• الصليب وحكاياته

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

Apr 23 2017 12:45:07

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد فإن التاريخ يعتبر مرآة الأمم يعكس ماضيها ويترجم حاضرها، وتستلهم من خلاله مستقبلها، وإنه من الأهمية بمكان العناية به، وتدوينه ونقله إلى الأجيال نقلاً صحيحاً، بحيث يكون نبراساً وهادياً لها في حاضرها ومستقبلها، والأمم التي تعيش بدون تاريخ أمم تعيش بدون ذاكرة، وهي معرضة لإعادة إنتاجه مرة أخرى من غير استفادة منه ، وقد يكون ذلك في غير صالحها.

وللتاريخ أثر عظيم في التربية الفكرية للأجيال ،وفي تكوين شخصية الأفراد وصناعة توجههم في الحياة، وإننا بتعليم تاريخنا للأطفال الناشئين نرسخ فيهم البعد الإسلامي والعربي لثقافتنا وحضارتنا، وتتكون لديهم معاني الوطنية الصحيحة، وهذا أمر بين لا ينكره إلا جاهل أو مغرض.

مما ينبغي أن يعلمه المربي أن معرفة التاريخ الإجمالي لأمتنا ليس تخصصا كمعرفة الفيزياء والرياضيات، بل هو من العلوم العامة التي يحتاجها كل فرد من أفراد الأمة فهو كتعلم القراءة والكتابة والحساب، لأن فائدته تتعلق بتكوين شخصية المرء وبناء فكره.

علم التاريخ من علوم الدين

ومما تجدر الإشارة إليه أن علم تاريخ أمتنا الإسلامية يعتبر علما شرعيا من جهة ثمرته ومن جهة كثير من مضامينه، وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا معاتبا المسلم لعدم اهتمامه بتاريخه في فاتحة المنار السنة العاشرة :" ألم يرشد القرآن إلى السير في الأرض؛ لاستطلاع العبر؟ ألم ينبئك بسننه في نظام البشر، ألم يهدك إلى أنه- تعالى -لا يهلك المصلحين؟ وإن كانوا في العقيدة مشركين، وأنه لا يبقي على الظالمين، وأن العاقبة للمتقين، فما لك لا تعد من هذا الدين معرفة تواريخ الأمم الغابرة، واختبار أحوال الأمم الحاضرة، ومعرفة الأقطار والبقاع، والعلم بشؤون الاجتماع، أليس هذا من إقامة القرآن، واستعمال الفرقان والميزان ؟ أليس قد أنزل الثلاثة لترقية شأن الإنسان؟ فكيف تشغلك أحكام حركات الأبدان ومعاملات الأقران عن حكم الديان في الأناسي والأكوان".

وزيادة على ذلك فإن قسما كبيرا من التاريخ ومنه تاريخ أمتنا مرتبط بعقيدتنا، لأنه متعلق ببدء الخلق وتاريخ الأنبياء والمرسلين وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجزء عظيم منه جاء موضحا في القرآن الكريم من خلال قصص القرآن الذي تضمن أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية، ولم يكتف ربنا عز وجل بهذا الإيراد حتى امتن به على نبيه الكريم وجعله من جملة ما أسداه إليه من النعم فقال جل وعلا: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود/120] وقال: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) [طه/99]. وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه بأخبار الأمم الذين قبلهم، ويحكي من ذلك ما يشرح به صدورهم ويقوي إيماناهم ويشد عزائمهم ويثبتهم.

فوائد التاريخ التربوية

إن في التاريخ عظات وعبر وآيات ودلائل، وقد قال عز وجل: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام/11]، وهذه بعض فوائده من الناحية التربوية للناشئة:

أولا : إذا نظرنا إلى قصص الأنبياء والمرسلين، وجدنا من فائدته زيادة الإيمان, فإن من الإيمان بالرسل معرفتهم ومعرفة أخبارهم وأحوالهم مع أقوامهم, وقراءة ما أُرخ عنهم من جملة الأسباب المعينة على ذلك.

ثانيا : وإذا نظرنا إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فإننا نجد من آثارها التربوية محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ونجد فيها وفي سير علماء الأمة القدوة الصالحة التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وتركت صفحات بيضاء ناصعة، لا تُنسى على مر الأيام والسنين.

ثالثا : وإذا نظرنا في التاريخ الإسلامي في أزهى مراحله، نجد فيه صورا حية للواقع الذي طُبقت فيه شرائع الإسلام، وبالاطلاع عليه نقف على جوانب مشرقة في جميع الميادين يتشرف بها أولادنا وتجعلهم يعتزون بدينهم وبأسلافهم.

وربما يجدون أيضاً بعض المواقف السلبية التي وقع فيها أفراد من الأمة عبر التاريخ، وهذه أيضا يأخذون منها العبر من جهة محاولة تجنب نظائرها في عصرنا، وهذا عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" متفق عليه.

رابعا : وفي تدريس ناشئتنا لتاريخ أمتنا المجيد شحذ لهممهم، وبعث للأمل والتفاؤل فيهم وطردٌ لروح العجز عنهم، وبثٌ لروح التنافس في الخير والتضحية في نفوسهم، فكم من أمة بلغت من العتو والاستكبار مبلغا فجاءها أمر الله ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، وكم من أمة كانت مستضعفة فصبرت وثابرت فكانت العاقبة لها.

فإذا نظرنا في التاريخ القريب لبلدنا رأينا أمتنا عاشت عقودا مستضعفة مقهورة، تحت ظل استعمار وحشي حاول بشتى الطرق محو دينها ولغتها وجميع قيمها، ولكنها بفضل إيمانها بالله تعالى وتمسكها بكتاب ربها وتضحية رجالها عرفت كيف تقلب موازين القوة ، وكيف تسلك الطريق إلى تحقيق الاستقلال، ولقد كان ذلك درسا ليس فقط لأبناء هذا الوطن بل لجميع شعوب العالم .

خامسا : وكذلك إذا وجهنا ناشئتنا إلى دراسة التاريخ فإننا نوجههم إلى قراءة مواعظ حية، ترى فيها سنن الله الكونية وعدالته وإنصافه وانتصافه من الظالمين، وكم من إنسان قرأ في تاريخ الإسلام مواقف مؤثرة ففاضت عينه ورق قلبه وارعوى، وكان ذلك سببا لاستقامته وتركه لغيه وتغيير منهجه في الحياة.

سادسا : وإذا درَّسنا أولادنا التاريخ الإسلامي فإنهم يجدون فيه إجابة عن شبهات كثيرة يلقيها المغرضون من أعداء هذا الدين، الذين يعمدون إلى مغالطات تاريخية للنيل من الإسلام ومن المسلمين.

من فوائد التخصص في علم التاريخ

هذه بعض الفوائد التربوية العامة، أما علم التاريخ باعتباره تخصصا فله من الفوائد الشيء غير ما سبق ذكره، إذا من فوائده أنه يرزق دارسه المتخصص فيه بصيرة نافذة وحكمة عالية، ذلك أن الله تعالى يسير هذا الكون وفق سنن كونية لا تتبدل كما قال عز وجل: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر/43] فالتأمل في التاريخ يساعد أهل السياسة وعلماء الاجتماع في تحديد المواقف الصائبة في القضايا الحاضرة، ومنه يستلهمون أيضا مخططاتهم المستقبلية.

ومن الفوائد التي تذكر لعلم التاريخ أنه يعين على معرفة حال الأمم والشعوب، وعوامل قيام الدول وأسباب سقوطها, فالتاريخ يلخص لقارئه حقبا كاملة وعمر دول عظيمة في سطور, والدول شأنها في هذه الحياة شأن كل شيء يجري عليها قانون للأسباب، ونواميس الكون وسننه.

إنه لأهمية التاريخ في الحفاظ على الهوية وصناعة الشخصية الإسلامية حرمت فرنسا على آباءنا يوم كانت جاثمة على أرضنا أن يدرسوا تاريخ أمتنا، وفرضت على من تعلم من أبنائنا في مدارسها أن يدرس تاريخ فرنسا ليصير فرنسيا بشعوره وتكفيره، وكلفت من جهة أخرى من يكتب تاريخا مزورا مغلوطا لبلدنا، لتقطعه عن أصوله ومنابعه وتربطه بتاريخ أوروبا والنصرانية، ولكن الله تعالى سلم ولم يمكنهم من بغيتهم، وأصبح صنيعهم هذا جزءا من التاريخ الذي يعتبر به المعتبرون.

ارتباط التاريخ بالعقيدة

إن لكل أمة لغتها وثقافتها وحضارتها التي تتمسك بها وتعتز بها، وتربي عليها أبناءها، ومما لاشك فيه أن لكل حضارة تأريخها الذي يبين بدايتها ويوضح تجربتها في الحياة، ويميزها عن غيرها من الأمم، وثمة ارتباط كبير بين ثقافة الأمة وعقيدتها وبين تأريخها، يظهر ذلك في بداية العام وفي الأعياد والمواسم وفي أسماء الشهور.

التأريخ الهجري القمري هو التأريخ الشرعي

وفي سياق هذا التميز الذي تفرضه علينا عقيدتنا : يجب علينا أن نعتمد التاريخ الهجري المرتبط بالهلال ونربي أولادنا على ذلك ، لأنه التاريخ الشرعي الصحيح الذي شرعه الله تعالى لجميع الناس، والذي ترتبط فيه عباداتنا- بل وعبادات أهل الشرائع السابقة-وهذا أمر قد زال من واقع أكثرنا في هذه البلاد، وهو من آثار الاستعمار ومخلفاته التي علينا أن نجتهد في اقتلاعها ومحوها.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [التوبة/36] :"هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط، وإن لم تزد على اثني عشر شهراً".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تفسيرها (المجموع:25/141):"فأخبر الله أن هذا هو الدين القيم، ليبين أن ما سواه من أمر النسيء وغيره من عادات الأمم ليس قيما، لما يدخله من الانحراف والاضطراب". وقال رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة/189] (مجموع الفتاوى:25/133-134):"فأخبر أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تميزا له، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر الحول، فيكون علما على الحول كما أن الهلال علم على الشهر، ولهذا يسمون الحول حجة، فيقولون له : سبعون حجة، وأقمنا خمس حجج ".

التاريخ وارتباطه بالقيم والأخلاق

إن التاريخ هو مرآة الشعوب ترى فيها ماضيها وأمجاهدها ومآثرها وأخلاق أسلافها، وإن مما نجده في تاريخ العرب حتى في جاهليتهم -التي هي جاهلية عقيدة لا جاهلية حضارة- خصال المروءة والرجولة، وتلك المبادئ والقيم العالية التي يعيشون لها وبها، وهذا بحر لا ساحل له ولنكتفي في هذا الموضع بالنظر إلى بيت واحد للشاعر الجاهلي عنترة بن شداد العبسي ليدلنا على ما وراءه، وذلك حين قال:

وأغض طرفي حين تبدوا جارتي حتى يواري جارتي مأواها

فهذا البيت لا يعبر عن رأي ووجهة نظر، بل هو تصوير لفكر سائد ورسم لقيمة أخلاقية كانت غالبة هي من أنتج هذا البيت الشعري.

التاريخ وحاجة الداعية إليه

إن التاريخ محصلة تجارب الرجال وخلاصة أعمال الأبطال، فيه يجد المرء العقيدة مواقف عملية، ويرى الأخلاق مناقب مثالية. وإن مما يلزم الدعاة للقيام بأعباء الدعوة قوةُ الشخصية وسداد المواقف، وفقه الدعوة والواقع والثبات على الحق والتضحية في سبيله، لا سبيل إلى تحصيل هذه الخصال إلا مجالسة الصالحين المصلحين في كتب التاريخ وسير الأعلام، قال ابن الأثير وهو يعدد فائدة التاريخ في كتابه الكامل (1/7-8):"ومنها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه عواقبها، فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلا ، ويصبح لأن يقتدى به أهلا … ومنها التخلق بالصبر والتأسي وهما من محاسن الأخلاق، فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم وملِك معظم بل لا أحد من البشر؛ عَلِم أنه يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم".

التاريخ ومحبة الأوطان

وكما أن التاريخ الإسلامي يعمق روح الانتماء إلى هذا الدين؛ فكذلك دراسة تاريخ البقعة التي ينتمي إليها الإنسان يزيده محبة لوطنه وغيرة على بلاده وعلى حضارته ومكتسباته التي يعلم كيف وصلت إليه وعبر الأجيال، فيعتز بها ويحافظ عليها، ويغيضه أن يرى من بني جلدته من ينخلع عنها ويبدلها بغيرها، ومما نؤكد عليه أن الوطنية بمفهومها الصحيح لا بد أن ترتبط بتاريخ الأمة وما يحمله من تراث فكري وبعد عربي إسلامي، وإذا أخليت من هذه المعاني (التاريخ واللغة والدين) أصبحت كلمة فارغة لا معنى لها ولا قيمة، ويصبح كل واحد يفسرها بالمفاهيم التي يريدها ويهواها، ويكثر بناء على ذلك المدعون لها والمتاجرون بها (كما هو الحال في زماننا هذا وبلدنا هذا).

كيف نرغب أولادنا في تعلم التاريخ

وإذا أردنا أن نرغب أولادنا في تعلم تاريخ أمتهم وأوطانهم، فلذلك عدة طرق نذكر منها ما يأتي:

أولا : بأن نحدثهم أن في القرآن جانبا كبيرا من تاريخ الأمم، بل ما ورد في القرآن هو التاريخ الصحيح الذي لا مرية فيه، ونذكرهم بأن رب العزة قد رد على اليهود واحتج عليهم بالتاريخ، حين قال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [آل عمران/65]

ثانيا: ونرغبهم فيه أيضا بأن نحدثهم عن تاريخ رواة الحديث النبوي الذي يعتبر مفخرة من مفاخر هذه الأمة، إذ لا نظير له عند أي أمة من الأمم، وهو علم يعني بالرواة ووقت طلبهم الحديث ورحالاتهم ولقاءهم الشيوخ، ووقت اختلاطهم وتغير حفظهم، ووفياتهم وحال كل واحد منهم من جهة الصدق والعدالة.

ثالثا : ونرغبهم فيه كذلك إذا ربطناهم بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفارهم، لأن في ذلك ربطا لهم بحلقة عظيمة من حلقات تاريخ أمتهم ، وإن نفوس الناشئة تميل بإذن الله إلى متابعة وحفظ أحداث السيرة النبوية، ولأن من فائدة ذلك في الآجل أن يتطلعوا إلى معرفة تاريخ الخلفاء من بعده، ثم تاريخ الدول الإسلامية المتعاقبة.

ومن القصص الذي يورده العلماء للترغيب في علم التاريخ قصة الكتاب الذي أشاعه اليهود أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط فيه الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة معاوية وسعد بن معاذ، فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه وسيره وتوهموا صحته فجروا على حكم هذا الكتاب المزور حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فاستدل على كذبه بعشرة أوجه كما قال ابن القيم، ومن تلك الأوجه أن معاوية أسلم بعد الفتح، وسعد قد مات يوم بني قريظة، قبل خيبر بسنتين، وأن الجزية لم تفرض إلا بعد خيبر، (انظر زاد المعاد (3/152) وأحكام أهل الذمة (1/91))

رابعا : ونرغب أولادنا في علم التاريخ بأن نزودهم بقصص الأبطال والعلماء من أمتنا، ذلك القصص الرائع الذي اجتمعت فيه الواقعية والمثالية بلا مبالغة، وإن مما امتاز به التاريخ الإسلامي أن سجل للأجيال أقوال العلماء وأفعالهم ومواقفهم الجديرة بالتسجيل, وهذا في ظل كتب السير والطبقات التي تترجم للأشخاص حسب الأجيال ابتداء من جيل الصحابة إلى القرون المتأخرة، وعلم الطبقات (طبقات الفقهاء والمحدثين والنحاة) الذي يعتبر علما إسلاميا بحتا، وهو مفخرة حضارية لأمتنا قيمتها تربو على قيمة التاريخ السياسي بدرجات, وقد أنجبت الأمة آلاف المؤرخين الذين تركوا لنا الآلاف من المؤلفات في التاريخ.

خامسا : ومما نحث به أولادنا على هذا العلم أن نجعلهم يطلعون على الموسوعات المؤلفة في التاريخ والسير، بل يكفي لترغيبهم فيه ودفع فضولهم نحوه -ولاعتزازهم به أيضا-أن نريهم حجم الكتب وعدد المجلدات المصنفة فيه كالكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء للذهبي، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر وتاريخ الجزائر الثقافي أبي القاسم سعد الله وغيرها من الموسوعات الضخمة.

وفي الأخير نؤكد على أن رقي الأمم وتطورها لا يبنى على مظاهر الحضارة المادية من بنايات ومؤسسات وصناعات، وإنما يبنى على العقائد والقيم والأفكار التي تصنع الرجال، لأن الرجال هم الذين يبنون الحضارات وهم الذين يكونون سببا في زوالها، فإذا أردنا أن نبني مجدا أو أن نستعيد أمجاد أسلافنا فعلينا أن نهتم بصناعة الرجال قبل أي شيء آخر، وهذا عنصر من عناصر هذا البناء قد أوضحناه في هذه المقالة بحلقتيها نسأل الإله العلي القدير أن ينفع بها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الوسوم

التاريخ علوم الدين التربية الفكرية الرياضيات تاريخ الأنبياء الأمم الماضية القرآن الكريم قصص الأنبياء
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف