موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • الصليب وحكاياته

أيها المجتمعون في غروزني .. لقد ضيقتم واسعا

Oct 6 2016 8:20:16

الكاتب : مدير الموقع

أيها المجتمعون في غروزني .. لقد ضيقتم واسعا

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..

فقد عقد منذ أيام مؤتمر بالعاصمة الشيشانية غروزني تحت عنوان "من هم أهل السنة" ، وقد أثار زمان ومكان انعقاده وما أذيع في جلساته ردود فعل مثيرة في العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة ، وجاءت ردود الفعل المستنكرة من علماء مخلصين عاملين وهبوا حياتهم لله سبحانه وتعالى ، وحملوا عبء الذود عن حمى الإسلام ، بعد أن تناولته سهام الحاقدين الحاسدين من كل جانب ..

ولم تكن ردودهم واستنكاراتهم لأن المؤتمر تناول تلك القضية الحساسة ، فنحن في حاجة ماسة إلى دراستها ، وإعادة تحديد المقصود بأهل السنة والجماعة ، بعد أن صار المصطلح يتجاذبه أهل الأهواء ، ويحتكره المبتدعة وأعوان الطاغوت ، ويدعيه من يستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ؛ وإنما كان استهجانهم واستنكارهم ـ وأراهم محقين في ذلك ـ لعدة الأمور :

ـ أولا : لأن صاحب فكرة المؤتمر والراعي والداعم له هو رئيس الشيشان " رمضان قاديروف " ..

والشيشان كما يعرف الجميع دولة صغيرة تحتلها روسيا منذ عقود ، وكاد الإسلام أن يختفي منها تحت وطأة الحرب الضارية على الإسلام التي شنها الشيوعيون عليها وعلى سائر البلاد الإسلامية التي وقعت تحت نير احتلالهم ، فجعلوا من سكانها مسخا لا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه بعد أن ظلوا طوال قرون طويلة حاملين رايته ، وظهر منهم رجال كتب السنن الستة ( البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة وأبو داود ) رحمهم الله جميعا ، فضلا عن كثير من عباقرة العلماء في اللغة والفقه والتفسير أمثال عبد القادر الجرجاني وغيره .

إذن فما الذي جعل رئيس دولة مثل تلك وفي ظروفها هذه يقدم على هذا الأمر المعقد المتشعب الذي يهم المسلمين جميعا في هذا الوقت العصيب ، ويدعو إلى دياره ما يزيد على مائتي رجل ، يجمعهم من بلدان شتى ويتحمل نفقاتهم ، وعنده من الأمر ما يشغله ، حيث تقع بلده ـ كما ذكرت ـ تحت احتلال أجنبي يمنعه من أن يكون مستقل القرار ، ويود شعبه التحرر من قبضته لو وجد إلى ذلك سبيلا إلا إذا كان ثمة أمر خفي وراء الدعوة لهذا المؤتمر تظهره العلاقة الوطيدة بين هذا الرجل " رمضان قاديروف " والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين " حيث يعد واحداً من أكثر الشخصيات قرباً إليه وإلى الكرملين ، وقد أعلن عدة مرات ، وفي مناسبات كثيرة أنه يهب حياته دفاعاً عن روسيا وعن الرئيس فلاديمير بوتين ، وكتب ذلك على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ودائما ما يرددها أمام جيشه وجنوده؛ بأن رئيس الشيشان وجنود الشيشان جميعهم مستعدون للتضحية من أجل الرئيس بوتين، ومن أجل الدفاع عن روسيا، كما ظهر في شريط مصور أمام حشد كبير من الجنود الشيشانيين، وهو يؤكد أنه مستعد للموت من أجل روسيا والرئيس بوتين  .

كما أن بوتين يقابله بنفس المودة ويعده رجله المفضل ، حتى إنه منحه ميدالية "بطل روسيا" Hero of Russia ، مقابل مواقفه الشجاعة وخدمته روسيا الاتحادية ومشاركته في حماية وسلامة الأراضي الروسية، ويعد وسام "بطل روسيا" أرقى وسام تمنحه المؤسسة العسكرية في روسيا ، ويحصل عليه الأبطال الذين خدموا روسيا ، ويمنحه الرئيس الروسي شخصياً.

والمرؤ على دين خليله كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقرين بالمقارن يقتدي كما علمتنا الأصول العربية القديمة ؛ ولذلك أجد من يلوحون أن روسيا وراء فكرة عقد هذا المؤتمر ، وأن " رمضان قاديروف " ليس إلا منفذا لأوامر حاكمه الأعلى في الإعداد لهذا المؤتمر ، وأن ثمة نية خبيثة مبيتة وراء إعداده والدعوة إليه في ظل تلك الظروف الحرجة التي تمر بها أمتنا الإسلامية الآن ، وهي ظروف تكاد تكون أصعب مما مر عليها أيام الصليبيين والتتار ـ محقون فيما ذهبوا إليه ، مصيبون فيما يخمنونه  .

ويقوي من رأي هؤلاء أن رجلا تابعا سياسيا لروسيا لا يجرؤ على دعوة هذا العدد الهائل من علماء المسلمين للدخول إلى أراضيه التي تعدها روسيا جزءا منها دون رضا أو موافقة من زعمائها إن لم يكن بإيحاء وتدبير منهم!!!.

فهل يعقل أن رجلا بتلك العلاقة الوطيدة مع أعتى قوة معادية للإسلام صراحة ، لم يكفها قتل وحرق عشرات الملايين في البلاد الإسلامية التي احتلتها أكثر من قرن من الزمان ، فضلا عن عشرات الملايين التي خرجت من إسلامها تحت قسوة التعذيب وطمس مناهج الإسلام في المدارس وتحريم دخول المساجد وحرق المصاحف وإعدام المشايخ  ، أقول لم تكتف بذلك بل جاءت جيوشها لتبيد المستضعفين في سوريا ، فيتمت عشرات الآلاف من الأطفال ، وأبادت ألوفا منهم لا يعلم عددها على اليقين إلا الله عز وجل ، وشردت الملايين من الناس بعد أن هدمت عليهم مساكنهم ، حتى المستشفيات أبت إلا أن تهدمها على من فيها من المرضى ، فضلا عن بيوت الله عز وجل التي أنزل الشيوعيون عليها جام حقدهم .

هل يعقل أن رجلا يقول : إنه مستعد أن يموت من أجل هؤلاء المجرمين القتلة ، يتقطع قلبه حرقة على فرقة المسلمين ، ويجمع هذا اللفيف من الشيوخ لنصرة أهل السنة والجماعة؟!! .

رجل قاتل  في صفوف الجيش الروسي ضد الشعب الشيشاني ، وقاد وحدة عسكرية سميت بقاديروفيتسي، والتي أصبحت فيما بعد إحدى الميلشيات التي اعتمدت عليها روسيا لسحق المجاهدين الشيشان، كما أشارت عدة منظمات دولية تدافع عن حقوق الإنسان ، واتهمته بإصدار الأوامر لقتل معارضيه، ووصفته بـ"بسفاح القوقاز".

ومن يقاتل المسلمين من قومه ويتسلط عليهم بمساعدة عدوهم ( الروس ) كيف له أن يناصر قضية من أدق قضايا العالم الإسلامي وأعقدها ؟!.

وهل يعقل أن رجلا مؤيدا لبشار الأسد يرى عامة السوريين الذين يقتلون إرهابيين ، ويفتخر بأن بشارا دعاه على لسان السفير السوري ومفتي سوريا لزيارته ـ ينشغل بجمع كلمة أهل السنة المفرقة ، وهو يعلم أن بشارا هذا الذي يوده وينشرح بصلته شيعي نصيري ؟!! .

وإن كان لا يعلم أنه نصيري عدو لأهل السنة فكيف سيجمعهم على كلمة سواء ، ويميز أهل السنة عن غيرهم .. 

وقد يقول قائل : إنه يفعل ذلك اتقاء لشر الروس ومداهنة لهم ، فلا قوة به تجعله يتمرد عليهم بشعب لا يتجاوز سكانه المليون ونصف نسمة ، وقد تعرضوا لأبشع أنواع الاضهاد لما فكروا في الثورة على الروس والمطالبة بالتحرر . ولكني أعود فأقول : إن فاقد الاستقلالية محال أن يطلب الاستقلالية لغيره ، وأن يفكر في جمع كلمة المسلمين من أهل السنة في الوقت التي يسعى فيه سيده الروسي لإبادتهم .

وزاد من الريبة أيضا أن المؤتمر تم بالتنسيق بينه وبين مؤسسة صوفية إمارتية يشرف عليها الشيخ الصوفي اليمني المسمى الجفري ، والتي تحاول أن تفرغ الإسلام من محتواه التشريعي ، وعزله عن الحياة كدين أوجده الله عز وجل لينظم كل شئون الحياة لمن يؤمن به ، وتحصر رسالته في عدة أوراد يرددها المتصوفة ، وقد صرحت تلك المؤسسة على موقعها الرسمي بهذا التنسيق قائلة ، "في الوقت الذي تشتد فيه فتن كثيرة تعصف بالأمّة ، وفي ظل محاولات اختطاف لقب "أهل السنة والجماعة" من قبل طوائف من خوارج العصر والمارقين والعابثين بالشريعة المطهّرة الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي، تشرّفت مؤسسة طابة بتعاونها مع صندوق الحاج أحمد قديروف الخيري ومؤسسة دعم الثقافة الإسلامية والعلم والتعليم في تنظيم انعقاد المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين تحت عنوان: "من هم أهل السنة والجماعة؟" .

وإذا كان الجفري رئيس تلك المنظمة على علاقة بإسرائيل ، وظهر منذ أيام في مشهد فيديو يظهر تأمينه من قبل الحراسة الإسرائيلية حتى وصوله للسيارة الفارهة المخصصة له ، فلا يستبعد أيضا أن يكون لليهود دور خفي في هذا المؤتمر لنشر الفرقة بين أهل السنة .

ـ ثانيا : أن المدعوين للمشاركة في فاعليات المؤتمر قامت دعوتهم على الإقصائية بدقة ، حيث استثني منه علماء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وهيئة كبار العلماء في السعودية ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المؤسسات الدينية.. إضافة إلى العلماء ذوي الفكر المستقل الذين لا يعملون تحت هيئات أو مظلات ، وعلماء السلف المشهود لهم بطوال الباع في العلم والفقه والورع في شتى البلاد ، مثل المغرب العربي واليمن ونيجيريا ومالي والسنغال والهند وباكستان  وغيرها .

 وهذا الإقصاء مع اختيار العدد الضخم المدعو بدقة بحيث يكونون على هوى واحد ( وليس على قلب واحد ) لا أظن إطلاقا أن رجل سياسة يعيش في منطقة متطرفة عن قلب العالم الإسلامي عنده القدرة على فعل ذلك مهما كانت مهارة من حوله من معاونيه أو مستشاريه ، وأخشى أن أقول : إن جهة مخابرتية عالمية بارعة عندها قاعدة معلومات دقيقة قد ساعدته أو خططت له ؛ لأن أي حاكم لا أعتقد أنه يستطيع على وجه اليقين أن يصنف كل الشيوخ في بلده الذي يحكمه حسب آرائهم الفكرية والمذهبية ، فكيف بكل البلدان الإسلامية ؟!!..   

وأنا لا أبحث في نية هؤلاء المؤتمرين إن كانوا قد اجتمعوا لمآرب معينة أو لبحث حل تلك المعضلة ( من هم أهل السنة ) ولكن كان المفترض إذا صح العزم أن يعقد المؤتمر في مكان ذي ثقل بالنسبة للعالم الإسلامي أو في منطقة قريبة من بؤر الأحداث مثل القاهرة أو الرياض أو عمان أو تونس ، وكما قال أحد المعلقين :" فالذين يتقاتلون مذهبيا ودينيا ليسوا في روسيا ولا في أوروبا، إنهم في عالمنا العربي الجريح ".

وشيخ الأزهر الذي أظهر حاجة الأمة لذلك المؤتمر في ظل العولمة وما أحدثته هل كان يعجز عن تنظيم مثل هذا المؤتمر في الأزهر بالقاهرة ، ويدعو إليه علماء الأمة وهو أعلم بهم من رئيس الشيشان ـ  حيث يترأس أكبر مؤسسة علمية سنية في العالم كما يقال  ـ  بدلا من أن يقف ويقول :" إن الأزهر يسعد بالمشاركة فى المؤتمر، وهو جَميل تسديه الشيشان إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل إلى العالم كله شرقًا وغربًا" .

كما لوحظ على بعض المشاركين في المؤتمر أنه لا يعنيه من الأمر شيء غير الانتصار على المخالفين له في الرأي ، ومن هؤلاء الشيخ الجفري اليمني الذي لمح إلى أن هذا المؤتمر ضد رموز الجماعات الإسلامية السياسية ، وعلماء السلف ، ويتشفى في تدويناته على موقع التواصل الاجتماعي " فيس بوك " بأن المؤتمر سيكون بداية للانتصار عليهم  ..

ولم يكن باقي المدعوين بأقل عصبية من الشيخ الجفري ، بل زاد بعضهم في تعصبه ليصف المخالفين بكل سفه ، مثل الشيخ علي جمعة مفتي مصر السابق : الذي وصفهم بالنبتة!!!!.. تلك الكلمة التي كررها قرابة عشر مرات ، يردد في كل مرة نحن ـ أهل السنة والجماعة أما النبتة ، ... بل وصل به الشطط أن أخرجهم من الإسلام تماما " فقال لباقي المشاركين في المؤتمر :" افهموا أن هؤلاء النبتة الجاهلة يدعون إلى الدين الموازي ، والدين الموزازي دين لا علاقة له بالإسلام" يقول ذلك وهو يكرر أن التعليم الذي تعلمه في الأزهر صانه من تكفير الآخرين ؟!!!! .

والشيخ علي جمعة الذي ظل يكرر في كلمته في الجلسة الختامية : "أما نحن أهل السنة " لم أجده يذكر في كلمته التي امتدت حوالي عشر دقائق آية قرانية أو مقطعا قرآنيا واحدا ، ولا حديثا شريفا ، اللهم إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الخوارج كلاب النار " ليرمي به مخالفيه ، وقد كرره ثلاث أو أربع مرات ..

ثالثا : أن المؤتمرين ـ وهم أناس بلا استثناء يمثلون رأيا فكريا واحدا ، إذ يميل أكثرهم إلى التصوف ، وكلهم موالون للسلطان ولهم مواقف سلبية من الآخرين ومن لهم نشاط سياسي معارض لنهج حكوماتهم ـ قد لزموا الشطط في تعريفهم لأهل السنة والجماعة ومن يدخلون تحت نطاقهم ، وتكلموا كأنهم أوصياء عليهم ، ورءوا أنفسهم على الصواب دون سواهم ، والحق مقصور عليهم دون غيرهم ، وتلك هي النقطة الأخطر والتي أقلقت الجميع ، وجعلتهم يرون في المؤتمر بلاء على الأمة وشرا مرتقبا يزيدها فرقة على فرقتها ، ويفتح عليها أبواب الجحيم ، وذلك لأن الطرف المستبعد سيقابل ذلك بالتشدد لا محالة ، وكما يقال : الإقصاء يولد الإقصاء ، وهذا يمهد لعودة الأمة إلى أيام الفتن الخوالي يوم أن كان الصراع على أشده بين الأشاعرة والحنابلة ، وبدلا من أن يكون الاقتتال الآن بين السنة من جانب وبين الشيعة والدواعش من جانب آخر يصير بين الحنابلة والأشعرية والشيعة والدواعش ، فيرجع المسلمون ضلالا يقتل بعضهم بعضا ، وهو ما حذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع .

وبعد تلك التقدمة الطويلة أتناول بإيجاز بعض ما جاء في بيان المؤتمر الختامي وتوصياته ، إذ ذكر في هذا البيان ما يلي :

"اعتماد كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وثيقة أساسية للمؤتمر" .

وتلك الكلمة ذكر فيها شيخ الأزهر أن : "أهل السنة والجماعة حسب منهج التعليم بالأزهر، الذي تربَّيت عليه، ورافقني منذ طفولتي حتى يومنا هذا، إنما يُطلق على أتباعِ إمامِ أهل السنة أبي الحسن الأشعري، وأتباع إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث، ولم يخرج عن عباءة هذا المذهب فقهاء الحنفية  والمالكية والشافعية والمعتدلين من فقهاء الحنابلة" .

إذن هو يقرر منذ البداية أن الحق والصواب هو ما تعلمه في الأزهر أو ما يُدرس في الأزهر دون سواه ، ويتغافل تماما عن العلماء المجددين عبر التاريخ الذين لا علاقة لهم بالأزهر كابن تيمية وابن القيم وابن قدامة وابن حزم والغزالي وابن حجر والذهبي والسيوطي قديما ، والصنعاني والشوكاني والمقبلي والرشيد رضا ومحمد بن عبد الوهاب حديثا ، كما يتغافل عن المعاهد العلمية الأخرى التي كانت ـ وما تزال ـ لها فضل كبير في نشر العلم حتى داخل مصر ، فالأزهر لم تبدأ دراسة العلوم الإسلامية به على المذاهب السنية إلا في القرن السابع الهجري بعد أن سمح السلطان بيبرس بفتحه ودراسة المذاهب الفقهية الأربعة به ، ومن انضم للتدريس به وقتها لم يكونوا من العلماء الذين وصلوا لدرجة الاجتهاد ، وإنما كانوا من أوساط العلماء أو المدرسين إن صح التعبير ، وحتى بعد أن اشتهر أمر الأزهر كان ثمة عشرات الجامعات والمعاهد الإسلامية في بلاد الإسلام لا تقل كفاءة عنه ، فهل نخرج من تعلم فيها من دائرة أهل السنة والجماعة ؟!!!!.  

ثم يورّي بالمذاهب الفكرية الأخرى ، ويصف أتباعها بالعجز عن الربط بين العقل والنقل فيقول : " إن المذهب الأشعري ليس مذهبًا جديدًا، بل هو عرض أمين لعقائد السلف بمنهج جديد كشف فيه عن الاتساق الكامل في الواقع ، ونفس الأمر بين النقل والعقل، والذي عجز عن كشفه غُلاة النصيين مِمَّن ثَقُل عليهم النظر العقلي، والمعتزلةُ وسائرُ الفِرَق الأخرى ". 

ثم يسترسل شيخ الأزهر في محاولة فرضه للمذهب الأشعري دون سواه بقوله :" كما أنَّه المذهب الوحيد الذي لا يكفِّر أحدًا من أهل القِبلة " مع إن الشيخ أعلم مني بالمذاهب الأخرى المنضوية تحت أهل السنة والجماعة من غير الِأشعرية وعلمائها الأجلاء ، وأنهم مجمعون على عدم تكفير أحد من أهل القبلة ، وهؤلاء الذين يكفرون الأمة الآن ويحملون السلاح على المسلمين ويستبيحون دماءهم مثل الدواعش وغيرهم لا علاقة لهم بالمذاهب الفكرية أو الفقهية ، وربما كان أكثرهم على غير الملة يجندهم أعداء الإسلام ومخابراته في الخارج تحت ستار الإسلام ، وعند قتالهم للمسلمين والقيام بأعمالهم التخريبية لا يفرقون بين أتباع مذهب وآخر ، الكل عندهم حلال الدم  .

وبناء على كلمة شيخ الأزهر حدد المؤتمرون من ينضوي تحت مسمى أهل السنة والجماعة ، فجاء في البند الثاني :

" أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية "ومنهم أهل الحديث المفوضة" في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكيةً على مسلك الإمام الجنيد وأمثاله من أئمة الهدى " .

فهم أولا : قسموا الإسلام إلى عقيدة من اتبع فيها الأشاعرة والماتريدية ، فهو من أهل السنة عقديا ، وإلى فقه من اتبع فيه المذاهب الأربعة (  الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ) فهو من أهل السنة فقها فقط ، وإلى تصوف من اتبع فيه الجنيد وأمثاله فهو من أهل السنة تصوفا ) .

وأما عن الأشعرية والماتريدية ، فأقول : إن هؤلاء من أهل السنة نعم ، ولكن ليس مصطلح أهل السنة مقصورا عليهم ، أو بمعنى أدق هم تابعون لأهل السنة وليسوا ممثلين وحدهم لأهل السنة ،  ولذلك من الافتراء على الإسلام بل وعلى الأشعرية أن نقول : إنهم وحدهم يمثلون معتقد أهل السنة ، فأبو الحسن الأشعري على ما بذله من مجهود في رد مزاعم المبتدعة الأشاعرة لم يقل يوما إنه يمثل أهل السنة والجماعة وحده وغيره ليس من أهل السنة ، ولم يفكر يوما أن يوجد لنفسه مذهبا عقديا ينتسب له الناس دون الإسلام ، ولم يقل عن نفسه إنه إمام أهل السنة والجماعة ، وإنما أطلق عليه ذلك بعض المنتسبين إليه ومن تعصبوا له في العصور المتأخرة ، وربما لو حصل ذلك في حياته لكان هو أول من تصدى لهم وعنفهم  ، وهو يعلم أن من العلماء الآخرين مثل أحمد بن حنبل من بذل مجهودا يفوق ما بذله ، وكان صموده أمام المأمون ثم المعتصم وتحمله البلاء الشديد سببا هيأه الله عز وجل لانفراج الأزمة التي أثارها المعتزلة ..

فالمغالاة في الأشعري إذن جاءت ممن تتلمذوا على منهجه ، فجعلوه وحده ممثلا لعقيدة الإسلام ، كأن الإسلام أوحي إليه ولم يوح إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، حتى رأيت من المعاصرين من يقول :" فالمالكية كلهم أشاعرة... والشافعية كلهم أشاعرة... والحنفية كلهم أشاعرة أو ماتريدية ولا خلاف بينهم .. وجملة كبيرة من أئمة الحنابلة المتقدمين من الأشاعرة " مع إن الأئمة الذين أسسوا لتلك المذاهب كلهم سابقون على الأشعري ، وماتوا قبله ، فكيف ينسبون إليه ؟!! ..

فالأمثل إذن أن نقول : إن الأشعري متبع لأهل السنة وليس ممثلا لأهل السنة ( فأهل السنة لا يمثلهم إلا رسول الله والخلفاء الراشدين المهديين فقط ، حيث قال رسولنا صلى الله عليه وسلم :" "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ" ..

وحتى تلامذته الأوائل لم يحتكروا مصطلح أهل السنة لأنفسهم ، ولم يروا أنفسهم على الحق دون سواهم ، فهذا عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي مؤلف كتاب الفرق بين الفرق يقول : " أما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقى الرأي والحديث دون من يشترى لهو الحديث وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته وفي أسمائه وصفاته ، وفى أبواب النبوة والإمامة وفي أحكام العقبى ، وفي سائر أصول الدين ، وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام ، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق ، وهم الفرقة الناجية ، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه وقدم صفاته الأزلية ، وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل ، مع الاقرار بكتب الله ورسله وبتأييد شريعة الإسلام ، وإباحة ما أباحه القرآن وتحريم ما حرمه القرآن مع قيود ما صح من سنة رسول الله واعتقاد الحشر والنشر وسؤال الملكين في القبر والإقرار بالحوض والميزان ، فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية ، وقد دخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبى حنيفة والأوزاعى والثورى وأهل الظاهر" الفرق بين الفرق (ص: 20) .. 

وهو لم يتجاهل أصحاب أحمد بن حنبل ، وإنما ذكرهم من قبل بما كانوا يعرفون به وقتها ( أهل الحديث ).

وتوسع عبد القاهر في دائرة أهل السنة والجماعة فأضاف إلى من سبق  أصنافا ثمانية أخرى ، منهم كما يقول : " قوم مرابطون فى ثغور المسلمين فى وجوه الكفرة ، يجاهدون أعداء المسلمين ، ويحمون حمى المسلمين ، ويذبون عن حريمهم وديارهم ، ويظهرون فى ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة ، وهم الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله :" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " الفرق بين الفرق (ص: 303) ..

وهؤلاء الذين ذكرهم عبد القاهر البغدادي يقوم مقامهم الآن المجاهدون في سوريا وفلسطين وفي أفغانستان وفي اليمن وغيرهم ممن تجاهلهم المؤتمرون الذين قالوا : نحن أشاعرة .

ثم أضاف إليهم عبد القاهر :" عامة البلدان التى غلب فيها شعائر أهل السنة " والذين قال عنهم :"  وإنما أردنا بهذه الصنف من العامة عامة اعتقدوا تصويب علماء السنة والجماعة .. ، ورجعوا إليهم فى معالم دينهم وقلدوهم في فروع الحلال والحرام ، ولم يعتقدوا شيئا من بدع أهل الأهواء الضالة " الفرق بين الفرق (ص: 303)..

وبالجملة فلم يستثن سوى " الرافضة والقدرية والخوارج والجهمية والنجارية والمشبهة والغلاة والحلولية" الفرق بين الفرق (ص: 304) وبدأ بالرافضة الذين تعمد المؤتمرون الذين يزعمون أنهم أشاعرة عدم الحديث عنهم بكلمة واحدة ، فذكرهم فى عداد عبدة الأصنام. الفرق بين الفرق (ص: 307)..

هذا ما قاله شيخ الأشاعرة عبد القاهر ، ومن يطالع كتب السابقين من أهل الفضل والعلم يجدها لا تخص طائفة دون أخرى من طوائف أهل السنة بهذا المسمى ، وإنما توسعوا به ليشمل كل من هو بعيد عن الضلال والانحرف ، فهذا الترمذي يقول : " وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه والعلم والحديث والسواد الأعظم المجتمعون على إمام يحكم بالكتاب والسنة وينصر الحق وأهله.

وقال أبو بكر بن أبي عياش : هم كل من كف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه ، فلم يذكر أحدا منهم  إلا بخير  ..  ..

وقال الدارقطني : " هم كل من آمن بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله الله صلى الله عليه وسلم مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين " . الصفات للدارقطني - ص: 63 ..

وقال أحمد بن حنبل :" صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأقر بجميع ما أتت به الأنبياء والرسل ، وعقد قلبه على ما أظهر لسانه ، ولم يشك في إيمانه ، ولم يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب ، وأرجأ ما غاب عنه من الأمور إلى الله عز وجل وفوض أمره إلى الله ، ولم يقطع بالذنوب العصمة من عند الله ، وعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره ، والخير والشر جميعا ، ورجا لمحسن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتخوف على مسيئتهم ، ولم ينزل أحدا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الجنة بالإحسان ولا النار بذنب اكتسبه حتى يكون الله الذي ينزل خلقه كيف يشاء ، وعرف حق السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ، وقدم أبا بكر وعمر وعثمان ، وعرف حق علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن وعوف وسعد بن أبي وقاص وسعد بن زيد بن عمرو بن نفيل على سائر الصحابة ، فإن هؤلاء التسعة الذين كانو مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل حراء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ، والنبي صلى الله عليه وسلم عاشرهم ، وترحم على جميع أصحاب محمد صغيرهم وكبيرهم وحدث بفضائلهم وأمسك عما شجر بينهم .

 وحافظ على صلاة العيدين والخسوف والجمعة والجماعات مع كل أمير بر أو فاجر .. وآمن أن القرآن كلام الله وتنزيله وليس بمخلوق ..  

 واعتقد أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال لا يضرهم جور جائر ..

 ... ثم قال : والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح ، ولا تخرج عليهم بسيفك ، ولا تقاتل في فتنة ، والزم بيتك ..

والإيمان بعذاب القبر ، والإيمان بمنكر ونكير ، والإيمان بالحوض والشفاعة ، والإيمان بأن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ، والإيمان بأن الموحدين يخرجون من النار بعدما امتحشوا ، كما جاءت الأحاديث في هذه الأشياء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نؤمن بتصديقها ، ولا نضرب لها الأمثال ... هذا ما اجتمع عليه العلماء في جميع الآفاق" ..

وهذا الكلام الذي ذكره ابن حنبل نقل أكثره الأشعري حرفيا في كتابه  اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين "بعد أن صدره بعبارة : " جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة" ..

ومن العجب أنني وأنا أتقصى في بحثي أقوال أبي الحسن الأشعري لم أجده خالف أحمد بن حنبل في قول واحد ، وكان يطلق عليه هو وأصحابه " أصحاب الحديث وأهل السنة والجماعة " وإنما جاء الخلاف من ضيق أفق وتعصب المتأخرين من أتباع الشيخين .

وهذا الكلام الذي أطنبت فيه يبين أن مفهوم أهل السنة والجماعة واسع يتسع ليشمل كل الطوائف السنية ، وأن الخلافات بينهنا كانت يسيرة نتجت عن اختلاف فهمهم لبعض ألفاظ القرآن الكريم ، والبعض منهم اعتمد على المعنى المعجمي اللغوي ، والبعض الآخر اعتمد على المعنى المجازي البلاغي  ، وكل منهم متبع لأهل السنة والجماعة لا ميزة له على الآخر إلا بدرجات متفاوتة يحتملها الإسلام ..

 ولذلك كان الأولى بالمؤتمرين وغيرهم ممن يتصدون لبحث تلك المسألة أن يخرجوا أنفسهم ومن حولهم من  نطاق الخلاف ، ويعودوا إلى منبع الإسلام الأول ، ويتعاملوا مع آيات القرآن الكريم التي تحمل أكثر من معنى في مجال العقيدة كما تعامل معها رسول الله وأصحابه ، فهو صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم أكثر من أن يؤمنوا بها ، ولم يحصل أنه سأله أحدا من الصحابة هل اليد أو العين أو الاستواء في القرآن الكريم حقيقيا أو مجازيا ، ولم يحدث أن اختبر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا في أي معاني تلك الكلمات أو المقصود بها .

ولما سأل صلى الله عليه وسلم ذات يوم أمة أسلمت حديثا وقال لها : أين الله ؟ قالت : في السماء ، فقال : من أنا : قالت : أنت رسول الله ، فقال لسيدها ( وكان قد استشاره في عتقها ) أعتقها فإنها مؤمنة " .

فالأمة أجابت بما تفهم ، وقد يأتي من يقول : الله في كل مكان ، فيؤيده قول الله تعالى :" وسع كرسيه السموات والأرض "  أو قوله تعالى :" وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " وبالتالي لا يخطأ ..

ثم إني أؤكد أن الإمام أحمد والإمام أبا الحسن الأشعري وغيرهم من العلماء الذين خاضوا في تلك الأمور ما خاضوا فيها إلا تفنيدا للشبهات التي أثارها المبتدعة من المعتزلة وغيرهم ، فإذا كان الحال تبدل ، وصار الناس لا يشغلهم البحث في صفات الله قدر ما يشغلهم البحث في وجوده وحقه على الناس في أن يؤمنوا به وبرسوله ويطبقوا شرعه كاملا ، بعد أن عم الإلحاد واتسعت المادية وتجذرت العلمانية التي تسعى لإبعاد الدين عن كل أمور الحياة ، وصرنا نواجه مشككين في عقائد الإسلام من نوع آخر ، فلماذا نشغل النشء ، ونشغل الشباب بأمور اضطر سلفنا الصالح للخوض فيها اضطرارا  ؟!!! ..

ولماذا نربط النشء بالأشاعرة أو الحنابلة أو غيرهم بدلا من أن نربطهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدلا من أن يقف الشيخ الجليل والعالم الكبير ويقول : أنا أشعري متبع لأبي الحسن أو أنا حنبلي متبع لابن حنبل ، لماذا يقول : أنا مسلم متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدلا من أن يقول كل منهم قال فلان أو قال علان ـ  وهم أفاضل أخيار ـ يقول : قال الله عز وجل , وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله عز وجل لم يختر لنا مسمى غير المسلمين : " هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" .

خاصة وأن النشء الحديث لا يعرف عن هؤلاء واختلافاتهم شيئا ، وربما يكون في مصر بلد الأزهر حوالي 90 % من الناس لم يسمعوا بالأشعري من قبل ، ومن سمع به لا يعرف ماذا قال ولا بما كان يعتقد ..

وأنتقل إلى النقطة الثانية ، وهي قصر المؤتمرين فقه أهل السنة على المذاهب الأربعة فأقول : إن هذا تضييق لدائرة أهل السنة أيضا ، حتى بالقياس إلى رأي الأشاعرة الذين قالوا : إنهم يدينون بمذهبهم ؛ لأن عبد القاهر البغدادي الأشعري ـ كما سلف القول ـ زاد على المذاهب الأربع أصحاب " الأوزاعى والثورى وأهل الظاهر "  كما أن قصر الفقه على ما في المذاهب الأربع يعد إهمالا للتراث الفقهي العظيم الذي تركه لنا علماؤنا الأجلاء المتحررين من المذهبية ، والذي تزخر به المكتبات الآن ، ومعروف لدى من له شأن بالفقه أن كثيرا من العباقرة العظماء لم يرضوا لأنفسهم التقليد ويرتبطوا بمذهب فقهي معين ، واجتهدوا وأعملوا عقولهم في النص القرآني والحديث النبوي حتى توصلوا لأحكام فقهية تخالف ما هو منصوص عليه في كتب الفقه الأربع ، وبعض هؤلاء كان قد تتلمذ على مذهب فقهي معين ، ولكنه لم يرض لنفسه أن يتقيد به ويتعصب له ، مثل : أبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن القيم وابن عبد السلام والنووي الصنعاني والمقبلي والشوكاني ، والبعض منهم كالثلاثة الأواخر كانوا يرون أن تقليد المذاهب هو سبب جمود الحالة الفكرية عند المسلمين ، وأن المقلد للمذهب مهما حفظ من علم لا يدخل تحت طائلة العلماء ، بل رءوا أن تقليد المذهب إن خالف الدليل من كتاب وسنة يكون محرما مهما كان الشيخ أو الإمام الذي يقلد ، ورءوا في ذلك تعصبا ممقوتا يدخل تحت طائلة " ما وجدنا عليه آباءنا "  .

وفي النهاية فإن محاولة حشر المؤتمرين التصوف في أهل السنة والجماعة يراد منه صرف الناس عن منهج الإسلام المتكامل الذي جاء لينظم شئون الحياة ؛ لأن التصوف في العرف الحديث ليس إلا مجموعة أوراد تردد واتباع للمريد الذي يطفي السلبية على مريديه ، كما أن لفظ التصوف غير معروف على الإطلاق في القرآن الكريم أو السنة النبوية  أو في كلام الصحابة رضوان الله عليهم ، وما أعرفه في الشرع أن الإنسان قد يلزم الزهد فيسمى زاهدا ، وقد يقنع بالقليل فيسمى قنوعا ، وقد ينزه أو يبعد نفسه عن الشبهات فيكون ورعا ، وقد يكثر من الذكر بشتى أنواعه فيسمى ذاكرا ، وهذه صفات تنتشر بين المسلمين الموحدين جميعا من أهل السنة وإن اختلفت من فرد لآخر كثرة وقلة .

واللفظ تساهل في استعماله بعض العلماء السابقين في تراجمهم للصالحين والزهاد ، ولكنهم استعملوه على أنه لفظ دراج على الألسنة وليس من مطلحات الإسلام ، وبالتالي لا يصح أن نجعل له علما وقواعد ونعد من اتبعها من أهل السنة ، وقد قال الإمام المقبلي رحمه الله :" التصوف ليس من مسمى الدين؛ لأن الدين كَمُلَ قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة؛ لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام؛ لأن الإسلام تم قبله" .

وقال عن الأثر السلبي لكثير من المتصوفة على الأمة : يقولون : "  لا سلامة إلا بالعزلة عن الناس ،هربا  من الفتن وصيانة للقلوب من العوارض ،ومضوا لسبيلهم ،وقد صوروا صورة العزلة ، وليست  مطلق العزلة ببدعة إن لم تشابه الرهبانية المنهي عنها ، ولكن  ما جاوز حده جانس ضده ، ثم صار مسلكا متميزا ، حتى قيل : صوفيه ،وصار اسم مدح قد تقصده  بعض النفوس ،ثم أثارت لهم تلك الخلوات مواعظ وكلمات أسرع في جذب القلوب من خطاطيف  الحديد ،ثم اخترعت طرائق السلوك ،واصطلحت اصطلاحات ، وابتدعت رموزا وإشارات ،ثم  قالوا :هاهنا شريعة وطريقة ، ورسوم وحقيقة ،وتفسير وتأويل ،وظاهر وباطن ،ثم ترأس قوم  في هذا المعنى وابتلوا بحظ في الوعظ شهرهم" .

ولكن لما كان أكثر المشاركين في المؤتمر من المتصوفة وكذلك الجهة المشاركة في تنظيمه وعلى رأسها الشيخ الجفري كان لابد أن يزجوا بالمتصوفة تحت راية أهل السنة والجماعة ، بل ويرون أن شرط المنتسب لأهل السنة أن يأخذ بمنهجه في السلوك والتزكية والأخلاق ، ولا سند لهم في كتاب الله سبحانه وتعالى ولا سنة رسوله ، ولا في هدي الخلفاء الراشدين بعده ، اللهم إلا ما ذكره أحد شيوخ الأشاعرة البغدادي ، والرجل لم يرد من كلامه غير أن يذكر أن بعضا من المتصوفة بعيدين عن البدعة في سلوكهم وأعمالهم واعتقادهم فلا يخرجون من أهل السنة والجماعة دون أن ينسبهم لفرد من الأفراد ، فقال :" 

الصنف السادس منهم ( من أهل السنة والجماعة ) الزهاد الصوفية الذين أبصروا فاقصروا واختبروا فاعتبروا ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور ، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك مسئول عن الخير والشر ومحاسب على مثاقيل الذر ، فاعدوا خير الاعتداد ليوم المعاد ، وجرى كلامهم فى طريقى العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث دون من يشترى لهو الحديث ، لا يعملون الخير رياء ، ولا يتركونه حياء ، دينهم التوحيد ، ونفى التشبيه ، ومذهبهم التفويض إلى الله تعالى والتوكل عليه والتسليم لأمره والقناعة بما رزقوا والإعراض عن الاعتراض عليه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " الفرق بين الفرق : ص: 303 .. وتلك صفات يتصف كثير من عوام المسلمين بها ، وأخلاق يتحلى بها كثير من المؤمنين دون أن ينسبوا أنفسهم للتصوف .

فيا أيها العلماء الأفاضل إذا كنتم فعلا تريدون الإصلاح وتريدون الخير للأمة ووحدة الصف المسلم فلنعد إلى المنبع الصافي ، وننتجاوز المذاهب والطوائف التي سببت الفرقة ، لنتجاوز المذهبية ونعود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، نصغي إلى قول الله عز وجل :" وما اختلفتم فيه من شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول .. " نعود إلى المنبع الصافي الذي قال عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم :" تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً ، كتاب الله وسنة نبيه"  .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

الوسوم

العاصمة الشيشانية أهل السنة والجماعة الأشعرية المذهبية الصوفية ، كتاب الله
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
تاريخ البرلمان المصري من محمد علي إلى العسكر

تاريخ البرلمان المصري... من محمد علي إلى العسكر

ليست الحياة النيابية في مصر جديدة فقد بدأت في القرن التاسع عشر، في...

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

وأبدأ بالعنوان، فالمقصود ب "المجلس المسلم للقدامى" هي ترجمة...

أيها المجتمعون في غروزني  لقد ضيقتم واسعا

أيها المجتمعون في غروزني .. لقد ضيقتم واسعا

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

دشن عدد من الناشطين اليمنيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر"...

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من داعش لأول مرة

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من "داعش" لأول مرة

قال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي، كبير المفاوضين الأتراك، عمر جليك،...

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

أعلن القيادي في حزب العدالة والتنمية، عبد الحق العربي، اليوم الجمعة،...

  • أيام في سيلان والمالديف