موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • الصيام

معارك النــصرفي رمضان..هل تعود من جديد؟

Jun 23 2016 10:28:35

الكاتب : مدير الموقع

معارك النــصرفي رمضان..هل تعود من جديد؟

د / حلمي القاعود

يعد شهر رمضان شهراً استثنائياً في حياة المسلمين على مستوى الأفراد، وصعيد الأمة؛ فهو بالنسبة للأفراد فرحة ينتظرها المسلم كل عام، تتغير طبيعة النمط المعتاد في الطعام والشراب والسلوك والعبادة، فالصيام يبدأ مع الفجر الجديد في كل يوم من أيام رمضان حتى الغروب، وتتحرك النفس المسلمة بالرهافة والرقة والخشوع والخضوع وإخراج الزكوات؛ فيكون هناك تعاطف مع الناس والإغداق عليهم بقدر المستطاع؛ ليتحقق التضامن والتكافل في المجتمع الإيماني، وتصفو القلوب وتتفرغ لمزيد من العبادة وقيام الليل وقراءة القرآن.

أما الأمة الإسلامية أو المجتمع الإسلامي، فيستعيد في وقفة مع النفس لحظات الإشراق الروحي والعملي التي مرت به على مدى تاريخه الطويل، فيرى في مناسبة رمضان بعثاً لبطولات المسلمين وتضحياتهم وانتصاراتهم التي شكلت مواقف فارقة في التاريخ.

رمضان يمثل لحظة البهجة والأمل في حياة المسلمين، ينتظرونها كل عام لتجديد الصلة مع الخالق سبحانه وتعالى، وترويض النفوس على تحمل مشاقِّ الصوم والامتناع عن طيبات الحياة وشهواتها طوال فترة الصوم، والقيام بواجباتهم المجهدة لينالوا ثواباً مضاعفاً، وتحقيق الرغبة الإلهية في الدخول إلى رحاب التقوى والصفاء والنقاء، قال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"185"} (البقرة).

يقول صاحب «المنار» (ص 116) في شرحه للآية الكريمة: الصيام في اللغة: الإمساك والكفّ عن الشيء، وفي الشرع: الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب؛ احتساباً لله، وإعداداً للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بالمراقبة له وتربية الإرادة على كبح جماح الشهوات، ليقوى صاحبها على ترك المضار والمحرمات، وقد كتب على أهل الملل السابقة فكان ركناً من كل دين; لأنه من أقوى العبادات وأعظمها.. وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفرضية وترغيب فيها.

قال الأستاذ الإمام: أبهم الله هؤلاء الذين من قبلنا، والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية، فهو معروف عن قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لاسيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين، وثبت أن موسى عليه السلام صام أربعين يوماً، وهو يدل على أن الصوم كان معروفاً مشروعاً ومعدوداً من العبادات.

رمضان والانتصارات

ولأمر ما كانت معظم غزوات المسلمين وجهادهم وانتصاراتهم في شهر رمضان، شهر الصوم المبارك وشهر التقوى وشهر الصبر والتحمل ومجاهدة النفس، يفترض أن يكون الجهاد في الشهور الأخرى غير شهر رمضان؛ حيث يتاح للمجاهد أن يفطر ويتقوّت بالطعام ليستعين على القتال والصراع، ويتناول الماء وخاصة في أيام الحرّ والقيظ ليواجه العطش والجفاف.. النزعة الإيمانية تدفع المسلم ليقاتل وهو صائم، ويتحمل الشدائد لإرضاء ربه واستجابة لنداء دينه، مع إنه يباح له الفطر إذا لم يكن يستطيع الصوم وهو يقاتل.

ومن هنا شهد التاريخ الإسلامي معظم الغزوات والمعارك الفاصلة في حياة المسلمين منذ بداية الدعوة حتى العصر الحديث؛ فقد وقعت غزوة «بدر» في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وحدث «فتح مكة» في العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وفتح «البويب» في العام 13هـ، وجرت معركة «القادسية» في رمضان عام 15هـ بقيادة سعد بن أبي وقاص، وفتحت «النوبة» عام 31هـ، وتم فتح «بلاد الأندلس» في رمضان عام 92هـ بقيادة طارق بن زياد، وفتح «عمورية» عام 223هـ، وتحقق نصر «حطين» في رمضان عام 584هـ بقيادة صلاح الدين، ومعركة «المنصورة» عام 647هـ، و«عين جالوت» في رمضان عام 685هـ بقيادة السلطان المظفر لدين الله قطز، والعبور وحرب رمضان عام 1393هـ (حرب أكتوبر 1973م).

ويحتفظ التاريخ بعشرات المعارك المهمة الأخرى التي تمت في الشهر الكريم، وحققت للمسلمين العزة والكرامة بما بذلوه من جهد وجهاد وهم صائمون يبتغون وجه ربهم، ويستجيبون لداعي الجهاد والدفاع عن الدين وتأمين بلاد المسلمين.

كيف كانت هذه الغزوات المعارك نقطة تحول في تاريخ الإسلام والمسلمين، وقدمت نماذج للأجيال الجديدة في كيفية تجاوز الصعوبات والمعوقات والقصور والانتقال إلى زمام المبادرة والتفوق وهزيمة الأعداء؟

ها هي بعض الأمثلة من تلك الغزوات والمعارك التي تكشف عن تأثير شهر رمضان في إذكاء روح الجهاد والتضحية من أجل تحقيق النصر وهزيمة الغزاة.

أولاً: غزوة «بدر» (معركة الفرقان):

غزوة «بدر» أو معركة الفرقان كما سماها القرآن الكريم: { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "41"} (الأنفال)، معركة فاصلة بين المسلمين وكفار قريش، كان المسلمون الذين أخرجوا من ديارهم واضطروا إلى الهجرة نحو يثرب (المدينة المنورة) قد عانوا في مكة عناء شديداً؛ بسبب اضطهاد قريش الكافرة لهم، حيث عُذبوا وقُتلوا وحُوصروا بسبب إيمانهم بالدين الجديد، وظلوا طوال وجودهم في مكة (نحو ثلاثة عشر عاماً) يتلقون الأذى ولا يستطيعون رده، لأن النبي "صلى الله عليه وسلم" لم يؤمر آنئذ بقتال، وحين هاجروا أمروا في السنة الثانية للهجرة برد الأذى والدفاع عن أنفسهم؛ { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ "39" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ "40"} (الحج).

كان أبو سفيان بن حرب زعيم قريش يقود قافلة تجارية قادمة من الشام، فيها أموال عظيمة لقريش، فخرج الرسول "صلى الله عليه وسلم" ومعه ثلاثمائة ونيف من المسلمين؛ لاعتراض القافلة، فلما عَلِم أبو سفيان بنية الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" وصحبه، غيَّر اتجاه القافلة نحو ساحل البحر، ودعا قريشاً لقتال المسلمين حماية لتجارتهم وأموالهم، فخرجوا في ألف شخص مزهوّين بقوتهم وعتادهم، والتقى الجيشان صبيحةَ يوم السبت السابع عشر من شهر رمضان، عند بئر يسمى «بدر» بين مكة والمدينة.

كان جيش الكفر ثلاثة أضعاف المجاهدين المسلمين، فضلاً عن التفوق في العدة والخيل، وكان المسلمون لهذا الفارق الكبير يودُّون الظفر بالقافلة، ولا يتمنون الحرب مع قريش، ولكن إرادة الله كانت في اتجاه آخر يصب في صالح المسلمين، قال تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)} (الأنفال)، والمقصود بالشوكة الحرب وما يترتب عليها من تضحيات ومضاعفات، وكأن الحق سبحانه أراد أن يمحصهم ويختبر إيمانهم ويكشف عن معادنهم في المواجهة غير المتكافئة، فقد بدأت المعركة، وكان القتال الدامي، والمسلمون يستغيثون ربهم الذي استجاب لهم وأمدهم بالملائكة تحارب معهم وتثبتهم في الميدان، حتى يتحقق النصر بإذنه تعالى.

انهزمت قريش هزيمةً ساحقة، وهلك عدد كبير من رؤوس الكفر، وتم أسر عدد كبير منهم، وعاد الكفر يجر أذيال الخيبة والهوان.

كانت معركة بدر إيذاناً بتحول تاريخي، لأول مرة يثبت المسلمون بعد انتصارهم أنهم قوة قائمة في الجزيرة العربية يصعب تجاهلها أو القضاء عليها، ويعلم القاصي والداني أن الفارق العددي والتسليحي الكبير بين طرفي المعركة لم يحسمها لصالح العدو، ولكن الإيمان والإخلاص والصبر في الميدان بعد إعداد ما استطاع المسلمون من قوة ومن رباط الخيل كانت تعويضاً عن هذا القصور لدى المسلمين، ومن هنا جاء المدد الإلهي، وصدق الوعد الرباني: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)} (محمد).

لو أن المسلمين يوم «بدر» قاسوا الأمور بمقياس مادي لما استطاعوا مواجهة أعدائهم، ولو نظروا إلى الفارق في العَدد والعُدد ورباط الخيل وما يسمى الآن بالدعم اللوجستي لما تحركوا قيد أنملة، ولما كان لهم وجود بين الأنصار أو الكفار، ولكن العزيمة التي يصنعها الإيمان والتوكل على الله، وبذل أقصى ما يمكن من جهد وطاقة، يحقق معنى الآية الكريمة: { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ  وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ "249"} (البقرة).

لقد اهتم القرآن الكريم بغزوة «بدر» اهتماماً خاصاً، بحكم أنها أول معركة في تاريخ المسلمين، وأول نصر يسجلونه في صفحة الإسلام العظيمة؛ فذكرها في أكثر من سورة، وجعل سورة «الأنفال» مجالاً رحباً للحديث عن ظروفها والفارق بين الطرفين المتحاربين وظروف كل منهما ونتائج المعركة وما ينبغي أن يكون عليه المسلمون في أي مواجهة، وهو ما ينسف الخوف من نفوس المترددين والضعاف والذين يقيسون الأمور بمقياس مادي صرف، يتجاهل الإيمان والمدد الإلهي.

لقد كانت غزوة «بدر» فرقاناً بين الحق والباطل، بين الإيمان والشرك، وجعلت للمسلمين كياناً قوياً تهابه القبائل، وتضعه في حسبانها، وتفكر في الإسلام وتبحث في مضمونه، وبعضها ترك دياره مثل قبائل غطفان وسليم التي كانت تعد لمهاجمة المسلمين، وخلفت غنائم كثيرة، ولذا سميت بغزوة «الفرقان».

ثانياً: «فتح مكة» وانتصار الإسلام:

نقضت قريش الصلح الذي عقدته مع المسلمين في الحديبية؛ حيث ساعدت قبيلة بكر في حربها ضد خزاعة؛ ولأنها أحسّت بخيانتها، فقد أرسلت أبا سفيان بن حرب إلى المدينة؛ ليقوم بتجديد الصلح مع الرسول "صلى الله عليه وسلم" ويزيد في مدّته، ولكنه لم يلق استجابة، فعاد إلى مكة بخفي حنين.

وعزم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" على فتح مكة، فأخذ يُعِدّ العدّة في سرية وخفاء، وفي اليوم العاشر من شهر رمضان في السنة الثامنة من الهجرة تحرّك عشرة آلاف صحابي تحت قيادته "صلى الله عليه وسلم" في اتجاه مكة، وخرجوا من المدينة وهم صائمون، وفي الطريق، قابل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عمه العباس مهاجراً مع أهله إلى المدينة، فصَحِب العباس رسول الله في سيره إلى مكة، بينما تابع أهله طريقهم إلى المدينة.

وفي مرّ الظهران نزل المسلمون، وكان الليل قد دخل، فأمر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بإيقاد النار، فأوقد الجيش ناراً عظيمة؛ مما أدخل الرعب في قلوب المشركين، وحاول أبو سفيان أن يثني الرسول "صلى الله عليه وسلم" عن دخول مكة، ولكنه فشل، وراعه منظر الجيش العرمرم الذي جاء مع الرسول "صلى الله عليه وسلم" فأعلن إسلامه وعاد إلى مكة ليخبر القوم بما رآه في جيش المسلمين.

تحرّك الجيش، ودخل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" مكة، واتجه إلى ذي طوى، وخرّ ساجداً شكراً لله سبحانه وتعالى على ما أكرمه به من قوة وعزة، وفي ذي طوى قسّم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" الجند، فسار الزبير بن العوام بجزء من الجيش، وانطلق سعد بن عبادة بقسم آخر، ثم أخذ علي بن أبي طالب الراية، ودخل خالد بن الوليد مكة من جانب آخر، وسار أبو عبيدة بن الجراح بين يدي رسول الله حتى نزل أعلى مكة.

ولم يلقَ المسلمون أي مقاومة تُذكَر في دخولهم مكة سوى بعض المناوشات بين خالد بن الوليد وبعض رجال قريش الذين هربوا بعدها، وكان الرسول "صلى الله عليه وسلم" قد طلب من أصحابه بألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.

دخل النبي "صلى الله عليه وسلم" الكعبة ومعه الأنصار والمهاجرون، وطاف بالبيت وفي يده قوس، يضرب به الأصنام التي حول الكعبة (وكان عددها 360 صنماً) وهو يقول: «وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»، وأخذ الرسول "صلى الله عليه وسلم" مِفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، وفتحها ثم دخلها، فرأى صوراً فمحاها، ثم صلى في داخلها، وخرج فوجد المسجد قد امتلأ بأهل مكة ينتظرون مصيرهم، فخطب فيهم، ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟»، قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ثم أعطى رسول الله مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة.

وبفتح مكة في الثالث والعشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة طويت صفحة الكفر المقاتل في مكة، وانتهت عبادة الأوثان والأصنام في الكعبة، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وصارت الدولة الإسلامية تهيمن على الجزيرة العربية، ومن ثم راح الرسول "صلى الله عليه وسلم" يدعو حكام الدول المجاورة إلى الدخول في الإسلام، وبدأت الفتوح الإسلامية تعرف طريقها إلى خارج الجزيرة العربية لتأمين الدولة الإسلامية وتحرير الشعوب المستعبدة من ربقة الطغاة والمستبدين والمحتلين.

لقد كان فتح مكة صورة مثالية للخلق النبوي الرفيع في تعامله مع الأعداء، وتسامحه مع قومه، وتواضعه بعد انتصار الإسلام العظيم، كما تكشف المنهج النبوي الكريم في دعوة الملوك والحكام إلى الإسلام، فضلاً عن إرساء منهج المسلمين في فتح البلدان المجاورة ومحاربة المعتدين، وذلك باحترام من يتفرغون لعبادة الله والمسالمين وعدم ترويع الآمنين، ومنع العدوان على بيوت العبادة وقطع الأشجار وإيذاء النساء.

وهكذا كان الصبر والإيمان بالعقيدة وتحمل الغربة والهجرة طريقاً إلى العودة إلى الوطن وتحريره من قبضة الكفر بعون الله تعالى، والانطلاق إلى بناء الدولة الكبرى التي قادت العالم قروناً طويلة إلى العدل والحرية والوحدانية والمعرفة والحضارة الإنسانية العظيمة.

للمزيد، يمكن مراجعة:

- السيرة النبوية لابن هشام.

- تاريخ الطبري.

- الكامل في التاريخ لابن الأثير.

- الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، لأبي شامة.

 

الوسوم

( شهر رمضان العبادة و الصيام تقوى الله الانتصارات التاريخ الإسلامي الغزوات المعارك فتح مكة)
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد

محاكم التفتيش وتطبيقاتها في سورية الأسيرة ؟!!

يحيى حاج يحيى كتب أحد الأكاديميين السوريين مقالة في �...

مقاصد الشرع في زكاة الفطر

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق زكاة الفطر أو صدقة الفطر ...

الأنبا يوحنا قُلته وكتابه الإنسان معجزة الخلق

الأنبا يوحنا قُلته وكتابه "الإنسان معجزة الخلق"

لقد سبق وتناولت التعليق على أحد كتب الأنبا يوحنا قولت�...

جديد الأخبار المزيد
وزير الخارجية التونسي : لن نفتح أجوائنا أمام أي تدخل عسكري في ليبيا

وزير الخارجية التونسي : لن نفتح أجوائنا أمام أي تدخل عسكري في ليبيا

شددت تونس على أنها لن تفتح أرضها ولا سماءها أمام أي تد�...

8 آلاف "إسرائيلي" يتنازلون عن جنسيتهم وآخرون بانتظار الموافقة

 تنازل أكثر من ثمانية آلاف "إسرائيلي" عن جنسيت�...

لوس انجلوس تايمز: نازحو الفلوجة وقعوا في أسوأ جحيم يمكن للمرء تصوره

لوس انجلوس تايمز: نازحو الفلوجة وقعوا في أسوأ جحيم يمكن للمرء تصوره

قالت صحيفة لوس انجلوس تايمز الأمريكية أن النازحين من �...

  • أيام في سيلان والمالديف