• الصليب وحكاياته

اللاعبون على الحبلين من نابليون إلى تلامذته

Mar 11 2017 18:44:33

اللاعبون على الحبلين من نابليون إلى تلامذته
اللاعبون على الحبلين من نابليون إلى تلامذته

حملة نابليون على مصر:

ترى المدرسة الوطنية- لتفسير التاريخ-أن نابليون كان مستعمرا وأن حملته على مصر كانت فاتحة الهجوم الإمبريالي على العالم الإسلامي، وبداية لحملة التغريب التي ينعم الغرب الآن بقطف ثمارها، وترى عامل خير ونهضة وبركة، لأنه نقل إلى الشرق مبادئ الثورة الفرنسية، وفك أغلال الجهل والتخلف التي كانت تطوقه، وفتح له نافذة على العصر الحديث. وترى هذه المدرسة أن العصر السابق- وهو العصر التركي- من أسوأ العصور الإسلامية وأظلمها وأشدها تأخرا وانحطاطا وجمودا على التقليد. فهو "عصر السبات الذي استمر قرونا طويلة وفيه رزح العالم الإسلامي بأسره-كذا تحت سيوف العثمانيين منعكفا على ذاته(1)" أما عصر النور فقد ابتدأ سنة 1798 "عندما جاء نابليون وحطم ذلك السور العثماني العظيم الذي حال دون اتصال مصر بأوربا ثلاثة قورن كاملة(2)" لتناقش هذه الادعاءات وتتساءل: هل كانت مهمة نابليون حضارية؟ وما هي بذور النهضة التي زرعها في مصر أثناء احتلاله؟

نابليون كان صنيعة صهيونية:

يحدثنا الأستاذ عبد الله التل عن قصة تسخير الصهيونية لنابليون فيقول: استمر استغلال اليهود للثورة الفرنسية بعد أن حطموا أسس الدولة من نواحيها الاجتماعية والدينية والاقتصادية والثقافية، وغدوا القوة الحقيقية التي ترهب الشعب الفرنسي تحت ستار الشعار المزيف للحرية والمساواة والإخاء ، وحين انتهت السلطة العليا في فرنسا إلى نابليون انتهز اليهود هذه الفرصة وشرعوا في الاتصال به والإيحاء إليه عن طريق مستشاريه من اليهود وخاصة رجال الدين منهم(3)" ثم قدموا له مذكرة بواسطة أحد أعضاء حكومته، جاء فيها " إلى السيد بول باراراس عضو حكومة الدير كتوار....أعتقد أن من واجبي أن أقدم لك المشروع التالي بوصفك صديقا لبونابرت الرجل الحكيم الذي اكتشفت عبقريته....ما من أمر من الأمور التي تلفت أنظار العالم اليوم تستحق الاهتمام على ما يبدو لي كالمصير الذي ستؤول إليه مصر، فستجد كل إنسان يتلهث في اختراع المشاريع لمساعدة بونابرت وتثبيت هذه المستعمرة لفرنسا...." ..

وبعد أن تتحدث المذكرة عن الفوائد التي سيجنيها نابليون من استغلاله لأموال الصهاينة وخبرتهم في التجسس والتغريب تتطرق إلى بيت القصيد فتقول : " فعلى فرنسا إذن أن تمنحهم الأرض التي سيقيمون عليها وطنهم وجمهوريتهم. ومصر هي لفرنسا، ومصر على وجه التحديد هي التي اتجهت إليها آمال أنبيائهم لتكون أرض عودتهم بعد تيههم الثاني...:

وتقترح المذكرة على نابليون أن يستدعي اثنين أو ثلاثة من زعمائهم ويقول لهم" أن مصالحنا ورغائبنا تتفق ومصالحهم ورغائبكم ، وأنه لفي وسعنا أن نسعدكم فاتجهوا بأنظاركم إلى مصر تلك الأراضي الجميلة بعد خلاصها من العثمانيين، وبلغوا اقتراحاتنا إلى إخوانكم التائهين في الأرض، وعرفوهم عن قيمة الفرصة التي نقدمها لكم، وليجمعوا الأموال فيبتاعوا ذلك الربع من مصر الذي يجاوز برزخ السويس والبحر الأحمر..." أما الثمن الذي يقدمونه لنابليون-بعد الأموال- فهو أن يكونوا في يده أداة تخريب واضطراب" " فإذا استطاعوا عن هذا الطريق الدخول إلى عقر آسيا فإنهم إنما يحملون معهم الصناعة والفنون والعلوم الأوروبية ....هذا وإنهم يقدمون إليك عنصرا استعماريا متينا ثابت الأركان قد يكون ضروريا فيما يقوم في آسيا مقام الإمبراطورية الآخذة في الأغلال....إمبراطورية العثمانيين ، ويقدم لكم أهم الضمانات لبث الفوضى وإشغال الفتن وإحلال الأزمات للقضاء على الأتراك جملة واحدة....(4)" ..

وعندما رفع باراراس المشروع إلى نابليون استصوب الفكرة ، واستعان بعلماء اليهود وحاخامتهم على صياغة النداء، وقد جاء فيه : " إن الأمة التي ينظر أعداؤها إلى موطنكم الوراثي ستشعلها حربا لا هوادة فيها ولا مثيل لها في التاريخ للدفاع عن كيانها...فتتأثر للذل الذي لحق بكم منذ ألف عام تقريبا....فإن هذه الأمة-أي الفرنسية-تقدم لكم الآن على الرغم من جميع العقبات مهد إسرائيل....يا ورثة فلسطين الشرعيين، إن فرنسا تناديكم الآن للعمل على إعادة احتلال وطنكم واسترجاع ما فقد منكم....أسرعوا فإن هذه اللحظة لن تعوض قبل ألاف السنين للمطالبة باسترجاع حقوقكم المدنية بين شعوب العالم (5)" ..

