• الصليب وحكاياته

المدينة المنورة في كتابات الطنطاوي

Mar 21 2017 9:32:43

المدينة المنورة في كتابات الطنطاوي

إبراهيم مضواح الألمعي

تحتل المدينة المنورة منزلةً عظيمة في وجدان الشيخ علي الطنطاوي، وقد عبَّر عن هذه المنزلة، في مواضع كثيرة، وبأساليب متعددة، فهو يقارن بين المدينة المنورة وبين دمشق التي نشأ فيها ودرج في ربوعها، وأحبها غاية الحبِّ، وكتب عنها كما لم يكتب أحدٌ عن مدينته، ثم تأتي نتيجة المفاضلة لصالح المدينة المنورة، ما يعطي صورةً واضحة لموقعها من نفسه، فيقول:«لو خُيّرتُ (لا سمح الله ولا قدر) بين أن تصيب بلدي جائحةٌ أو أن تصيب المدينة، لافتديتُ المدينة بالشام ومن فيها». (من نفحات الحرم، ص12).

ويصدر الشيخ الطنطاوي في عاطفته تجاه المدينة المنورة عن روح إسلامية، فحبُّه مرتبط بمنزلتها الرفيعة في الإسلام فهي:«مدينة الرسول. التي تشرفت به مرتين: مرة بحياته صلى الله عليه وسلم فيها. ومرة بمثوى جسده في ثراها». من نفحات الحرم/12.

ولأن المدينة المنوَّرة تحتل هذه المنزلة الرفيعة في وجدان الطنطاوي، فهو ليس فقط يتمنى لها مستقبلا عظيماً، بل يقطع بأنها:«ستمشي صعداً -إن شاء الله- في طريق العلاء حتى تعود مرة أخرى عاصمة الدنيا، وقصبة الأرض المسلمة، كما كانت يوماً من الأيام، يوم كانت جيوش الإسلام تحارب بالحق والعدل دولَ الأرض كلَّها معاً تحارب الروم في الشام وفي مصر، والفرس في العراق؛ كلما استنجد قائد بعمر، هز عمر هذه القرية الصغيرة، فأمدته بالجند وبالقواد، لم ينضب لها معين، ولم يجف لها ينبوع، وكيف وهي مدينة محمد؟!» من نفحات الحرم/12.

رحلة الشيخ الطنطاوي إلى الحجاز

أما رحلة الطنطاوي من دمشق إلى المدينة المنورة 1935م، فقد بيَّن في ذكرياته أن القصد منها:«فتح طريق للسيارات يربط دمشق بمكة، وكان يومئـذ حلمـاً من الأحـلام» الذكريـات3/53.

ولم تكن الرحلة سهلة، بل كانت شاقة للغاية، إذ كانوا يشقون طريقاً في الصحراء والقفار بالسيارات لأول مرة في تاريخ هذه الصحراء، حيث يقول:«كانت سياراتنا أول سيارات تطأ هذه الصحراء، من يوم خلق ربي هذه الصحراء» الذكريات/3/56.

ولهذا فقد كانت رحلةً شاقة، أوفت بهم على الهلاك في بعض الأحيان، ويصف ما لقيه ورفاقه من عناء تلك الرحلة بعدها بخمسين سنة فيقول في ذكرياته التي كتبها عام 1985م:«مر الآن على هذه الرحلة خمسون سنة كاملة، ولا تزال أحداثها متمكنة من ذهني، ماثلة أمام عيني أمضينا فيها على الطريق من دمشق إلى مكة ثمانيةً وخمسين يوماً، لم نكن نمشي فيها على الحرير، ولم نتقلب في نعيم الراحة والأنس والأمان، ولم نكن نسلك الجادة التي يؤمن فيها العثار، بل كنا نعتسف البوادي، نسير في أرض نبصر أولها ولا ندري أين ينتهي بنا آخرها، نطأ الحجارة نواجه الصخور نغرق في كثبان الرمل الناعم، فنخرج من سياراتنا، ونربط الحبال بأكتافنا وأعناقنا، لنخرج السيارات الغارقة فيها، ضعنا أياماَ، بتنا ليالي والوحوش قريبةٌ مِنَّا، والعقاربُ كانت تدب من حولنا، ونحن ننام على الأرض، قلَّ معنا الزاد فكدنا نشرف على الهلاك، وفقدنا الماء حتى إذا وجدناه والدود الأحمر يملؤه نزعنا العمائم (أي الغتر) من فوق رؤوسنا وصفيناه بها، فشربنا ما قطر من الماء ونفضنا الدود نفضاً... ذقنا في هذه الرحلة العذاب ألواناً، ورأينا الموت عياناً أحياناً، أمضينا فيها شهرين في نصب وتعب، وفي خوف وحذر، ولكني خرجت منها بذخيرة من الذكر والعبر، ومن الأخبار والطرائف، لا أزال أتحدث عنها ما نفد ما عندي منها، وإن مضى عليها نصف قرن» الذكريات/3(53-54).

بهذا الأسلوب القصصي يعرض الطنطاوي طرفاً من المعاناة التي عاناها ورفقاؤه، في رحلتهم تلك، التي لم يكن مضطراً لخوضها لولا الشوق إلى موطن النبوة ومهوى أفئدة المسلمين، الشوق الذي ألحَّ عليه أن يغامر بالمشاركة في هذه الرحلة برغم ما يكتنفها من مشاق ومخاطر، ويعلل ذلك بقوله:«لما غلبني من الشوق إلى هاتيك المعاهد، إلى الأرض التي استقبلت آخر رسالات السماء إلى البلد الذي ولد فيه رسول الله، وحبيب كل مسلم، والبلد الآخر الذي عاش فيه ومات فيه،والذي يحس من يزوره أن كل مكان فيه، وكل جبل وكل حائط (أي بستان) يحدثه حديث المصطفى الحبيب، ويتلو سيرته» الذكريات/3/58.

مشاهدات في ضواحي المدينة

وقد أفاض الطنطاوي في وصف الرحلة منذ خروجه من دمشق إلى أن عاد إليها، ولم يقتصر على وصف المعاناة، التي اكتنفت رحلتهم تلك، بل جاوزها إلى وصف المعالم التي مرَّ بها الركب في طريقهم إلى المدينة، ومن تلك المعالم بلدة (العلا) التي يصفها الطنطاوي بأنها:«قرية صغيرة جميلة تقوم في وادٍ ضيق، تحف به هذه الجبال الجميلة الممتعة ذات الأشكال الغريبة، ولون أكثرها أحمر مخضر جميل، والوادي كوادي العين الخضراء فيه العيون والسواقي والأشجار، وأمتع ما فيه هذه النواعير (السواني) ذات الصوت الموسيقي الفاتن، ولقد حسبتها في سكون الليل نايا أو آلة موسيقية فسألت عنها فأخبروني أنها النواعير، وأن العوام أرادوا منعها عند فتح الحجاز بحجة أنها من الطرب الممنوع» من نفحات الحرم/135.

هكذا كانت العلا عام 1935م، لا تتجاوز حيين قديماً وجديداً، فيهما مدرسة وخمسة مساجد، يصفها الطنطاوي فيقول:«فيها حيان، الحي الأعلى ويسمونه (الشقيق) وهو من جهة الشام، والحي الأسفل ويسمونه ( الحلف) وهو من ناحية المدينة، الحي الأول قديم والثاني جديد، وفيها خمسة مساجد، ومساجدها...غرف سقوفها من سعف النخل عليه الطين،وأرضها من الرمل الناعم، وهم يرون أن هذه هي السنة لا يجوز فيها غيرها، وفيها مدرسة، ذات ثلاثة فصول، فيها ثلاثة معلمين ومائة وخمسون تلميذاً وفي العلا من العيون والسواقي والحدائق والزروع ما يذكر المرء بالغوطة ووادي بردى». من نفحات الحرم/137.

هذه العلا منذ ثمانين سنة، فما هي اليوم يا أبناءها ويا قريبي العهد بها؟

مشاهدات الطنطاوي في المدينة

ويزداد الشوق إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- كلما اقترب الركب منه خطوةً بعد خطوة.

وأشد ما يكون الشوق يوماً ** إذا دنت الخيامُ من الخيامِ

يقترب الركبُ من جبل أحد الذي قال عنه صلى الله عليه وسلَّم: «أحد جبلٌ يحبنا ونحبه» يقول الطنطاوي:«رأينا وجه أحد وعلى سفحه النخيل والبساتين ورأينا سلعاً وهو جبل عال أسود، يقوم حيال أحد يحجب المدينة وراءه، فلا يبدو منها إلا جانب الحرة، وطرف النخيل» من نفحات الحرم/120.

ويتتبع خطوات الركب بالوصف الدقيق، في أسلوبٍ سردي، ووصف قصصي عرف به الطنطاوي، منذ مطلع عهده بالكتابة، فهو وصَّافٌ من طراز أقرب إلى الأسلوب القصصي المتميز، ولنسر معه على مشارف المدينة حين يقول:«وكنا قد بلغنا هذا المضيق الصخري، بين هضبتي سلع، فنظرت في خريطة للمدينة كانت معي، وقلت للدليل : أما هذا (ذباب)، بلى والله فما يدريك أنت؟ قلت: أما هذا (مسجد الراية)؟ قال: بلى، بلى : هذه هي ثنية الوداع وخفق قلبي خفقاناً شديداً، وخالطني شعور بالهيبة من دخول المدينة، والسلام على رسول الله -صلى عليه وسلم- على ما في نفسي من الفرح والسرور» من نفحات الحرم/122.

ولنا أن نتصور حال الركب وهم يطلُّون لأول وهلة على مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:«اغتسلنا ولبسنا ثياباً بيضاً نظافاً، وتطيبنا، ثم ركبنا في السيارات إلى المدينة، فلم نقطع سلعاً حتى بدت لنا المدينة كصفحة الكف، يحف بها النخيل، وتكتنفها الحرار، وتقوم في وسطها القبة الخضراء التي يثوي تحتها جسد السيد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وتكشفت لنا دنيا كلها خير وحقيقة وجمال،وعالم كله مجد وفضيلة وجلال» من نفحات الحرم/122.

الخروج إلى العقيق

ومما يعتاده زوار المدينة والباحثون في تاريخها وآثارها التي ارتبطت في الذاكرة بمواقف وشخصيات أدبية، وأولها وادي العقيق الذي نتحلَّق اليوم حول عبقه التاريخي والأدبي، فقد كان له نصيب من ذاكرة الطنطاوي وقلمه، فيصف خروجهم إليه والسيل يملأ ما بين عدوتيه فيقول:«خرجنا مع من خرج، فلم نجاوز السور، ونترك عن أيماننا المحطة العظيمة... حتى بدت لنا (الحرة) السوداء الواسعة، فسلكنا طريقاً فيها جديداً، على يسار الطريق القديم الذي يهبط الحرة، على سلم منقورة في الصخر، وهذه النقرة هي ثنية الوداع، التي طلع منها رسول الله صلى الله وسلم فاستقبلته الولائد بالدفوف ينشدن: طلع البدر علينا...

وسرنا في هذا الطريق نحواً من كيلين اثنين، فانتهينا إلى بئر عروة، التي حفرها الإمام الزاهد العالم عروة بن الزبير، فكانت في قصره العظيم الذي اندثر، ولم يبق له من أثر، وهي أعذب بئر في المدينة وأطيبها، وكان ماؤها يحمل إلى الخلفاء وهم في دارات ملكهم، يؤثرونه على ينابيع الشام وفرات العراق، إلى جانب البئر قهوة جديدة، قامت على جذوع النخل، فجلسنا على كراسي مستطيلة، تتخذ في (مقاهي) الحجاز مجلساً وسريراً نطل على الوادي العظيم». من نفحات الحرم/28.

وبهذا يكون الوادي بين يدي الطنطاوي ورفقته، فيعود بنا إلى أسلوبه الوصفي الذي ينقل القارئ والسامع إلى صورة الوادي كمن يسمع ويرى فيقول:«والوادي رغيب، بين عدوتيه أكثر من مائة متر وعلى العدوة الأخرى جبال حمراء جميلة المنظر، وقد غني الوادي وامتلأ، وكان السيل دفاعاً تلتطم أواذيّه. وتصطخب أمواجه، يرمي بالزبد ويطوح بالفقاقيع، ويجري متكسراً وله خرخرة، وله دردرة، وعلى جانب الماء حصباء واسعة، قد جلس فيها المدنيون حلقاً حول (سماورات) الشاي البراقة العالية يغنون ويطربون، ما سمحت لهم (الحكومة) أن يغنوا ويطربوا». من نفحات الحرم/(28-29).
في البقيع

واعذروني حين أنقلكم من الذكريات الندية في العقيق التي تعبق بجمالها وشجاها إلى البقيع بجلاله وهيبة الموت التي تجلله، فما لي في ذلك يد، إنما هو أمرٌ يفرضه علي تتبع خطوات رائدنا في هذه الرحلة الذي يحدثنا قائلاً:«خرجنا إليه (يعني البقيع) في صفرة الطفل، وقد سكرت الريح، وسجا المساء وكان اليوم روحاً، فما تجاوزنا أزقة المدينة الضيقة الملتوية، وبدا لنا سور البقيع الهائل، الذي أقاموه في وجه مدينة الموت، كيلا تبتلع مدينة الحياة... وكنا قد بلغنا البقيع، فرأيته موحشاً مظلماً رهيباً... وشممت منه رائحة الموت، فتهيبت دخوله في هذه الأمسية، وأزمعت العودة ولكن صاحبي أصرَّ عليَّ وشجعني، ثم أخذ بيدي. فإذا أنا وراء السور. وإذا ساحة فسيحة ممتدة الجوانب، مظلمة الأرجاء، ساكنة سكون الموت. وليس فيها بناء ولا قبة ولا تابوت، كأنما لم يسمح لبشر أن ينصب في حرم الموت معالم الحياة، أو يدنس دار البقاء بشارات الفناء». من نفحات الحرم/38.

وينتاب الطنطاوي العجب عندما قال له دليله إلى البقيع:«هذا قبر عثمان»!
فيقول: «نظرت فلم أجد قبراً ولا شيئاً يشبه القبر، وإنما وجدت حجارة صغيرة قد صففت على وجه الأرض، وفرشت من حولها رمال حمراء ناعمة، كحوضٍ أعدَّ لتزرع فيه الورود». من نفحات الحرم/39.

فما كان منه إزاء هذا المشهد إلا أن استنكر على دليله هذا القول، وهنا يوظِّف الأسلوب الحواري، لإبداء وجهة نظره حول الحالة التي آلت إليها قبور أهل البقيع، فيجيب مستنكراً على دليله هذا القول متهماً إياه بالسخرية، فيزجره قائلاً:«أتهزأ بي يا...؟
قال لا والله، ولكني أقول الحق، هذا قبر عثمان.

قلت: ياللعجب ! أتحرثون موضع قبر عثمان أمير المؤمنين لتزرعوا فيه الورود؟
قال: أي ورد؟ كل القبور هكذا...

قلت: لعلك أخطأت القبر. اذهب فاقرأ اسمه.

قال: قد طُمِسَتْ الأسماء فما عليه من اسم ولكن ثق أنه هو. أعرفه من هذه الغضاة!
وأشار إلى غضاة قريبة منه، لا أدري كيف دخلت حرم الموت فأنست بها. وذكرتني دنيا مليئة بالصور. مترعة بالحياة نفت عني بعض ما أنا فيه من الغربة والجزع، فقلت:
وكيف تعرف غيره من القبور؟

قال، ما أعرف إلا قبور آل البيت، وقد كنت أعرف قبر مالك فاختلط عليً ونسيته، ولكن يعرفه إذا شئت (العم حمد) خادم المقبرة وبعض الشيوخ من أهل المدينة». من نفحات الحرم(39-40).

ويعترض الطنطاوي على هذا الإهمال لقبور هؤلاء العظماء الذين احتوتهم البقيع، فيقول:«لم أكن أفكر إلا في هؤلاء الأبطال الذين فتحوا الدنيا وملكوا العالم، ثم ضنوا عليهم بقبر يُعْرف، أو اسمٍ يُقرأ». من نفحات الحرم/40.

ثم يُقرُّ للبقيع بالانتصار فيخاطبه لائماً ومعاتباً: «انتصرت أيها البقيع، فما وفيت ولا أنصفت.. جاءك الأبطال الذين فتحوا الدنيا. ونشروا العدل على الأرض وأضاءوا طريق الهدى للناس، ليستريحوا في أرجائك، ويناموا في حماك، فحرمتهم قبراً يعرف لهم، وحجراً تكتب عليه أسماؤهم». من نفحات الحرم/41.

ثم ما يلبث أن يستدرك حذراً من أن يُتهم بتعظيم قبور الصالحين، أو التبرك بها، أو تقديس ساكنيها، لأنه يعلم أنها ما أهملت إلا بذريعة الخوف من الوقوع في الشرك، وليس بعيداً أن يُتهم الداعي إلى العناية بها بشيءٍ من ذلك قليلٍ أو كثير، ولهذا يُبادر إلى هذا الاستدراك، احترازاً من التهمة فيقول: «ما نريد منك أن تنقش على قبورهم آيات التبجيل والثناء فإن لهم من أسمائهم الكبيرة غنية عن كل تبجيل وثناء لكنا نريد ألا تنسى هذه الأسماء». من نفحات الحرم/41.

الخروج من المدينة إلى مكة

رأينا الطنطاوي وهو يُطلُّ لأول وهلة على الحرم النبوي الشريف، فيصوِّر لنا اللذة التي تملَّكته أمام جلالة المكان، ثم يصور لنا ما انتابه من شعور وهو يودِّع المسجد النبوي الشريف فيقول:«صلينا المغرب في الحرم وقمنا في الروضة مقاماً نسينا فيه الدنيا وما فيها. ونظرنا إليها كمن يطل عليها من نجم بعيد فيراها كذرة صغيرة تائهة في الفضاء. ثم خرجنا من المسجد من باب السلام، نسير في هذه الأسواق الضيقة المزدحمة الحجاج. لا نتنبه إلى شيء فيها. لأننا تركنا قلوبنا في الحرم. حتى جاوزنا الأسواق إلى شارع العنبرية الفسيح... وسلكنا على وادي العقيق فذكرنا العقيق، وأهل العقيق، وشربنا من بئر عروة، وكان الليل قد أرخى على الأرض ستائره، فلم نعد نبصر مما حولنا شيئاً فسكتنا فلم يكن يسمع إلا صوت السيارة وكلمة من أحدنا، تشق هذا السكون» من نفحات الحرم/43.

المدينة في رحلة الطنطاوي عام 1354هـ

كنا مع الطنطاوي في رحلته إلى المدينة لفتح طريق السيارات بين دمشق والمدينة، وكانت تلك الرحلة عام 1935م، وبعد عشرين سنة عاد الطنطاوي إلى المدينة، مرةً أخرى، وكتب بعض مشاهداته في رحلته الثانية ضمن مقالة بعنوان:(الصلات الروحية بين سورية والمملكة العربية السعودية) نُشرت سنة 1956م وتضمنها كتابه من نفحات الحرم، وقد أشار فيها إلى ما لاحظه من العمل الدؤوب للدولة السعودية الفتية في تطوير الحرم النبوي الشريف فقال:«أما كبرى العجائب فقد تمت في الحرم، أنا أعرف حرم المدينة وأعرف تاريخ الزيادات فيه من لدن عمر وعثمان إلى الوليد وقايتباي وعبد المجيد، فلما سمعت خبر الإصلاح الأخير، حسبت أنها زيادة وتوقعت أن أرى فيه توسيعاً يجيء من الأصل كالرقعة في الثوب، وكنت مهما بالغت في حسن الظن أقدرها رقعة من حرير، فلما جئت ورأيت وقفت شاخصاً لا أستطيع أن أنطق.

وتعمدت أن أدقق النظر، لأنتقد شيئاً، فأقول يا ليت أنهم فعلوا هذا وتركوا ذاك، فما أسطعت أن أقول لما فعلوه ليتهم تركوه، ولا لما تركوه ليتهم فعلوه.

عمل عظيم، عظيم عظيم. لقد صنع السعوديون للحرم، في هذه السنين القلائل، أكثر مما صنعه ملوك المسلمين جميعاً في ألف وثلاثمئة سنة». من نفحات الحرم/13.

ويعود الطنطاوي للمقارنة بين ما كانت مكة والمدينة عليه أول عهده بهما وما انتهت إليه عند كتابة ذكرياته عام 1985م فيقول في الجزء الرابع من ذكرياته: «لو وُضِعَتْ أمامي الصورة الأولى التي عرفت فيها مكة والمدينة، ومواضع المشاعر فيها، لو ذكرت ما كانت عليه، وأظهرت ما انتهت إليه، لفركت عيني متعجباً كأنني لا أصدق ما أراه». الذكريات/4/247.

تُرى لو كتب الطنطاوي مقارنة بين المدينة التي رآها عام 1935م والمدينة اليوم ماذا كان سيقول؟

 

الوسوم

المدينة المنورة دمشق الحرم النبوي المدينة المنورة البقيع الروم الشام روح إسلامية مدينة الرسول
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد

مبروك عليك العراق وسوريا ولبنان يا إيران!

  د. فيصل القاسم قال لي ديبلوماسي وخبير إيراني قبل أشهر كلاماً...

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (2)

د / عبد الوهاب المسيري الهاجاناه Haganah «الهاجاناه» كلمة عبرية...

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

عادة ما يكون الاهتمام بعلم التاريخ مقياسا لمدى تقدم الأمم والمجتمعات،...

جديد الأخبار المزيد

السعودية المصدر الأول لتمويل الحوثيين وغسيل أموالهم (حقائق تنشر لأول مرة)

  أجرى موقع يمن برس تحقيقاً حول عمليات تمويل الحوثيين وكيف تتم...

اتهامات حقوقية لقوات "حفتر" بارتكاب انتهاكات ترقى لـ"جرائم حرب"

اتهمت منظمة حقوقية ليبية قوات مجلس نواب طبرق، التي يقودها خلفية حفتر،...

مقاتلو المعارضة على أبواب حماة.. وطائرات روسية تستهدفهم

قال مصدر عسكري من قوات النظام السوري، الجمعة، إن طائرات حربية...

  • أيام في سيلان والمالديف