• الصليب وحكاياته

ستسقط الموصل .. وسيبقى "داعش"!

Oct 26 2016 7:38:37

ستسقط الموصل .. وسيبقى "داعش"!

د. ليلى بيومي

من كثرة ما شحنت الولايات المتحدة وأوروبا العالم عن خطورة تنظيم "داعش" على العالم أجمع، ومن كثرة الإعداد والتجهيز لمعركة إخراجه من الموصل، ومن كثرة القوات المشاركة في عملية التحرير أصبحت معركة الموصل هي الخبر الأول والرئيس في وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية، حتى اعتقد البعض أننا مقبلون على الحرب العالمية الثالثة.

وهكذا تم وضع العالم أجمع في وهم وفي تصور غير حقيقي، لأن كلام القوم يكون حقيقيًا لو أن هناك معركة تدور بين طرفين، ولكن هذه المعركة تدور من طرف واحد.

فبينما لا يوجد في مدينة الموصل إلا بضع مئات أو على الأكثر بضع آلاف (حوالى 5 آلاف مقاتل وأقل من 10 آلاف) ومهما يكن تسليحهم فهو تسليح أقرب إلى الخفيف وليس لديهم ترسانة السلاح التي لدى الطرف المقابل، والأهم من ذلك أنه ليس لديهم قوات جوية ولا أنظمة للدفاع الجوي. وبهذه المناسبة فإن المصادر العراقية المقربة من التنظيم تؤكد أن المقاتلين الذين استولوا على الموصل في البداية كانوا حوالى ثلاثمائة مقاتل لا أكثر، وأنهم ظلوا لفترة طويلة على مقربة كاملة من الجيش العراقي الذي كان يراهم ولا يتحرك.

أما إذا نظرنا إلى الطرف المقابل الذي يخوض معركة التحرير ضد "داعش" فإننا سنجد 12 تشكيلا مسلحًا أبرزها: الجيش العراقي ويقدر بنحو أربعين ألف مقاتل, وميليشيات الحشد الشعبي وتقدر حشودهم الجاهزة للاشتراك بالمعركة بنحو أربعين ألف مقاتل مجهزين بأسلحة تفوق أسلحة الجيش, وقوات البشمركة الكردية ويقدرون بنحو خمسين ألف مقاتل, بالإضافة إلى مسلحي الحشديْن الوطني والعشائري ويقدرون بسبعة آلاف، وهناك من يقدر عددهم بـ15 ألفًا. كما يشرف نحو تسعة آلاف من أفراد التحالف الدَولي - بينهم أكثر من خمسة آلاف أمريكي- على سير المعركة من خلال التدريب وتقديم الدعم الجوي والمدفعي, دون المشاركة على الأرض.

وهكذا فإن المعركة شبه محسومة، ستطول وسيسقط فيها آلاف الضحايا، وسيقاتل عناصر "داعش" بطريقة مختلفة تفاجئ خصومهم، لكن المعركة ستنتهي كما انتهت معارك تكريت والفلوجة والرمادي، ومقاتلو "داعش" يعلمون ذلك جيدًا ولكن لهم استراتيجيتهم وفكرهم. ولعل عمليتهم العسكرية الأخيرة في "كركوك" تثبت ذلك، فرغم الحصار المفروض عليهم، تسلل بضع عشرات واحتلوا أحياء ومباني مهمة في المدينة وقتلوا العشرات.

وهكذا فإن كل شيء قد حسبوا حسابه إلا المليون ونصف المليون إنسان داخل المدينة من المدنيين وجلهم من أهل السنة، فعند ذكرهم وذكر هول ما ينتظرهم، يصرخون بأن لا أموال كافية لتوفير مخيمات لهم، ويتناسون الميزانية الضخمة التي خصّصت لهزيمة التنظيم قليل العدد، وسيصبح هؤلاء السنة لاجئين وفريسة لنهش الكلاب الطائفية المسعورة من الحشد الشعبي والبشمركة، وبالتالي فإننا سنكون أمام مشكلة إنسانية، قالت عنها الأمم المتحدة إنها ستكون التحدي الإنساني الأكبر في تاريخ المنظمة والعالم.

كما ستكون الموصل، مدينة التاريخ والحضارة، عرضةً لتدمير بناها التحتية، بفعل الطيران الذي يتوقع أن يشكل العامل الأبرز في تقدم القوات المهاجمة، أي أننا سنكون أمام رمادي ثانية، حيث بلغت نسبة تدمير المدينة باعتراف الأمم المتحدة نحو 80%.

والذي نأمله أن يؤدي الدور التركي إلى منع مليشيات الحشد الشعبي من ارتكاب فظائع ضد أهالي الموصل، حيث يلح الأتراك يوميًا على الاشتراك في المعركة، حتى يكونوا سندًا لإخوانهم من أهل السنة، وحتى يمنعوا الطائفيين المتوحشين من الانفراد بهم.

لكن الذي غفل عنه القوم هو هذا السؤال: أين سيذهب مقاتلو التنظيم بعد الموصل؟ وقد سمعنا في بعض التقارير أنه تم الاتفاق على تسهيل أمر خروجهم صوب الرقة السورية، وإن لم يكن هناك اتفاق فالمؤكد أن التنظيم بعد التضييق عليه سينتقل إلى سوريا. ونشير هنا إلى تعليق الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك في صحيفة "الإندبندنت" على معركة الموصل، حيث قال إنه في حال سقوط تنظيم الدولة فإنه يمكن أن يتوجه إلى سوريا للقتال ضد نظام بشار وحلفائه، وأن هذا السيناريو قد يسبب بعض الرضا في واشنطن، خاصة وأن سيناريو مشابهًا حدث بمدينة الفلوجة عندما سقطت في أيدي الجيش العراقي والمليشيات في وقت سابق من هذا العام حيث فر العديد من مقاتلي التنظيم إلى سوريا.

وهنا يجب أن نشير إلى موجز دراسة قام بها "مركز بيجن – السادات" في الولايات المتحدة، وهو من المراكز البحثية المهمة المقربة من الإدارة الأمريكية، حيث قدم الرؤية التالية لصانع القرار الأمريكي بالنسبة لمعركة الموصل ولما يحدث في سوريا أيضًا:

أولًا: يجب العمل قدر الإمكان أن يظل مقاتلو "داعش" في مكان واحد وبؤرة واحدة، فهذا يسًهل كثيرًا من التعامل معهم والقضاء عليهم.

ثانيًا: يجب عدم القضاء على "داعش" تمامًا، لأنه لابد أن يبقى هناك "عدوًا" للغرب، ولن يجد الغرب أفضل من "داعش".

ثالثًا: دعوا الأشرار يقتل بعضهم بعضًا، ولا تتدخلوا إلا عن بعد وفي الصفوف الخلفية وبأعداد قليلة، وتكون مهمتكم هي المساعدة على تأجج الصراع.

رابعًا: ليس هناك أخطر على إسرائيل من العرب السنة وعقيدتهم الجهادية وممارساتهم الجهادية، ولذلك ينبغي عدم التعاطف معهم حتى لو كانوا مظلومين ويبادون، لأن ذلك أفضل من أن يتحدوا ضد إسرائيل.

وإذا كانت هذه هي رؤية الغرب الاستراتيجية، فإنه من المتوقع بعد انتهاء معركة الموصل، أن تتعمق جراحات أهل السنة، وأن يزيد التوغل والسيطرة الإيرانية على بلاد الرافدين، وأن تستعر الأحلام الطائفية، وهذا كله سيشكل أرضية مناسبة جدًا لعودة "داعش" مرة أخرى أو ظهور تنظيم جديد مشابه في الفكر والعقيدة والتوجه.

ومما يدعم هذا التحليل أن التنظيم لا يتمسك بأرضٍ محدّدة، ويمكن أن يعود مجددًا إلى الصحارى.. هذا ليس جديدًا على هذه التنظيمات، فقد خسر تنظيم "التوحيد والجهاد" في الفلوجة عام 2004، وانتهى مجدّدًا في عام 2008، على يد الصحوات، واستقر بعد خساراته في الصحارى.

وعاد إثر ممارسات المالكي الطائفية التي حرّكت الشارع السني العراقي في ثورةٍ شعبية بدأت في نهاية 2012، ومن ثم تطوّرت وتنامت في عامي 2013 و2014. في هذه السنة، دخلت "القاعدة" على خط المظلومية السنية.

القوم جميعًا يعلمون أن ما ينهي "داعش" هو إنهاء الأسباب التي أدت إلى وجوده في الأصل، وهي تعدد المظالم التي تعرض لها أهل السنة وأهمها اتفاق المحتل الأمريكي مع إيران والأطراف الشيعية على تمكينهم من العراق وعلى الانتقام من أهل السنة، وإطلاق العنان للمليشيات الشيعية المسعورة، والتدخل الإيراني الكامل في شئون العراق، وقبل ذلك وبعده وجود المحتل الأمريكي الذي إذا كان قد سحب أغلب قواته إلا إنه مازال الآلاف منها موجودًا كما أن هناك العشرات من القواعد العسكرية الأمريكية في طول العراق وعرضه.

 ما يساهم في مواجهة "داعش" هو سياسات جديدة تُنهي المظالم السياسية وفق الأساس الطائفي، وتعتمد نظامًا سياسيًا مستندًا إلى المواطنة، وليس بتهميش السنة، وإنهاء كل طائفية سياسية.

إن ما ساهم في وجود "داعش" هو الدور الأمريكي المشبوه، فبعد أن دفع الأمريكان الثمن غاليًا بين 2006 و2008، لجئوا إلى تأسيس تنظيم "الصحوات" في مقابل "القاعدة"، والذي تكوّن من أبناء الطائفة السنية، ووصل تعداده إلى حوالى 100 ألف بموازنةٍ قدّرت بـ 200 مليون دولار شهريًا، وتمكّنت "الصحوات"، بعد مواجهاتٍ داميةٍ، من توجيه ضربةٍ كبيرة لـ"القاعدة"، إلا أنه جرى التخلي عنها أمريكيًا وأجهز عليها نوري المالكي، رغم أنه كان هناك التزام أمريكي قبل تأسيس هذه "الصحوات" أنه مقابل انخراط السنة فيها فإنه سيكون هناك تصحيح لمعادلة الخلل الطائفي، ولكنهم، بمجرّد أن تم تحجيم "القاعدة"، تراجعوا عن تعهداتهم، وحلوا "الصحوات" واعتقلوا زعماءها، وبقيت الطائفية بثقافتها وممارساتها قائمة.

هذا هو الحل لمن أراد أن يحل ويقاوم "داعش"، وطالما أن هذا الحل لن يتحقق (حيث إن الواقع يؤكد ذلك) فإن "داعش" سيغادر الموصل، ولكن سيذهب إلى مكان آخر، وستظهر تنظيمات مماثلة، ما بقيت معادلة الخلل السياسي وتهميش السنة وسيطرة إيران قائمة.

 

الوسوم

الدور الأمريكي داعش الموصل الخلل السياسي السنة الدور التركي الأمم المتحدة
جديد المقالات المزيد
يوسف بن تاشفين وصحوة الإسلام بالأندلس

يوسف بن تاشفين وصحوة الإسلام بالأندلس

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق هو المجاهد العظيم قاهر الصليبيين ومطفئ...

وقفة لا بد منها استفزاز الأقباط للمسلمين (2 / 3)

وقفة لا بد منها استفزاز الأقباط للمسلمين (2 / 3)

تشويه الآثار المصرية القديمة بحفر الصلبان المختلفة على جدران معابدها يتواصل...

ستسقط الموصل  وسيبقى داعش !

ستسقط الموصل .. وسيبقى "داعش"!

د. ليلى بيومي من كثرة ما شحنت الولايات المتحدة وأوروبا العالم عن...

جديد الأخبار المزيد
 التحالف الدولي : عملية قريبة جدا لتحرير الرقة بمساعدة سوريا الديمقراطية

"التحالف الدولي": عملية قريبة جدا لتحرير الرقة بمساعدة "سوريا الديمقراطية"

أعرب قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي،...

معركة القدس فى اليونسكو تشتعل  نتنياهو يستدعى سفيره في المنظمة

معركة القدس فى اليونسكو تشتعل .. نتنياهو يستدعى سفيره في المنظمة

أعلن رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو , اليوم الأربعاء,...

في ذكرى توقيع وادي عربة  أردنيون: اتفاقية عار مشؤومة

في ذكرى توقيع "وادي عربة".. أردنيون: اتفاقية عار مشؤومة

يشهد اليوم الأربعاء ذكرى مرور 22 عاما على توقيع معاهدة السلام...

  • أيام في سيلان والمالديف