• الصليب وحكاياته

أبو القاسم السهيلي صاحب كتاب الروض الأنف

Dec 15 2016 8:06:50

أبو القاسم السهيلي صاحب كتاب الروض الأنف
أبو القاسم السهيلي صاحب كتاب الروض الأنف

الزاكي بنيونس

أ ـ السهيلي: حياته ونسبه

عرض ابن دحية لنسب شيخه السهيلي فقال:

أبو القاسم السهيلي، وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن ـ واسمه أصْبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل إلى الأندلس. هكذا أمْلى عليّ نسبه، وقال إنه من ولد أبي رُويْحَة الخثعمي الذي عقد له رسول - صلى الله عليه وسلم - لواء عام الفتح، ذكره أهل السِّيَر.

كُناه

عرف السهيلي بثلاث كُنى: ثنْتان تردَّدتا في أكثر المصادر، وهما أبو القاسم وأبو زيد، والثالثة ذكرها ابن الأبار وابن فرحون وابن الخطيب وابن العماد، وهي أبو الحسن.

ولقد اعتُبر تعدد هذه الكنى أمراً مشكلاً، بسبب أن معظم المصادر قد ضربت صفْحاً عن حياة السهيلي الخاصة. وقد شغل هذا الأمر أحد دارسي السهيلي ـ وهو الدكتور محمد إبراهيم البنا ـ فتجشم لتبيان سر هذا الغموض، والتمس لإزاحته وجوهاً.

وأحسب أن ابن خميس قد انفرد بتجلية ما انبهم من أمر زواج السهيلي

وإنجابه، ذلك بأنه أفرد ترجمة لأحد أبنائه ـ وهو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السهيلي ـ فانضافت إليه بذلك كنية رابعة، هي: أبو علي.

أسرة السهيلي

لقد سكتت مصادر ترجمة السهيلي عن حياته الخاصة كما أسلفت، ولم تذكر شيئاً عن أسرته، وكل ما انتهى إلينا من حديث آبائه خبران: أحدهما ألمع إليه ابن دحية وهو يعرِّف بشيوخ السهيلي. قال: »ورحل إلى قرطبة، فقرأ القرآن العظيم بالمقارئ السبعة على المقرئ أبي داود سليمان بن يحيى بمسجده بباب الجوز، وقال لي عنه: كان يُجلّ وقد عول ابن الآبار على هذا الخبر، واعتمده في إعداد ترجمة جد السهيلي.

ولعل ابن قاضي شهبة والحافظ الذهبي قد أعياهما أن يفيضا في التعريف بأسرة السهيلي، فاقتصرا على هذين الخبرين، واستوحيا منهما ما جعل أولهما يعلن أن السهيلي كان "من بيت علم وخطابة"، بينما أفاد ثانيهما أنه "ولد الخطيب أبي محمد بن الخطيب أبي عمرو".

وقد اشتهرت نسبة السهيلي إلى سهيل، غير أن البلديين لم تتفق كلمتهم على المراد بها. فياقوت الحموي يعتبر سهيلاً وادياً، فيقول: »ووادي سهيل بالأندلس من كورة مالقة، فيه قرى، من إحدى هذه القرى عبد الرحمن السهيلي، مصنف "شرح السيرة المسمى بالروض الأنف"؛ وجنَح ابن الخطيب إلى اعتبارها حصناً، فقال واصفاً إياها إنها "حصن حصين يضيق عن مثله هند وصين«

وأما مناسبة تسميته هذا الوادي بـ"سهيل"، فقد أبان عنها الحميري وهو يصف "مربلّة" وأنها بالقرب من مرسى سهيل، فقال: »وهناك جبل منيف عال يزعم أهل تلك الناحية أن النجم المسمة سُهَيْلاً يُرى من أعلاه، قال: ولذلك سُمي أبو القاسم الأستاذ الحافظ مؤلف "الروض الأنف" السيهيلي«.

... ويفيد الأستاذ عبد الله عنان أن سُهيلاً بلدة قديمة يرجع تاريخها إلى عهد الرومان، كانت تُدعى Selitane، فغيّر المسلمون اسمها إلى سهيل، وما زالت قائمة حتى الآن، وتعرف اليوم باسم Tuengirola، وتبعد عن مالقة بنحو ثلاثين

كيلومتراً.

مولده

لا يكاد يقوم خلاف في تاريخ ميلاد السهيلي أنه سنة ثمان وخمسمائة للهجرة (508 هـ)، وأقدم تأكيد لذلك جاء على لسان ابن دحية الذي قال: »سألته عن مولده فأخبرني أنه ولد سنة ثمان وخمسمائة. وقد اعتمدت المصادر المتأخرة هذه الرواية، ولم تجعلها مثار خلاف، سوى

ما نقله ابن الآبار«. قال: وقال أبو القاسم بن الملجوم، أحد تلاميذ السهيلي:

أخبرني أنه ولد عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة، شك فيها لوقوع مداد على تاريخه. كما لم يحقق الذهبي ميلاده، كان الأمر انبهم عليه، فاكتفى بأن قال: « مولده سنة بضع وخمسمائة"، واكتفى في موضع آخر بضبط تاريخ وفاته الذي جعله سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (581 هـ) وأعقب ذلك قوله: "وعاش اثنتين وسبعين سنة"فيؤول كلامه إلى أن السهيلي ولد سنة 508 هـ.

تحقيق في عمى السهيلي

اتفقت معظم المصادر على أن السهيلي قد أضرّ وهو في السابعة عشرة من عمره. وقد عولت جميعها على ما جزم به ابن الآبار من أنه »كفًَّ بصره بماء نزل به وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها«. ولاشك أن هذا الخبر كان معتمد الصفدي في إدراج ترجمته ضمن تراجم العميان

وقد شكّك الدكتور محمد إبراهيم البنا في عمى السهيلي معتمداً ما يلي:

1 ـ أن تلميذه ابن دحية ـ وهو أقدم من ترجم له وعٌني بأخباره ـ لا يشير إلى ذلك، وكان حقيقاً به أن ينبه على هذه العاهة لو كانت قائمة بشيخه.

2 ـ أن كلام السهيلي في "الروض" قد يدفع إلى تحقيق مسألة ضرره.

قلت: أما الاحتجاج الأول باطل، لأنه إذا كان ابن دحية قد أغفل الإشارة إلى ذلك، فإن اثنين من تلاميذ السهيلي قد نبّها على عمى شيخهما: فقد جزم الضبي بأنه "كان مكفوف البصر"، ونص ابن عربي الحاتمي الصوفي ـ وهو يتحدث عن مصادر كتابه: "محاضرات الأبرار" ـ على عماه، فقال: »... وكتاب "الروض الأنُف" لشيخنا الضّرير أبي زيد السهيلي المالكي رحمه الله«.

وأما الدليل الثاني، فقويّ يستدعي تأملاً ونظراً تحتّمهما نصوص وردت في "الروض" وغيره. وقد تتبعتها، فوجدتها تزيد على العشرة، وها هي ذي:

ورأيت لابن المغربي«.

ـ »وروي حديث غريب لعله أن يصح، وجدته بخط جدي أبي عمران«.

3 ـ »وهكذا قيدته بكسر الهمزة«.

4 ـ ». وجدت في حاشية كتاب الشيخ مما كتبه عن أبي الوليد الكتاني«.

ورأيت المهلّب في شرح البخاري«.

6 ـ » كذا قيده الشيخ أبو بحر بفتح الزاي«.

7 ـ » وأملى علينا أبو بكر الحافظ، وكتبت عنه، بخط يدي«.

8 ـ »وألفيت في حاشية الشيخ«.

9 ـ » وألفيت بخط الشيخ«.

10 ـ »بل قد رأيت في بعض فتوح الشام«.

ولم أره، ولكني رأيت البكري«.

12 ـ »ورأيت ذلك في بعض كتب الواقدي«.

13 ـ »وقد رأيت لابن فورك نحواً من هذا«.

وأكثر هذه النصوص. فيه احتمال، ولا ينهض دليلاً للقطع بعمى السهيلي المبكر، وإنما يحتمله فقط. أما النص السابع الذي يتعلق بالحافظ أبي بكر العربي، فقد استوقف الدكتور محمد إبراهيم

البنا الذي لاحظ أنه يوجد من الشواهد ما قد يكون مسعفاً بتحديد تاريخ التقاء السهيلي بشيخه ابن العربي في إشبيلية. يقول:

وذلك أننا بتتبُّعنا لمسيرة السهيلي العلمية ولقائه بشيوخه، نتبين أنه لم يخرج من مالقة إلا بعد أن مات شيخه ابن الطراوة سنة 528 هـ، وبعد أن تتلمذ لأبي محمد القاسم بن دحمان. على أنه لم يقصد إشبيلية مباشرة، بل ذهب إلى قرطبة، وقضى بها زمناً لقي فيه أربعة. فإذا عرفنا أنه ولد سنة 508 هـ، وأنه ترك مالقة سنة 529 هـ أو 230هـ، وأنه قضى في قرطبة نحو السنة أو السنتين، فيكون لقاؤه لشيخه ابن العربي نحو سنة 532 هـ، وقد وافى الخامسة والعشرين من عمره.

فإذا قال السهيلي: »وأملى علينا أبو بطر الحافظ«، وهو في هذه السنة أو بعدها ـ وقد تواترت الأخبار أنه كُفّ بصره في السابعة عشرة ـ، فلا مخرج من هذا إلا بواحد من أمرين:

1 ـ أن السهيلي لم يكن قد فقد بصره تماماً حتى هذه السنة، وأنه كان لا يزال قادراً على التمييز، قادراً على أن يكتب ما يُمْلى عليه، ثم تلاشى ذلك الضوء تدريجياً.

أن السهيلي كان مكفوف البصر تماماً، ولا غرابة في أن يستطيع الكتابة، وقد كان من قبل قارئاً كاتباً، وأن يتصور المكان الذي يكتب فيه. ويرجح هذا الظن ما ذكره السهيلي في هذا النص من قوله: »وكتبت عنه بخط يدي«، فهدا يُعدّ حشواً لا معنى له، إلا أن يريد السهيلي أنه يمكنه أن يكتب.

ولكن هذا الأمر لا يثبت أمام النظر، لأنه لا معنى لأن يُدهد نفسه في مجلس الحافظ أبي بكر بن العربي. وأما قوله: »وكتبت عنه بخط يدي«، فهو تأكيد لسماع عن شيخه بأنه قد كتب أيضاً وهو في مقامه بإشبيلية في منتصف العقد الثالث منعمره، وأن هذا الضعف لم يمنعه من الكتابة.

أقول: وقد وفِّقْتُ ـ بحمد الله ـ فاهتديت إلى خبر يقوي التشكيك في أن السهيلي قد فقد بصره تماماً. فقد ذكر الزبيدي في مادة خ ز ج أنها بفتح فسكون، ونبه على أن الحافظ ابن حجر ضبطها كذلك، ثم قال »ووجِدَ في ّالروض الأنُف" بخط السهيلي بفتحتين«.

... كما أفاد بروكلمن(2) أن السهيلي اختصر كتابه "الروض الأنُف" بعنوان "الإشارة إلى سيرة المصطفى وآثار من بعده من الخلفاء"، ونبه على أن منه نسخة خطبة في : ميونخ أول 448.

