• الصليب وحكاياته

الاحتلال الفرنسي للجزائر

Aug 30 2017 11:49:19

الاحتلال الفرنسي للجزائر
الاحتلال الفرنسي للجزائر

شريف عبد العزيز الزهيري

في بداية الحديث عن تاريخ الحروب الدينيَّة المعاصرة لا يَسعنا إلَّا أن نبدأ بالاحتلال الفرنسي لبلاد العالم الإسلامي؛ وذلك لأسبابٍ كثيرة، من أهمِّها أن للفرنسيين تاريخًا طويلًا ومعقَّدًا في مُحاربة العالم الإسلامي والعدوان عليه؛ فلقد كان الفرنسيون هم أول الشعوب الأوروبية استجابة لنِداء الحملات الصليبية، الذي أطلقه (بابا روما) أصلًا من مجمع (كليرمونت) بفرنسا سنة 485هـ، والفرنسيون أيضًا هم أكثر الشعوب الأوروبية اشتراكًا في تلك الحملات، وملوك وأمراء فرنسا هم قادَة أغلب الحملات الصليبيَّة، كما أن الاحتلال الفرنسي الصَّليبي يحمل في طيَّاته كلَّ عناصر الكراهية والحقد؛ من صليبية مقيتة، واستعلاء عنصري، ونرجسية ثقافية، وشراهة لخيرات العالم الإسلامي.

كما أن الاحتلال الفرنسي قد مارس في حقِّ المسلمين أبشع صور الاضطهاد، وكلَّما وطئ الفرنسيون بلدًا حاولوا طمسَ هُوية أهله ومَحْو ثقافتهم ولغتهم وتاريخهم، وبعبارة كلِّية: تذويب هذه المجتمعات المسلمة و"فرنستها" بالكلية، وقد قاموا في سبيل ذلك بأبشع وأشنع الجرائم التي يَندى لها جَبين البشرية، والتي هي خير شاهد على مدى وحشية وبربرية المحتل الفرنسي شديد الصليبية.

وتعتبر بلاد الجزائر أوضَح النَّماذج على السياسة الصليبية المحضة التي انتهجها الاحتلال الفرنسي، والتي قدَّم من أجلها على مذبح الحرية دماءَ مليون جزائري راحوا ضحية الأحقاد الصليبية للفرنسيين.

بلاد الجزائر والأطماع الصليبية:

منذ أن سقطَت دولة الإسلام في الأندلس سنة 897هـ، انطلق نصارى أوروبا عامَّة وإسبانيا والبرتغال خاصَّة نحو سواحل العالم الإسلامي، مدفوعين بشحنات الحِقد الصليبي الذي تراكم عبر مئات السنين، وكانت منطقة الجزائر - أو ما يُعرف بالمغرب الأوسط - في مرمى الأطماع الصليبية؛ لطول سواحلها، وكثرة موانيها التي تسيطر على الحوض الأوسط للبحر المتوسط، وغناها الوفير بالموارد الطبيعية.

وقد انطلقت السفن الإسبانية خلف مسلمي الأندلس الفارِّين بدينهم إلى إخوانهم في الشَّمال الإفريقي، وسيطر الإسبان على موانئ: وهران والجزائر والمرسى الكبير وبجاية، فردَّ مسلمو الجزائر على ذلك العدوان الصليبي، ونشأَت في ذلك البحر حروب طاحنة وشهيرة بين الجزائر وإسبانيا استمرَّت لفترة طويلة، حتى ظهرت شخصيَّةُ البطل الكبير والشهيد السعيد - فيما نحتسبه عند الله عزَّ وجل - القائد عروج وأخيه خير الدين باربروسا ، وكانا من البحَّارة المغامرين، وقد نذرا أنفسهما لخدمة الإسلام، ومحاربةِ النصارى عامَّة، والإسبان خاصَّة.

وقد استطاع عروج أن يُنزل الهزائمَ المروعة بالإسبان، الواحدة تلو الأخرى، وصدَّ هجومًا إسبانيًّا ضخمًا على الجزائر سنة 922هـ، ولكنَّه لما رأى تفرُّق زعماء البلاد واقتتالهم على الحكم وضعفهم واستعانة بعضهم بالإسبان - قرَّر العمل على ضمِّ الجزائر للدولة العثمانيَّة وقتها، واستولى على مدينة الجزائر وجعلها قاعدتَه البحرية ومركز حكمه؛ وذلك سنة 923هـ، ولكنه ما لبث أن استشهد في القتال ضدَّ الإسبان سنة 924، فتولَّى قيادةَ العمل الجهادي بعده أخوه خير الدين باربروسا، الذي أثبت أنَّه واحد من أعظم بحَّارة الإسلام على مرِّ العصور.

الجزائر تحت الحكم العثماني:

واجه خير الدين صعوبات جمَّة من أجل تثبيت الحكم العثماني بالجزائر؛ إذ وجد نفسه مضطرًّا للعمل ضد الكثير من الخصوم، ليس من الإسبان الصليبيين وحدهم، ولكن من زعماء الإمارات الصغيرة؛ مثل بني زيان والحفصيين وزعماء البربر، ودعَّمَته الدولة العثمانية بقوة أيام حكم السلطان سليمان القانوني.

كانت جهود خير الدين مقتصرة على الأجزاء الشماليَّة من الجزائر، إلا أن الذين خلفوه قد توسَّعوا نحو الجنوب وأحكموا سيطرتَهم على الداخل الجزائري، وكان حاكِم الجزائر يعرف باسم "بيلر بك "؛ أي: رئيس البكوات، ومع مرور الوقت أصبح يحكمها رئيس الجند المعروف بالداي؛ وذلك منذ سنة 1070هـ.

وعلى الرغم من وجود والٍ عثماني برتبة باشا ترسله الدَّولة العثمانية كل ثلاث سنوات، إلَّا أن حكم الداي كان هو الحقيقي والمسيطر على الوضع، وفي سنة 1122هـ قام داي الجزائر بطرد الوالي العثماني، ومن يومها أصبح الداي هو المتصرِّف الوحيد في الجزائر، وظلَّ هذا الوضع قائمًا حتى الاحتلال الفرنسي للبلاد.

أوروبا تتحرش بالجزائر:

في تلك الفترة التي كانت الجزائر فيها ولاية عثمانية شبه مستقلَّة تحت حكم الدايات العسكرية، بلغَت الجزائر أوج قوتها، وذلك بفضل قوَّتها البحرية الكبيرة؛ إذ كان أسطولها هو الأقوى والأكبر في الحوض الأوسط للبحر المتوسط؛ لذا فقد أجبرَت العديد من الدول الأوروبية؛ مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وغيرهم، على دَفع الجزية للجزائر، حتى إن الولايات المتحدة نفسها - وكانت وقتها تحبو للظهور على ساحة الأحداث - دفعَت الجزية للجزائر، وتسابقت الدول الأوروبية على كسب ودِّ الجزائر؛ لتأمين طرق التجارة والمواصلات البحرية التي تسيطر عليها الجزائر.

ومع النهضة الصناعية التي حدثت في أوروبا والتقدُّم التقني الكبير الحادث بها، ومع الضعف الشديد الذي اعترى الدولة العثمانيَّة الكابوس الذي ظلَّ يؤرِّق مضاجع الأوروبيين لقرون عديدة - أخذَت أوروبا تثور على هذا الوضع المهين لها مع الجزائر؛ فتحالف الإنجليز والهولنديون أولًا وهاجموا الأسطولَ الجزائري سنة 1230هـ، ثم هاجم الأسطولُ الإنجليزي وحده الجزائرَ سنة 1240هـ، ثمَّ اتفق الأسطولان الإنجليزي والفرنسي وغدرا بالأسطول الجزائري سنة 1242هـ، وأصبحَت الجزائر دون أسطول يحمي سواحلَها، وفقدَت أهمَّ دفاعاتها، وغدت سواحل الجزائر الطويلة مفتوحة لسدنة الصليبية العالمية، يتصارع عليها أقطاب الاحتلال الأوروبي.

الاحتلال الفرنسي وحجة الذئب:

كانت الدول الأوروبية كلها تتحرَّش بالجزائر وتخطِّط لاحتلالها، ولكن كانت فرنسا من دونهم أشدهم رغبة في ذلك؛ لتَعويض خسائرها الفادحة في الحروب النابليونيَّة ضد إنجلترا وغيرها، كما أنَّ فرنسا كانت تعاني من ضغط داخلي كبير متمثل في ضعف الحكومة وفشل سياستها الداخلية، وكثرة عدد السكَّان الفرنسيين، وضيق مساحة فرنسا، وضعف مواردها الطبيعية، وقبل ذلك كله الحِقد الصليبي الدفين والموروث منذ أيام الحملات الصليبية الأولى.

تذرَّعت فرنسا بحجة واهية من أجل تبرير احتلالها الغاشم للجزائر، وهي حجَّة أقرب ما تكون لحجة الذئب والحَمَل؛ وذلك أن بعض التجَّار الفرنسيين قد اشترى قمحًا من أحد التجَّار اليهود الجزائريين واسمه "بقرى أبو جناح"، ثمَّ ماطلوا في السداد، وتدخَّل حسين باشا (داي الجزائر ) بنفسه في القضية، وطلب من قنصل فرنسا بالجزائر سرعةَ سداد الدَّين عدَّة مرات، ثم كتب الداي حسين باشا بنفسه إلى ملك فرنسا وقتها نابليون الثالث، فأوعزَت فرنسا لقنصلها بالجزائر أن يتعمَّد إهانة الداي حسين باشا ليكون ذلك سببًا وحجَّة تتذرع بها فرنسا للهجوم على الجزائر.

وبالفعل في 1 شوال سنة 1242هـ ذهب القنصل إلى قصر الداي حسين باشا بحجَّة التهنئة بعيد الفطر، وتطرَّق الكلام عن دين اليهودي بقرى أبو جناح، وسأل الداي حسين باشا القنصلَ عن سبب عدم ردِّ ملك فرنسا على رسالة الداي، فردَّ القنصل بقوله: "إنَّه ملك، ويجب مخاطبته عن طريق الخليفة وليس أحد عمَّاله"، فغضب حسين باشا ولطم القنصلَ على وجهه بمنشة ذباب في يده، وطرده من القصر.

تذرَّعَت فرنسا بهذه الحجَّة الواهية وحشدت قوَّاتها واستعدَّت للهجوم على الجزائر، ورفضت كلَّ الجهود السياسية التي بذلتها الدولة العثمانية لوقف هذا العدوان غير المبرَّر، وفي سنة 1246هـ أرسلت فرنسا 102 سفينةً حربيَّة و400 سفينة نقل تَحمل 40 ألف جندي بالعتاد الكامل والسلاح الثقيل، ونزلوا على البرِّ الجزائري في 14 محرم سنة 1246هـ عند منطقة سيدي فرج، وهزمت قوات الداي ( حسين باشا)، واحتلَّت الجزائرَ العاصمة، لتبدأ فصول مَلحمة المقاومة الجزائرية التي هي الأكبر والأروع في تاريخ مقاومة الاحتلال في العصر الحديث.

السياسة الصليبية للاحتلال الفرنسي:

لم يكن هدف فرنسا من احتلالها للجزائر - ولا لأي دولة أخرى مسلمة - التخلُّص من سداد بعض ديونها، أو توسِعة مناطق نفوذها، أو حتى نهب خيرات المسلمين وثرواتهم واستعباد الشعوب؛ فكل ذلك أهداف ثانوية أو مرحليَّة، ويسهل تحقيقها بأدنى قتال، ولكن فرنسا دائمًا كانت مدفوعة بكراهية وحِقد شديدين على العالم الإسلامي، تغذيها شحنات التحريض الكنسي المستمرَّة من الرهبان والقساوسة الذين فشلوا فشلًا ذريعًا في تنصير المسلمين، ونظروا إلى الإسلام على أنه مِن وراء فشلهم، فصَبُّوا جامَ حقدهم على أهله.

فانطلق الفرنسيُّون بكلِّ بربرية ووحشية ينكلون بالمسلمين، وقد أطلقوا لأحقادهم العنانَ، فكانت المجازِر التي ارتكبها المحتلُّ الفرنسي الصليبي هي الأبشعَ في تاريخ الاحتلال المعاصر.

وقد تركَّزَت السياسة الصليبية للاحتلال الفرنسي في عدَّة محاور كالآتي:

أولًا: السيطرة على المساجد:

منذ أن دخل الفرنسيون الجزائرَ وضعوا نصبَ أعينهم أهمَّ مراكز الإشعاع في حياة المسلمين؛ وهي المساجد، فلقد أمر القائد الفرنسي "دوفيجو" بتحويل أكبر مساجد العاصمة إلى كنيسة، وهو تَقليد متَّبع وموروث منذ أيام الحملات الصليبية الأولى، وهو دليل ظفر الصليبيَّة على الإسلام، فاقتحم الجنود الفرنسيون الجامعَ وقت صلاة الجمعة وكان به أربعة آلاف مُصلٍّ، قُتلوا جميعًا بحراب البنادق.

وظلَّ الفرنسيون يقلصون من عدَد المساجد والجوامع؛ بتحويل بعضها إلى مخازن أو ثكنات أو حتى إصطبلات للخيل والدَّواب، ويكفي للتدليل على ذلك أنَّ مدينة الجزائر العاصمة يوم استولى عليها الفرنسيُّون سنة 1246هـ كان بها 106 جوامع ومساجد، لم يبق منها يوم الاستقلال سنة 1382هـ سوى 8 مساجد.

ثانيًا: مصادرة الأوقاف الإسلامية:

عندما احتلَّ الفرنسيون الجزائرَ العاصمة، وقَّعوا اتفاقيَّة مع الداي حسين باشا تنصُّ على احترام الشريعة الإسلاميَّة، ولكن الاحتلال الصليبي المعروف بغَدره ونقضه للعهود لم يصبِر حتى يجفَّ مداد الاتفاقية، حتى أصدر الحاكم العام العسكري "دوبورمون" أمرًا بمصادرة الأوقاف الإسلامية التي كانت تمثِّل المصدر الرئيس لتمويل المؤسسات الدينية؛ من جوامع ومدارس، وكتاتيب ودور للأيتام، وجمعيات خيرية.

وبتلك المصادرة وجَّه المحتلُّ الفرنسي ضربةً قاصِمة لتلك المؤسسات كلها، ووضعها تحت سيطرته وتحكُّمه، وتخيَّل أن المحتلَّ الصَّليبي الحاقد هو الذي يُعيِّن أئمةَ الجوامع ومدرِّسي العلوم الشرعية والخطباء والوعَّاظ! وهل رعى الذِّئبُ يومًا الحملان؟! فكان الفرنسيون يعيِّنون أشخاصًا جهَلة يسيئون إلى الإسلام، ويجعلونه سخرية للسامعين، وقد أصدروا سنة 1323هـ قانونًا لفصل الدِّين عن الدولة لتكريس تغييب المسلمين عن دينهم، وبعدها أخذ الفرنسيون في التصرُّف في الأوقاف بالبيع والشراء حتى فيما هو محرَّم، فتمَّ تحويل كثير من الأوقاف إلى مَراقص وحانات ومَلاهٍ، وحتى بيوت للدعارة.

ثالثًا: فتح المجال للحملات التنصيرية:

كانت الدول الأوروبيَّة عامَّة وفرنسا خاصة تقرن حملاتها العسكرية بأخرى من نوع آخر، ألا وهي البعثات التنصيريَّة؛ فالراهب والقسُّ كانا جنبًا بجنب مع الجندي المقاتل، كلاهما يَحمل سلاحَه الخاص الذي يحارب به المسلمين، وعندما احتلَّ الفرنسيون الجزائرَ ظنوا أن مهمَّة تنصير المسلمين بها سهلة؛ لسذاجة أهلها وغلَبة البداوة عليهم، فأغرقوا البلادَ بالإرساليات الكاثوليكية، وزوَّدوهم بالإمكانات الكبيرة والأموال الطائلة التي يَسيل لها لُعاب الفقراء والبدو الرحَّل.

ولقد باءت هذه الحملات التنصيرية بفشَل ذريع أجَّج أحقاد الصليبية عند المحتلِّ الفرنسي، الذي ترجمه في صورة مَجازر بشعة ووحشيَّة لم تَعرف البشرية مثلَها، وكان القساوسة والرهبان يعزون فشلهم في تنصير المسلمين إلى الإسلام نفسه ورجالِه الممثلين في أئمَّة المساجد والعلماء وشيوخ الكتاتيب، ممَّا جعل الاحتلال الصليبي يصبُّ جام غضبه على هذه الفئات بعينها.

رابعًا: ترويج الفواحش:

عمد المحتلُّ الصليبي الفرنسي إلى نَشر الفواحش والمفاسِد في أيِّ بلد حطَّ فيه واحتلَّه، فهم ليسوا كما تروِّج آلة الإعلام الكاذبة يستعمرون البلادَ لإخراجها من الفقر والتخلُّف ونشر الحضارة والرقي؛ بل يخربونها بالخمَّارات وأصحاب الرايات والمراقص والملاهي وتسهيل الفواحش والتحلُّل من أي قيم ومبادئ؛ ليحطِّموا أعزَّ ما يملك المسلمون: دينهم، وإيمانهم، وعفافَهم.

وهي سياسة قديمة عند المحتل الصَّليبي؛ فلقد ذكر المؤرِّخون - أمثال ابن الأثير وعلم الدين البرزالي وأبي شامة - أنَّ الحملة الصليبية الثالثة على الشام سنة 584هـ التي كان يَقودها ملك فرنسا "فليب أوغسطس"، قد اصطحبَت معها ثلاثمائة داعرة فرنسيَّة من أجل الترفيه عن الجند ومخالطَة المسلمين وإفسادهم، وهذا ما فعله المحتلُّ الفرنسي المعاصر بأيِّ بلد مسلم احتلَّه.

ولقد نجَح المحتلُّ الصليبي في سياسته هذه إلى حدٍّ بعيد، وما زالت البلاد المسلمة التي كانت واقعة تحت الاحتلال الفرنسي تُعاني من ذلك، وآثار هذه السياسة الخبيثة ما زالت ضاربة في بلاد المغرب عمومًا، وتونس على وجه الخصوص.

خامسًا: خلخلة التركيبة السكانية:

كانت فرنسا تعاني من كثافة سكَّانها مع ضيق مساحة الأرض، وفي نفس الوقت أرادت أن تصبغ كلَّ البلاد التي احتلَّتْها بما في ذلك المسلمة وغير المسلمة على حدِّ السواء بالصبغة الفرنسية الخالصة، وهي السياسة التي عُرفَت بـ"الفَرْنَسَة"، فاتَّبعت فرنسا سياسةَ الاستيطان الإجباري للفرنسيين في الجزائر، ووزعَت أملاكَ الجزائريين من أراضٍ وعقارات على الوافدين الجدد بالمجان شريطة الاستقرار في الجزائر.

وشيئًا فشيئًا أخذ المستوطنون الفرنسيون في التوغُّل نحو الداخل بعد أن ملؤوا الساحلَ، ولا يُمنع المستوطن الفرنسي من بيع أرضه لِمسلم أو عربي إلَّا أن يكون غير مسلم، فتدفَّق مئات الآلاف من الفرنسيين وغيرهم على بلاد الجزائر طمعًا في نهب خيراتها، حتى إنَّ المستوطنين الأجانب كانوا يملكون 150 ألف هكتار من الأراضي الخصبة سنة 1266هـ، ثم أصبحت هذه المساحة 3 مليون هكتار سنة 1374هـ، وهو ما يعادل 15% من المساحة الكلية للأراضي المزروعة بالجزائر، في حين إن نسبة المستوطنين أقل من 10% من أهل البلاد، وهذه السياسة الخبيثة أدَّت لإفقار المسلمين وضعفهم وعجزهم عن تنظيم صفوفهم لمقاومة الاحتلال الفرنسي لبلادهم.

سادسًا: طمس الهُوية:

كان الاحتلال الصليبي الفرنسي أسوأ أنواع الاحتلال الذي أصاب العالمَ الإسلامي، في حين كان الإنجليزي أخبثه؛ فلقد كان المحتلُّ الفرنسي يعمد بكلِّ قسوة وبكل وسيلة إلى طمس هُوِيَّةِ البلاد المسلمة التي يحتلها، ويتعاملون مع هذه القضية بمنتهى الشدة والعنف؛ بل إنَّ معظم مجهوداتهم كانت توجَّه لصالح هذه السياسة؛ لذلك عَمل المحتل الفرنسي عند احتلال الجزائر على محاربة اللغة العربية التي هي لغة القرآن والإسلام؛ من أجل قطع علائق الجزائريين بإسلامهم وعروبتهم.

فعملوا على فرض اللغة الفرنسية لغةً رسميَّة للتعامل في المصالح والدوائر الحكوميَّة والمدارس والجامعات ووسائلِ الإعلام، وجعلوا الوظائفَ الرَّسمية قاصرة على مَن يجيد الفرنسية، وبالتدريج أخذت الفرنسية تحلُّ محلَّ العربية، حتى غدت هي الوحيدة والرسمية، حتى إن الجزائريين أنفسهم أصبحوا لا يتحدَّثون فيما بينهم وفي حياتهم اليومية إلا بها، وغدَت الفرنسية لغة الشعب، وبعُد الناس عن دينهم كثيرًا بسبب ذلك الطمس الشرس للهوية العربية والإسلامية.

والنتيجة:

ظلَّ المحتل الفرنسي يطبِّق هذه السياسة الصليبية القبيحة بمنتهى القسوة والشدة، وبكلِّ فجاجة ووحشية، مما أسفر مع مرور الوقت وفشل حركات المقاومة الواحدة تلو الأخرى - عن فقدان الجزائريين لقوام حياتهم؛ من ثروة وأملاك ولغة وتعاليم دينهم، فأصبحوا فقراء مشرَّدين، ينتشر بينهم الجهل والتخلُّف والمرض، وابتعدوا كثيرًا عن دينهم وأصبحوا كالغرباء لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، في حين نظر إليهم الفرنسيون نظرةَ امتهان واستعلاء واعتبروهم خدمًا لهم.

حركات التحرير الجزائرية:

لم يكن احتلال فرنسا للجزائر بالسَّهل اليسير، ولم يكن طريق الصَّليبي الفرنسي مفروشًا بالورود؛ فلقد أبدى مسلمو الجزائر بَسالة فائقة ومقاومة مستميتة في الدِّفاع عن بلادهم، وضربوا في هذا السبيل أروعَ الأمثلة في البطولة والتضحية، ويكفي لمعرفة ذلك أنَّ الفرنسيين نزلوا سواحِلَ الجزائر في 14 محرم سنة 1246هـ، ولكنَّهم لم يستطيعوا أن يحتلُّوا البلاد إلا سنة 1255هـ، وبعد معارك ضخمة وطاحنة مع مسلمي الجزائر.

ولقد انطلقَت حركات المقاومة الجزائرية للمحتلِّ الصليبي الفرنسي من أول يومٍ لدخوله البلاد، وكانت هذه الحركات كلها تنظر للفرنسيين على أنَّهم صليبيون جاؤوا للقضاء على الإسلام وأهله ليس إلَّا؛ مما أضفى على الصِّراع صبغة دينية صرفة، وكان كلا الطرفين - الفرنسي الصليبي، والجزائري المسلم - ينظر للقتال فيما بينهما من هذه الزاوية لا غير، من ثمَّ كانت الحروب والمعارك بين الطرفين من أجلَى نماذج الحروب الصليبية في العصر الحديث، أمَّا عن أبرز حركات المقاومة الجزائرية التي وقفَت موقفًا بطوليًّا أمام المحتلِّ الفرنسي شديد الصليبية، فهي كما يلي:

حركة ابن زعمون:

كان ابن زعمون رئيسًا لقبيلة "فليسة" الواقعة قريبًا من مدينة "بليدة"، وكانت هذه المدينة قد استعصَت على الفرنسيين مدَّة من الزَّمان، فحشد القائد الفرنسي "دوبورمون" جيشًا قويًّا واستعدَّ لاقتحامها، فكتب إليه "ابن زعمون" يحذِّره من ذلك، فاستخفَّ الصليبي بكتابه وواصَل سيرَه، فاصطدم مع قوات ابن زعمون التي أنزلَت به هزيمةً منكرة سنة 1249هـ، ممَّا أدَّى لزيادة قوَّة ابن زعمون وانضمَّت إليه القبائل المجاورة له، فاستعدَّ الفرنسيون لمعركةٍ فاصلة مع ابن زعمون، واقتحموا مدينةَ (بليدة) في 12 رجب سنة 1249هـ - 1830م، ودارت معركة حامية بين الفريقين أُبيد فيها شطر كبير من الجيش الفرنسي، فاضطروا للانسحاب إلى الجزائر العاصِمة، وحشدوا قوَّات ضخمة معزَّزة بالمدفعية الثقيلة والمركبات، وعاوَدوا الهجوم على قوَّات ابن زعمون التي قد تحرَّك شطر منها لمساعدة المجاهدين في سهل "المتيجة"، فاستطاع الجيش الفرنسي الضخم أن يشتِّت قوات ابن زعمون الباقية، وأُصيب ابن زعمون بإصابات بالغة، وانتهت هذه الحركة سريعًا، ولكنَّها أيقظَت الحمية الجهاديَّة عند القبائل المنتشرة في وسط الجزائر وغربه.

حركة الأمير عبدالقادر الجزائري:

وهي الحركة الأكبر والأشهر والأقوى والأطول في تاريخ حركات التحرير الجزائريَّة، وقائدها الأمير عبدالقادر بن محيي الدين الحسني الجزائري هو رمز المقاومة الجزائريَّة ضد الاحتلال الفرنسي الصليبي، وتبدأ هذه الحركة عندما اجتمَع شيوخ المرابطين وتشاوروا فيما بينهم في كيفيَّة التصدِّي للاحتلال الصليبي الذي حلَّ ببلادهم، فأشار عليهم الشيخ محيي الدين بن مصطفى الحسني - وهو والد الأمير عبدالقادر - بالتوجُّه إلى إخوانهم بالمغرب، ففعلوا وجاء ردُّ فعل سلطان المغرب عبدالرحمن بن سليمان طيبًا للغاية ويعبِّر عن وحدة المسلمين وأخوَّة الدين؛ إذ أرسل إليهم خمسةَ آلاف مقاتل بقيادة ولده الأمير علي، وأمدَّهم بمساعدات قوية.

فبايعوا الشيخَ محيي الدين أميرًا على الجهاد ضد الصليبيِّين، وكان شيخًا كبيرًا، فقادهم سنتين 1246هـ - 1248هـ، ثمَّ تنازل عن القيادة لولده عبدالقادر، وكان وقتها في السادسة والعشرين من العمر.

بويع عبدالقادر الجزائري أميرًا للجهاد في 29 جمادى الآخرة سنة 1248هـ، ولم يدخل في هذه البيعة العديد من شيوخ القبائل أمثال "مصطفى ود إسماعيل" زعيم قبائل الدوائر والزمالة، وسيدي العريبي والفهاري رئيس قبائل أنجاد وغيرهم؛ لأسباب تتعلَّق بالسِّن والحسَد والعصبية القبليَّة أو حب الزعامة، وكان هؤلاء الخصوم أشد على حركة عبدالقادر الجزائري من الفرنسيين أنفسهم، وقد اضطرَّ لقتالهم مرات كثيرة، وخسرت المقاومة الإسلامية بسبب الحسَد وحب الزعامة الكثيرَ من الأموال والرجال؛ بل إنَّ بعض هؤلاء الزعماء قد تحالف مع الفرنسيين ضد عبدالقادر وحركته، مما أثَّر كثيرًا على حركة عبدالقادر، وكان ذلك من أهم أسباب فشلها في النهاية.

أعلن عبدالقادر الجهادَ سنة 1248هـ، وانضمَّت إليه معظم القبائل الجزائرية وبقايا الحامية العثمانيَّة التي كانت موجودة في الجزائر وقتها، فاتَّبع عبدالقادر سياسةَ الجهاد والمقاومة بالبناء وتكوين الدولة على النُّظم الحديثة، فكان هو بمثابة الرئيس للوزراء، وله نائب ووزراء للخارجية، والخزانة والأوقاف، والزكاة والدفاع، واختار مجلسًا للحلِّ والعَقد يتألَّف من أحد عشر عضوًا يمثِّلون مختلف الأقاليم، ومجلسًا للقضاء، ورتَّب الجيش ترتيبًا جيدًا وقسمه وفقًا للنُّظم القتالية الحديثة، ووضع الحاميات العسكرية في المدن، وأنشأ معاملَ لصُنع الأسلحة، واختار زيًّا خاصًّا لجيشه، وضرب نقودًا سمَّاها المحمدية، وأقام علاقات كاملة مع سلطان المغرب الذي دعم حركة الأمير عبدالقادر بكلِّ قوته.