الأهداف إذن مشتركة والخدمات متبادلة. يمنحهم نابليون قسما من مصر يتخذونه قاعدة للوثوب على فلسطين، والمقابل هو المال، وأن يكونوا في يده أداة فوضى وتخريب وتثبيت للاستعمار الفرنسي، هذه هي مهمة الإمبراطور العظيم حامل لواء الثورة الفرنسية وشعاراتها الإنسانية، وبذور الحضارة إلى الشرق، وموقظة من نومه الثقيل! ولكي تنجح المهمة وينطلي الخداع فلابد من القناع.

نابليون يدعي الإسلام!

كان نابليون يعلم علم اليقين أن العدو اللدود والخصم العنيد الذي سيواجهه ليس جنود المماليك وإنما الإسلام ذلك الطود الراسخ والجبل الأشم الشامخ الذي تكسرت عليه موجات الصليبيين وبقي الشرق شرقا. لذلك رأى من الحكمة أن يتفادى مواجهة هذا الخصم الذي لا يقهر والعدو الذي يدحر، وكانت البداية هي دراسة الإسلام والتعرف على مواطن القوة فيه، يقول محمد جلال كشك: " عندما قرر نابليون "استعمار مصر" كنقطة انطلاقة لبناء إمبراطوريته الشرقية بدأ بدراسة الإسلام، وطلب القرآن وصنفه تحت قائمة الكتب السياسية، ويقول هبرولد إنه كلما دنا من الساحل الإفريقي استغرق في دراسة الإسلام(6)" ..

ووصل به الأمر إلى حد ادعاء الإسلام ، وذلك في محاولة منه لتملق عواطف المسلمين وتنويم الشعور الديني. فقد أصدر إلى المصريين منشورا جاء فيه: " لا إله إلا الله ولا ولد له ولا شريك له في ملكه....من طرف الفرنساوية المبني على الحرية والمساواة السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية....يا أيها المصريون قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدقوه....أيها المشايخ والقضاة والأئمة وأعيان البلد قولوا لأمتكم أن الفرنساوية أيضا مسلمون مخلصون(7)".

فتحمل شيوخه مسؤولياتهم، وقاموا بتنظيم الثورة التي أقضت مضاجع جيش الاحتلال طيلة السنوات الثلاث التي قضاها في مصر. يقول "ريبو": "لقد اجتمع إلى جانب تذمر الأهالي واستيائهم، نشر الدعوة إلى الثورة، فكان في الجامع الكبير المعروف بالأزهر لجنة لتدبير الثورة تعمل على إثارة الكراهية في نفوس الناقميــــن(8)"، ويقول نابليون في مذكراته "إن الشعب انتخب ديوانا للثورة....وان لجنة الثورة كانت تنعقد بالأزهر(9)".

استعمل نابليون كل وسائل الترغيب والترهيب لجر شيوخ الأزهر واستعمالهم أداة لكبح جماح الجماهير، ولما لم تفلح محاولاته "ثار غضبه فأمر مدفعيه القلعة المعززة بمدافع الهاويتز والمورتار بأن تسدد المدافع إلى الجامع الأزهر وما حوله من أحياء هي مركز الثورة(10)" " وبدأ ضرب الأزهر بالقنابل حوالي الظهر ، وأمر نابليون بأن " يبيد كل من في الجامع (11)".

وأخيرا حقق نابليون حلمه ودخلت خيله الأزهر مركز القيادة المصرية ورمز سيادتها، " وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة، والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع، والأواني والقطاع، والودائع والمخبآت، بالدواليب والخزانات، ودشنوا الكتب والمصاحف، وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها- كما فعل الصهاينة تماما عندما دخلوا المسجد الأقصى- وأحدثوا فيه وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب، وكسروا أوانيه، والقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه، ومن ثيابه أخرجوه(12). هذا هي بذور الحضارة وإلا فلا.

من مخازي جيش الحضارة:

لا يسمح الموضوع باستعراض جرائم الجيش النابليوني في مصر وفلسطين، ولذلك أحيل القارئ الكريم على كتاب " ودخلت الخيل الأزهر" وأيضا على كتاب " الاستعمار أحقاد وأطماع(13)" فسيجد هناك ما لا يستطيع تصديقه بسهولة وخاصة إذا كان ممن بهرتهم الدعاية الاستعمارية الصهيونية عن الثورة الفرنسية وآثارها الحضارية في الشرق والغرب. فيرى الجيش الذي فتح لنا نافذة على العصر الحديث كيف عامل النساء وكيف استخدم الوسائل الدنيئة في اغتصاب الأموال وابتزازها، وانتهاك الحرمات، والإعدام بالجملة وبدون محاكمات، وكيف أن نابليون كان يصدر الأوامر بالاقتصاد في الرصاص، واستعمال السكاكين وأسنة البناديق، والإغراق في النيل، إلى غير ذلك مما يندى له الجبين ويعتبر وصمة عار في تاريخ الاستعمار. وهذه بعض النماذج: يقول صاحب الكتاب: " وانطلقت قوات نابليون تنهب وتذبح العرب على طول الطريق من العريش إلى عكا".

" وحالما استولى هؤلاء الجنود البواسل على المدينة-يافا- ودخلوها اعملوا السيف في نحو 2000 جندي من الحامية، كانوا يحاولون التسليم. وراح الفرنسيون يقتلون أعدائهم كالمجانين طوال ذلك المساء كله والليل كله، وفي صباح الغد، والرجال والنساء والأطفال والمسيحيون والمسلمون، وكل من له وجه إنسان سقط صريع جنونهم كما قال "مالوا" الذي مازالت الصفحات التي كتبها في وصف هذا المشهد البشع تتجاوب بشعور الفزع والخزي....وفي يافا كان النهب والسلب وشق البطون وهتك أعراض البنات و هن ما زلن في أحضان أمهاتهن المائتات(14)" وتقدم قائدان من قواد نابليون إلى القلعة وأعطوا الأمان إلى الحامية التركية التي كانت بها، فخرج الجنود وسلموا أسلحتهم، ولما رآهم نابليون أصفر وجهه وقال ساخطا: " ماذا يريد انني أن أفعل بهم؟ ما هذا الذي صنعاه(15) ..

ثم أمر بذبح كل الحامية المستسلمة التي كانت تبلغ 3000 جندي، ضاربا عرض الحائط بالأمان الذي منح لهم باسم الشرف الفرنسي، كانت الحامية متركبة من الأتراك والمغاربة والمصريين، ويبدو أن نابليون كان أشد حقدا على المغاربة بوجه خاص: " وفي اليوم التالي أخذ المغاربة جميعهم إلى شاطئ البحر (المغاربة دائما موجودون في معارك الشرق، حاربوا الصليبيين فأبلوا البلاء الحسن، وقاوموا جيش نابليون، وهاهم اليوم يتجهون إلى مرتفعات الحولان) وبدأ كتيبتان في رميهم بالرصاص، وكان أملهم الوحيد في النجاة هو أن يلقوا بأنفسهم في البحر، فلم يترددوا، وحاولوا كلهم الهرب سباحة، فضربوا بالرصاص على مهل، ولم تمض لحظة حتى اصطبغ ماء البحر بدمائهم، وانتشرت جثتهم على سطحه...أما وقد تم إعدام هؤلاء الجنود فقد رجونا صادقين-هذه رسالة أرسلها جندي نابليوني إلى أمه- ألا تكرر هذه الجريمة وأن يعفى الأسرى الباقون من القتل....ولكن سرعان ما خاب رجاؤنا حين اقتيد 1200 مدفعي تركي في اليوم التالي ليعدموا، وكانوا قد جوعوا يومين أمام خيمة الجنرال بونابرت، وصدرت التعليمات المشددة للجنود بألا يسرفوا في الذخيرة، فبلغت بهم الوحشة أن عملوا فيهم الطعن بالسمكي...وقد وجدنا بين الضحايا أطفالا كثيرين تشبثوا وهم يموتون بآبائهم....وسيقع دم هؤلاء، الآلاف الثلاثة الضحايا على رؤوسنا إن عاجلا أو آجلا(16) وفعلا وقعت دماء الضحايا على رؤوسهم عاجلا" ..

وفي اليوم الثاني من أيام المذبحة أرسل الله-الذي تأتي من عنده جميع الطيبات- الطاعون على الجيش الفرنسي وصبه على رؤوسهم بسخاء(17)".

إلى سطالين ولينين:

أرى من المناسب هنا الإشارة إلى مقارنة تاريخية بين أسلوبين في الخداع والتمويه، على غرار منشور نابليون إلى مصر أصدر آخر للفلسطينيين جاء فيه: " الزموا الهدوء في بيوتكم...وأنا أضمن سلامة الجميع وحمايتهم، وسيكون الدين على الأخص موضع الحماية والاحترام، لأن جميع الطيبات من عن الله والنصر من عند الله(18) ..

وبعد حوالي 120 سنة أصدر ستالين ولينين منشورا يطمئنان فيه الشعوب الإسلامية أديانكم وعاداتهم، جاء فيه: " أيها المسلمون أديانكم وعاداتكم وثقافتكم ومعاهدكم العلمية والقومية مصونة من كل اعتداء....اعتقدوا أن البلاشفة يدافعون عنكم وعن حقوق الشعوب التي تعيش في روسيا كلها، اعملوا على الانقلاب وحبذوا الثورة، وساعدوا حكومة البلاشفة أيها الرفاق، إننا برفع علمنا هذا إنما نعلن للشعوب المستعبدة في روسيا شعار الحرية والاستقلال.

أيها المسلمون نحن ننتظر منكم معاونتكم المادية والأدبية. 15 دجنبر 1917 لينين- ستالين (19).
وإذا كنا قد رأينا في السطور السابقة كيف وفى حامل لواء الثورة الفرنسية بوعده وكيف عامل المصريين والفلسطينيين بشرف وأمانة، فإن الرفيقين الثوريين التقدميين لم يكونوا أقل منه غدرا وخسة ودناءة: " ففي ابريل 1918 أصدر لينين أمرا بزحف الجيوش الروسية على البلدان الإسلامية دون سابق إنذار، فأخذت الدبابات تحصد المدن والقرى وتفتك بالشعب الأعزل الآمن دون تمييز بين العسكريين والمدنيين ولم تنته سنة 1918 إلا وجمهوريات ايدل أورال والقوقاز والتركستان قد غدت تحت حكم البولشفيك المباشر، وفي سنة 1920 اتمت موسكو احتلال شبه جزيرة القرم، وفي سنة 1921 هجم الروس على جمهورية بخارى....وشرعوا في تطبيق أنظمتهم الشيوعية. فأقالوا الملكيات وصادروا الأموال والثروات. وألغوا التعليم الديني....واضطهدوا رجال الدين والزعماء والقادة، وحولوا المساجد إلى دور للهو ومكاتب للمنجوبيين عن الحزب الشيوعي (20)..." هكذا يقتدي الزعيمان بنابليون، ومن شبه أستاذه في المكر والغدر فما ظلم!..

