موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

حتى لا ينحرف الصيام عن غايته السامية

Jun 2 2016 11:43:06

الكاتب : مدير الموقع

حتى لا ينحرف الصيام عن غايته السامية

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

للشيطان أساليب لا تحصى في صد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى ، وقد صرح في حوار مع المولى عز وجل ببعض تلك الأساليب فقال : {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [الأعراف: 16، 17]..

وهو قد يحرص أحيانا على صرف الإنسان عن عبادة ربه فإذا ما أيس من صرفه عنها ووجد منه إصرارا على الطاعة تلطف به حتى يحول له العبادة إلى عادة ، ثم يبتعد به عن الغاية الأسمى من وراء تأدية تلك العبادة والمحافظة على أدائها ..

ومثال ذلك حال الناس مع الصوم في عصرنا الحديث، فرغم أنه فُرض من أجل أن يسمو الإنسان بروحه ، ويصل بها إلى مرحلة الصفاء بعد التخفف من الطعام والشراب والاقتصار على وجبتين فقط في أول الليل وآخره ، مما يعني أنه يوفر من مصروفه الغذائي حوالي 33% على مدى الشهر المبارك ، إلا أن الناس انحرفوا به عن تلك الغاية ، وجعلوه شهرا للتخمة والإسراف والتبذير ، حتى إن البعض صاروا يخرجون منه مستدانين تتراكم عليهم ديون ما اشتروه بالتقسيط أو استلفوه من المال ليغطوا به نفقاته الزائدة ..

وغدت بعض حكومات الدول الإسلامية تستعد له بما يشبه حالة الطوارئ ، فمن شهر تقريبا وأن أسمع دندنة الحكومة المصرية عن توفير السلع الغذائية في رمضان المبارك ومراقبة أسعارها ، وكأن الشهر سيحل علينا لا لنصوم نهاره ، وإنما لنحول ليله إلى سباق حاد في التهام الطعام والشراب ..

إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال عن رمضان بأنه شهر يزاد فيه رزق المؤمن كان لا ينطق عن الهوى فيما يقوله ، فبركات الله عز وجل تتنزل في هذا الشهر الكريم ، ولكن على المقتصدين فقط الذين قال الله سبحانه وتعالى عنهم : {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا  } [الفرقان: 67]

والذين استجابوا للأمر الإلهي : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] ..

فإذا ما أسرف الإنسان في طعامه وشرابه انعدمت بركة الله عز وجل ، وصار الطعام والشراب عليه نقمة لا نعمة ، نقمة تجلب له الأمراض التي تستنزف ماله وتذهب ببركته ..

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم أن قال ": ما ملا آدمي وعاء شرا من بطنه ، حسب بن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبته نفسه ، فثلث طعام ،وثلث شراب، وثلث للنفس " لم يكن يستثني من ذلك الصائمين الذين يلتفون بأولادهم ونسائهم حول الموائد المستديرة التي تكدس عليها الأطعمة .

ومن خلال تتبعي لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه لم أجد أن طعامهم الذي كانوا يتناولونه في إفطارهم أو سحورهم يختلف عن الطعام الذي يتناولونه في الأيام المعتادة ، وربما اقتصروا فيه على تمور يسدون بها رمقهم ، أو حليب يمزجونه بالتمر أو الرطب ..

بل إن بعض السلف الصالح كان يتعمد أن يكون طعامه وشرابه في رمضان متواضعا رغم كثرة أمواله ، فهذا الخليفة العباسي المهتدي الذي حكم العالم الإسلامي في أوج مجده وغناه يقول عنه أبو العباس هاشم بن القاسم : "كنت عند المهتدي عشيَّةً في رمضان فقمت لأنصرف ، فقال: اجلس، فجلست، فصلى بنا، ودعا بالطعام ، فأحضر طبقا عليه أرغفة وآنية فيها ملح وزيت وخل ، فدعاني إلى الأكل فأكلت أكل من ينتظر الطبيخ فقال: ألم تكن صائماً؟ قلت: بلى، قال: فكل واستوفِ ، فليس هنا غير ما ترى!..

 وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته وبالتحديد في السنة التي استشهد فيها يفطر عند الحسن مرة ، وعند الحسين مرة ، وعند عبد الله بن جعفر مرة ، ولا يزيد في إفطاره على لقم معدودة..

 

وأنا لا أطالب من وسّع الله عليه أن يتشبه في طعامه بعلي رضي الله عنه ولا بالمهتدي في تقشفهما ، وإنما فقط أن يلتزموا بقول الله تعالى :" كلوا واشربوا ولا تسرفوا " وألا يُذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا ، وألا يخرجوا بالصيام عن مقصده ، وألا يجعلوا رمضان من بين الشهور شهر الاستدانة وشح المواد الغذائية ، فيتحول من شهر خير وبركة إلى شهر أزمة مالية وضيق ، ويربك مجيئه ذهن المسئولين قبل عوام الناس..

فإن فعلنا ذلك كنا قد انحرفنا بالصيام عن غايته السامية ، وابتعدنا به عن التقوى التي هي علته الكبرى ، لأن التقوى لا تتحقق مع التبذير ، ولا تحصل مع الإسراف المنهي عنه في الإسلام ، فهل من مدكر ؟!!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

 

الوسوم

( السلف الصالح الصيام التقوى النبي الصحابة الشيطان الإسلام )
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
قراءة في خفايا الحرب الاقتصادية الإسرائيلية على قطاع غزة !!!

قراءة في خفايا الحرب الاقتصادية الإسرائيلية على قطاع غزة !!!

حسن عطا تُعتبر الحرب الاقتصادية من أكثر الوسائل التي...

الفلوجة وأخواتها .. حقبة ما بعد المدن

ليس من كمال الذوق الدخول على مجلس عزاء ومخاطبة أهل الم...

أنكون على موعد مع الهزيمة؟

فهمي هويدي : كأننا على موعد مع الهزيمة فى شهر يونيو. ذ�...

جديد الأخبار المزيد

دعوات بإسرائيل لفرض الخيار الأردني على الفلسطينيين

دعا الكاتب الإسرائيلي يائير شيلغ إلى تسوية مع الفلسطي...

فورين بوليسي: حفتر وحلفاءه يهددون مستقبل ليبيا

نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريرا  عن الأوضاع في ...

سر عدم انهيار الحوثيين أمام ضربات التحالف الموجعة

كشف محللون وباحثون مختصون عن السر وراء عدم انهيار الح�...

  • أيام في سيلان والمالديف