• الصليب وحكاياته

الوقف وأثره في الحياة العلمية

Dec 21 2016 18:40:42

الوقف وأثره في الحياة العلمية
الوقف وأثره في الحياة العلمية

د / وفاء عبد الله المزروع

كان للمؤسسة الوقفية دور كبير في إنشاء المراكز العلمية في البلاد الإسلامية، فلم تخل مدرسة ولا معهد من المعاهد، ولا مكتبة علمية إلا وكان لها وقف خاص يتم الإنفاق عليها من ريعه وعوائده، فلقد أسهم الوقف في إرساء دعائم ثقافية متنوعة في المجتمعات الإسلامية على مدى قرون طويلة من تاريخنا الإسلامي، ومن بين تلك الدعائم العلمية والثقافية:

- تشييد المدارس وتعيين المدرسين فيها والإنفاق على طلبة العلم.

- الاستفادة من المساجد في تطوير حلقات التعليم والتربية العامة، وإنشاء المكتبات العلمية العامة والمتخصصة.

وقد شارك في تمويل هذه المؤسسات الوقفية ودعمها فئات مختلفة في المجتمع من حكام وعلماء وعامة الناس وخاصتهم، ذلك في مختلف العقود، منذ بداية الحضارة الإسلامية وعلى امتدادها، وللتخصيص اعتباراً لنقطة اهتمام هذا البحث يمكن القول إنه في العصر العباسي (132-334هـ) ازداد التوسع في إنشاء الأوقاف، وكان يتولى ديوانها من يطلق عليه (صدر الوقف)، وظل ديوان الوقف مؤسسة أهلية مستقلة عن الدواوين السلطانية، وتوسعت مصارف ريع الوقف لتشمل الأوقاف الحضارية المدنية كالمستشفيات والمكتبات ودور الترجمة ومعاهد التعليم وغيرها، وشملت مصارف ريع الأوقاف مختلف جوانب الحياة.

أما أبرز المراكز العلمية التي كانت تعتمد في نفقاتها على مؤسسة الأوقاف فهي المراكز العلمية في بغداد ومصر وبلاد المغرب والأندلس ونيسابور، وبهراة، وأصفهان، وطبرستان، والموصل.

وقد روى ابن جبير أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة أشهرها وأكبرها المدرسة النظامية، ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها. ومن تلك المراكز العلمية وأشهرها في التاريخ الإسلامي المدرسة المستنصرية، والتي أنشأها الخليفة العباسي المستنصر بالله، وعلى هذه المدرسة وفد الطلبة من جميع أنحاء العالم لتلقي العلم في جميع التخصصات الدينية والأدبية والرياضية وعلوم الطبيعة بالإضافة إلى علوم الطب وعلوم اللغة العربية.

وكان نظام الدراسة فيها دقيقاً ومرتباً وكانت أشبه ما تكون بجامعات اليوم، ولقد شملت تدريس علوم مختلفة، وهي في تميز نتاجها وما تضمنته كانت تعتمد على مخصصات وموارد مالية مصدرها الأوقاف دائماً.

وبالإضافة إلى المستنصرية كانت هناك مدارس أخرى تقع في بغداد أوقفت عليها الأوقاف الكثيرة، ومن أهمها المدرسة الفخرية، ومدرسة عبدالقادر الجيلي، ومدرسة ابن الجوزي، والمدرسة البشرية، ومدرسة أبي حنيفة، وقد أوقفت عليها أوقاف كثيرة.

أما المراكز العملية في مصر فلقد ابتدأت بالظهور والانتشار منذ القرن الثاني الهجري، ولعل من أهمها الجامع الأزهر، فقد كان منبراً من منابر العلم في حياة المسلمين في الماضي ولايزال، وظل يحمل مشعل الحضارة الإسلامية عبر السنين، ويفد إليه المسلمون للدراسة، وكان الأزهر مصدر إشعاع علمي وديني وأدبي على ربوع البلاد الإسلامية، والذي ضمن للأزهر هذا الاستمرار هو نظام الوقف الإسلامي الذي دعمه اقتصادياً، إذ كانت هذه الأوقاف مصدر قوة للجامع الأزهر، وقد حققت استقلالاً ذاتياً فكرياً لعلماء الجامع عن الدولة فكان العلماء يفكرون ويعبرون عن رأيهم في حرية كبيرة بالإضافة إلى اختيار الدراسات والموضوعات التي تلقى على طلبتهم.

وإلى جانب الأزهر والأوقاف المرصودة له كانت هناك مراكز ومدارس للعلم والمعرفة شاركت الأزهر رسالته العلمية، وكانت لها أوقاف يصرف من ريعها على تلك المدارس والتي من أهمها المدرسة الفاضلية، والمدرسة الظاهرية، والمدرسة الناصرية.. وغيرها من المدارس المتعددة.

وما هذا التعدد إلا دلالة على أهمية الأوقاف ودورها في إثراء المجتمعات الإسلامية بهذا العدد الكبير من مراكز العلم ومؤسسات المعرفة وانتشار الحضارة الإسلامية وزيادة عدد العلماء والمتخصصين في شتى مناحي العلم.

لقد كان للأوقاف أهمية خاصة بالنسبة للتعليم سواء كان في المدارس أو المكاتب، فالأوقاف ثبتت أركان المدرسة ودعمت نظامها، ومكنتها من القيام برسالتها، مما يؤكد على أن الحركة العلمية إنما هي نتاج طبيعي لازدهار الأوقاف وانتشارها، كما أن من الملاحظ أن الأوقاف في دعمها للحراك العلمي والفكري في الدول الإسلامية حققت خصائص من أهمها: مبدأ الشراكة التنموية بين الحاكم وأفراد المجتمع في عملية إنشاء المؤسسات العلمية ومراكز التعليم، كما أن الأوقاف حققت لهذه المراكز العلمية استقلالية عن السلطان، ومنحتها صلاحيات ومجال توجهات علمية وفكرية متعددة.

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف