• الصليب وحكاياته

العلامة الورع سليل النبوة محمد المنتصر الكتاني

Jan 24 2017 12:29:49

العلامة الورع سليل النبوة محمد المنتصر الكتاني
العلامة الورع سليل النبوة محمد المنتصر الكتاني

الشريـف محمد حمزة بن محمد علي بن محمد المنتصر بالله الكتاني

هو محـدث الحرمين الشريفين ، الداعية الإسلامي الكبير ، ورائد الحـركة الإسلامية المعاصرة الأول بالمغرب ؛ الشيخ الإمام العلامة المفسر المحدث الحافظ الفقيه المؤرخ الأديب شيخ الإسلام أبو الفضل وأبو علي محمد المنتصر بالله بن محمد الزمزمي بن محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني الإدريسي الحسني

ولادته ونشأته وبيئته:

ولد – رحمه الله تعالى – في الثاني عشر من ربيع الأول عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف ( 1332 – 1914 ) بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، وأول ما ولد أدخل الحجرة النبوية على عادة أهل المدينة المنورة حينذاك مع أبناء العلماء.

ووالده هو : الشيخ الإمام العلامة المؤرخ المصلح محمد الزمزميصاحب "عقد الزمرد والزبرجد في سيرة الابن والوالد والجد" ، في تاريخ القرن المنصرم ؛ كان من أئمة العلم المصلحين ، والدعاة المهتدين ، والمحدثين المسندين ، سافر في البلاد من المغرب للهند واجتمع بكبار العلماء الأعلام ، وأصلح بين عدة من طوائف المسلمين ، وألف كتابه الواسع في ترجمة نفسه ووالده وجده ، ونجله الشيخ المنتصر ، وذكر أهم أخبار العالم الإسلامي ؛ بالأخص في الحجاز والمغرب والشام أواسط القرن المنصرم ، كتابة شاهد عيان ، وكان ورعا عابدا عارفا بالله تعالى ، صاحب أذكار ونصرة للمجاهدين . توفي – رحمه الله تعالى - عام 1371 بدمشق الشام .

وجده هو : شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد بن جعفر الكتاني – صاحب "الرسالة المستطرفة" في مشهور كتب السنة ، و"سلوة الأنفاس" في أعلام فاس ..وغيرهما ، الذي أذعن له علماء زمانه مشرقا ومغربا لعلمه وعمله ، والمتوفى بفاس بالمغرب عام 1345.

ووالدته هي : السيدة الفاضلة الصابرة ، المحتسبة المربية ؛ فضيلة بنت الوجيه المتفاني في حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، الذاكر لله تعالى ؛ أمين أمناء فاس الحاج المكي ابن عبد الله الأندلسي أصلا ، الفاسي قرارا..

وعمه : شيخ علماء الشام ، المصلح الكبير ، العلامة العارف بالله محمد المكي الكتاني .

وعاش في بيت كله علماء ومصلحون ومجددون ؛ كما قال فيهم الشاعر :

ما حاز أصناف الفواضل وال فضائل والعلا إلا بنو الكتاني

ما فيهمو إلا ولي كامل أو عالم في علمه فرقاني

أو جامع الوصفين جمعا لا يجارى أو يساوى قط في ميدان

لو أنصفوا لخطو بنعلهمو على هام الورى في سائر البلدان

هم نخبة الدنيا وزينة أهلها وأمانها من سائر الحدثان

وقال الآخر

وكل كتان منهم على سمة أعظم بها سمة برا وإقبالا

كما كان بيتهم مأوى العلماء والزعماء والوجهاء ، بل والملوك فمن دونهم ، مليئا بأصناف العلوم والمعارف من شتى الوجهات ، وقد ساعدته عيشته في المشرق والمغرب على تلقيح ذهنه وفهومه ، والجمع بين الحسنيين : ثقافة المشارقة ، ودين المغاربة..

كما أنه عاش في بداية فترة الاستعمار في العالم الإسلامي ، وانهيار الخلافة في المغرب وتركيا ، وقيام الحركات الفكرية والثورية والعلمانية والإسلامية بمختلف اتجاهاتها ، وكذلك عصر الاستقلال للعالم الإسلامي ودول العالم الثالث..

وفي وقت – بالرغم من ذلك – كثر فيه العلماء والنبغاء في شتى ميادين العلوم والمعارف الدينية ، تسنى له الاغتراف من معينهم ، وملازمة بعضهم ، والاستفادة من آخرين ، ومذاكرتهم أو قراءة كتبهم وأفكارهم..

طلبه العلم وحياته وأعماله الإصلاحية بالمغرب:

عاش في المدينة المنورة أربع سنين تفتق فيها لسانه ، وتفتحت عيناه على حب بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، غير أن الظروف السياسية اضطرت أسرته إلى الهجرة من المدينة المنورة إلى دمشق الشام ؛ حيث حفظ القرآن الكريم في رياضها الغناء ، وتلقى أساسات العلم ، وحضر الكثير من دروس جده ؛ خاصة في شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل التي كان يحضرها نجباء العلماء والطلبة ..

ودرس على مجموعة من أهل العلم بالشام تلك الفترة وبعدها ، وحضر دروسهم ، وأخذ عنهم ؛ كإمام الشام وبركتها الشيخ بدر الدين بن يوسف البيباني الذي كان من أشد الناس صحبة لجده ، والخطيب المفتي الشيخ عبد الجليل الدرا ، والعلامة المصلح علي الدقر ، والعلامة الداعية الأثري هاشم الخطيب ، والعلامة المصلح محمد توفيق الأيوبي الأنصاري ، والعلامة العارف الأصولي محمد أمين سويد ...وغيرهم ..

ثم في عام 1345 انتقل مع أسرته إلى مدينتهم الأصلية فاس ؛ التي كانت تعج بالعلماء والأئمة الأعلام الذين لا يجارون في العلم والفهم في زمانهم ، وحضر دروس جده في القرويين في مسند الإمام أحمد بن حنبل التي ما شهد القرويون مثلها ؛ حيث كان يحضرها أكثر من عشرة آلاف شخص ، وفي نفس العام توفي جده المذكور رحمه الله تعالى..

وأخذ العلم بفاس عن علماء أهل بيته ؛ كوالده المذكور ، وخاتمة الحفاظ الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني ، والإمام أبي الفضل محمد الطاهر بن الحسن الكتاني ، والعلامة المؤرخ عبد الرحيم بن الحسن الكتاني ، وشيخ الجماعة عبد الله بن إدريس الفضيلي ، والعلامة اللغوي عبد السلام بن عبد الله الفاسي الفهري ، والعلامة النابغة أحمد بن محمد ابن الحاج السلمي ، وشيخ الجماعة الطائع ابن الحاج السلمي ، والعلامة محمد بن عبد الحفيظ الشامي الخزرجي ، والفقيه الفيلسوف القاضي محمد بن عبد السلام السائح ، بل المترجم هو الذي عرف الطلبة به كما أخبرني نجله الأستاذ الحسن السائح حفظه الله تعالى ...وغيرهم من أقطاب العلم والمعرفة ، ووالده هو عمدته في العلوم وإليه ينتسب ، وهو موجهه ووالده الروحي والجسدي .
فأخذ عنهم علوم التفسير والحديث والأصول والفقه واللغة والتاريخ وفلسفة التاريخ والاجتماع والأدب وفلسفة التشريع والتصوف ..وغير ذلك من العلوم الغزار..

أما علم الأنساب ؛ فقد أخذه عن إمام نسابي المغرب الشيخ عبد الكبير بن هاشم الكتاني صاحب "زهر الآس" ، ونجله النسابة الاجتماعي محمد بن عبد الكبير بن هاشم الكتاني صاحب "تحفة الأكياس" .

كما رحل إلى طنجة للأخذ عن تلميذ جده الإمام العارف الشريف محمد بن الصديق الغماري ، ولازمه مدة استفاد به فيها في العلم والسلوك ، وكان كثير التردد إليه ؛ لما كان بينه وبين والده وأسرته من خالص المودة..

وزار شتى مدن المغرب ؛ كزرهون ومكناس ومراكش ، وتطوان التي التقى فيها بشيخ جماعتها الإمام أحمد بن محمد الرهوني ، وحافظها الشيخ محمد بن محمد الفرطاخ ..وغيرهما . وطنجة ، والرباط التي التقى فيها بعالمها الكبير الحـافظ الواعية الشريف محمد المدني بن الحسني وأخذ عنه وعن طبقته ، وسلا التي أخذ بها عن ابني عمه العلامة العارف الشيخ محمد المهدي بن محمد بن عبد الكبير الكتاني ، والإمام العلم الشيخ محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير الكتاني ، وعن شيخ الإسلام أبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي ؛ أخبرني – رحمه الله تعالى – أنه زاره صباحا واستجازه وحادثه ، وفي المساء بلغه نعيه رحمه الله تعالى..

وفي هذه الفترة – وهو ابن 17 عاما فقط – خرج في مظاهرات ضد الاستعمار الفرنسي ، فاعتقل وضرب بالسياط ، ثم فكه الله تعالى . وكان يشارك في خلايا الحركة الوطنية الأولى ، وينشر الوعي في أوساط المجتمع ضد الاستعمار وأطماعه .

وفي عام 1352 زار رفقة والده الشام ، والتقى بعمه شيخ علمائها محمد المكي الكتاني وبقية علماء الشام . ومنها ذهب إلى مصر ومكث يدرس بها بالأزهر مدة من عامين ؛ أخذ فيهما عن عدد من أعلامها ؛ كمفتي مصر الإمام محمد بخيت المطيعي الحنفي ، والعلامة الكبير محمد بن أحمد أبو زهرة ، وحافظها أحمد بن محمد شاكر ، ومسندها أحمد بن رافع الطهطاوي ، واستفاد كثيرا من صديقه وشيخه الإمام الحافظ الصاعقة الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري خاصة في علم الحديث ، وصارت بينهما محبة ومودة تامة ، زيادة على المشيخة .

وأخذ بمصر كذلك عن مشاهير علمائها ، والتقى بالإمام المصلح حسن البنا . ثم عاد إلى المغرب ، واشتغل بالدراسة والتدريس والإصلاح الاجتماعي والسياسي .

وبعد تمكنه من فقه المالكية ؛ اتجه إلى فقه الظاهرية مطالعة وبحثا ونقدا ، ودرس محلى ابن حزم في مدة من اثنتي عشرة عاما جرد فيها مسائله جردا ، وبحثها واستخرج عللها وقارنها بالمذاهب الأخرى ، وكان شيخاه في هذه المرحلة : ابن عمه الإمام المجاهد البحاثة محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني ، والعلامة ابن عبد السلام السائح الرباطي .

وكانت له حافظة قوية وذهن وقاد ، بحيث ذكر عن نفسه – كما أخبرني بذلك شقيقي الشيخ الحسن الكتاني عنه – أنه قال : (( لقد رزقني الله تعالى حافظة ما أودعتها شيئا ونسيته )).
وفي عام 1362/1942 أسس حزب الخلافة ، وانضم إليه في حزبه صديقه وشيخه الشيخ أحمد ابن الصديق الغماري بطريقته الصديقية الدرقاوية ، وحاول إحياء الجهاد المسلح ضد الاستعمار ين الفرنسي والإسباني مستطاعه ، وجمع الناس وألقى خطابات فيهم ، يقطع المغرب من أقصاه إلى أقصاه من أجل ذلك ...

وقد بنى فكرة هذا الحزب على إحياء الخلافة الإسلامية في المغرب ، وطرد الاستعمار ، وتحكيم الشريعة الإسلامية ، وضمن أفكاره في كتاب "فتية طارق والغافقي" الذي طبع بدار إدريس ببيروت حدود عام 1975 ، والذي يعد مشروعا متكاملا لنظام الدولة الإسلامية.

غير أن حركته لم يكتب لها النجاح بسبب ما عانته من محاربة ما يسمى بالحركات الوطنية الأخرى التي كانت تشي به وشايات كاذبة إلى الملك محمد الخامس ، فاضطر إلى حل حزبه وإدماجه في حزب الشورى والاستقلال عام 1370/ 1950 ، غير أن أفكاره لم تفشل ؛ فقد أحياها على أرض الواقع كما يأتي لاحقا..

واستمر في حياته العلمية والثقافية ؛ فأسس ودرس في عدة مدارس بفاس وسلا وطنجة ، وشغل مديرا لبعضها ، كذلك ، ودرس العلوم الشرعية والفكر الإسلامي في مختلف مساجد المغرب الكبيرة ، وعمل فقيها ضابطا بمحكمة الاستئناف الشرعي العليا بالرباط ، وأستاذا للفقه المالكي والحضارة الإسلامية بمعهد الدراسات المغربية العليا في قسم الحقوق بالرباط .
واشتغل أثناء ذلك بالدعوة إلى الله تعالى والتعليم ؛ وأسلم على يديه مجموعة من الرهبان واليهود والقسس ، وكانت داره مقصدا للمثقفين والمستشرقين منهم خاصة ، لما اتسمت به ثقافته من موسوعية وعمق ، واستمر أثناء كل ذلك مدرسا في عدة من مساجد المغرب .

هــجــرته إلى المــشــــرق

ثم لما ضاقت به الأرض بالمغرب :

وكان ما كان مما لست أذكره فظن شرا ولا تسأل عن الخبر

رحل إلى دمشق الشام عام 1375/1955 ، ليستقبله أهلها وأعلامها بكل حفاوة وتقدير ، ودرس في جامعة دمشق التفسير والحديث والفقه المقارن بكلية الشريعة ، وعين رئيسا لقسم علوم القرآن والسنة في عموم كليات سوريا ، ودرس بجامع دمشق وبمنزله بحي الميدان ، وكان مفتيا للمالكية بدمشق  . .

واستمر في الشام داعية إلى الله تعالى ، والتقى بزعماء القيادات الإسلامية ؛ كالإمام المصلح أبي الأعلى المودودي ، ومفتي باكستان محمد شفيع الديوبندي العثماني ، والعلامة عبد المحسن الأسطواني ، والعلامة محمد إدريس القندهاري اللاهوري ، والإمام المفسر محمد الطاهر ابن عاشور التونسي ، والعلامة العارف أبو القاسم الدباغ الحسني ، وشيخ علماء الشام أبي الخير الميداني ، والأصولي الكبير أحمد بن محمد الزرقا الحلبي ، والعلامة الشيخ عبد القادر الحواري الحجازي ، والعلامة المجاهد الكبير محمد البشير الإبراهيمي الجزائري الإدريسي الحسني ، وكانت بينهما صحبة ومودة خالصة وتعاون  . .

ووضع يده في يد عمه شيخ الإسلام بسوريا ، والإمام المصلح الداعية إلى الله تعالى أبي الفيض محمد المكي بن محمد بن جعفر الكتاني مؤسس رابطة علماء سوريا ، والذي لم تكن تعين وزارة بسوريا لعدة سنوات إلا بموافقته الشخصية ، فعملا على إصلاح البلاد ، ومساعدة الحركات التحررية في العالم الإسلامي ، وتوجيهها الوجهة الإسلامية ، كما كان عليه والده الشيخ محمد الزمزمي – رحمهم لله تعالى – وكذا وضع يده في يد الأستاذ الكبير مصطفى السباعي ، ونشر مقـــالات عــــدة في مجـلته "المسلمون" وغيرها .

وعمل مع عمه المذكور على توحيد سوريا ومصر عام 1381/1961 بالاتفاق مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، غير أن ذلك الاتحاد فشل نظرا لتعنت جمال عبد الناصر ، ومحاولته استغلال ثروات وخيرات الشام دون مقابل ، وبعيدا عن الشريعة الإسلامية .
ثم اضطرته الظروف إلى الهجرة من الشام إلى عمان بالأردن ثم منها إلى مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية ، حيث اصطفاه الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز آل سعود مستشارا له ، لما وجد فيه من الروح الإسلامية الجياشة ، والعلم العميق المتمكن .

وعمل في الحجاز في سلك التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي كان أحد مؤسسيها ؛ أستاذا للتفسير والحديث والفقه ، والمذاهب الإسلامية والاجتماعية المعاصرة في كلية الشريعة وكلية الدعوة ، ودرس الحديث في كلية الشريعة وكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ، ثم بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، وعضوا ومستشارا برابطة العالم الإسلامي  .

وكان مواظبا على التدريس بالحرمين الشريفين ؛ فدرس بالحرم المكي والحرم النبوي الشريف تفسير القرآن الكريم إلى أن أتمه ، والموطأ ، ومسند الإمام أحمد ... وغير ذلك ، متنقلا نصف الشهر في مكة المكرمة ، والنصف الآخر بالمدينة المنورة .

وقد أشار على الملك فيصل – رحمهـــما الله تعالى – بعدة إشارات وجد منه فيها القبول التام ؛ منها فكرة : (( منظمة المؤتمر الإسلامي )) ، التي كان ينوي عن طريقها جمع الدول الإسلامية في هيئة واحدة تكون مقدمة للخلافة الإسلامية الجامعة ، وسافر سفرات طويلة إلى مختلف البلاد الإسلامية والتقى بقادتها من أجل إقناعهم بهذه الفكرة ، ولتكون في مقابلة جامعة الدول العربية التي هي فكرة بريطانية في الأصل . وقد تمت هذه الفكرة ؛ غير أنها لم تستمر كما أراد ، نظرا لاستشهاد الملك فيصل – رحمه الله تعالى - بعد ذلك .

كما حاول الصلح بين المغرب والجزائر في أزمة الحدود الشهيرة التي كادت تندلع الحرب بينهما بسببها ، حيث أرسله الملك فيصل للتوسط بين البلدين الشقيقين من أجل المصالحة .

وقد اقترح على الملك المذكور فكرة الدينار الإسلامي ؛ عملة نقدية يتوحد عليها العالم الإسلامي في مقابلة الدولار الأمريكي ، وأن لا تقبـل الدول التعامل إلا بهذه العملة ، غير أن هذا المشروع أقبر باستشهاد الملك المذكور

وهو صاحب فكرة : (( موسوعة الفقه الإسلامي )) في مصر ، بل أول من دندن حولها في العالم الإسلامي ، وهي من اختراعه وابتكاره ، وكان المقصود منها : تيسير الوصول إلى مظان الفقه الإسلامي ؛ خاصة المذاهب الفقهية غير المتبوعة والمنقرضة ، وذلك لتيسير إحياء الحكم بالشريعة الإسلامية كما كان الحال في أيام الخلافة الإسلامية المزدهرة . وبسبب توجيهاته أسست : "موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي" ، التي سميت من بعد :

"موسوعة الفقه الإسلامي".

ولما استوطن سوريا ؛ نقل تلك الفكرة ؛ فعملت جامعة دمشق على إصدار أول مؤلف من نوعه في هذا الميدان ؛ وهو كتابه : "معجم فقه الظاهرية" في مجلدين باسم موسوعة الفقه الإسلامي ، ثم ألـف :"معجم فقه السلف : صحابة وتابعين وعترة " في تسعة أجزاء طبعتها جامعة أم القرى عام 1406   .

وقد عمل – كذلك – في مجال الدعوة إلى الله تعالى في مختلف القارات الخمسة ، وأسلم على يديه وبسببه جمع كبير من غير المسلمين ، وألقى محاضرات كثيرة في التعريف بالإسلام والمسلمين .

كما ركز على الدعوة الإسلامية في الأندلس ) إسبانيا ) ، غير أن الكبر أصابه ، وتكاثرت الابتلاآت عليه ، فقام بعمله نجله والدنا الإمام الداعية العلامة الشهيد الدكتور مولاي علي بن المنتصر الكتاني – رحمه الله تعالى – فقام بذلك أتم قيام وأفضله ، جزاهما الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء  .

وتقديرا من الأندلسيين للمترجم – رحمه الله تعالى - سمت حكومة مدينة قسطلة الأندلسية الشارع الرئيس بها باسمه ؛ تقديرا لجهوده في إرجاع القومية والهوية الأندلسية إلى الشعب الأندلسي  .

وأعماله العلمية والوطنية كثيرة جدا يخطئها الحصر ، كل ذلك حملا لهموم الأمة الإسلامية ، محاولة لإخراجها من ربقتي الجهل والظلم ، على مبدأ العلم والجهاد الذي هو – كما ذكر في مقدمة كتابه "فتية طارق والغافقي" – كجناحي طائر لا يطير إذا فقد أحدهما .

حاله وأفكاره

كان – رحمه الله تعالى – إماما من أئمة العصر ؛ ذا فكر وقاد ، وعقل راجح كبير ، وفكرة سديدة ، وذكاء مفرط ، وهمة عالية ، وشخصية متميزة  .

كان في أصول الدين والمذاهب الإسلامية القديمة والمعاصرة ، والتيارات الفكرية العصــــرية ؛ حــــذام أخبارها المصدق ، وعذيقها المرجب ، بحيث إليه المرجع في ذلك كله .

أما التفسير ؛ فقد كان عالما بارعا فيه ، تم له تفسير القرآن الكريم بالحرم المكي الشريف مسجل كله على الأشرطة ، ثم كتب تفسيرا أتم منه أربعة مجلدات . عارفا للناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ...وغير ذلك من فنون التفسير ، علاوة على التفسير الإشاري للقرآن الكريم  .

وفي أصول الفقه ؛ كان علامة متمكنا ، عارفا بمدارسه واختلافهم واتفاقهم ، ومدى استنباطهم ، وتطبيق الأصول على الفروع

وكان – رحمه الله تعالى – وعاء من أوعية الفقه ؛ اطلع على المذاهب الأربعة وأقوال أئمتها ، والمقارنة بين أقوالهم ، واستدلال كل فريق منهم . مع الاطلاع على أقوال الأئمة من المجتهدين المتقدمين والمتأخرين ، والاطلاع على فقه الظاهرية والتبحر فيه ؛ حتى إنه كان يستدل لبعض مسائلهم بأدلة لم يستدلوا هم بها – كما في الجزء 54 من مذكراته العــــلمية ، مع الــرجوع إلى أئمة مشايخه كقاضي فاس أبي عبد الله السائح – رحمه الله تعالى .

وقد كان – بالرغم من ذلك – ينتسب إلى مذهب الإمام مالك ، وقد درسه على أئمته من أهل فاس ومصر ، وذكر لنا أن أصحابه من آل ابن الصديق الغماريين دعوه إلى ترك التمذهب كلية ، والاجتهاد ؛ فلما أراد ذلك ؛ وجد أن المسألة ليست بالسهلة ، فترك ذلك وعاد إلى المذهب .

لأن الخلاف ليس في مسائل الصلاة والصيام والعبادات فقط ؛ إنما منهج متكامل في العبادات والمعاملات وغيرها من سائر قوانين الحياة . غير أنه كان يرجع إلى الدليل ويخالف مشهور المذهب إن تبين له ذلك ، طبقا للأصول والقواعد المذهبية . ثم بعد ذلك ذكر لنا أنه يأخذ من الكتاب والسنة اجتهادا مباشرة ، وأنه لا مالكي ولا ظاهري ! . أما علم الحديث ؛ فقد كان فارسا من فرسانه ، حافظا من حفاظ الحديث في عصره ، بحرا لا تكدره الدلاء ، مطلعا على طرق الأسانيد ، حافظا لتراجم رجالها .

وقد قال لي تلميذه العالم الأجـــل الشـــريــف محمد يحــظي الشنقيطي بالحرم المكي : (( إن جدك يعرف رجال الحديث كما يعرف أبناءه ، لا أقول : أصحابه ، إنما : أبناءه ! )) . وأثنى لي العلامة الشريف محمد ( الكتاني ) بن عبد الهادي المنوني – رحمه الله تعالى – على علم سيدنا الجد ؛ خاصــة في علم الحديث الذي لم يوجد من يتقنه كإتقانه بين أقرانه بفاس والمغرب ، وقال لي : " إن جدك كان محسودا "   .

وقد أخبرنا – رحمه الله تعالى – كما سبقت الإشارة إليه ؛ أنه ما عهد على نفسه أنه حفظ شيئا ونسيه ، وسألته عن مدى حفظه في الحديث ؛ فقال : (( كثير )) .

 ولو علمت أن طريقته في تدريس الحديث كانت بأنه : يحفظ الحديث ، ورجال إسناده ، وأحوالهم ، ويدرس فقهه ، واختلاف الأئمة المجتهدين في ذلك ، ثم يتلو ذلك في درسه بنغمة خاصة ، ذاكرا مرتبة الحديث من حيث الصحة والضعف مجتهدا غير مقلد ، كل ذلك من حفظه ، وأنه درس البخاري ومسلما والموطأ وأكثر من ثلاثة آلاف حديث من مسند الإمام أحمد ...وغير ذلك من كتب الحديث ، ورحل من أجل تعلمه وكتب وجمع ؛ لعلمت أن الرجل كان حافظا من حفاظ الحديث القلائل ، وأنه يحفظ ما لا يقل عن عشرين ألف حديث بأسانيدها ومتونها ؛ فهو من الذين تفردوا بهذه الرتبة في عصرهم ، علاوة على من أنتجهم من العلماء في الحديث ، وما ألفه من التآليف..

أما اللغة بعلومها ؛ فقد كان عالما بها مشاركا ، متمكنا فصيحا بليغا ، مرجعا في ذلك ...

وفي الأدب : بحر لا تكدره الدلاء ، إمام يجارى به أعلام الدلاء1 ، وكأنه تخرج من جامع قرطبة ، أو معاهد إشــبيلية ، أو أنه درس على ابن بسام أو الثعالبي . علاوة على حفظه أشعار وأخبار القدامى من الأدباء وغيرهم

أما التاريخ القديم والحديث ؛ فقد كانت إليه المرجعية فيه ، وفي فلسفة التاريخ ، يملأ مجالسه بأخبار الأمم السالفة واللاحقة ، وقد دون مذكرات لنفسه أربت على مائة جزء...

أما الأنساب ؛ فقد كان نسابة عارفا بفروع الأشراف وأصولهم ؛ وخاصة الأدارسة منهم ، وبالأخص : أنساب الأشراف الكتانيين ، فهو المرجع في ذلك ، ومنبع أنهار ما هنالك ، وعلى شجرته ذيل مولانا الوالد رحمه الله تعالى ورضي عنه

أما علوم الشريعة الباقية ؛ فقد كانت له فيه المشاركة التامة ، واليد الطولى ، حتى إنه كان إذا اجتمع في مجلس مع علماء أهل بيته ؛ كشقيقه محدث المغرب الشيخ محمد الناصر الكتاني ، وابن عمه علامة المغرب عبد الرحمن بن محمد الباقر الكتاني ..وغيرهما ؛ يخيل إليك أن لسن العلم والأدب والفلسفة الإسلامية العليا قد اجتمعت في صعيد واحد.

قل ما تشاء فأنت فيه مصدق الحب يقضي والمحاســـــن تشهد وكان – رحمه الله تعالى – طلبة للكتب ؛ لا يتركها وإن تركته ، ولا يملها وإن ملته ، حتى ذكر زملاؤه في الدراسة أنه كان يبقى ساهرا طول الليل إلى الصباح مطالعا ودارسا ، وكذلك بقي إلى أن أقعد آخر عمره ؛ يسهر الليل في المطالعة والعبادة إلى الضحى ، ثم ينام إلى قبل الظهر بساعة ، وينام القيلولة ساعة أو ساعتين ، ولا يغير نظامه هذا إلا نادرا .

وكان السبب في نهمه على المطالعة – كما حدثني والدي عنه – أنه شكا إلى ابن عم والده وشيخه الإمام محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني قلة اصطباره على المطالعة – وهو في يفاعته – فقال له ابن عمه : (( عندي دواؤك إن اتبعتني !)) ، فأعطاه قصصا صغيرة ، وكلما أنهى واحدة يعطيه أخرى ، ثم أعطاه قصص جرجي زيدان واحدة بعد الأخرى ، ثم كتاب "ألـف ليلة وليلة" ؛ فالـتهمها التهاما ، ثم قال له : (( أما الآن ؛ فلنبدأ بالجد! )) ، وأعطاه الكتب الكبيرة والمتخصصة في العلوم .

وفي ذلك الوقت كان من السهل عليه قراءة تلك الكتب ؛ لأن الأمر أصبح عادة وهواية لا تكلفا.

 أما سياسة العصر ؛ فقد انتهت إليه معرفتها والتنبؤ بمستقبلها ، كل من جالسه أو عاشره أو عرف سيرته ؛ جزم بذلك ، وكانت له اليد البيضاء على الأمة في ذلك قدر مستطاعه الفردي .

وكانت له محبة غير متناهية في الأمة الإسلامية ، غيورا عليها ، دافعا عمره وماله وجاهه من أجلها وأجل إعزازها .

بل إن أردت اختصار حياته في لفظة واحدة ، فقل : (( محاولة النهوض بأمة الإسلام !)) .

وقد عمل الكثير الكثير من أجل ذلك ، وأصيب بمحاربات ونكبات شديدة كانت هي السبب في سكناه المغرب ثم الشام ثم الحجاز ...ثم الرجوع إلى المغرب .

فإنه لم يكن كباقي الفقهاء العادييين ، أو ممن ليس لهم اعتناء بالواقع ومعرفته ، فقد كان يرى أن الإسلام مصحف وسيف ، دعوة ودولة ، علم وعمل ..وأنه يعلو ولا يعلى عليه ، حكيما في أفعاله وأقواله وحركاته ..

وكان دائم الحسرة على ما وصل إليه المسلمون من ذلة وصغار وهوان على الناس ، وخنوع وسقوط همة ، والرضا بالدون ، وترك العلم الشرعي الذي هو أساس الإسلام ، والاكتفاء بالقليل دون الكثير منه ومن غيره .

رادا على المستشرقين وكذباتهم ، وهجومهم على الإسلام والمسلمين في مختلف مؤلفاته وندواته وخطبه ، مظهرا عوارهم وتآمرهم على الإسلام والمسلمين ، حتى صدق فيه ما خرجه غير واحد من الأئمة عن جمع من الصحابة بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله قال : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" .

وكان شديد البغض لمن يسمون بالإصلاحيين من أتباع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، ويعتبرهما من أسباب بلاء الأمة وانتكاس أهلها ، وانحرافهم الفكري.

وكان ينبذ التفرنج وتقليد الغربيين في الهيأة والفكر واللباس..وكل شيء ، داعيا إلى العروبة ، يعتبرها هي أساس الإسلام ، ويرى أن كل من تكلم بالعربية فهو عربي ، رافضا للشعوبية الرعناء ، والقومية الجهلاء ، فهو لا يحب القوميين العرب ولا الشعوبيين الجهلة .

وكانت بينه وبين العلامة الحاج أمين الحسيني محبة تامة ، ومودة خاصة ، وكان يدعمه في كل نشاطاته التحريرية ، وعندما بلغه نعيه ؛ بكى عليه - على رباطة جأشه – بكاء مرا . رحمهما الله تعالى .

وكانت له محبة كبرى في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دائم الثناء عليه والذكر لسيرته ، وإذا سمع القصائد في ذكر سناه ومزاياه ؛ تفيض عيناه شوقا إليه صلى الله عليه وسلم . يذكر شمائله ، وينشر حديثه ، ويقرأ كتب السيرة والشمائل النبوية بلهف واستنباط ومقارنة . دائم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله ، وإذا شكوت إليه منقصة في ؛ يقول : (( أكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم !)) ، فأجد الدواء في ذلك . جــزاه الله خـــيرا . كما كانت له مـــراء لرســـول الله صـــلى الله عليه وسلم لا يســـع المقام لذكرها.

وكان له اعتقاد كبير في الصالحين وأهل الخير والدعوة إلى الله تعالى ، ذابا عنهم ، محبا لهم .
وكان – رحمه الله تعالىصاحب أذكار كثيرة وصلوات ، بحيث لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى ؛ فهو بين علم أو تدريس أو تأليف أو ذكر.

وكان يكره ما وصل إليه صوفية العصر من الانحطاط والانحراف عن الجادة ، وتركهم لمنهج مشايخهم الأوائل ؛ كالشيخ عبد القادر الجيلاني ، والشيخ عبد السلام ابن مشيش الإدريسي الحسني ، والشيخ أبي العباس الرفاعي ، والشيخ أبي الحسن الشاذلي ...رضي الله عنهم ، الذين قارنوا العلم بالعمل ، والدعوة إلى الله تعالى والذكر بالجهاد في سبيل الله تعالى.

وكان ضد ما وصل إليه دعاة السلفية من الغلو في أفكارهم ، وقلة العلم ، ونبذهم لجميع ما كان عليه المتأخرون واعتبارهم ضالين مضلين ، ويعيب عليهم تركهم العمل مقرونا بالعلم كما كان عليه الشيوخ الأوائل ؛ كأئمة السلف ، والإمام ابن تيمية والحافظ ابن القيم رحمهما الله تعالى .
وينزعج من ترك التيارات الإسلامية المتأخرة للمنهج العلمي ، وتشدقهم بالآراء والأفكار بعيدا عن العلماء الذين هم – في الحقيقة – ورثة الأنبياء.

وكان جميلا في شكله وهيئته ، ذا نخوة ، يحب الجمال والتجمل في الثياب ؛ وراثة ورثها من جده رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، ويحب التعطر والحلوى والمناظر الجميلة ، أندلسيا في مشربه وأسلوبه وشعوره..حتى كناه شيخه الإمام أبو الهدى محمد الباقر الكتاني بأبي الشعور !. .

وكان ذا هيبة كبيرة ، وشخصية قوية للغاية ، لا يرضى بالدون ولا يقبله ، أبيا يهابه ويوقره الملوك فمن دونهم ، ولهرحمه الله تعالى – قصص كثيرة قد تذكر في المطولات إن شاء الله تعالى .

وكانت تحصل له كرامات كثيرة وكشوفات ومساعدات من الله تعالى يعلمها كل من عاشره وعامله ، وذلك لما كان له من الهمة القوية في الله تعالى ، والأذكار الكثيرة ، والمحبة في جناب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله والدين الإسلامي الحنيف ، وأخباره في ذلك تعد من الغرائب

إذا لم تر الهلال فســــلم لأناس رأوه بالأبــصــــاروقد كان مواظبا على تربية أبنائه وحضهم على محبة الإسلام وأهله ، والغيرة على تعاليم الدين الحنيف ، والمواظبة على شعائر الإسلام ؛ خاصة الصلاة التي لم يكن يتهاون فيها ، وكانت له دروس لأهل بيته يومية بعد العصر يوجههم ويثقفهم فيها ، وعند ختمه للقرآن الكريم الذي كان مواظبا على ختمه كل شهر ؛ يجمع جميع أفراد البيت – حتى الخدم – لحضور الختمة ، ويدعو للجميع ويأمرهم بالدعاء لأنفسهم ، حتى عمت الروح الإسلامية في جميع أبنائه وبناته وأصهاره وأحفاده وأبناء أحفاده ، لا يعرف متهاون في الصلاة منهم ، أو حامل للأفكار العلمانية أو الحداثية .

وكان اعتقاده اعتقاد السلف الصالح وأهل الحديث الشريف ، لا يخرج في ذلك عن أقوالهم وأحوالهم قدر فهمه وعلمه ، حاضا على الرجوع إلى السلف الصالح في الفهم ، والابتعاد عن الفلسفات الأجنبية عنا ، مبتعدا عن كل ما فيه تفرقة بين المسلمين ، متعاونا في الخير ونصرة الإسلام مع الجميع . محبا لآل البيت حبا جما ، وللصحابة الكرام جميعهم ، تاركا الخوض فيما كان من التنازع بين الصحابة ، معظما لجميعهم ، مترضيا عنهم دونما استثناء ، يرى أنهم تلاميذ خير أستاذ صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، فهم من العظمة بقدر مقدارهم – رضي الله عنهم أجمعين .والحاصل ؛ فقد كان كتانيا بما يعنيه هذا اللفظ من مدلول .....

وفاته :

وبعد عمر كله جهاد وكفاح ، ونضال وعلم ، ونشاط قل مثيله ؛ أقعد في مكة المكرمة بسبب وقعة وقعها انضافت إلى ما كان به من مرض السكري وضغط الدم ، وما أغم نفسه من حالة المسلمين المتدهورة يوما بعد يوم . ومما زاد نكبته النفسية ؛ أنه منع من التدريس بالحرمين الشريفين بحجة أنه ليس (( سعوديا !)) ، وهو لم يذهب إلى الحجاز أصلا ويرتضيها مسكنا إلا للقرب والتدريس في الحرمين الشريفين الذين هو من سلالة بانيهما ، ومولود وناشئ بهما !!!.
وكانت إصابته عام 1406 ، فأقعد ، وما منعه ذلك من إكمال ما تيسر من بعض مؤلفاته ، ثم في عام 1409 انتقل إلى الرباط بالمغرب تاركا الحجاز الذي امتزج حبه بطينته ولحمه ودمه .

وفي المغرب كان يتوافد عليه بعض المخلصين من طلبة العلم والعلماء لزيارته واستفتائه في مختلف القضايا العلمية ، وبالرغم من سوء صحته ؛ كان يجيب عن كثير منها بأتم وأوفى تحقيق ما لم يكن يفعله الأصحاء من بعض الأئمة في هذا العصر ، بالرغم من إغمائه لمدة تقارب العامين أو تزيد، الأمر الذي كنا ندهش له ؛ سواء في الفقه والحديث والتاريخ ...وغير ذلك .
كما كانت تتقاطر عليه الرسائل والطلبات من مختلف البلاد ؛ من المغرب وتونس والجزيرة العربية عامة ، واليمن والكويت والهند والشام والأردن ...يطلبون منه الإجازة بالرواية عنه مصرين ومتلهفين إلى هذه الكرامة ، حيث إن إسناده في هذا العصر يعد من أعلى الإسناد .

وفي هذا الاتجاه كتبت باسم مسند نجد العالم الأعز الشيخ محمد بن عبد الله الرشيد العبيد ثبتا لمولانا الجد جمعت فيه أهم أسانيده للكتب التسعة والحديث المسلسل بالأولية ، وختمته بترجمة مقتضبة له ، وسميتــه : "فتح السد عن أسانيد مولانا الجد" . فكان مولانا الجد يجيز به من طلب منه الإجازة .

 وفي الثلاثاء الثامن من صفر الخير لعام تسعة عشر وأربعمائة وألف الموافق 2 – 6 – 1998 الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا تقريبا ؛ انطلقت روحه المباركة إلى بارئها منهية بذلك تاريخا مجيدا حافلا ، وممثلا رجلا من أواخر من مثل السلف الصالح وعلماء الصدر الأول في علمه وهيأته وتفانيه من أجل الإسلام والمسلمين . ووجدت سبابته منتصبة على هيئة المتشهد في الصلاة ..

ودفن اليوم الموالي – وهو يوم الأربعاء – في مقبرة الشهداء بالعلو ، بمدينة الرباط ، ملاصقا لقبر والدته – رحمهما الله تعالى – بعد أن حمل في جنازة عظيمة مهيبة إلى مثواه ومستقره الأخير . وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من كان آخر كلامه من الدنيا : لا إله إلا الله ؛ دخل الجنة! )) .وشهد بعض أبنائه أن رائحة العطور بقيت بمحل وفاته ثلاثة أيام ..

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (1)

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (1)

  د / عبد الوهاب المسيري يمكن تقسيم التنظيمات الصهيونية العسكرية...

من عجائب البهلول بن عمرو المجنون

من عجائب البهلول بن عمرو المجنون

قال الأصمعي : خرجت من عند الرشيد من باب الرصافة، فإذا بهلول يأكل خبيصاً،...

المدينة المنورة في كتابات الطنطاوي

المدينة المنورة في كتابات الطنطاوي

إبراهيم مضواح الألمعي تحتل المدينة المنورة منزلةً عظيمة في وجدان...

جديد الأخبار المزيد
مركز حقوقي يوثق جرائم قوات حفتر في بنغازي  بماذا وصفهم؟

مركز حقوقي يوثق جرائم قوات حفتر في بنغازي .. بماذا وصفهم؟

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن مقاتلي قوات جيش الإنقاذ...

وكالة إيطالية: المعارضة استخدمت تقنيات حديثة بمعارك دمشق

وكالة إيطالية: المعارضة استخدمت تقنيات حديثة بمعارك دمشق

قالت وكالة أنباء إيطالية إن المعارضة السورية المسلحة استخدمت...

باعه مبارك بثمن بخس بكم اشترى السيسي الغاز من إسرائيل؟

باعه مبارك بثمن بخس.. بكم اشترى السيسي الغاز من إسرائيل؟

أبرمت مجموعة الشركات المالكة لحقل الغاز الإسرائيلي...

  • أيام في سيلان والمالديف