• الصليب وحكاياته

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

Mar 23 2017 7:12:34

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

عادة ما يكون الاهتمام بعلم التاريخ مقياسا لمدى تقدم الأمم والمجتمعات، حيث تختلف نظرتها تجاه التاريخ خاصة والعلوم الاجتماعية عامة عن الأمم المتخلفة، حيث تسعى كل أمة لإعادة النظر في تاريخها وإعادة قراءته ، حتى تظل دائما في حالة من المراجعة والتجديد والتقييم، ومن خلال فهم هذا الإرث الإنساني تستطيع المجتمعات التعاطي مع حاضرها واستشراف مستقبلها.

وفي هذا الإطار، اهتم المسلمون بعلم التاريخ ووضعوه في مكانة سامقة، واهتموا بالتاريخ بكافة أشكاله، سواء المتعلق بعالم الأفكار والثقافات، فضلا عن عالم السلوك والأفعال والأحداث، وما فيه من عبر وعظات ومعرفة طبائع الأمم والدول، حيث كان يتمثل المسلمون قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا (1) ومن خلال هذا التناول أدرك المسلمون أهمية النظر والتمعن فيما مضى، فأعطوا للتاريخ حقه وأجلوه قدره.

من الثابت تاريخيا أن أية جماعة بشرية تمر بمراحل عدة من التشييد والبناء ثم القوة والقيادة، ثم مرحلة توقف المد الحضاري والانهيار، وكما علمنا ابن خلدون "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع"، فجاء في الفترة التاريخية المتأخرة من التاريخ بعض الدعاوى للتقليل من شأن علم التاريخ والنظرة إليه وأهميته وأثره في حياة المجتمعات، ليتصدى واحد من أعلام التاريخ الإسلامي لهذه الدعوات المجحفة، وهو شمس الدين السخاوي، ويسطر كتابه الأشهر في التاريخ الإسلامي (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) لصاحبه محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الشافعي القاهري الملقب بشمس الدين السخاوي.

يستهل السخاوي كتابه في البداية بسرد الأسباب التي دعته لإنجاز هذا المؤلف في التاريخ، مبينا أوضاع عصره، ولافتا نظر معاصريه للاهتمام به فيقول: ( وبعد، فلما كان الاشتغال بفن التاريخ للعلماء من أجل القربات، بل من العلوم الواجبات المتنوعة للأحكام الخمسة بين أولي الإصابات، ولكم لم أر في فضائله مؤلفا يشفي الغليل، ويزيل الكربات، بحيث تطرق للتناقض له ولأهله بعض أولي البليات، ممن هو ممتحن بالجليات فضلا عن الخفيات، فأردت إتحاف العارفين السادات وكذا التائقين للأمر المفادات بما لا غنى عنه في هذا الشأن من المعهمات، وأن أظهر ما فيه من الفوائد المأثورات، وأشهر كونه من الأصول المعتبرات، فأبدأ بتعريفه لغة واصطلاحا وموضوعه وفوائده المعبر عنها بالثمرات وغايته وحكمه من الوجوب أو الاستحباب أو الإباحات وما استنبط في الأدلة له من الكتاب والسنة وغيرهما بالطرق الواضحات وتقبيح من ذمه ممن قصر في الطاعات، وماذا على المعتني به من الشروط والمقررات (2) ..

وجه السخاوي كلامه للعاملين بحقل التاريخ، موضحا أهميته ودوره معتبرا إياه من أهم العلوم الشرعية، ويذكر قول سفيان الثوري: "لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ". متحدثا بلغة عصره الناتج عن حضارة الإسلام الناتجة عن تعبيرات النص الأساسي الناتجة من القرآن والسنة، وأن كل العلوم يجب أن تخدم هذا الإطار الديني، حيث إن الدين هو معيار السعادة في الدنيا والآخرة في رأيه.

ويتعرض السخاوي لتعريف التاريخ لغة واصطلاحا في اللغة العربية واجتهادات المؤرخين العرب والمسلمين في تدقيقه وتوثيقه، ثم ينتقل إلى التاريخ كموضوع فيقول: (وأما موضوعه فالإنسان والزمان، ومسائله أحوالهما المفصلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان وفي الزمان، وأما فائدته فمعرفة الأمور على وجهها، ومن أجل فوائده أنه أحد الطرق التي يعلم بها النسخ في أحد الخبرين المتعارضين المتعذر الجمع بينهما، وكون المروي من طريق بعض المختلطين من قديم حديثه أو ضده، وكون الراوي لم يلق من حدث عنه، أو لكونه كذب أو أرسل، وذلك ينشأ عنه معرفة ما في السند من انقطاع أو عضل أو تدليل أو إرسال ظاهر أو خفي، للوقوف به على أن الراوي مثلا لم يعاصر من روى عنه أو عاصره، ولكنه لم يلقه لكونهما من بلدين مختلفين، ولم يدخل أحدهما بلد الآخر ولا التقيا في حج ونحوه مع كونه ليست له منه إجازة أو نحوها (3) ..

وهنا يناقش مسألة الكذب والتدليس في التاريخ والروايات التاريخية، وقد أنتجت الحضارة الإسلامية آلية لضبط هذه المسألة – سواء اتفقت أو اختلفت معها- وهي علم الرجال والرواة كآلية لضبط الرواية "بمعرفة الراوي واستتباع تاريخه وسمته وأخلاقه وعلمه وسفره ترحاله، وعمن أخذ الرواية، وقد مثلت هذه المنهجية نقلة نوعية حينئذ في تدقيق الرواية والحدث التاريخي .

وينتقل بنا السخاوي ما بين فوائد علم الرجال والسند، ودراسة المتون ونقدها ومقاربة الروايات وبعضها البعض إلى تعدد الموضوعات التاريخية التى يتم دراستها وتنوعها ويقول فيها: ( وأما ما لعله يذكر فيه من أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم وسنتهم، فهو مع أخبار العلماء ومذاهبهم، والحكماء وكلامهم، والزهاد والنساك ومواعظهم، عظيم الغناء، ظاهر المنفعة، فما يصلح الإنسان به أمر معاده ودينه وسريرته في اعتقاده، وسيرته في أمور الدين، وما يصبح به أمر معاملاته ومعاشه الدنيوي. وكذا ما يذكر فيه من أخبار الملوك وسياستهم، وأسباب مبادئ الدول وقبالها، ثم سبب انقراضها، وتدبير الجيوش والوزراء وما يتصل بذلك من الأحوال التي يتكرر مثلها وأشباهها أبدا في العالم، غزير النفع كثير الفائدة. ونحو هذا ما يقع فيه من ذكر ذوي.. الأجواد والمتصفين بالوفاء ومحاسن الأخلاق والمعروفين بالشجاعة والفروسية، وأنه أيضا جم الفوائد كثير النفع)4)  .وأخذ ما بين كتب ومؤلفات من سبقوه من علماء المسلمين في مختلف التخصصات وذكره لرأيهم في موضوعات التاريخ المختلفة ما بين ذكر العلماء والمراء والفضلاء، وبين العامة من الناس أصحاب الحرف ووصف المدن وحالها والصنائع أصحاب الحرف، وتبيان أهمية هذا كلها في معرفة هذا الماضي وتكوين صورة جيدة ومقبولة عنه حتى تحدث الفائدة والعبرة منه.

سعى السخاوي للفت الانتباه إلى علم التاريخ، باعتباره أحد الواجبات الدينية والفروض، حيث يتم تناول سير الأنبياء والصالحين، وما يتبع ذلك من موعظة وعبرة للناس وسعة إدراكهم بما يحمله التاريخ من ألوان العبر والثقافات المختلفة؛ فيكون هو صورة الحقيقية للتجربة الإنسانية في أوضاعها المختلفة وحالاتها المتغيرة .

اهتم السخاوي بتوضيح أهمية علم التاريخ ببيان مسالب أولئك الذين تعرضوا بالذم والاعتراض للتاريخ والمؤرخين، فعزز ردوده بالكثير من الشواهد التاريخية، وفيه يقول: (وأما الذامون ( (5)  له فمنهم من خصص ومنهم من عمم، فالمخصصون اقتصروا على من ملأ منهم كتبه بما يرغب عن ذكره مما أدرجناه في التحريم، ومنهم من يدعي المعرفة والرزانة، ويظن بنفسه التبحر في العلم والأمانة، يعمم فيحقر التواريخ ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها لظنه أن غاية قائدتها، إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار. ومنهم من نسب بعضهم إلى القصور، حيث لم يتعرض للجرح وضده، مع كونه أعظم فوائده، ولا على أخبار الأئمة والزهاد والعلماء الذين بذكرهم تتنزل الرحمة، ولا على شرح مذاهب الناس مع عموم الحاجة إليه، بل اقتصر على الحروب والفتوحات ونحوها، مع إن من أنصف يعلم أنه ليس من العلم فتح البلد الفلاني في سنة كذا ولا أن عدد الجيش كان كذا. ومنهم من نسب المتعرض للتجريح في الزمان المتأخرة إلى ارتكاب المحرم لكونه غيبة، وأن المرخص له من أجلها قد دونت وما بقي له فائدة (6) ..

قرأ السخاوي التاريخ قراءة ناقد حصيف وحاول صياغة وجهة نظره فيمن وجه الذم للتاريخ نتيجة قصور إدراكهم عن فهم التاريخ وماهيته، فمنهم من يدعي المعرفة والتبحر في العلوم، فينظرون للتاريخ على أنه مجرد سرد للقصص والأخبار لا طائل منها ولا فائدة، كذلك وجه السخاوي النقد لهؤلاء المؤرخين الذين يوجهون اهتمامهم للتاريخ السياسي والحروب والاهتمام فقط بطبقة الملوك والأمراء الذي يسمي الآن بالتاريخ المستهلك- أن ثمة تواريخ أخرى كتاريخ العلماء أو ما يُسمى النخب المثقفة التي تصوغ الأفكار وتوجه العقول، والتي ذكرها وفق رأيه تتنزل الرحمة بذكرهم – من وجهة نظره- فكان يوجه النظر لتعدد مشارب المؤرخين ومقاصدهم، كما يلفت السخاوي الانتباه لما يقع فيه البعض من عدم توجيه النصيحة في الأزمان المتأخرة .

وفي النهاية وضح السخاوي أن جهل بعض الناس بالتاريخ وأهميته هو الذي حملهم على ذمه، وفي مثل هؤلاء يقول (من جهل شيئا عاداه، والجاهلون لأهل العلم أعداء، على أننا رأينا كثيرا ممن عاب ذلك لم يرفع الله له رأسًا) ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ سورة العنكبوت الآية 20

2 ـ السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ،تحقيق فرنز روزنثال، ترجمة صالح أحمد العلى، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1986، الطبعة الأولى، ص 15-16.

3 ـ المرجع السابق ، ص ص19-20.

4 ـ المرجع السابق، ص32.

5 ـ المقصود هنا علم التاريخ.

6 ـ السخاوي، مرجع سابق ، ص86.

الوسوم

الأمم والمجتمعات الواجبات الدينية التاريخ المؤرخين السخاوي الراوي
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
نحو تحديد منهجي لعلم السيرة النبوية الكاملة

نحو تحديد منهجي لعلم السيرة النبوية الكاملة

د. يسري إبراهيم موضوع العلم- اصطلاحًا -: هو ما يُبحَثُ فيه عن عوارض...

التاريخ المنسي ماذا نعرف عن المسلمين في منطقة البلقان؟

التاريخ المنسي.. ماذا نعرف عن المسلمين في منطقة البلقان؟

علاء الدين السيد شبه جزيرة البلقان ، هي شبه جزيرة ومنطقة ذات طابع...

لماذا تأخر الحسم في اليمن

لماذا تأخر الحسم في اليمن

د. نجيب سعيد غانم كثيراً ما يتم تداول هذا السؤال عند المتابعين للشأن...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: الخطوات التي سنتخذها مع روسيا ستغير مصير المنطقة

أردوغان: الخطوات التي سنتخذها مع روسيا ستغير مصير المنطقة

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: إن "الخطوات التي ستتخذها تركيا...

513 انتهاكا ضد حرية الصحافة بمصر في سنة واحدة

513 انتهاكا ضد حرية الصحافة بمصر في سنة واحدة

سجل مرصد "صحفيون ضد التعذيب"، 513 انتهاكا ضد الصحفيين والإعلاميين...

 البطون الخاوية تواصل زحفها نحو مقر الحكومة اليمنية في عدن

"البطون الخاوية" تواصل زحفها نحو مقر الحكومة اليمنية في عدن

تواصل مسيرة "البطون الخاوية"، التي نظمها عشرات من الناشطين...

  • أيام في سيلان والمالديف