك، قانونياً، الانسحاب من معاهدات دولية لها من القيمة القانونية ما لهذه المعاهدة، بهذا الأسلوب المرفوض، في رأي جمهور الفقهاء ورجال الاجتهاد القضائي الدولي. فعلت مصر ذلك، فضربت بذلك عرض الحائط، بأبسط مبادىء القانون الدولي. لا بل بأبسط مبادىء الالتزام القومي. وإذا كان من السهل على أية حكومة مصرية قادمة أن تفلسف التزامها بموجب الفقرة 5 من المادة السادسة بما ينفي تبرؤها من التزاماتها العربية القانونية القائمة فإن الأمر ليس بالسهولة ذاتها من وجهة النظر القانونية فيما يتعلق بدخول مصر في أي التزام عربي جديد، ما دام يتعارض وأحكام معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية.

 إن هذه المادة مثال صارخ على تسليم الطرف المصري المفاوض بشروط المفاوض الإسرائيلي الذي أصر على إخراج مصر من المعسكر العربي المواجه (لإسرائيل) العنصرية العدوانية، ونجح في ذلك.

وإمعاناً في المراوغة وتمويه الحقائق ادعى المفاوض المصري أن معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية تضمنت ما يصون حقوق الشعب العربي الفلسطيني، فلم تكن والحالة هذه – حسب رأيه – صلحاً منفرداً بين حكومة مصر و(إسرائيل). لا بد لإيضاح الحقيقة، من تبيان الآتي:

1 ـ ليس في المعاهدة، أو ملاحقها، إشارة إلى هذه الحقوق من قريب أو بعيد. وكل ما جاءت به المادة الثانية من المعاهدة نص غامض لا يتقدم ولا يؤخر، لأنها قررت أن الحدود الدائمة بين مصر و(إسرائيل) هي الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، وذلك دون المساس بها فيما يتعلق بوضع قطاع غزة. ولا يعرف أي وضع لهذا القطاع قصده المتعاقدان، هل كجزء من فلسطين تحت الإدارة المصرية ؟ أم كإقليم تحتله (إسرائيل) بقوة السلاح منذ 1967 ؟ كذلك لا يعرف الوضع المرتقب لهذا القطاع، هل يعود إلى الإدارة المصرية، أم يبقى تحت السيادة الفعلية للعدو ؟ كلها أمور لا تجيب عنها المعاهدة، أو ملاحقها، مما يعني أن مصير القطاع ومستقبل سكانه بقيا مجالاً لمساومة مقبلة بين حكومتي مصر (وإسرائيل(  .

2 ـ ليس في المعاهدة أو في ملاحقها وسط مباشر أو غير مباشر، ضمني أو علني بين تطبيق أحكامها وما اسمته اتفاقية كامب ديفيد، الحكم الذاتي لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة”، سواء في الزمان أو في الإنقاذ، مما يؤكد تكراراً الطابع الثنائي للصلح المصري – الإسرائيلي.

3 ـ إن تبادل الرسائل الذي تم بين الفريقين المتعاقدين، وشهد عليه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر حول مسالة مفاوضات الحكم الذاتي لسكان الضفة والقطاع لا يعتبر جزءاً من الوثيقة القانونية المسماة بمعاهدة الصلح المصريةالإسرائيلية، بصريح نص المادة التاسعة منها. إذن، فالحديث عن استمرار التزام حكومة مصر بنجاح هذه المفاوضات، وتطبيق الحكم الذاتي، على غموض هذا التعبير، يبقى أداة تمويه دعائي لا أكثر.

ثم إن مضمون هذه الرسائل المتبادلة ليس إلا تعهداً مصرياً – إسرائيلياً، بشهادة أمريكية، بأن يشرع الطرفان في تنفيذ النصوص المتعلقة بالضفة والقطاع كما وردت في اتفاق كامب ديفيد. وعلى الأساس اتفقت الحكومتان على ما يلي:

بدء المفاوضات خلال شهر عن تبادل وثائق التصديق على معاهدة السلام. ووفقاً لإطار السلام في الشرق الأوسط، فإن المملكة الأردنية الهاشمية مدعوة للاشتراك في المفاوضات. ولكل من وفدي مصر والأردن أن يضم فلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، أو فلسطينيين آخرين باتفاق مشترك. وهدف المفاوضات هو الاتفاق، قبل إجراء الانتخابات، على الترتيبات الخاصة بإقامة سلطة الحكم الذاتي المنتخبة (المجلس الإداري)، وتحديد سلطاتها ومسؤولياتها، والاتفاق على ما يرتبط بذلك من مسائل أخرى. وإذا رفض الأردن الاشتراك في المفاوضات فستجري المفاوضات بين مصر وإسرائيل.

وتتفق الحكومتان على أن تتفاوضا بصفة مستمرة، وبحسن نية من أجل الانتهاء من هذه المفاوضات في أقرب تاريخ تمكن. كما تتفق الحكومتان على أن الغرض من المفاوضات هو إقامة سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وغيره من أجل تحقيق الحكم الذاتي الكامل للسكان.

ولقد حددت مصر وإسرائيل لنفسهما زمناً للانتهاء من المفاوضات وهو عام واحد، ويتم إجراء الانتخابات بأسرع ما يمكن، بعد أن يكون الأطراف قد توصلوا إلى اتفاق. وتنشأ سلطة الحكم الذاتي المشار إليها في إطار السلام في الشرق الأوسط. وتبدأ عملها خلال شهر من انتخابها. واعتباراً من هذا التاريخ تبدأ فترة خمس السنوات الانتقالية. ويتم سحب الحكومة العسكرية الإسرائيلية وإدارتها المدنية لتحل سلطة الحكم الذاتي ومحلها كم هو منصوص عليه في إطار السلام في الشرق الأوسط. وحينئذ يتم انسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة وإعادة توزيع القوات الإسرائيلية المتبقية في مواقع أمن محددة”.

وستشترك حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كاملاً في كافة مراحل المفاوضات.

ويجد أثره نفسه هذا أمام المبادىء التي اتفق عليها في كامب ديفيد نفسها،  مع التجزئة الواضحة بين الصلح المصري – الإسرائيلي من ناحية، والقضية الفلسطينية، بل مجرد مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، من ناحية أخرى.

1 ـ فمصر (وإسرائيل) ستتفاوضان على مصير سكان المنطقتين وليس على مستقبل المنطقة، لأن (إسرائيل) أكدت غير مرة في المدة الواقعة بين كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية أن ما يسمى بالحكم الذاتي هو للسكان وليس للأراضي. ولا يبدو أن حكومة مصر سعت إلى مواجهة هذا التفسير الإسرائيلي الشاذ. بل يبدو أنها ماشته ووافقت عليه.

2 ـ لن تحل مصر في هذه المفاوضات محل الأردن وحده، بل محل الشعب الفلسطيني الذي أقر المجتمع الدولي برمته تقريباً أنه وحده. ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد، الطرف المعني بمستقبله ومصيره. وليس مقبولاً قانونياً، أو سياسياً أو أخلاقياً، أن يولي أحد نفسه وكيلاً عن شعب كامل في التفاوض مع عدو هذا الشعب ووفق أسس يضعها هذا الوكيل المفروض مع العدو المغتصب.

3 ـ ما زال الحديث يدور في هذه الرسائل عن “سكان” الضفة الغربية وقطاع غزة وليس عن الشعب الفلسطيني فيها، أي عن العرب أصحاب البلاد الأصليين والمستوطنين الغزاة سواء بسواء، مع إن المجتمع الدولي، وخاصة من خلال الأمم المتحدة، رفض بإصرار أي حق قانوني للإسرائيليين بالاستيطان في الضفة والقطاع.

4 ـ ما زال الغرض النهائي من المفاوضات تمكين “سكان” الضفة والقطاع من الوصول إلى الحكم الذاتي وفق المفهوم الإسرائيلي لهذا الحكم (المجلس الإداري)، وهو ما يتعارض مع ما تواضع عليه العالم المتحضر على معنى الحكم الذاتي، على قصوره عن معنى تقرير المصير الذي هو وحده، وليس أدنى منه، ما اعترف به الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني، سواء في الضفة والقطاع أم في المنفى .

5 ـ وما زال مستقبل الضفة الغربية والقطاع في النهاية رهن الإدارة الإسرائيلية وحدها. فلا استقبال ولا اتحاد مع أقطار عربية مجاورة، بل بقاء تحت السيادة الإسرائيلية. وهذا واضح من إصرار (إسرائيل) ورضا حكومة مصر على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة، ويعاد توزيع المتبقي منها “مواقع أمن محددة” ضمن الضفة والقطاع، ومن إصرار مناحيم بيغن تكراراً على أن حكومته تفهم عبارة الضفة الغربية على أنها تعني “يهودا والسامرة”.

تم التوقيع على معاهدة الصلح المصريةالإسرائيلية في حدائق البيت الأبيض بواشنطن يوم 26/3/1979 وسط سخط جديد وغضية شعبية عربية. وفي اليوم نفسه أعلن الحداد العام في الأراضي العربية المحتلة، كما وجه العراق الدعوة لاجتماع وزراء الخارجية والاقتصاد العرب، إنفاذاً لقرارت مؤتمر القمة التاسع.

وفي 31/3/1979 صدرت عن اجتماع الوزراء مجموعة من القرارات السياسية والاقتصادية الهامة، تضمنت فيما تضمنت فرض المقاطعة العربية الشاملة على النظام الحاكم في مصر، كما تقرر نقل جامعة الدول العربية مؤقتاً إلى تونس وتعليق عضوية مصر في المنظمات العربية كلها.

وبدأت الدول العربية التي لم تكن قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع القاهرة تفعل ذلك تباعاً.

وفي 11/4/1979 وافق مجلس الشعب المصري على معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية بكل وثائقها. كما وافق عليها الكنيست الإسرائيلية.

وفي 25/4/1979 جرى في أم خشيبة (محطة الإنذار المبكر الأمريكية) وسط شبه جزيرة سيناء تبادل وثائق تصديق المعاهدة بين مصر و(إسرائيل)، وغدت نافذة المفعول.

وفي 25/5/1979 افتتح مؤتمر الحكم الذاتي للضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين في مدينة بئر السبع بحضور مندوب الرئيس الأمريكي روبرت شتراوس اليهودي. واستمر تنفيذ أحكام معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية، وتم تطبيع العلاقات بين البلدين، ومنها تبادل السفراء بين مصر (وإسرائيل)  يوم 26/2/1980، ورفرف العلم الإسرائيلي لأول مرة في التاريخ في عاصمة أكبر دولة عربية، القاهرة.

المراجع:

– النصوص الرسمية للمعاهدة المصرية – الإسرائيلية، كما وزعتها وزارة الخارجية الأمريكية.

محمد عزيز شكري: المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم، دمشق 1973.

 

الوسوم

( السادات مصر إسرائيل معاهدة كامب ديفيد كارتر اتفاقية سيناء غزة الضفة خليج العقبة تيران قناة السويس )
جديد المقالات المزيد
دعوني آكلُ من ابني

دعوني آكلُ من ابني

كتب أحد الشعراء معلقا على ما حصل للمسلمين من حصار في ت�...

المغزى الاستراتيجي لفتح الأندلس

المغزى الاستراتيجي لفتح الأندلس

سيدي أعمر كان الفتح الإسلامي للأندلس عام 92هـ/711م ،حد�...

تدمير الفلوجة وإنقاذ البيت الشيعي

تدمير الفلوجة وإنقاذ البيت الشيعي

شريف عبدالعزيز منذ اليوم الأول لإعلان جورج بوش الابن...

جديد الأخبار المزيد
الأتراك يطالبون بفتح آيا صوفيا للصلاة فيه

الأتراك يطالبون بفتح آيا صوفيا للصلاة فيه

طالب آلاف الأتراك اليوم السبت، بعودة آيا صوفيا مسجدا �...

هكذا تنتقم إسرائيل من أوروبا بعد قرار وسم منتجات المستوطنات

هكذا تنتقم "إسرائيل" من أوروبا بعد قرار وسم منتجات المستوطنات

 واصلت سلطات الاحتلال الصهيوني أعمال الهدم والمصاد...

مسؤول أممي: الأسد يحاصر نصف مليون شخص ويقتلهم ببطء

مسؤول أممي: الأسد يحاصر نصف مليون شخص ويقتلهم ببطء

 كشف مسؤول العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة (ستي...

  • أيام في سيلان والمالديف