عام الفيل:

من يتصفح كتب التاريخ والأدب التي يؤلفها أنصار المدرسة الاستعمارية، وبعض المخدوعين بتفسيراتها التاريخية- يلاحظ التركيز على سنة 1798 وكأنها بداية للتاريخ الإسلامي الحديث، حتى لكأنها عام الفيل الذي كان العرب يؤرخون به قبل اتخاذ الهجرة النبوية مبدأ للتاريخ الإسلامي، ونحن من جانبنا نرى أن هذه السنة تشبه حقا عام الفيل وذلك من عدة وجوه:

(أ‌)    في هاتين السنتين هوجم –ولأول مرة- رمز السيادة. مركز القيادة الدينية والنيوية: البيت الحرام والجامع الأزهر.

(ب‌)         في كلا الهجومين كان الهدف هدم البيت – فقد أمر نابليون بهدم الجامع(21)- كوسيلة للقضاء على القوة الروحية التي يستمد منها الشعب قوته.

 (ج) في كلتا الحالتين أصبح المحتل المنتصر أمام هذه القوة الروحية وجها لوجه، فقد تفوقت قريش في شعاب(22) مكة وتركت أبرهة مع رب البيت، وانهزمت جيوش المماليك، وتركت نابليون يواجه الأزهر مجردا من القوة المادية.

 (د) في كلتا النتيجتين كان مصير الطاغية وجيشه متشابها، والقوة الباطشة واحدة، فإذا كانت جنود الله التي أرسلها إلى أبرهة وجنوده طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، والجدري الذي انتشر في جيشه وكان هو نفسه ضحيته(23) فإن جيش الله الذي أرسله إلى نابليون كان هو الطاعون الذي فتك بجيشه فتكا ذريعا، وأرغمه على الانسحاب، والرضا من الغنيمة بالاياب...فما أشبه الليلة بالبارحة والغادية بالرائحة!.

2- الشيخ المعمم مصطفى كمال:

عندما عاد نابليون إلى فرنسا وانكشفت له خطط اليهود الماكرة قال: " لقد عزمت على تحسين أحوال اليهود. غير أني لا أريد زيادة منهم في مملكتي، لقد عملت بالفعل كل ما يثبت ازدرائي لأحقر شعب على وجه الأرض(24)" ..

وقال مرة أخرى: " إن الدنيا تساس من قبل جمعيات سرية فلا يجوز لنا أن نكتم هذه الحقيقة ونفش أنفسنا (25) لقد صدق نابليون، فقد كانت بلاده جمعية سرية تسوس البلاد من خلف الستار، ولما تحققت من فشله تخلت عنه وتركته يلقى مصيره المحتوم بع معركته " وأترلو" التي لعب فيها المال اليهودي لعبته المزدوجة. أما الجمعية المشار إليها فهي الماسونية، وقد أكد الجنرال لودندروف ذلك عندما قال " إن الماسونية هي التي قضت على نابليون(26)"
والماسونية التي حطمت شبح نابليون هي التي نحتت تمثال مصطفى كمال بعدما انتقل رأس الأفعى من باريس إلى استانبول.

 لقد فشل نابليون، وكان الإسلام هو العامل الأساسي في فشله، يقول مؤرخ غربي: " لم يفق مستعمر أوروبي نابليون في محاولاته لكسب الأهالي لصفه...فإذا كانت جهوده قد فشلت فشلا ذريعا، فليس العيب في سياسته التي كانت تستحق النجاح. بل هو أولا قبل كل شيء عيب استحالة المهمة التي كان عليه أداؤها، كان الإسلام بالطبع هو الحائل الأكبر دون هذا الجو المنشود في الثقة المتبادلة(27) لقد وقع ما كان محذورا وتحطمت الحملة الاستعمارية على جدران الأزهر، ولم يكن الأزهر إذ ذاك إلا قلعة من قلاع الإسلام الحصينة، ومقر عزها وسادتها.

وهكذا أدركوا أن الطريق إلى فلسطين لا ينفتح إلا بهدم أسوار الخلافة والقضاء على الصيغة الدينية للدولة العثمانية. استمرت مؤامراتهم ودسائسهم ضد الخلافة الإسلامية عقودا عديدة، وبلغت ذروتها في أيام الخليفة الشهم عبد الحميد. حاولوا في البداية استعمال سلاح المال، فعرضوا عليه مبالغ مغربة لقاء سماحه لهم بالهجرة إلى فلسطين. لكنه رفض، وكان ثمن رفضه هو تنحيته عن الخلافة- كما اعترف بذلك هو نفسه في وثيقة اكتشفت حديثـــــا(28)- ذلك بعد الثورة التي نظمتها الصهيونية بواسطة الجمعيات الماسونية وقام بتنفيذها مصطفى كمال.