اتَّخذ الأمير عبدالقادر من مدينة " المعسكر " بالقرب من وهران عاصمةً له وقاعدةً انطلقَت منها كتائب المجاهدين، وأخذَت المقاومة تحقِّق الانتصارَ تلو الآخر على الصليبيين والقبائل الموالية لهم على حدِّ السواء، مما أجبر الفرنسيين على توقيع معاهدة مع الأمير عبدالقادر لوقف القتال وتبادلِ الأسرى، فاغتاظ الصليبيون في فرنسا من هذه المعاهدة، فعزلوا الجنرال دي ميشل مُوقِّعها، وعيَّنوا مكانه الجنرال "ديرلون " الذي ألغى المعاهدةَ السابقة واستغلَّ فرصة انشغال الأمير عبد القادر بقتال خصومه من زعماء القبائل المنافسين، وحشد جيشًا ضخمًا وانقضَّ على جيش الأمير عبد القادر عند نهر المقطع قرب الساحل سنة 1251هـ، غير أنَّ عبد القادر قد حقَّق انتصارًا ساحقًا على هذا الجيش الصليبي، اضطر معه الفرنسيون لتوقيع معاهدة أخرى مع عبد القادر لوقف القتال، وكان عبدالقادر يوافِق على أمثال هذه المعاهدات المؤقَّتة؛ من أجل التقاط الأنفاس، وتنظيمِ الصفوف، والقضاء على المتمرِّدين والمخالفين من زعماء القبائل.

لم ترق هذه المعاهدة للفرنسيين، فعَزلوا الجنرال "ديرلون"، وحلَّ مكانه الجنرال "درالانج"، وأعيد الجنرال "كلوزيل" حاكمًا عامًّا للجزائر، وقد استطاع كلوزيل أن يحتلَّ مدينة "المعسكر" قاعدة المقاومة للأمير عبدالقادر في شعبان سنة 1251هـ - ديسمبر 1835م، غير أنَّ الأمير قد أعاد تنظيم صفوفه وعاهدَته القبائل على الجهاد وعدم الفرار، وخرج بهم للدِّفاع عن تلمسان واستعادةِ المعسكر، وبدأ الأمير بتأديب القبائل الموالية للفرنسيِّين، وأنزل بها هزيمةً ساحقة؛ مما جعل كلوزيل يتحرَّك بسرعة لنجدة هذه القبائل.

وبالفعل استطاع الفرنسيون وحلفاؤهم من القبائل العميلة دخولَ تلمسان في رمضان سنة 1251هـ، واضطر الأمير عبدالقادر إلى الانسِحاب إلى منطقة "وجدة" على الحدود الجزائرية المغربية.

انتفش كلوزيل بما حقَّقه من انتصارات على المقاومة، ودفعه غروره لأن يتوغَّل في الصحراء الجزائرية خلف الأمير عبدالقادر، فوقع في فخٍّ مُحكم نصبَته المقاومة له، وهُزم هزيمة شديدة عند منطقة "تافنة"، فانسحب منها إلى تلمسان وخلفه جيوش الأمير فتركها إلى وهران، فتبعه فصيل من المقاومة ومنعوه دخول وهران، فاستمرَّ يلهث في الصحراء من شدَّة الخوف من الأسر أو القتل، حتى وصَل العاصمة الجزائر وكلَّف الجنرال "دارلانج" بمواجهة المقاومة، ومنع تقدُّم جيوشها، ولكنه هُزم هزيمة منكرة وأُبيدَت معظم القوات الفرنسيَّة؛ ممَّا دفع كلوزيل لأن يَطلب إمدادات عاجلة من فرنسا، فأرسلت إليه ثلاث فرق عسكرية كاملة التجهيز، قويَّة التسليح، وخاض الأمير معها معركةً عنيفة عند الزقاق في صفر سنة 1252هـ، هزم فيها الأمير بسبب تخلِّي القبائل عن مواقعها.

لم تَثنِ هذه الهزائم عضدَ الأمير ، فاستغلَّ فرصة انشغال الفرنسيين بقتال الباي أحمد زعيم المقاومة في "قسنطينة"، فنظَّم صفوفَه وأحكم سيطرتَه على إقليم وهران وسهل متيجة، واستعاد تلمسان، واستطاعت قوَّاته دخولَ الجزائر، وأجبر الفرنسيين على توقيع معاهدة مع الأمير عبدالقادر سنة 1253هـ - 1837م، اعترفوا فيها بحُكم الأمير على الداخل الجزائري، وأن يتمتَّع المسلمون في سائر أرجاء الجزائر بالحريَّة الكاملة في أداء الشعائر الدينية والتحاكم إلى الشريعة الإسلاميَّة، وغيرها من البنود التي كانت في مجملها لصالح المسلمين، وإن كان قد استفاد منها الفرنسيون أيضًا.

لم تحافظ فرنسا على المعاهدة سوى شهور قليلة واندلَع القتال مرَّة أخرى في رمضان سنة 1255هـ، واتَّبعَت المقاومة أسلوبَ حرب العصابات ضد القوات الفرنسيَّة للتفاوت الكبير في العدد والعدَّة بين الفريقين، وطلب الأمير عبدالقادر مساعدات عاجلة من سلطان المغرب، فأسرع الأسطول الفرنسي وقصَفَ المدن المغربية بالأسلحة الثقيلة، فتخلَّى سلطان المغرب عن نصرة الأمير، مما أثَّر بشدة على المقاومة الجزائرية، ولكن ظلَّت قوات الأمير صامدة في الميدان تناوِش المحتل الفرنسي.

اتبع المحتلُّ الفرنسي الصليبي أسلوبَ الأرض المحروقة مع القبائل الموالية للمقاومة، وشنوا حربَ إبادة شامِلة للسكَّان والحيوانات والمزارع والآبار، ووقعَت سلسلة مجازر بشِعة في غاية الوحشية؛ مثل مجزرة قبيلة أولاد رباح، وذبحَت قبائل بأكملها رجالًا ونساءً أطفالًا وشيوخًا؛ مثل قبيلة العوفية، فدب الذعر في قلوب الناس؛ إذ لم يشاهدوا من قبل مثلَ هذه الوحشيَّة والهمجية من أحد قط، وأسفرَت الأحقاد الصليبية عن وجهها القبيح الكالح.

وفي النهاية، اضطر الأمير عبدالقادر أن يسلِّم نفسه للاحتلال؛ حتى يَحقن دماءَ الجزائريين، فاستسلَم في محرم سنة 1261هـ، وتمَّ نفيه من البلاد، وغادرها إلى غير رجعة، بعد رحلة مقاومة وكِفاح ضد المحتلِّ الصليبي استمرَّت 15 سنة، خاض خلالها عشرات المعارك بمعدَّل معركتين وثلاثًا في الشهر الواحد، والسلبية الوحيدة التي أُخذَت على حركة الأمير عبدالقادر تخلِّيه عن نصرة الباي أحمد في "  قسنطية"، ممَّا أدى لتضعضع موقف المقاومة في شرق الجزائر.

حركة محمد المقراني:

خاب ظنُّ الفرنسيين باستمرار المقاومة الجزائرية في الجهاد والكفاح ضد وجودهم؛ حيث لم تُنكس رايات الجهاد بعد رحيل الأمير عبدالقادر، وظلَّت الحمية الإسلامية تُشعِل في النفوس حبَّ الدفاع عن الدِّين والوطن؛ فما تندلِع حركة وتهدأ حتى تعود أخرى للظُّهور والثورة، إلَّا أن هذه الحركات المتقطعة عابها قلَّة التنظيم، وانعِدام التنسيق، وبقاء حبِّ الزعامة والتنافس بين شيوخ القبائل على ذلك، أضِف إلى ذلك شيوع التصوُّف بين صفوف المجاهدين؛ مما أدَّى لضعف الوعي الإسلامي عامَّة لديهم.

ولكن لم يمنع ذلك كله من بقاء جذوة الجهاد والمقاومة متقدة من سنة 1261هـ حتى سنة 1287هـ، وهي السنة التي ظهرَت فيها حركة محمد المقراني.

وكان محمد المقراني مجاهدًا مخلصًا في سبيل الله، استطاع أن يشعِل الأرضَ على المحتلِّ الصليبي الفرنسي، وخاض ضدَّهم أكثرَ من ثلاثمائة معركة، وحشد مائتي ألف مجاهد في شرق الجزائر ضدَّ الفرنسيين الذين جنَّدوا ثمانمائة ألف مقاتِل صليبي فرنسي للعمل ضد هذه الحركة، وقد استشهد محمد المقراني وهو يصلِّي الفجر.

والعجيب أن ثورته التي تعتبر من كبريات حركات المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، لم يمضِ عليها سوى خمسين يومًا فقط؛ أي: إنَّ مجاهديه كانوا يخوضون في اليوم الواحد أكثر من ستِّ معارك عنيفة ضد الاحتلال الفرنسي.

حركة الشيخ أمزيان الحداد:

وهو ينتمي لإحدى الطُّرق الصوفية المجاهدة؛ وهي الطريقة الرحمانية، وكان لها دور بارز في مقاومة المحتلِّ الصليبي في الجزائر؛ فلقد اشترك مع الأمير عبدالقادر ثمَّ مع الشريف "بونبلة" سنة 1272هـ، وبعد اعتقال الشيخ عمر شيخ الطريقة الرحمانيَّة قاد هو الحركةَ ضد الفرنسيين، وكان وقتها قد جاوَز الستين من العمر، فعمل على التنسيق مع حركة محمد المقراني، ولما استشهد محمد المقراني، دفع بوَلَدَيه عزيز ومحمد للجهاد لكِبر سنِّه، وعمَّت الثورة شرقَ الجزائر، ثمَّ تعاون مع أحمد بو مرزاق الأخ الأصغر للشهيد محمد المقراني.

وظل الشيخ محمد أمزيان الحداد وولداه عزيز ومحمد يقودان المقاومةَ ضدَّ المحتل الصليبي من سنة 1272هـ حتى سنة 1289هـ؛ حيث تمَّ القبض عليهم وحُكم عليهم بالنَّفي والإعدام، وصودرَت أملاك أسرة الحداد وأسرة المقراني، ومات الشيخُ الحداد قبل تنفيذ الحكم فيه، وكان وقتها في الثمانين من العمر.

جبهة العلماء المسلمين:

بعد إخماد حرَكة المقراني ثمَّ حركة الحداد سنة 1288هـ، ضعف الكِفاح المسلَّح في الجزائر، وخفَّت المقاومة بسبب القمع الصليبي شديد الوحشية وأسلوب الإبادة الشاملة الذي اتَّبعه المحتلُّ الفرنسي مع المجاهدين، وأيضًا بسبب غياب القيادة القادرة على تحريك الجماهير، ومع فشل حركات المقاومة استأسَد الصليبيون وبالَغوا في تفريغ أحقادهم الصليبية على مسلمي الجزائر.

ومع شدَّة الوطأة أخذَت الهزيمة النفسيَّة تتسرَّب إلى قلوب الجزائريين، ففُتن قِطاع من الشباب - الذين هم وَقود الجهاد - بالقوة والحضارة الفرنسية، فأخذ المصلحون والغيورون على الدِّين والبلاد في التفكير في كيفيَّة مواجهة الاحتلال الصليبي الفرنسي الذي احتلَّ النفوسَ والقلوب بعد أن احتلَّ مِن قبلُ الأرضَ، ولقد أسفر هذا التفكير العميق في كيفية التحرير عن اتجاهين:

أولهما: اتجاه التربية الإسلاميَّة وإعادة بناء الأمَّة من جديد لتتأهَّل لمرحلة الجهاد والكفاح ضد الاحتلال؛ وهذا الاتجاه مثَّله الشيخ عبدالحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين التي أسَّسها سنة 1350هـ.

أما الاتجاه الثاني: فهو الاتِّجاه السياسي وترك المقاومة المسلحة، وتدويل قضية الاحتلال الفرنسي للجزائر، وتأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية، وهذا الاتجاه كان علمانيًّا في جملته؛ لذا جنَّده الفرنسيون وتفاوضوا معه وحرصوا على تَسليمه مقاليدَ الحكم عند الاستقلال.

ولقد بذلَت جمعية العلماء المسلمين جهودًا كبيرة ومعتبرة في رَفع مستوى الوعي الإسلامي للجزائريين، وتصدَّت بقوة لحركة التغريب والتذويب الفرنسي للهويَّة الجزائرية، ولعلَّ أبرز رجالات هذه الجمعية المباركة هو مؤسِّسها الشيخ عبدالحميد بن باديس الذي بذل جهودًا ضخمة ورائعة في العلم والعمل والسَّعي الدؤوب لتحرير البلاد، وعلاجِ آفات المجتمع الجزائري، الذي تلوَّث كثيرًا بمخالطة الاحتلال.

ولقد تعرَّض الشيخ للإيذاء والاعتقال والدعايات المضادَّة من علماء السوء ومشايخِ الطُّرق الصوفيَّة الذين خالفوا نهجَ أجدادهم في جِهاد الفرنسيين وأصبحوا من أعوانهم، ولقد حرصَت جمعية العلماء المسلمين على افتتاح المدارس والأندية التي كانت تجذب الشبابَ، فازداد الوعي وسرَت روحٌ جديدة في أوساط الشعب الجزائري أقلقَت الفرنسيين بشدَّة؛ لذلك عملوا على القضاء على هذه الجمعيَّة ورجالها، ووقعَت حادثة سنة 1353هـ بسبب أحَد اليهود الذين غاظهم النَّشاط الإسلامي، فسبَّ الإسلامَ والمسلمين، ووقعَت فتنة كبيرة استمرَّت أسبوعًا كاملًا قُتل فيه اثنان وعشرون يهوديًّا في مدينة قسنطينة.

وعجز الفرنسيون عن قَمع الفتنة، فطلبوا من الشيخ ابن باديس حلَّ المشكلة، فتمكَّن من حلِّها، فارتفع شأن ابن باديس في الأوساط الجزائريَّة كلها، ممَّا صعَّب مهمَّةَ المحتل الفرنسي في القضاء عليه حتى لا يَثور الناس، وأصبحت جمعيَّة العلماء الممثلَ الحقيقي والشرعي للشعب الجزائري.

وطالبَت الجمعية الاحتلالَ بعدَّة مطالب هامَّة؛ منها إلغاء كافَّة القوانين والقرارات الاستثنائية بالجزائر، واعتبار العربية اللغة الرَّسمية، واستقلالية الدين الإسلامي، وإلغاء الحاكم العام للجزائر، وغيرها من المطالب، وسافر الوفدُ الجزائري بقيادة الشيخ ابن باديس لمفاوضة حكومة باريس.

وبعد وفاة الشيخ ابن باديس سنة 1358هـ - 1940م أكمل الشيخ البشير الإبراهيمي مسيرتَه، وضاعف نشاطَ الجمعية، وافتتحَت المعاهد الثانوية، وظلَّت جمعية العلماء رائدةَ العمل الإسلامي والتربوي حتى الاستقلال ومجيء الاشتراكيين للحُكم، فحلُّوا هذه الجمعية التي حقَّقَت إنجازات كبيرة حافظَت بها الجزائر على هويَّتها ودينها وإرادة التحرير، حتى تمَّ الاستقلال بالعمل المشترك بين رجال الجزائر من كلِّ التيارات؛ وذلك تحت قيادة جمعيَّة العلماء المسلمين، وبعد دماء مليون جزائري راحوا خلال رحلة التحرير التي استمرَّت أكثر من مائة وثلاثين سنة متَّصلة في ملحمة هي الأروع في تاريخ حركات التحرير الإسلامية.

المصادر والمراجع:

(1) التاريخ الإسلامي.

(2) أطلس تاريخ الإسلام.

(3) جهاد شعب الجزائر.

(4) جمعية العلماء المسلمين.

(5) مظاهر المقاومة الجزائرية.

(6) تاريخ الجزائر العام.

(7) حرب الثلاثمائة سنة.

(8) تاريخ الجزائر الحديث.

(9) خير الدين باربروسا.



 

جديد المقالات المزيد
التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

هاشم الرفاعي في أوج عصر التنوير الأوروبي أشار هيغل "أن الفكر ينمو...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه لا يمكن نهوض واستقرار إقليم...

 الهيئة العليا للمفاوضات تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

"الهيئة العليا للمفاوضات" تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

أثنى المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة رياض...

قيادي في حماس : إتمام المصالحة بانتظار خطوات من فتح والرئيس عباس

قيادي في "حماس": إتمام المصالحة بانتظار خطوات من "فتح" والرئيس عباس

  أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"...

  • أيام في سيلان والمالديف