... فإذا صحّ هذان الخبران فإن السهيلي قد كان متمتعاً ببصره وقد جاوز الستين من عمره. يؤكد ذلك أنه لم يفرغ من تأليف "الروض الأنُف" إلا في جمادى الأولى من سنة تسع وستين وخمسمائة كما أخبر هو بذلك.

عقليته

أجمع كثير ممن ترجم للسهيلي على أنه كان يتوقد ذكاء، مقدماً في الفهم والفطنة، صاحب اختراعات واستنباطات دلت على ثقابة فكره، ونباهة علمه، وسعة حفظه. ذلك بأنه أوتي ما لا يمكن أن يكون العالم عالماً إلا بتوفره عليه: ذاكرة جيدة حاضرة، وملكة في التصور والتخيل قوية، وثقافة واسعة وعميقة.

وقد تلاحقت هذه المواهب جميعاً فجعلت منه مفكراً مبتكراً، وأهلته ليكون في طليعة العلماء المبرزين. وحسبك شهادة على هذا أن تجده منعوتاً عند المتقدمين بأوصاف من مثل قول بعضهم: »كان حافظاً للسِّير والأخبار والأنساب، إماماً في الحفظ والذكر والإدراك«. و»كان حافظاً للتاريخ القديم والحديث جامعاً بين الرواية والدراية«.

زهده

لقد غلب على السهيلي حياة الزهد، وليس ذلك بدعاً. فقد كان، كما قال تلميذه ابن دحية، »يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف«.

وقد كان حقاً زاهداً لا متزهداً. يؤكد ذلك رغبتُه في قصور الأمراء، في عصر كانت أبوابهم تغص بالشعراء والعلماء، وإنَّ في شعره التوسلي لإشارات صريح إلى ما كان عليه حال أهل العلم والأدب من إقبال على الملوك، وتراصّ على أبوابهم:

إذا سدت الأملاك دوني بابها

فزعت إلى باب المهيمن ضارعاً

فلم ألف حُجَّاباً ولم أخش منعه

ونهنه عن غشيانهم زجر حاجب

ذليلاً أنادي باسمه غير هائب

وإن كان سؤلي فرق هام الكواكب

وثمة مسألة ثابتة تؤكد زهد السهيلي وحقيقة توكله على خالقه، وهي جهره بعدم مسايرة المذهب الظاهري وسلبه أتباعه وصف "أرباب الحقائق". وهذا طعن صريح في المذهب، وتسفيه لأنصاره، وفي طليعتهم أبو يوسف الموحدي الذي حمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث، وقد كان هذا مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره هو، وتوعد من خالفه بالعقوبة الشديدة.

إنصافه

الإنصاف من شيم النفوس الكبيرة، وهو خلق كان ولا يزال عزيزاً بين الناس.

ولقد كان السهيلي منصفاً لأهل العلم عامة، ولأشياخه وأقرانه خاصة، يقدر الجميع حق قدره، ويعترف لذوي الفضل بفضلهم.

فهو حين يذكر علماء النحو القدامى يشيد بفضلهم، فيقول: »فمن تأمل هذه الحكمة من أرباب الصناعة رأى من بُعْد غوْرهم، ودقة أذهانهم، ورجاحة أحلامهم، وثقابة أفهامهم ما يُستدل به على أنهم مؤيدون بالحكمة في جميع أغراضهم وكلامهم«.

وإذا عرض بالذكر لبعض أشياخه، نوَّهَ بعلمه وسعة اطلاعه اعترافاً بحق المشيخة، كقوله في ابن الرماك: »وكان إماماً في هذه الصناعة رحمه الله«.

ومن أمثلة إنصافه لأقرانه واعترافه لهم بالسبق ما حكاه أبو سليمان بن حوط الله.قال:

سمعت شيخنا أبا زيد السهيلي يقول: لما شاهدت من حفظ أبي عبد الله بن الفخار صاحبنا ما عجز عنه غيره، ورأيته قد تقدم في ذلك قلت: كيف أسُودُ مع هذا؟ فرزقني الله من الفقه ما قصر عنه وسواه، والحمد لله على ذلك كثيراً.

