• الصليب وحكاياته

الشريف الإدريسي يضع أقدم خريطة جغرافية للدنيا القديمة

Oct 19 2016 17:27:00

الشريف الإدريسي يضع أقدم خريطة جغرافية للدنيا القديمة
الشريف الإدريسي يضع أقدم خريطة جغرافية للدنيا القديمة

محمد عبد الله ماضي

1 - تمهيد:

إنني إذا تحدثت عن الخريطة الإدريسية فإنما أتحدث عن مجهود علمي خالد من مجهودات أحد أسلافنا الأمجاد، عن مبرة من مبرات رجل من رجالاتنا في التاريخ، ويدمن الأيادي البيضاء التي أسداها أحد علماء الإسلام وأبناء العرب إلى العلم والعالم يوم كانوا قادة المعرفة وحملة لوائها على وجه البسيطة، ويوم كان الشرق يملي كلمته على الغرب ويقوده إلى مسالك الحياة الحق على ضوء العلم، وفي سبيل الهدى والمعرفة.

أتحدث عن أقدم خريطة عالمية جغرافية صادقة عرفها التاريخ ووصلت إلى أيدينا، وأقرب صورة عرفت في تلك العصور السالفة مطابقة لما وصل إليه العلم الحديث ولما نعلمه الآن علم اليقين، تلك هي (خريطة الشريف الإدريسي) التي أظهر في وضعها براعة علمية فائقة، وخلد لنفسه بها ذكرا طيبا حسنا بين العلماء الأمجاد سوف لا يزال يضوع شذاه وينتشر عبيره ما دام للعلم أهل يقدرونه، وما دام هناك من يعرف للعلماء حقوقهم.

ولم يكن كتابة (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) إلا شرحا لهذه الخريطة وتعليقا عليها، وهو كتاب ضخم يقع في جزئين كبيري الحجم، وإن كثيرا من علماء البحث في الشرق والغرب وفي مختلف العصور، قد بحثوا بحوثا مستفيضة في هذا الموضوع الشائق، ولقد كان آخر من عني بذلك من علماء البحث الجديد الأستاذ (كونراد ميللر) أحد العلماء الألمان الإجلاء فإنه أخرج الخريطة في ثوب قشيب، وطبعها طبعة ملونة سنة 1928 وكتب عنها الفصول الطوال، وعقد الموازنات بينها وبين الخرائط الجغرافية القديمة والحديثة، وأشاد بمنزلتها كأساس قوي متين، ومرجع منظور إليه بعين التجلة والاحترام من مراجع هذا العلم وأسسه.

2 - من هو الشريف الأدريسي؟ الإدريسي هو الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريس ينتسب إلى بيت الأدارسة الذي حكم مدينة (مالقة) في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي بعد سقوط خلافة قرطبة في بلاد الأندلس.

هذا البيت يمت بصلة القرابة إلى الأسرة الأدريسية التي حكمت في مراكش 135 سنة من 791 إلى 926 م.

وهاتان الأسرتان ترجعان معا في نسبهما إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

إدريس هذا أفلت من يد العباسيين بعد اشتراكه في ثورة العلويين عليهم في ولاية موسى الهادي، وفر من وجههم إلى بلاد الغرب سنة 784 م وهناك أسس مملكة الأدارسة التي ورثها أبناؤه من بعده.

بعد أن بسط يده على تلك الجهة التي نزل بها، بعضها بموالاة سكانها له، والبعض الآخر بواسطة الحرب وبعد تحكيم السيف، وما زال الأدارسة هناك يدبرون ويحكمون حتى غلبهم الفاطميون على أمرهم وانتزعوا الملك من يدهم.

صاحبنا الإدريسي ولد سنة 110 ببلاد المغرب في (تطوان) على إحدى الروايات أو في (سبتة) كما في الروايات الأخرى حيث هاجر والده وبعض أقاربه في نهاية القرن الحادي عشر، وأين أتم الإدريسي دراسته وتلقى دروسه؟ لم يذكر المؤرخون ذلك. ولكن الأمر كما قال الأستاذ (ميللر) ليس بعيد، فإن القارئ لوصفه الدقيق الوافي لمدينة (قرطبة) يستطيع أن يستنبط من ذلك أنها كانت مقر دراسته وموطن تخرجه ، نشأ هذا الرجل وقد حببت إليه الأسفار من صغره، فبدأ أسفاره وهو في السادسة عشرة، وسافر إلى البلدان الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وتغلغل في شمال إفريقية، ودرس خصائص أهل هذه البلاد وعوائدهم. فوق هذا سافر إلى سواحل فرنسا في المحيط الأطلانطي، وإلى سواحل إنكلترا كما حدث في بعض كتاباته، وفي نهاية الأمر دعاه رجار (روجر الثاني النورماني) ملك صقلية إلى الرحلة إليه والنزول عنده في (بالرم) على الرحب والسعة والإقامة ببابه كأحد أفراد الحاشية معززا موفور الكرامة.

رجاه ذلك الملك الجليل في هذا بعد أن وصل إلى مسامعه من هو الإدريسي، وبعد أن علم منزلة الأمير العلمية. قبل الإدريسي هذه الدعوة الكريمة وشد رحاله نحو صقلية ليأخذ منزلته في البلاط الملكي، وليحدث هناك الدوي الهائل في الأفق العلمي الذي مازلنا إلى الآن نسمع صداه، شجعه على قبول هذه الدعوة رغبته في الفرار من وجه أعدائه وأعداء أسرته في البلاد العربية الذين بالغوا في اضطهاده وطلبه، وسعوا جهدهم في النكاية به.

رحل الأمير إلى صقلية وأقام بها مدة حياته حتى قبض إلى رحمة ربه سنة 1166 م.

وهكذا كان حظه حظ جده الأول إدريس. كلاهما أستخلص لنفسه الحياة من مخالب الموت، وفر من حظيرة الاضطهاد الضيقة الأنحاء إلى بحبوحة الملك الواسعة الأرجاء. كلاهما شاد بجده وعزمه دولة إدريسية، غير أن دولة جده انقضت وأحنى عليها الدهر، ودولته هو خالدة لا تنقضي. والأمر ليس بغريب. فهذا شأن دولة العلم نصيبها الخلود والبقاء ، بينما تقضى دولة الملك وتفنى.

رحل هذا العالم الجديد والأمير النبيل إلى صقلية وقضى بقية أيامه هناك، قضاها في الإنتاج والعمل المثمر.

لم يحدد المؤرخون الوقت الذي رحل فيه الإدريسي إلى صقلية تلبية لدعوة مليكها رجار (روجر الثاني) ولم يذكروا في أي سنة كان هذا. غير أننا نستطيع أن نأخذ برأي الأستاذ (كونراد ميللر) ونستنبط ذلك من الحوادث التاريخية المرتبطة بالموضوع، وعليه فلنا أن نفرض أن ذلك حدث قبل سنة 1138 م بقليل. فإننا نعلم في تلك السنة عقد (رجار الثاني) العزم على العمل لوضع خريطة جغرافية ووضع كتاب يشتمل على وصف أجزاء المعمورة المعروفة في ذلك الوقت. هذا الأمر الخطير الذي لعب الإدريسي فيه دور البطل.

3 - صقلية في ذلك العهد وحالة البلاط الملكي :

كانت صقلية في ذلك العهد ملتقى العقول المفكرة، ومحط رحال العلماء يأتون إليها من كل فج عميق، وكانت بالرم العاصمة كعبة رجال العلم يسعون إليها من الشمال والجنوب لما عرف عن مليكها رجال الثاني النورماني من محبته للعلم وتقديره للعلماء واحترامه لهم من أي جنسية كانوا، وإلى أي ملة انتسبوا. فقد كان بلاطه بحق حرم العلم، من دخله من العلماء كان آمناً. هنا التقت الحضارة الإسلامية بالحضارة المسيحية، وتعرف فن الشرق المسلم إلى فن الغرب المسيحي فتآخيا وأخذا يعملان جنباً إلى جنب إخواناً متحابين لمصلحة العلم وفي سبيل خير العالم. هناك ورث النورمانيون حضارة العرب الذين حكموا الجزيرة 242 سنة من سنة 830 إلى 1072 م والذين ورثوا حضارة الروم من قبل. في ذلك الوقت كانت الحروب الصليبية قائمة على قدم وساق، فكان هذا سبباً لوفود كثير من رجال دول أوربا ودول العلم المختلفة إلى بالرم. هؤلاء الرجال الذين كانوا للكثير منهم شأن في بلادهم ومعرفة بأحوالهم السياسية والاجتماعية والجغرافية. كان ذلك الوقت هو العصر الذهبي للنورمانيين في صقلية الذي عمت فيه سيادتهم جميع أنحاء الجزيرة، والذي دخلت تحت سلطانهم في خلاله قسم من إيطاليا وشمال أفريقيا.

كل هذه العوامل سهلت للإدريسي القيام بمهمته الكبيرة الشأن، ومكنته من أن يجمع إلى معارفه الخاصة وملاحظاته الشخصية التي اكتسبها بأسفاره الطويلة ورحلاته المتعددة، وأن يضم إليها ما جعله يضع خريطته العالمية ويكتب كتابه (نزهة المشتاق) عنها بوجه لم يسبق اليه، حتى كانت هذه الخريطة وذلك الكتاب مرجع المؤلفين الجغرافيين من بعده.

4 - مؤلفات الإدريسى في المدة التي قضاها في صقلية

لم يقتصر عمل الإدريسي في تلك المدة التي قضاها في بلاط الروم على وضع تلك الخريطة، ولكنه ألف غير ذلك أربعة كتب :

ـ كتاب نزهة المشتاق أو كتاب رجار الذي سبقت الإشارة إليه، والذي اختصر فيما بعد تحت هذا الاسم عينه، ولقد اطلعت على نسخة من هذا المختصر في مكتبة المعهد الشرقي بهامبورج مطبوعة بروما في سنة 1592 م ومكتوب على هامشها أن هذا الكتاب أول ما طبع باللغة العربية.

 ـ كتاب الممالك والمسالك الذي لم يصلنا منه إلا بعض مقتبسات اقتبسها ، أبو الفدا عند كلامه على الجغرافية العربية. كذلك حدثنا عنه الشاعر أبن بشرون الأندلسي، وحدث أن الإدريسي ألف هذا الكتاب سنة 1161 لنجل رجار الثاني (فلهلم) الذي حكم من سنة 1154 إلى سنة 1166 م.

 ـ كتاب روض الفرج، وهو كتاب جغرافي صغير اكتشفه أحد الباحثين من نحو ثلاثين سنة بمكتبة خاصة في (إستانبول) .

ـ كتاب يبحث في وسائل العلاج البسيطة. فوق هذا نقل الأستاذ (ميللر) عن المؤرخين أنه كان شاعرا وأنه لم يصلنا من شعره إلا بعض مقطوعات، ولكنني لم اعثر على شئ من هذه المقطوعات لأعرضه على قراء الرسالة.

5 - كيف فكر روجر الثاني في وضع هذه الخريطة ؟ وكيف عهد إلى الإدريسي بذلك؟

عني روجر الثاني عناية خاصة بالمسائل الجغرافية ، وأخذ يشتغل بدراسة الكتب الجغرافية المختارة الموجودة في ذلك العهد، ولا سيما العربية منها، ولكنه لما لم يجد بعد البحث الطويل ما يطفئ غلته ويقضي به لبانته ويريح ضميره كباحث مجد، لما لم يجد جواباً واضحاً وحلاً موفقاً لما كان يجول بخاطرهم، المشكلات العلمية أخذ يستحضر رجال الخبرة الأجانب الذين وفدوا على مملكته من كل فج ويسألهم بواسطة المترجمين منفردين أو مجتمعين عن مواقع البلدان وحدودها، وعن كل ما يتعلق بها جغرافيا كلا بقدر ما تصل إليه معرفته، وقد كانوا كثيري العدد، فإن توافقت أجوبتهم ولم تتضارب أقوالهم اعتبر إجابتهم صحيحة وأعطاها قيمتها العلمية وقيدها وإلا ردها عليهم ولم يعتبرها، وبعد أكثر من خمس عشرة سنة قضاها بلا انقطاع مع صاحبه الإدريسي في هذا العمل الخطير والبحث الشائق استقر الرأي على تقييد ما وصلوا إليه ورسمه في خريطة عالمية كاملة ، تبين فيها مواقع البلدان والبحار والأنهار والجبال إلى غير ذلك كما وصل إليه البحث وانتهى إليه الاستقرار، فأعطيت القوس باريها، وعهد بهذه المهمة الكبيرة إلى الشريف الإدريسي الذي رسم أصل هذه الخريطة، ثم بعد هذا أراد الملك أن تحفر هذه الخريطة ثانية على لوح من الفضة، فأحضر الصناع المهرة الذين أتموا هذا العمل تحت رعاية الإدريسي ورقابته، وبعد أن جعل الملك مقدار أربعمائة ألف درهم من الفضة كما روى خليل الصفدي تحت تصرف الإدريسي لهذا الغرض ، اتخذ الإدريسي أقل من ثلث المقدار مائدة مستطيلة يبلغ طولها كما قدر الأستاذ (ميللر) ثلاثة أمتار ونصف متر وارتفاعها مترا ونصف متر تقريبا، ثم حفر عليها بواسطة الصناع المهرة كما قدمنا خريطة بغاية الدقة والاتقان وتمام الموافقة لتلك الخريطة التي رسمها قبل القيام بعملية الحفر، وكان الفراغ من هذا العمل الجليل الشأن في يناير سنة 1154 م.

وكشرح لهذه الخريطة وتعليق عليها ألف الإدريسي كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق أو كتاب رجار الذي أشرنا إليه، وإنه لجدير بهذه التسمية بعد أن بذل هذا المليك الجليل تلك العناية الكبيرة، وقدم هذا السعي المحمود خدمة للعلم وحبا فيه، وقد كانت العناية بتآليف هذا الكتاب شبيهة بأختها في وضع الخريطة ، فقد اختار رجار الثاني والإدريسي عدة من الرجال الذين بصح الاعتماد عليهم في مثل هذه العظائم وبعثوهم إلى جهات العالم المختلفة ليدرسوا أحولا البلدان النائية ويدرسوا أهلها وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويدرسوا حاصلات البلاد وحيواناتها وكل ما تنتجه ويعيش فيها إلى غير هذا مما له أهمية جغرافية وما يتعلق ببعض نواحي علم طبقات الشعوب وعلم الاجتماع.

أمرهم بأن يدرسوا هذا ثم يضعوا تقريراتهم عنه، ولقد حمل هؤلاء الرسل إذنا من الملك النورماني رجار الثاني ليحضروا معهم كل ما يعدونه غريبا في بابه ذا أهمية جغرافية خاصة من الأمور الخارقة للعادة في باب الطبيعة، بعد أن تم ذلك وعاد أفراد تلك البعثة الاستكشافية من الجهات التي أرسلوا إليها، وقدموا تقاريرهم اجتمع لدى الإدريسي ما مكنه من وضع كتابه نزهة المشتاق.

6 - كيف كانت صورة الأرض في نظر الإدريسي عند وضع خريطة؟

ولا بد لنا قبل أن نتكلم عن شرح الخريطة وبيان بنائها أن نشرح الصورة الأرضية التي كان يعتقدها الإدريسي عند وضع خريطته. كان الرأي الشائع إلى أواخر العصر المتوسط أن الأرض مسطحة عائمة على وجه الماء. نعم لقد شك بعض علماء اليونان في ذلك وثار عليه أفراد آخرون بعدهم، ولكنه لم يزل رأي الأغلبية حتى نهاية ذلك الوقت. أما رأي الإدريسي يشاركه فيه علماء الجغرافيا الأخصائيون من العرب فقد كان غير ذلك، اعتقد الإدريسي أن الأرض مكورة على شكل بيضة يحيط بها الماء ويتعلق بها بواسطة قوة جاذبية طبيعية، فالماء يغمر نصفها وينحسر عن النصف الآخر مع كون هذا النصف الأخير المنحسر عنه الماء آخذاً شكلاً بيضاوياً منقسماً بواسطة خط الاستواء إلى قسمين متساويين: شمالي وجنوبي، المعمور منها الشمالي فقط. أما الجنوبي فهو خراب غير معمور لشدة الحرارة ولعدم وجود الماء، ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن أبن رشد الطبيب والفيلسوف والفقيه المسلم (1126 - 1198) عارض الإدريسي في هذه النقطة، فلقد روى عنه ابن خلدون (732 - 808 هجرية) في مقدمته أنه ارتأى النصف الجنوبي من الكرة موافق للنصف الشمالي منها تمام الموافقة في الجو والطبيعة وأنه مأهول بالسكان مثله، وأن النقطة القريبة من خط الاستواء سواء كان شمالا أو جنوبا شديدة الحرارة، ثم تتدرج درجة الحرارة في الانخفاض بقدر بعد المنطقة عنه. ووافق ابن خلدون ابن رشد في اصل نظريته وأيدها بما ساق من الأدلة، إلا إنه رأى أن النصف الجنوبي لا سكان فيه كما في الشمال، وعلل ذلك بأن معظم القسم الجنوبي الصالح لسكن مغمور بالماء.

- الإدريسي يضع خريطة بناء على نظريته السابقة.

وبناء على نظرية الإدريسي التي شرحناها وضع خريطته العالمية هذه، فهي تمثل القسم المعمور من الكرة الأرضية وهو القسم الشمالي منها كما قدمنا. هذا القسم يشمل القارات الثلاثة: أفريقية الشمالية في الجهة اليمنى العليا (الجنوب الغربي)، أوربا في الجهة اليمنى السفلى (الشمال الغربي) يفصل بينهما بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط)، وآسيا في النصف الشرقي تشمل جميع الجهة اليسرى. وأمريكا طبعا لم تكن عرفت بعد، وكذلك هذا التقسيم إلى القارات الثلاث لم يكن معروفا لدى العرب على الإطلاق، وإنما كانوا يقسمون الكرة الأرضية إلى الأقاليم السبعة من الجنوب إلى الشمال، ثم كل إقليم إلى عشرة أقسام من الغرب إلى الشرق، وفوق هذا كانوا يقسمونها إلى الدول والممالك التي كانت معروفة في ذلك الوقت.

8 - الأقاليم السبعة وخطوط العرض.

والأقاليم السبعة كانت عند قدماء اليونان عبارة عن خطوط أفقية تبتدئ من خط الاستواء نحو الشمال وتحدد النقط التي تتم فيها زيادة النهار نصف ساعة على طوله في المنطقة السابقة من جهة الجنوب، ثم استعمل العرب الأقاليم وأرادوا منها المناطق التي تقع بين هذه الخطوط، وتلك المناطق لم تكن متساوية عندهم. أما الإدريسي فانه أراد من الأقاليم السبعة التي قسم خريطته إليها هذه المناطق التي كانت معروفة عند العرب، ولكنها عنده متساوية المقدار إذا استثنينا الإقليم الأول الذي يمتد إلى درجة 23 شمال خط الاستواء؛ فالأقاليم الستة الباقية يشمل كل منها ست درجات من درجات العرض، وعليه فالإقليم الثاني من 24 - 29، والثالث من 30 - 35 والرابع من 36 - 41، والخامس من 42 - 47، والسادس من 48 - 53، والسابع من 54 - 59.

ولما كانت نظرية الإدريسي أن المسكون من جهة الشمال هو لغاية درجة 63 فقط، لأن المنطقة التي تقع بعد ذلك شديدة البرودة ومغمورة بالثلوج ، فهي غير صالحة للسكنى والعمران. لما كانت هذه نظريته أضاف إلى الإقليم السابع الذي ينتهي بدرجة 59 أربع درجات أخرى من جهة الشمال من 60 - 63 وبذلك يتم الجزء المعمور من الأرض. ومما يذكر للإدريسي بالإعجاب والفخر أنه حاول بتقسيمه الأرض إلى الأقاليم السبعة إثبات درجات العرض وتحديدها، وأنه أفلح في محاولته هذه إلى حد بعيد يجعل علماء الاختصاص في الوقت الحديث يطأطئون الرأس له إعجابا وتقديرا.

ابتدأ الإدريسي بإثبات درجات العرض من درجة 28 إلى درجة 63 على التوالي، والدرجات التي أثبتها توافق الدرجات الحقيقية تمام الموافقة في جميع البحار وفي معظم اليابسة حيث توفرت لديه الأسباب أمكنه إجراء المقاييس الصحيحة؛ وفي بعض جهات قليلة من اليابسة حيث لم تتم لديه الأسباب تختلف الدرجات التي أثبتها عن الدرجات الحقيقية اختلافا بسيطا. فمثلا وضع الإدريسي مدينة (كلمار) ببلاد السويد عند درجة 56 , 3 وهي تقع عند درجة 56 , 5، وجعل الدانيمرك ابتداء من 54 , 5 إلى 58 والصحيح أنها من درجة 54 إلى 57 , 5، وجعل إنكلترا من 52 - 58 بدلا من 50 - 58 , 5، وهذا طبعا فرق بسيط في جهات قليلة دعا إلى ارتكابه عدم توفر الأسباب كما تقدمنا، ولم تنقصه عناية الإدريسي ودقته. أضاف الإدريسي إلى القسم الشمالي من الكرة الأرضية جزءا بسيطا من القسم الجنوبي إلى درجة 16 جنوب خط الاستواء، هذا الجزء الذي تقع فيه منابع النيل، وبين عليه منابع النيل بشكل واضح يدل على مقدار براعته العلمية، ومد الساحل الشرقي لأفريقيا نحو الشرق وجعله حدا للمحيط الهندي من جهة الجنوب، وطبعا لم يلق هذا الجزء عناية الإدريسي لخلوه من السكان وعدم صلاحيته لذلك طبقا لنظريته التي شرحناها.

كذلك لم يثبت الإدريسي درجات العرض إلى درجة 28 شمال خط الاستواء، وإنما اكتفى بوضع أرقام بجانب أسماء البلاد التي تقع في هذه المنطقة.

ولما كانت هذه الأرقام لا تتطابق مع درجات العرض للبلاد الموضوعة بجوارها وإنما تختلف عنها اختلافا كبيرا فإننا نستطيع أن نفهم السر في أن العلامة الإدريسي لم يثبت هنا درجات العرض متوالية كما فعل بعد تلك المنطقة، بل اكتفى بوضع الأرقام التي وصلت إليه في مواضعها كما اخبر بها.

9 - التقسيم الثاني (تقسيم كل من الأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام).

وبعد هذا قسم الإدريسي كلا من الأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام متساوية من جهة الغرب إلى جهة الشرق، فالإقليم الأول يبتدئ من القسم الأول غربا إلى العاشر شرقا، والثاني من الحادي عشر إلى العشرين، وهكذا إلى الإقليم السابع الذي يبتدئ بالحادي والستين وينتهي بالسبعين. وعليه فأول الأقسام السبعين يوجد في الجهة العليا من الغرب، وآخرها في الجهة السفلى من الشرق. بحث الأستاذ (ميللر) هذا التقسيم الثاني فتبين له كما ذكر أن الإدريسي لم يرد به إثبات درجات الطول، وأن الباحث لخريطته والقارئ لكتابه نزهة المشتاق لا يستطيع أخذ ذلك منهما، فضلا عن أن هذا التقسيم يختلف اختلافا كبيرا عن درجات الطول ؛ لهذا أريد أنا هنا أن أفرض أن الإدريسي اتخذ هذا التقسيم الثاني تسهيلا للقيام بالمهمة ورسم الخريطة لا غير.

10 - البحار السبعة.

وبعد هذا نريد أن نتكلم على البحار السبعة التي ضمنها الإدريسي خريطته، وهي شي آخر غير البحر المحيط أو بحر الظلمات الذي يحيط بالكرة الأرضية.

(1) البحر الشامي أو الرومي (البحر الأبيض المتوسط) الذي يتفرع من بحر الظلمات الغربي ويمتد نحو الشرق.

(2) خليج البندقية (بحر الادرياتيك).

(3) خليج النطاس (البحر الأسود) وهذان يتفرعان من بحر الروم.

(4) البحر القزويني أو بحر الخزر وهو بحر داخلي غير متصل بالمحيط الأعظم.

(5) بحر الهند (المحيط الهندي) وهو يحتوي على ثلاثمائة جزيرة يستمد ماءه من بحر الظلمات الشرقي.

(6) البحر الفارسي.

(7) بحر السويس أو بحر القلزم (البحر الأحمر) وكل من هذين يتفرع من بحر الهند.

11 - الإدريسي يسير في وصفه للكرة الأرضية بناء على التقسيم الثاني.

هذه البحار السبعة تخترق الأقاليم السبعة بحسب مواقعها، ولقد وصفها الإدريسي وصفا مسهبا دقيقا ووصف جزرها والبلاد التي تقع عليها إلى غير ذلك في كتابه نزهة المشتاق عند كلامه على الأقاليم السبعين التي شرحناها في التقسيم الثاني. فإنه اتخذ في طريقة وصفه للكرة الأرضية أن ابتدأ بوصف القسم الأول من الإقليم الأول متدرجا نحو الشرق إلى العاشر، ثم عاد إلى القسم الأول من الإقليم الثاني متدرجا إلى العشرين، وهكذا سار في طريقه إلى أن تم الكلام على القسم الأخير من الكرة وهو القسم السبعون، وعند كلامه عن كل قسم منها حدده وبين موقعه، وتكلم عن مدنه وجباله وبحاره وأنهاره وعن كل ما يحتويه من ماء ويابس، وعن الدول التي تشغله وعن سكانه وجنسياتهم وعاداتهم وعما يعيش فيه من حيوان وما ينبت فيه من نبات، مبينا كثيرا من خواص ذلك. طبيعية وطبية إلى آخر ما ضمنه نزهة المشتاق من الشرح المسهب والملاحظات الدقيقة.

12 - مصير المائدة الفضية واثر خريطة الإدريسي الذي

تركته في علم الجغرافيا ورسم الخرط.

شرحنا كيف وضع الإدريسي خريطته وكيف ألف شرحها، ولقد تم حفر المائدة الفضية ورسم الخريطة وتأليف الكتاب ونشرهما واختيار الأسماء لهما بأمر رجار الثاني في يناير سنة 1154 كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وبعد اتمام هذا العمل الجليل بستة أسابيع عاجلت المنية رجار الثاني، ولكن ولله الحمد بعد أن استراح ضميره ووصل إلى حل ما استعصى عليه السنين الطوال، وبعد أن قدم للعالم والعلم على يد الإدريسي خدمة من اجل الخدمات في التاريخ، ولعله يشوق القراء الآن أن يعلموا مصير المائدة الفضية وماذا فعل الله بها ، وإن كان مصيرا يوجب الأسف ويثير العبرة، ففي سنة 116. ميلادية بعد وفاة رجار الثاني بست سنوات وفي عهد ابنه (فلهلم) هاجم الثوار القصر الملكي واقتحموه وكان أشنع أعمالهم التي لم تكن موجهة إلى الأسرة النورمانية فقط، وإنما قد ارتكبت - علم الثوار أو لم يعلموا - ضد العلم والعالم اجمع. كان أشنع هذه الأعمال انهم كسروا هذه المائدة واقتسموها فيما بينهم وما هي حقا إلا ثورة، والثورات لا عقل لها، تم هذا الجرم على مرأى ومسمع من الإدريسي الذي بذل مع مليكه من الجهد ما استغرق السنين الطوال وما كلفهما كثيرا من التضحيات، حتى أبرزا عملهما القيم للوجود، والذي كان يستطيع أكثر من غيره أن يقدر قيمة عمله العلمي والفني.

لم يبق بعد هذا إلا خريطة الحائط وخريطة الكتاب الموزعة في السبعين قطعة التي هي أقسام الأقاليم السبعين كما ذكرنا.

انتشرت هذه الخريطة فيما بعد أشد الانتشار وأعمه، وتركت أثرا واضحا في المؤلفات والخرائط الجغرافية التالية لهذا العصر في الشرق والغرب، وظلت مع شرحها مئات السنين المرجع الوحيد لعلماء الجغرافيا من العرب والافرنج، ومعينهم الذي يستمدون منه معلوماتهم. ولقد ذكر الأستاذ ميللر بعض أسماء المؤلفات التي يظهر فيها أثر خريطة الإدريسي وكتابه بوضوح عند أول نظرة، منها كتاب الجغرافيا لابن زيد المولود بغرناطة سنة 1214 والمتوفى بتونس سنة 1274 ومنها خرائط مارينو زانوتو التي وضعها (بطرس فيسكونتي في سنة 1318 - 1320م. والتي انتشرت في جميع أنحاء أوروبة ) إلى آخر ما عدد من أسماء المؤلفين والمؤلفات التي قد يكون لنا أن نكتفي منها بما ذكرنا.

13 - الأستاذ كونراد ميللر يُعنى عناية خاصة بدرس خريطة

الإدريسي وطبعها طبعة ملونة لأول مرة.

لم تخف قيمة هذه الخريطة العلمية والفنية على علماء الجغرافيا المستشرقين، فالكثير منهم قد اشتغل بدراستها في مختلف العصور، وكلهم شغلوا أنفسهم بنواحي خاصة منها، ولم يجر واحد منهم بحثا شاملا مستقصيا مع اعترافهم جميعا بمنزلتها وتقديرهم لها.

ومازالوا على طريقتهم هذه ولم يخرجوا عنها إلى أن أتى الأستاذ كونراد ميللر فأجرى عن هذه الخريطة البحوث المستفيضة وكتب عنها الفصول الطوال التي استغرقت أعداداً كاملة من مجموعته العربية تلك المجموعة التي ضمنها أبحاثه في الجغرافية العربية، ثم توج هذا العمل الجليل الذي نشكره عليه ونقدره له بطبع الخريطة سنة 1928 لأول مرة طبعة ملونة. أبرزها في تلك الحلة الفاخرة المتناسبة الأجزاء،فدل على المدن بدوائر ملونة باللون المذهب، ورسم الأنهار والبحيرات بلون أخضر فاتح، والجبال بألوان مخت وأصفر وبنفسجي إلى جانب بعضها، كل هذا فوق أرضية فاتحة اللون تدع نفسها متميزة بوضوح عن لون البحار المدلون عليه باللون الأزرق السماوي المموج بخطوط رفيعة بيضاء، كما أنها تساعد على تحديد المسالك بعضا عن بعض بسهولة. ولقد كتب أسماءها بحروف لاتينية مميزاً الأقاليم السبعة بخطوط رفيعة حمراء وجعل طولها مترين وارتفاعها متراً تقريباً. وبهذا تكون مساحتها 47 % من مساحتها الأصلية التي قدمنا أنها كانت بطول ثلاثة أمتار ونصف متر، وارتفاع متر ونصف متر تقريباً. وهذا وقد يظن أن المساحة الأصلية كانت كبيرة بشكل زائد على اللزوم، ولكن سوف يتلاشى هذا الظن إذا علمنا أنها تتضمن من أسماء المدن فقط التي كانت مائجة بالعمران في ذلك العصر 2064 اسماً: (365) بأفريقيا،  (740) بأوربا، (959) بآسيا، ويوجد بين هذه الأسماء كل أسماء المدن الشهيرة المهمة في ذلك الوقت.

قبل هذه الطبعة لم تكن الخريطة موجودة بشكل تام مشتبكة الأجزاء بعد فقدان الأصل للخريطة الحائطية، وإنما كانت موجودة في قطع متفرقة داخل كتاب نزهة المشتاق أو مستقلة بذاتها. ومجموع هذه القطع الموجودة إلى الآن منها يبلغ 255 قطعة كما ذكر الأستاذ ميللر، توجد بمكاتب باريس وأكسفورد وأستانبول وليبننجراد والقاهرة؛ وكانت هذه القطع من الأصل الذي طبع عنه الأستاذ ميللر تلك الطبعة التي بين أيدينا.

وهناك خريطة أخرى تدعى الخريطة الإدريسية الصغيرة طبعها الأستاذ ميللر كذلك في مجموعته، وهي ليست لصاحبنا الإدريسي وإنما هي لابنه محمد وضعها سنة 1192، واسمها روض الفرج. ولقد وجدها بعض الباحثين كذلك في استانبول في 73 قطعة، وإذا وازنا بينها وبين خريطة والده فأننا نجده قد أخذها صورة طبق الأصل عنها بشيء يسير من التغيير، ومع هذا فقد فاتته عناية والده في الرسم.

14 - خريطة الشريف الإدريسي أقدم خريطة عالمية يعرفها التاريخ. موازنات بينها وبين بعض الخرائط وباق مميزاتها.

بقى أن نذكر مع الفخر والإعجاب أن الخريطة الإدريسية أقدم خريطة عالمية صحيحة كبيرة مفصلة وموضوعة بغاية الضبط والاتقان والوضوح عرفها التاريخ إلى الآن. نعم لقد وصل إلى أيدي علماء الجغرافيا خريطة من عهد قياصرة الروم لها من العمر ضعف ما للخريطة الأدريسية وهي خريطة (بويتنجر) التي وضعت في عام 365 بعد الميلاد، ولكنها ليست خريطة عالمية للدنيا القديمة كخريطة الإدريسي، وإنما هي خريطة لبيان طرق المواصلات فقط، فضلا عن أن المدن والمحطات التي ذكرتها أصبحت كلها أنقاضاً لا يعرف لها أثر، فالناظر إلى هذه الخريطة وإنما يستطيع أن يتصور موضعها بالتقريب. وإما خريطة الإدريسي فهي فوق كونها عالمية تمثل الدنيا القديمة، وبالرغم من أنها تبلغ من العمر نحو ثمانمائة سنة فكل المواضع التي ذكرتها يستطيع الباحث أن يعثر عليها ويتثبت منها إلى الآن، ومازال أغلبها يعرف بنفس الأسماء التي ذكرها الإدريسي إلى يومنا هذا. نحن لم نرث من العصر القديم خرائط جغرافية عالمية وإن كان قدماء اليونان قد وضعوا خرائط من هذا النوع مبنية على طريقة فلكية متقنة، وأشهرها خريطة الدنيا لبطليموس التي تزيد على خريطة الإدريسي بألف سنة في القدم، ولكنها ليست خريطة للدنيا بالمعنى الذي نعرفه ولا على منهج خريطة الإدريسي تبين الممالك ومواقعها إلى آخر ذلك، وإنما هي خريطة للدنيا بمعنى أنها تعطي نظرة عامة فقط في الدنيا القديمة وتبلغ مساحتها 35 سنتيمتراً في 52 سنتيمتراً.

هذه الصورة التي أعطتها خريطة بطليموس ظلت معتبرة في بلاد الشرق والغرب إلى آخر العصر المتوسط. ولقد أخذ الإدريسي حدودها واستعان بها عند وضع خريطته، ولكن من حسن الحظ كما عبر الأستاذ ميللمر أن الإدريسي قطع النظر بالكلية عما احتوته خريطة بطليموس بعد الصورة والتحديدات العامة تنفيذا لأمر رجار الثاني، نقول من حسن الحظ لأن الأسماء التي ذكرها بطليموس في خريطته على كثرتها غير مطابقة للواقع بأكثر من 1 % مع التسامح في هذا النسبة، وكذلك درجات العرض والطول المثبتة في خريطة بطليموس تختلف عن الحقيقة بمئات من الأميال، لهذا كان من الحكمة والسداد قطع النظر عما أثبت في تلك الخريطة بالكلية، وكذلك فعل الإدريسي ووصل بمجوده المستقل إلى أن يعطينا صورة صحيحة مطابقة للعصر الذي عاش فيه بما لا ينتظر خيراً منه. الأمر الذي جعل لتقسيمات الممالك في الخريطة الإدريسية وللتقسيمات السياسية على الإطلاق قيمة علمية فائقة.

نعم أظهر بطليموس مقدرة العالم الفلكي عند وضعه لخريطته في الوقت الذي أثبت فيه درجات العرض والطول بناء على حساباته العلمية المبنية على القواعد بمقدار لم يصل إليه الإدريسي، ولكن هذا لا يغنيه شيئاً بجانب عدم التحري للحقيقة. وعند الموازنة بين خريطته وبين خريطة الإدريسي نجد أن بطليموس أثبت خطوط العرض والطول معاً ولكنها تختلف عن الواقع بشكل غير مقبول. أما الإدريسي فإنه أثبت درجات العرض فقط ولكن بعد قياسات صحيحة، فهي مطابقة للحقيقة بمقدار يدعو المقدر للخريطة الإدريسية علمياً إلى أن ينظر إليها بعين الإكبار والإجلال.

وأما خطوط الطول فقد ترك إثباتها الإدريسي عن قصد، إذ تبين له أن مقادير المقاييس التي وصلت إليه غير صحيحة، ولأنه لم يتيسر له بعد هذا إجراء قياسات أرضية لبيان درجات الطول وقياس الكرة السماوية، وإن كان في الاستطاعة فإنه لا يعطي نتيجة مقطوعاً بها.

هناك خريطتان أخريان

(1) الخريطة التي وجدت بدير مدينة هانوفر من أعمال ألمانيا.

(2) الخريطة التي وجدت بإحدى كنائس هرفورد بإنجلترا.

وهاتان الخريطتان بالرغم من أنهما وضعتا بعد الخريطة الإدريسية بمائة سنة فلم تكونا عملاً علمياً، وإنما كانتا عبارة عن تخطيطات زخرفية كما عبر الأستاذ ميللر، تمثلان شيئاً من العصور السابقة لعصرهما، غير محتويتين إلا على شيء يسير من الجغرافية المعاصرة لهما.

لعل القارئ يتساءل الآن عن مقياس الرسم للخريطة الأدريسية، وهنا أقول إن مقياس الرسم بالمعنى الحديث الذي نعرفه والذي بمساعدته يستطيع الإنسان أن يعرف مساحة جهة من الجهات بقياس مساحتها فوق الخريطة، مقياس الرسم بهذا المعنى لا نجده في خريطة الإدريسي، وهو طبعاً لم يوجد في جميع الخرائط القديمة، وإنما وجد بعد وضع خريطتنا بمئات السنين. على أن الإدريسي قد أشار إلى طريق الوصول إلى معرفة مثل هذا المقياس الحديث. الإدريسي ذكر درجات العرض وقدر الدرجة بخمسة وعشرين فرسخاً، والفرسخ بثلاثة أميال، وعليه فالدرجة 75 ميلاً، ولكن الذي لم يذكر قدره الإدريسي هو الميل، فان قدرنا الميل بما كان معروفا عند الروم وهو كيلو متر ونصف تكون الدرجة مقدرة عنده بـ 112. 5 كيلو متر، وبهذا يكون الإدريسي أعطانا مقياس الرسم لخريطته بشكل واضح.

في الختام أريد أن أذكر لحضرات القراء بعض المميزات التي تزيد في قيمة الخريطة الإدريسية، وقيمة شرحها نزهة المشتاق:

(1) تجنب الإدريسي ذكر الخرافات التي كانت شائعة في العصر المتوسط، والتي تورط في ذكرها غيره من المؤلفين. ولقد كان من حنكته أنه إذا ذكر شيئاً خارجا عن حدود العادة نسبة إلى ناقله، ثم أعقبه بكلمة احتياط كقوله: والقادر على كل شيء أعلم بما في هذا من الحقيقة. ولم يرسم ما كان شائعاً رسمه عند علماء الجغرافية مما يمثل الغرائب الخرافية، وطبعاً كان لتعاليم الإسلام الفضل الأكبر في هذا.

(2) انفردت خريطة الإدريسي بأنها هي الخريطة الوحيدة التي تعطينا صورة صحيحة عن البلاد الواقعة حول البحر القزويني وصحراء العجم في مدة من الزمن تبلغ نحو قرن، هذه المدة التي لولا خريطة الإدريسي لظلت حلقة مفقودة في تاريخ هذه البلاد.

(3) إن خريطة الإدريسي وحدها هي التي مثلت لنا دولة الإسلام العربية وهي في عصرها الذهبي، تلك الدولة التي كان حظها حظ المائدة الفضية التي علم خبرها والتي قضى عليها في وقت وجيز على يد التتار والمغول. فما لم تصل إليه يد جنكيز خان بالتدمير من المدن الغربية وحضارتها إلى عام 1219 ميلادية صعقته يد هولاكو التتري يوم ضرب العواصم الإسلامية، وترك جنوده يعيثون في بغداد فساداً في فبراير سنة 1258 سبعة أيام كاملة، قتلوا فيها أهلها، وخربوا عامرها، وحرقوا كتبها أو أغرقوها.

ومن هذا الوقت تغيرت العواصم، وتبدلت الأسماء وخلفت الدولة العربية دول المغول والأتراك، وأخذت الخرائط التي وضعت بعد ذلك وجهاً آخر جديداً. فالخريطة الإدريسية إذن هي آخر تمثال لدولة العرب الغابرة يلهمنا العظة ويحدثنا عن فتوحهم وعن مجدهم وفخارهم بأنصع عبارة وأجلى بيان.

وإنني في الختام أدع الحكم على قيمة هذا العمل العلمي الكبير، وعلى مجهودات الإدريسي ورجار المشكورة لرجل خبير درس الخريطة وشرحها (نزهة المشتاق) دراسة وافية، لرجل لم يجر في عروقه الدم العربي، ولا مجال لاتهامه بالتحيز في حكمه، ذلك هو الأستاذ (كونراد ميللر) إذ يقول في آخر بحث أجاره لشرح الخريطة ما معناه: (إن رجار الثاني والإدريسي بوضعهما لهذه الخريطة قد وضعا أهم حجر أساسي في تاريخ انتشار العلم الإنساني) واليكم عبارته بالنص الألماني:

أما كلمتي أنا فأني أوجهها إلى ورثة الأمة العربية، وأخص شباب مصر الناهض وأبناءها البررة العاملين، أوجهها إلى هؤلاء جميعاً بعد أن نشرت بين أيدي القراء صحيفة ناصعة من صحائف أسلافنا الأمجاد، وبعد أن عرضت عليهم بعض ما يجعلنا نعتز بتاريخنا، ونفخر بماضينا، وأناشد هذا الشباب المصري ليجدَّ في العمل كل في ناحيته راجياً أن نوفق في مسعانا، ونربط حاضرنا بماضينا لنصل بوطننا العزيز بمشيئة الله وعونه إلى مكانه الذي أخذه فوق ذروة المجد، وعلى قمة العلياء تحت قيادة مليكنا المحبوب قائد النهضة وحامل لوائها في مصر والشرق.

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

هاشم الرفاعي في أوج عصر التنوير الأوروبي أشار هيغل "أن الفكر ينمو...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه لا يمكن نهوض واستقرار إقليم...

 الهيئة العليا للمفاوضات تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

"الهيئة العليا للمفاوضات" تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

أثنى المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة رياض...

قيادي في حماس : إتمام المصالحة بانتظار خطوات من فتح والرئيس عباس

قيادي في "حماس": إتمام المصالحة بانتظار خطوات من "فتح" والرئيس عباس

  أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"...

  • أيام في سيلان والمالديف