لقد اختلفت الروايات في أصل هذا الرجل، فمن قائل إنه من يهود الدونمة، إلى زاعم أنه تركي موبوء بأفكار : تحريرية" وكيفما كانت حقيقته فإن الأعمال التي قام بها تدل على أنه أعدى عدو للإسلام ، وأنه لو قدر لهرتزل وحل مكانه لما عمل أفظع وأشنع مما عمله هو. ويكفيه خزيا أنه هدم الخلافة الإسلامية التي وقفت في وجه الأطماع الصهيونية والأوروبية وحافظت على وحدة وعزة الشعوب الإسلامية وحربتها واستقلالها. وأن العالم الإسلامي لم تفترسه الذئاب المتوحشة إلا بعد طي راية الخلافة العثمانية. ولذلك نرى الماسونية تمتدح أتاتورك وتثني عليه. فقد جاء في دائرة المعارف الماسونـــي: "أن الانقلاب التركي عام 1918 الذي قام به الأخ العظيم مصطفى كمال أتاتورك، أفاد الأمة، فقد أبطل السلطنة وألغى الخلافة وأبطل المحاكم الشرعية وألغى دين الدولة الإسلام، وألغى وزارة الأوقاف....أليس هذا الإصلاح- كذا- هو تبتغيه الماسونية في كل أمة ناهضة؟ فمن يماثل أتاتورك في رجالات الماسون سابقا ولاحقا (29)؟"
والذي أريد أن أشير إليه هنا هو الدور المزدوج الذي قام به هذا العميل الماسوني. في كتاب الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام صورة "للشيخ" مصطفى كمال بعمامته ولباس الشيوخ، وقد أحاطت به جماعة منهم، وتحت الصورة تعليق يقول: " من مظاهر المكر والخداع قبل تسلم أتاتورك حكم تركيا"، ويذكر صاحب الكتاب أنه كان يتظاهر بالتدين والتعلق بأهداب الدين ويصلي في مقدمة الجنود البسطاء، وكان يتملق العلماء ويعطف عليهم....هذا هو كمال قبل أن يقبض على السلطة بيد من حديد. فقد كان " شيخا تقيا ورعا" يصلي في مقدمة الجنود ويحترم العلماء ويحشد القوى الشعبية باسم الإسلام.

 إن كمال الثاني أو الوجه الحقيقي له فقد ظهر في " الإصلاحات" التي قام بها والتي ذكرتها دائرة المعارف الصهيونية، ونضيف إليها ما يأتي:

" أعلن العلمانية وفصل الدين عن الدولة.

اضطهد علماء الإسلام وقتل العشرات منهم، وعلق جثثهم على أعواد الشجر.

أغلق كثيرا من المساجد وحرم الأذان والصلاة بالعربية.

أجبر الشعب التركي على تغيير زيه الوطني ولبس الزي الأوربي.

فرض القوانين السويسرية بدل الأحكام الشرعية

فرض العطلة الأسبوعية يوم الأحد بدلا عن يوم الجمعة.

ألغى استعمال التقويم الهجري واستبدله بالتقويم الغربي الميلادي.

قضى على التعليم الديني في الجامعة والمدارس الثانوية والإعدادية والابتدائية.

استبدل الحروف العربية باللاتينية ليقطع صلات الشعب التركي بأخيه العربي.

ألغى قوانين الميراث والزواج والأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية.

شجع المرأة التركية والفتاة والشاب على الدعارة والفجور. وأباح المنكرات، وضرب بنفسه المثل الأعلى على انحطاط الخلق والإدمان على الخمور والفساد والانحلال(30)"

إلى غير ذلك من "الإصلاحات العظيمة" التي قام بها أبو تركيا الحديثة. فأدى دوره أحسن أداء، وكانت ثورته وأعماله وسيرته قدوة ومثالا لباقي الأنظمة الإسلامية، فعمت حمى الانقلابات والثورات والاضطرابات والتحلل من القيم الإسلامية، وبذلك فتحت طريق الصهيونية إلى فلسطين، ونجح كمال حيث فشل نابليون.

3- بريطانيا ذات الوجهين:

أدى الشيخ المعمم مصطفى كمال أهم أدواره، ففصل الدولة عن الدين، وقضى على الخلافة الإسلامية وفصم عرى الوحدة التي كانت تربط بين الشعب التركي وغيره من الشعوب العربية، وبذلك مهد الطريق لتحقيق الأطماع الصهيونية، ونجح حيث فشل سلفه نابليون، غير أنه قضى نحبه- بعدما تعفن جسده من الخمر- قبل أن يحقق حلم الصهيونية ويمكنها من فلسطين، فكان عليها أن تبحث عن أداة أخرى، وكانت بريطانيا هي المرشحة. لم يكن اتصالهم بها حديثا، فقد بدأ استغلالهم لبريطانيا منذ سنة 1066 عندما دخلوها أول مرة تحت راية الملك الفاتح وليم .
وعندما اكتشف الشعب البريطاني طرق اليهود في ابتزاز الأموال واختلاسها، وتعاملهم بالربا الفاحش، وخطف الأطفال وذبحهم واستعمال دمائهم في أعيادهم ومناسبتهم- ثار وغضب، واستجاب الملك إدوارد الأول لغضب شعبه فأصدر مرسوما يقضي بطرد جميع اليهود وتحريم عودتهم إلى البلاد. إلا أنه تنفيذا لأحد نصوص التوراة عزرا الذي يقول: " كل أرض تدوسها بطون أقدامكم لكم أعطيتها"- عادوا إلى بريطانيا مرة ثانية في ركاب "كرومويل" بعدما مولوا ثورته ضد الملك شارل الأول(31).

وبعد هزيمة نابليون في معركة "واترلو" نقلوا ثقلهم وزعامتهم إلى لندن واتخذوها مركزا لتدبير مؤامرتهم ودسائسهم ضد بريطانيا وكل الشعوب الأخرى من أجل تحقيق حلمهم الكبير، ومع إن رأس الأفعى انتقل بعد ذلك إلى مركز الخلافة فإن بريطانيا ظلت قاعدتهم الأساسية وموقع منطلقهم. ولكي يقنعوا الإنجليز بوجهة نظرهم، ويسخروهم في قضاء أغراضهم، فإنهم كانوا يلوحون لهم بنفس ما لوحوا به لنابليون، وهو إمكانية استخدامهم لهم كأداة لحراسة طريقهم للبلاد العربية.

ففي 25 يناير 1853 أدلى جورج هولد الحاكم العام البريطاني لجنوب استراليا في مجلس العموم بتصريح جاء فيه، "أن العناية الإلهية قد وضعت مصر وسوريا في طريق بريطانيا إلى أهم مناطق تجارتها الخارجية الاستعمارية كالهند والصين والمحيط الهندي واستراليا، أن مشيئة الله تفرض على بريطانيا العمل بحماس على خلق الظروف المناسبة في هذين البلدين، ولابد لبريطانيا أن تمد يدها إلى الشعب الذي يمكن استغلال طاقته الدائمة والفعالة عن طريق الأبناء الحقيقيين لهذه الأرض ...أبناء إسرائيل(32)" ..

وفي عام 1277 نشر القس البريطاني جيمس نيل في كتابه "الهجرة إلى فلسطين أو جمع شتات اليهود" ما يأتي: " أغلب الظن أن بريطانيا لن تستطيع استعمار فلسطين بنفس السهولة التي استعمرت بها أمريكا الشمالية. نظرا للمتاعب التي سيثيرها العرب.....ولعدم وجود دفاع فعال....ولعوامل أخرى كبيرة....ولهذا أرى تحقيق ذلك بواسطة اليهود(33)" وقد أكد هذه الفكرة أبو الصهيونية الحديثة هرتزل عندما صرح: " إن عودتنا إلى وطن الآباء التي تنبأ بها الكتاب المقدس تشكل مصلحة سياسية ملائمة تماما لتلك الدول التي تبحث عن شيء ما في آسيا (34)" وكانت بريطانيا هي ما يعينه هرتزل، ولذلك نراه عندما التقى بعبد الحميد وعرض عليه أموالا طائلة لقاء سماحه بهجرة اليهود إلى فلسطين، ورفض الخليفة الشهم عرضة- صرح في تقرير رفعه إلى لجنة الأعمال الصهيونية بتاريخ 1902: " أقرر على ضوء حديثي مع السلطان أنه لا يمكن الاستفادة من تركيا إلا إذا تغيرت حالتها السياسية بدخولها في حرب أو وقوعها في مشاكل دولية.

وأعتقد أنه لابد من كسب عطف الحكومة الإنجليزية على المسألة الصهيونية(35)..." وسيقوم مصطفى كمال بتنفيذ الشوط الأول من هذا المخطط فيغير الحالة السياسية بتركيا وسيكون على بريطانيا أن تنفذ الشوط الثاني.

ففي نفس السنة التي رفع فيها هرتزل تقريره "دخلت المنظمة الصهيونية في مباحثات جدية مع الحكومة الانجليزية بقصد إقناع انجلترا بمنح الحركة جزءا من شبة جزيرة سيناء، يقيمون فيها وطنهم القومي كجزء من الإمبراطورية البريطانيــــة (36)" وبعد موافقة الحكومة الانجليزية كان عليهم أن يهيئوا الظروف المناسبة، وذلك بإدخال تركيا في مشاكل دولية وجعلها طرفا في الحرب العالمية الأولى، على أمل انتصار الحلفاء واستيلاء بريطانيا على فلسطين ثم تسليما لهم، ففي نوفمبر 1914 كتب "حايم وايزمان" إلى صديقه رئيس تحرير المانشستر جارديان شارحا الخط الصهيوني: من الممكن الآن أن نقول إنه إذا وقعت فلسطين في دائرة النفوذ البريطاني، وإذا شجعت بريطانيا بعد ذلك توطين اليهود هناك، كمستعمرة بريطانية فإننا نستطيع أن نوجد خلال الثلاثين سنة القادة حوالي مليون يهودي في تلك البلاد: فيطورونها وينقلون الحضارة إليها، ويكونون بمثابة حرس لقناة السويس(37)" وكانت خطتهم أثناء الحرب العالمية هي:
(أ) أن ينتصر الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا.
(ب) أن تكون فلسطين من نصيب بريطانيا.
(ج) أن تسهل انجلترا استيطان اليهود في فلسطين.
(د) أن ينتهي الأمر بسيطرة اليهود عليها (38).
والثمن الذي قدموه لبريطانيا أثناء الحرب هو مناصرة وتأييد اليهودية العالمية للحلفاء.
"ففي مارس 1915 أرسل سير ادوارة جراي وزير خارجية انجلترا إلى سير ادوارد بوكانان سفير إنجلترا في سان بطرسبورج عاصمة روسيا القيصرية في ذلك الوقت....أرسل إليه مذكرة يشرح فيها رأي الحكومة البريطانية في العلاقة بين فلسطين والصهيونية العالمية، كانت المذكرة تقول: أن فلسطين هي الثمن الذي يمكن بواسطته كسب تأييد اليهودية العالمية كلها إلى جانب الحلفاء(39)".
وفي سنة 1916 قدم الصهيونيون إلى الحكومة الانجليزية مذكرة بعنوان "برنامج لإنشاء إدارة جديدة في فلسطين من وجهة نظر الحكومة الصهيونية"، وكانت المذكرة تقترح إنشاء شركة يهودية شبه حكومية تحت رعاية حكومتي انجلترا وفرنسا، مهمتها تشجيع اليهود على التوطن في فلسطين واستثمارها(40)".

وفي هذه السنة عين الصهيوني بلفور وزيرا للخارجية البريطانية، وفي السنة التي بعدها أصدر وعده المشؤوم بإقامة الوطن اليهودي في فلسطين....

والذي يهمنا من سرد هذه الأحداث المتعاقبة هو الإشارة إلى الدرر المزدوج الذي كانت تلعبه بريطانيا.
ففي الوقت الذي كانت فيه جيوشها تتقدم نجو فلسطين، لتسلمها بعد احتلالها للصهيونية، كانت تعلن أنها جاءت لتحرر العرب من الاستعمار التركي، وتطلب منهم أن يساعدوها في مهمتها،" وعلى أساس الخديعة والخداع والضلال والتضليل رسمت السياسة البريطانية في الشرق العربي يشرف على تنفيذها أساطين العملاء والجواسيس أمثال كامبل مع محمد علي، ولورنس الذي ضلل الهاشميين وعيث بهم واقعتهم بدخول الحرب ضد تركيا إلى جانب انجلترا في الوقت الذي كان سايكس يفاوض بيكو الفرنسي لاقتسام العالم العربي(41)....".

وهكذا نجد في إحدى وثائق الحرب العالمية وثيقة تقول:"قال مدير المخابرات العسكرية أنه تلقى برقية من السير ريجنالد وينجت تقول إن الجنرال كلايتون "مدير المخابرات الإنجليزية في مصر" أوصى بضرورة إرسال الفيلق العربي وعدده حوالي ألف رجل من مصر إلى العقبة لمساعدة فيصل في أعماله(42)".

وهناك أخرى تقول: " اتخذت الترتيبات لتعاون العرب في تدمير أجزاء من سكة حديد الحجاز شرقي نهر الأردن وبين حلب ودمشق، وجميع قبائل العرب تقريبا متعاونة معنا في هذا العمل(43)....".
وهكذا ساعد العرب بريطانيا في حربها ضد الأتراك، وتكلل العمل بالنصر ودخلت الدبابات الإنجليزية القدس-كما دخلت خيل نابليون الأزهر-فمن سيهيئ بريطانيا بانتصارها العرب أم الصهاينة؟ في وثائق الحرب العالمية خيران يقول أحدهما: "استقبلت وزارة الحرب وفدا برئاسة اللورد وتشيلد لتهنئة الحكومة بالاستيلاء على القدس نيابة عن ممثلي الحركة الصهيونية(44)، ويقول الثاني "استقبلت وزارة الحرب وفدا عربيا برئاسة الكونت زغيب يمثل الفلسطينيين والسوريين العرب المسلمين ومسيحيين وقد تلا الكونت زغيب رسالة تهنئة إلى حكومة صاحب الجلالة والقوات البريطانية بمناسبة الاستيلاء على القدس(45) إنها قمة الانتصار للسياسة ذات الوجهين، العرب واليهود يباركون عملا ما. وكان العرب هم المخدعون، لقد دخلت بريطانيا إلى القدس وسقطت الراية العثمانية، فأي راية سترفع؟"قدم رئيس هيئة أركان حرب الإمبراطورية تقريرا إلى وزارة الحرب عن الإعلام التي ترفع في حالة احتلال الحلفاء مدينة القدس(46)" وردت بريطانيا الرد الجدير بسياسة الدهاء والغموض: " إنه(47) نظرا للطابع الفريد للمدينة، وللمشاكل الدبلوماسية والسياسة المعقدة التي تثيرها فإنه يجب إبلاغ الجنرال اللنبي بوجوب عدم رفع أي علم في حالة احتلال قوات الحلفاء مدينة القدس"، وإذا كان الجنرال اللنبي لم يرفع راية بريطانية أو فرنسية أو أمريكية أو إسرائيلية فإنه رفع راية أخرى معنوية تجمع هذه الأطراف كلها عندما قال وهو يدخل القدس: " اليوم انتهت الحروب الصليبية" هذا هو منتهى المكر والخداع من جهة والغفلة والسذاجة من جهة ثانية، عدة دول غربية تشن حربا تراها امتدادا للحروب الصليبية، والمسلمون لا يكتفون بعدم مقاومتها بل يساعدونها بالرجال والعتاد! ويكون جزاء مساعدتهم هو تسليم فلسطين للصهاينة.

4- من موسيليني إلى ايزنهاور:

لقد حاول نابليون احتلال الشرق العربي واستغلال خيراته، وتسليم فلسطين لليهود باسم الحضارة والإسلام، وهدم مصطفى كمال الخلافة الإسلامية باسم الإسلام، وجاءت بريطانيا إلى الشرق لتسلم فلسطين للصهيونية باسم تحرير العرب من الاستعمار التركي. " وكان موسيليني يقول أيام العلمين أنه يزحف إلى الإسكندرية ليحمي حمى الإسلام وأن الغزو الايطالي ليس عدوانا، بل هو في الحقيقة نوع من الحج(48).." وعندما تفتق ذهن الرئيس الراحل ايزنهاور عن نظرية ملء الفراغ في الشرق الأوسط عقب تأميم القناة وانسحاب بريطانيا من المنطقة لم يجد ما يبرر به تدخله غير حماية الأديان....فقد قال: " إن الشرق الأوسط مهد ثلاث ديانات كبرى هي الإسلام والمسيحية واليهودية. فمكة والقدس أكبر من مجرد مكانين على الخريطة....وإنه من الأمور التي لا تحتمل أن تقع هذه الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط تحت حكم يمجد المادية الوثنية(49)، ينقل صاحب الكتاب تعليقا لأحد الكتاب على اهتمام الغربيين بالأديان فيقول: " ما السر في هذا الحرص الغريب من الدول الاستعمارية الكبرى على أدياننا؟ إنها أدياننا نحن في النهاية، وأنبياؤنا الذين عاشوا لنا وماتوا لنا، تركوا إرثهم الروحي بين أجدادنا...لم ينزل القرآن في نيويورك ولا الإنجيل في هوليود، ولا التوراة في كابري فلم هذا القلق كله في الإنجليز والأمريكان على تراثنا الديني؟....إن الله الذي يدافع عنه ايزنهاور ليس هو إله الإسلام ولا إله المسيحية، وإنما هو عضو في شركة الزيت العراقية(50) ويمكن أن نضيف إلى هذا أن الإله الذي يدافع عنه ايزنهاور إنما هو صهيون الذي ذبح أبناءه بالمدافع والطائرات ليفتكوا بالمسلمين.

ذلك هو خط المكر والخداع الممتد من نابليون إلى ايزنهاور، مرورا بكمال وبلفور وستالين ولينين وموسيليني....لقد انطلت علينا بعض حيل هؤلاء وادينا ثمن غفلتنا وسذاجتنا، وعدم إدراكنا لحقيقة السياسة الماكرة ذات الوجهين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

(1)   فلسفة الفكر الديني بين المسيحية والإسلام. 1/138.

 (2) ودخلت الخيل الأزهر ص: 17.

 (3) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام – ص: 17.

(4) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام – ص: 18-22.

 (5) المصدر نفسه، ص 22-23.

 (6) ودخلت الخيل الأزهر  ص 126.

 (7) المصدر نفسه، ص 146.

 (8) نفسه ص 223 ( وهذا ما حدث هنا في جامعة القرويين)

 (9) نفسه ص 223 ( وهذا ما حدث هنا في جامعة القرويين)

 (10) نفسه ص 231.

 (11) نفسه ص 231.

 (12) نفسه ص 234 ( نفس ما فعله التتار عندما اقتحموا مساجد بغداد).

 (13) نفسه ص 153-169.

 (14) ودخلت الخيل الأزهر، ص 241.

 (15) نفس المصدر ، ص 242.

 (16) ودخلت الخيل الأزهر، ص 244.

 (17) ودخلت الخيل الأزهر، ص 244.

 (18) ودخلت الخيل الأزهر، ص 244.

 (19) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ص 111

 (20) نفس المصدر،ص 113.

 (21) ودخلت الخيل الأزهر، ص 235.

 (22) حياة محمد لهيكل، ص 102.

 (23) حياة محمد لهيكل، ص 102.

 (24) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ص 26.

 (25) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ص 26.

 (26) نفس المصدر، ص 27

 (27) ....ودخلت الخيل الأزهر، ص 183.

 (28) مجلة العربي-دجنبر 72.

 (29) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ص 96.

 (30) نفس المصدر، ص 95.

 (31) الفكر الصهيوني، ص 113.

 (32) نفس المصدر، ص 177.

 (33) الفكر الصهيوني، ص 178.

 (34) نفس المصدر، ص 208.

 (35) الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، ص 89.

 (36) إسرائيليات ص 13.

 (37) نفس المصدر، ص 17.

 (38) نفس المصدر، ص 17.

 (39) نفس المصدر، ص 19.

 (40) إسرائيليات، ص 21.

 (41) الفكر الصهيوني، ص 179.

 (42) إسرائيليات، ص 246.

 (43) نفس المصدر، ص 47

 (44) نفس المصدر، ص 48.

 (45) نفس المصدر، ص 48.

 (46) نفس المصدر، ص 48.

 (47) نفس المصدر، ص 48.

 (48) الاستعمار أحقاد وأطماع، ص 364.

 (49) نفسه، ص 354 (يقصد الشيوعية).

 (50) نفس المصدر، ص 365.

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (1)

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (1)

  د / عبد الوهاب المسيري يمكن تقسيم التنظيمات الصهيونية العسكرية...

من عجائب البهلول بن عمرو المجنون

من عجائب البهلول بن عمرو المجنون

قال الأصمعي : خرجت من عند الرشيد من باب الرصافة، فإذا بهلول يأكل خبيصاً،...

المدينة المنورة في كتابات الطنطاوي

المدينة المنورة في كتابات الطنطاوي

إبراهيم مضواح الألمعي تحتل المدينة المنورة منزلةً عظيمة في وجدان...

جديد الأخبار المزيد
مركز حقوقي يوثق جرائم قوات حفتر في بنغازي  بماذا وصفهم؟

مركز حقوقي يوثق جرائم قوات حفتر في بنغازي .. بماذا وصفهم؟

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن مقاتلي قوات جيش الإنقاذ...

وكالة إيطالية: المعارضة استخدمت تقنيات حديثة بمعارك دمشق

وكالة إيطالية: المعارضة استخدمت تقنيات حديثة بمعارك دمشق

قالت وكالة أنباء إيطالية إن المعارضة السورية المسلحة استخدمت...

باعه مبارك بثمن بخس بكم اشترى السيسي الغاز من إسرائيل؟

باعه مبارك بثمن بخس.. بكم اشترى السيسي الغاز من إسرائيل؟

أبرمت مجموعة الشركات المالكة لحقل الغاز الإسرائيلي...

  • أيام في سيلان والمالديف