أمانته العلمية

يلاحظ الدارس لكتب السهيلي وأماليه أنه حريص على عزو النقول إلى قائليها، وهو يتحرى ـ ما أسعفته مصادره وذاكرته ـ أن يسوقها بألفاظها حفاظاً على سلامة معانيها. فإذا أعياه ذلك، استفرغ جهده للإبقاء على المعنى سليماً، وانتقى الألفاظ المحققة لهذا الغرض. وقد التزم هذا المنهج الذي ألزم به نفسه في سائر أبحاثه، وأعلن عنه في بعض نقوله، فقال: »... ذكر ذلك كثير ممن ألف في الأخبار والتفسير ـ ذكروا هذا المعنى بألفاظ شتى، فلخصته بهذا التلخيص، وتحريت فيه القصد إلى معنى ما ذكروه والله المستعان«. ولعل الذي حدا بالسهيلي إلى اعتماد هذا المنهج ما لاحظه على بعض أهل العلم من استشهاد بمعاني النصوص دون ألفاظها، وفي ذلك من التجنّي على أصحاب النقول ما فيه، بحيث يقوِّلون ما لم يقصدوا إليه، وإساءة إلى القراء الذين يلقَّنون مضامين لا تعبر عن حقيقة مقاصد أصحابها. وإذا علمت هذا، فلا يروعنك أن تجد السهيلي يشنع على عالم كبير وهو أبو علي الفارسي، فيعيب عليه نقل أقوال غيره بلفظه وإفساده لمعانيها.

وأخيراً، فإن الأمانة العلمية تُلزم السهيلي أن يشيد بفضل مشايخه عليه. ولذلك، فهو إذا أفاد شيئاً، أو ظفر بنكتة من أحدهم لم يدّعها لنفسه، وإنما يعزوها إلى صاحبها، كقوله: »وهذه النكتة لقِنْتُها عن الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن العربي رحمه الله«، وربما أدى به الإعجاب بالفكرة إلى التعصب لها، ونبذ ما سواها، كقوله ـ وقد ساق قولاً في النحو ـ: »وإليه كان يذهب شيخنا أبو الحسين ابن الطراوة السبائي، ومنذ سمعت هذا القول لم أقدر أن أعرج معتقدي عنه«

اعتداده بنفسه

زخرت كتابات السهيلي بعبارات الإعجاب بعلمه والإشادة بغزارة علمه ودقائق فكره وقدرته على تجلية ما استغلق من دقائق العلم ونكته، كزعمه أن بعض ما عنده من العلم »تعجز عنه همم أهل عصره«، وأن بعض تعليلاته »عجب عجاب«، وأن ما انتهى إليه »مسألة عذراء لم تفترعها أيدي النحاة، أو لم يشْف منها متقدم منهم ولا متأخر«، وأن له في مسألة أخرى »تحقيقاً وبياناً شافياً لمعناها، وكشفاً عن فقهها لم ير أحداً سبقه إلى مثلها«، وأن له إملاء في أخرى »لا يعدل بقيمتها الدنيا بحذافيرها«.

وقد يُعْمِل عقله في مبحث فيهتدي إلى سرِّ من أسرار التشريع فيه، فتحركه نشوة الظفر به، فيقول: »لو لم يكن في هذا المختصر إلا هذه الفائدة لكانت تُساوي رحْلَة«.

ومع الإعجاب بما عنده من العلم والتحقيق الواسع العميق، فهو لا يغلو بذلك غلوّاً ينسيه طبيعته البشرية، بل يتواضع تواضع العلماء الذين يوقنون أن العلوم مهما تاتّت لطالبها، والمعارف وإن ازدحمت في صدر صاحبها تظل محدودة متناهية.

وقد وقع له ـ وهو بصدد تفسيراته ـ أن أدرك أنه لم يهتد إلى سر تأويلها، فاعترف بقوله: »وقد بقي في نفسي من تأويل هذه الآية شيء حتى يكمل الله نعمته بفهمها إن شاء الله تعالى«.

حِدَّتُه

لازَمَت السهيلي حدَّةٌ لم تخف على أهل عصره، وقد جرت بينه وبين بعض معاصريه مناظرات ومساجلات علمية عكَسَ ابن دحية صورتها بقوله: »وجلبَ على النحاة بخيله ورجله، وتلقى راية باليمين، وحوى الغاية بالهزيل والسمين«.

وأشهر ما عُلِمَ من مناظراعته ما جرى بينه وبين ابن خروف النحوي وقد وصف السهيلي خصمه بالجهل والتقليد، فقال: »ما أجهل هذا الجاهل حيث ينكر ما لا ينكره أحد! «، و»هذا الجاهل من جفاة المقلدين«. وحدة السهيلي وإن بدت قاسية، لا تنحدر إلى مستوى الفحش والإسفاف.

رحلاته ووظائفه

من المؤكد أن السهيلي قضى العقدين الأولين من حياته في مالقة، ولم يفارقها إلا بعد أن مات شيخه ابن الطراوة سنة 528 هـ، وقد أفادت بعض المصادر أنه أقام فترة بإشبيلية

كما أفاد ابن الخطيب أنه دخل غرناطة. ومن المحتمل أنه رحل إلى قرطبة قبل ذلك حيث لقي جلة من الشيوخ الذين كانوا مقصد الطلاب. ولعلل السهيلي ضاق بمالقة ـ مسقط رأسه ومرتع صباه ـ ولم يطب له فيها عيش بعد أن افتقد أعظم شيوخه تأثيراً في حياته العلمية، غير أن خيبة أمل السهيلي لم تدم طويلاً. فقد قيض الله له أن يحظى بلقاء القاضي أبي بكر بن العربي الذي فيه ضالته، فلازمه وأخذ عنه علماً غزيراً في فنون شتى، وإن كتبه وأماليه لتزخر بنقول وفوائد لقنها عن شيخه ابن العربي.

وقد رجح الدكتور محمد إبراهيم البنا أن السهيلي أنهى رحلته العلمية وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، عاد بعدها إلى بلده مالقة، فكانت له بها حلقة وتلاميذ، وقضى فيها بقية عمره يعاني شظف العيش، وبؤس الحرمان، إلا الثلاث السنوات الأخيرة التي حظي فيها بعطف الخلافة الموحدية ورعايتها، وذلك بعد أن أطلعهم ابن دحية على كتابه "الروض الأنُف"، فأمروا بوصوله إلى حضرتهم، وبذلوا له من مراكبهم وخيلهم ونعمتهم، وقوبل بمكارم الأخلاق، وأزال الله عنه الإملاق،وقد سكتت مصادر ترجمته عن المهام التي أسندت إليه في مراكش، فقيل إنه أُسند إليه هناك منصب قاضي الجماعة. ذكر ذلك الذهبي وابن الجزي، وليس بمسلّم: إذ المعروف أن قضاء الجماعة كان مسنداً ـ يومئذ ـ لصديقه ابن مضاء القرطبي ، ولم تكن هذه السنوات الثلاث في حياة السهيلي في مراكش هنيئة سعيدة. فلقد غاظ الحساد أن يُولى هذه العناية، ويحظى من الحضرة بهذه الحظوة، »والعمر ـ مع ذلك ـ قد عسا وذبل عوده، وذهب العيش وأفل سعوده، فعندما عاش مات«.

وفاته

توفي السهيلي ـ رحمه الله ـ بمراكش، على المشهور(2)، سنة 571 هـ، وقبره بها معروف

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف