اتحاد علماء المسلمين ينتخب رئيسه بتركيا مصر:حملة للدفاع عن ضحايا تعذيب الشرطة مقتل 4 جنود نرويجيين شمالي أفغانستان أمريكا تسحب 60% من قواتها بالعراق لإرسالها إلى أفغانستان حماس تصعد ضد مصر وتتهمها بقتل الفلسطينيين
عدد الزيارات : 916
الصراع العربي الصهيوني من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس
15/05/1431 الموافق 28/04/2010

ذات يوم من صيف 1969 كنت في المكتبة الشرقية في بيروت أختار بعضالكتب الفرنسية حين وقع لي كتاب صغير من مائتي صفحة، اسمه الإسلام والصليبيات،لمؤلف لم أسمع به بين العلماء، اسمه عمانويل سيفان، ووضعت الكتاب بين ما اخترته منالكتب، وسألني الكتبي، وهو يضع قائمة الحساب: هل أصر عليه؟ إنه غال؟ .. ووافقت،فموضوعه ضمن اهتماماتي، لكني لم أتصور أن يكون الثمن في ذلك العهد أربعين ليرةلبنانية، وأعترف أني صدمت، ولم أستطع التراجع، فكان أول ما فعلت ذلك اليوم أن أرىما في هذا الكتاب.
وفوجئت فيه بعدد من الكشوف، لو دفعت ثمنها الآلاف لكان ذلكرخيصاً رخيصاً: أولها: أن الجماعات اليهودية التي تحتل فلسطين تدرك تشابه غزوهاواحتلالها للبلاد مع الغزو والاحتلال الصليبين، تدركه بوضوح وتعالجه جدياً فيالمنظور العلمي كتجربة رائدة..
 وثانيها: أنها تدرس الموقف، وفي الشرق العربيالإسلامي، في جذوره، وتحلل عناصره لتتفادى نهاية كنهاية حطين وما بعد حطين ..
 وثالثها: ولعل الأهم، أن ثمة فرق عمل كاملة في الجامعة العبرية، تتخصص في هذاالموضوع، وعلى رأسها جوزيف براور صاحب كتاب تاريخ المملكة اللاتينية في القدس (وهوفي مجلدين بالعبرية نشر سنة 1963) وتستعين هذه الفرق بالعلماء المتصهينين فيالجامعات الغربية لهذا الغرض، فلهم مراكز بحث ومستشارون في جامعة باريس لدى العالماليهودي كلود كاهن، وفي الجامعات الأخرى الأمريكية أمثال: آشتور شتراوس، وبرونشفيك،وكيستر، وأيالون المختص بالعصر المملوكي، وغريتاين الذي كتب عشرات الأبحاث حولقدسية القدس والصليبيات واليهود والإسلام.
هذه النقلة من الغزو الصليبي إلىالغزو الصهيوني وبالعكس، يجد فيها اليهود الغارقون في التوراة، وفي الحق التاريخي،طقساً من طقوس العبادة، إنها عندهم نقلة بين التاريخ وبين المستقبل، وليست تهمهمالصليبيات بالطبع بوصفها صليبيات، وإنما تهمهم بوصفها رموزاً تاريخية، وبوصفهاإسقاطاً على المستقبل، زاوية اهتمامهم محصورة فيها في نقطة وحيدة كيف تم طردالصليبيين من هذه البقاع نفسها التي يحتلونها؟ ..
لهذا لا يهمهم بحثها الذي قتلهالغربيون بحثاً، ولكن تهمهم الرمال المتحركة تحت الغزاة في فلسطين وحول فلسطين،الاستيطان ووسائله في الأرض هي الهاجس المؤرق، إن جذور الحاضر موجودة في الماضي،وممدودة إلى المستقبل، دراساتهم كلها ها هنا محورها.
إنهم يدرسون معنى الجهاد،وكيف استيقظ في المشرق العربي، ومدى حيويته في الشام بالذات، وتأثير فكرة الجهادقبل الصليبيات وأثنائها وبعدها، يحللون مدى قدسية القدس وعناصرها في نفوس المسلمين،وردود فعلهم ضد الاحتلال الغريب، يرون كيف تمت الهدنات، وتم التعايش الفرنجي- الإسلامي أولاً، وكيف انقلب ذلك حروباً وجهاداً من بعد، رغم تطاول الزمن، كيف تحولمفهوم الجهاد القديم فحل في مفاهيم جديدة ألهبت الناس يبحثون عن مرتكزات الدعايةالتي حولته دينياً إلى عنصر كره للفرنج، وعن جذور الترابط في المنطقة من مصر إلىالعراق، وعن أسباب توحدها في حطين وما بعدها، بل يحللون "نصر" عين جالوت ضد المغول،ويلحقون بالتحليل الفتاوى الشرعية، ويحللون أسباب سقوط عكا الأخير سنة 1921، وخروجآخر الصليبيين على آخر المراكب من المشرق، يبحثون عن أسباب ذلك وجذوره حتى في لاوعيالشعب نفسه.
ولاحظت أعمال الجماعة الصهيونية في الأسئلة التي تطرحها، فإذا بينهذه الأسئلة:
1 ـ لماذا لم تستيقظ فكرة الجهاد في العصر الحمداني إلا على الثغوروالحدود، رغم دعاية سيف الدولة ورغم خطب ابن نباتة وأشعار المتنبي؟
ولم استيقظت فيالعصر الصليبي في دمشق وحلب خاصة؟
2 ـ لماذا أخذ الجهاد الشكل الدفاعي السلبيوالمحدود قبل الصليبيات؟ ثم أخذ الشكل الهجومي الواسع بعدها؟
3 ـ كيف أقيمتالصلة بين فكرة الجهاد وبين قدسية القدس مع إها لم تكن موضوع جهاد قبل ولا موضوعقدسية.
3 ـ ماذا زادت الصليبيات من العناصر على قدسية القدس لدى المسلمين؟
4 ـ لماذا كانت معركة (ملازكرد) سنة 1071 نصراً إسلامياً نسيه الناس بسرعة، معإنها كانت معركة حاسمة أسر فيها إمبراطور بيزنطة لأول مرة ولآخر مرة في التاريخ بيدسلطان السلاجقة ملك شاه، ولماذا لم تثر المعركة فكرة الجهاد لدى أهل الشام والعراقخاصة؟
 5 ـ لماذا لم يذكر علماء الإسلام في القرن الثاني عشر فكرة، "طلبالشهادة"، بين دوافع الجهاد؟ ولم يذكروا القدس؟ إن أعمال 12 عالماً في ذلك العصر لمتذكر ذلك، لم يذكرها إلا عالم داعية هو عز الدين السلمي في العهد الأيوبي، والإمامالنووي أيام بيبرس.
6 ـ ما موقف الشرع الإسلامي من الأموال الإسلامية التي تقعفي يد الكفار؟ هل تبقى ملكاً للمسلم مهما طال العهد، أم هي غنائم للمتحاربين؟ المذهبالحنفي وحده يجعلها غنائم، لكن استعادة القوى الإسلامية لتلك الأموال تعيدها إلىأصحابها، ومع ذلك فإن زنكي رغم أنه حنفي أعاد أملاك معرة النعمان سنة 1136 إلىأصحابها، وابنه محمود وهو مثله في الحنفية أعاد أملاك أعزاز سنة 1150 لأصحابها، فماتفسير ذلك؟
1 ـ ما معنى ألا نجد لدى الشعراء الذين رثوا الدولة الحمدانية عندسقوطها أي ذكر الجهاد، ويذكر الكرم وحده؟
ولاحقت نصوص التراث الذي تتداولهاالمجموعة الصهيونية بالدراسة، فإذا التراث الذي نتصور أنه نائم في دمائنا وفيأدراجنا هو لديهم كيان كامل على المشرحة، يستنطقونه ويحكمون علينا من خلاله يدرسون:
1 ـ خطب الجهاد منذ عهد الفتوح مروراً بالحمدانيين حتى العهد المملوكي.
2 ـ كل الكتب التي ألفت في الجهاد، أو كتبت عنه، ويتوقفون بخاصة عند كتب الجهاد التيظهرت قبيل العصر الصليبي وخلاله ومن بعده، وبخاصة عند كتاب الجهاد الذي ألفه علي بنظاهر السلمي النحوي (المتوفى حوالي سنة 498- 499هـ) والذي كان يدرسه في دمشق فيالجامع الأموي في 12 جزءاً إثر الاحتلال الصليبي للقدس مباشرة (وقد أخذوا صورةالكتاب من المكتبة الظاهرية ونشروا بعضه سنة 1966)، هذا الرجل كان أول من قال : إنالحركة الصليبية واحدة في الأندلس وصقلية والشام، قالها قبل ابن الأثير بمائة سنة.
ويدرسون كذلك كتاب أحكام الجهاد وفضائله لعز الدين السلمي، وكتاب الجهاد مجهولمن العهد نفسه، وكتاب الجهاد الذي وضعه القاضي بهاء الدين بن شداد لصلاح الدينالأيوبي ضمن كتابه دلائل الأحكام، فكان كتاب المخدة عنده لا يفارقه، ويتساءلونلماذا لم يضع ابن شداد في هذا الكتاب كلمة واحدة عن القدس؟ ولا قال هو ولا أحد قبله:  إن الجهاد من أركان الإسلام الأساسية إلا الخوارج وإلا علماء العصر المملوكي؟
3 ـ وبين ما يدرس الصهيونيون كل الكتب التي تتحدث في فضائل الشام والقدسومقارنتها بمكة والمدينة، ويلاحظون أن الاسم في زيارة مكة هو الحج وفي القدس لاأكثر من زيارة، ويحللون في هذا السبيل خمسة وثلاثين كتاباً تتحدث في فضائل القدسوالشام، ككتاب ابن الخوري (فضائل القدس الشريف)، وتقي الدين بن تيمية (قاعدة فيزيارة القدس)، والكنجي الصوفي (فضائل بيت المقدس وفضل الصلاة فيها)، وشهاب الدينالمقدسي (مثير الغرام في فضائل القدس والشام)، وأبي إسحاق إبراهيم المكناسي (فضائلبيت المقدس)، وعز الدين السلمي (ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام)، وابن المرجى (فضائل بيت المقدس والخليل)، وابن الفركاح إبراهيم الفزازي (باعث النفوس إلى زيارةالقدس المحروس)، ومجير الدين العليمي (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل) .
4 ـ وبين ما يدرسه الصهيونيون دواوين الشعراء، يلاحقون حتى الصغار منهم، لايهملون المتنبي والمعري، لكنهم يدرسون الغزي، وديوان ابن النبيه، وابن الساعاتي،وابن الخياط، وابن سناء الملك، والبوصيري، وابن عنين، والبهاء زهير، وعمارة اليمني،والملك الأمجد، وسبط ابن التعاويذي، وغيرهم وغيرهم ممن عاشوا الفترة الصليبية لعلهميكتشفون آثارها في قوافيهم.
5 ـ ويدرسون مؤلفات العماد الأصفهاني، والقاضيالفاضل، والثعالبي، وابن جبير، ورسائل ضياء الدين ابن الأثير، وكتاب الإشاراتللهروي، ورسائل ابن عبد الظاهر، وكتابات أسامة بن منقذ وخطب عبد الرحيم ابن نباتة.
6 ـ ويدرسون كتب الفقه والفتاوى، بخاصة التي أصدرها العلماء، كالإمام النووي،وكتاب المغنى لموفق الدين بن قدامة.
7 ـ ويدرسون ويسألون حتى السير الشعبية،ويرونها منجم المشاعر العميقة للجموع المتتالية، يرون فيها المرأة الحقيقية، فهلفتح أحد منا قصة الأميرة ذات الهمة (سيرة المجاهدين وأبطال الموحدين)، أو سيرةعنترة، أو فتوح الشام للواقدي، أو فتوح الشام الأخرى للأزدي البصري، أو قصة علي نورالدين المصري مع مريم الزنارية، إنه سيرى فيها ما يكشفه الصهيونيون من المشاعر،إنهم يصلون حتى إلى تحليل النكات والنوادر، لماذا كل هذا العناء والجهد؟ ليس العلموحده هو ما يقصدون، وإلا كانت لديهم آلاف المواضيع الأخرى الجديرة بالدراسة، إنهميتحسسون في الصليبيات ونهايتها وجعهم، قلقهم، مصير الغد.
إن عقدة الصليبياتتلاحقهم، تؤرق استقرار المشروع الصهيوني كله، توغل وراءه فيوغل وراءها بحثاًودرساً، السؤال الأساسي المطروح: كيف يتخلصون من مصير مملكة القدس الصليبيةوتوابعها؟ كيف يأمنون من حطين أخرى مقبلة؟ ..
كل قرون الاستشعار في هذا الأخطبوطالوحشي موجهة نحو الحروب الصليبية بالذات، يريدون أن يعرفوا كيف نبتت خيول حطينوامتطتها العواصف؟ وكيف عبرت مملكة القدس إلى التاريخ المنسي من الباب الخلفي فلميبق لها من أثر؟ كان الناس عند وصول الفرنج إلى الشام أكواماً من الرمال ذرتهاالسيوف الصليبية مع الريح. فكيف تحول مواطنو الريح هؤلاء إلى كتلة صخرية صلدةتحطم عليها الفولاذ الفرنجي فجأة ومرة واحدة؟!!.
 دايان قال سنة 1967 إن جيوشه انساحتخلال القوى العربية كالسكين في الزبدة، فهل تتحول الزبدة قنبلة تذهب بالسكين وصاحبالسكين؟ هذا القلق المصيري سببه أن اليهود الغارقين في التاريخ والمعتمدين فيإستراتيجيتهم الدعائية على التاريخ يريدون أن يخرجوا من نفق التاريخ.
إسرائيلتبحث عن المستقبل وهي مندفعة بكليتها نحو الماضي: دينها، لغتها، رجالها، قيمها،تشريعها، صلواتها، شمعدانها، رموزها، وطواقي رجالها كلها موصولة مع الماضي بخيطعنكبوتي ممدود، لهذا تشكل الصليبيات جرحها الذي تريد أن تتجاوزه، إنها تريد التسللمن أحد الثقوب في التاريخ (وما أكثر الثقوب) إلى هذا العصر.
ويعرف الصهيونيون،يدرسون، يحللون كل التوازيات بين الصليبيات الغربية وبين الصهيونية، ويتوقفون عندالنهاية المأسوية يريدون تفاديها، إنهم وهم المهرة في استخدام التاريخ ولي عنقه،يحاولون أن يهربوا من لحظته الأخيرة! فأين هذا التوازي وأين ينتهي؟
سآتي علىالتشابهات فقط وأترك التباينات القليلة، وهي ناجمة عن اختلاف العصرين، إن كلالإستراتيجية والتكتيك الصهيونيين موجودان في الصليبيات.
إنا لا نكاد نجد فيالتاريخ حركة كالحروب الصليبية كان نصيبها من الخيال وتأثير الأسطورة بقدر نصيبهامن الآلام المآسي، إلا الحروب الصهيونية، والغريب أن مكان الكارثتين واحد، هوفلسطين، ولسنا نحتاج إلى أي جهد في التقاط التوازي الذييصدم العين بين المغامرةالصليبية الفاشلة والمغامرة الصهيونية التي تقلدها، المغامرتان من نسيج واحد، يكفيأن نقرأ قصة إحداهما لتقفز الأخرى أمامك على الأسطر، على كل سطر وفي النقاطوالفواصل، وإن شئت تحركت في الحديث قافزاً من هذه إلى تلك ، ومن تلك إلى هذه دون أنتحس بأنك تقفز 800 أو 900 سنة بعواصفها وأثقالها، دعونا نمش في المغامرتين خطوةخطوة، إن التشابه يبدأ هنا منذ الخطوة الأولى.
أولاً: القضية الصهيونية فيمنظورها الشامل إنما هي مشكلة أوروبية داخلية خالصة، وجدت حلها في عمل خارجي وعلىأرض خارج أوروبا، والقضية الصليبية بدورها إنما هي مشكلات أوروبية داخلية بدورهاحلت على الطريقة ذاتها، التكاثر السكاني قبل الصليبيات مع تدهور الزراعة وانتشارالمجاعات وكوارث الطبيعة والأوبئة سنوات طويلة بعد أخرى، وتعاظم المشاعر الدينية،إضافة إلى الظلم الإقطاعي وتراكم الديون الربوية وكثرة الفرسان، ولا أرض للفرسانفيما الحروب الداخلية تفترس الأمن والبشر، كل ذلك كوّن مشكلة التكاثر السكاني وحقدالأوروبيين على اليهود المرابين ومشكلات العمال الفقراء في شرق أوروبا والزحامالقومي الهتلري ، وكلها غارقة في الجذور الاقتصادية بإلقاء هذه الفضلات البشرية- فينظرها من النافذة على الجيران!.
ثانياً: ونمضي خطوة أخرى، لنرى أن الحركةالصليبية شملت كل أوروبا، في الصليبيات تحركت جموع شتى من مختلف الأمم الأوروبية منالسويد والنرويج، من إنكلترا وفرنسا ومن ألمانيا والدانمرك وقلب المجر، كلهم تحركوانحو إغراء المشرق! لم تكن الحركة ثماني حملات كما يزعمون، كانت مدداً لا ينقطع،وسيلاً من البشر يتحرك على السفن وفي البر مدار السنوات المائتين التي امتدتهاالحروب، قد تكون الحملات بدورها أكثر من مائتين أو ثلاثمائة حلمة صغيرة وكبيرةلبضعة ملايين، بعضهم حجاج، وبعض محاربون، وكثير منهم تجار أو مغامرون، وأكثرهمفقراء، الكل نزحوا وراء حلم يمتزج فيه المسيح برفيف الذهب، هل يذكركم هذا بمجموعةالأمم التي تحشد منذ مائة سنة في فلسطين، بابل القرن العشرين، لغات وأجناساً وعاداتومن كل زوج غير بهيج؟ وتحشد وراء حلم يمتزج فيه الإله يهوا بطائرات الفاتنوم؟
 ثالثاً: وكما انتصب للصليبيات قائد فكري في شخص البابا أوربان الثاني، الذيأعلن الحركة في مجمع كليرمون سنة 1095، وحدد لها الطريق والهدف النهائي: فلسطين أرضالمسيح، أطلقها وترك لمن بعده المسير بها وتحمل عقابيلها، كذلك كان للصهيونيةرائدها الفكري في شخص ثيودور هرتزل، الذي كتب لها كتاب الدولة اليهودية سنة 1967،ثم أعلن مع المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 في بال أن مكان هذه الدولة هو فلسطين: أرض إسرائيل، كان هرتزل هو بابا الصهيونيات، أطلقها وترك للآخرين مهمة التنفيذ.
رابعاً: ونصل إلى العامل الديني في الحركتين الصليبية والصهيونية، لنرى أشكالاًلا تنتهي من التوازي والتشابه تحتاج إلى التوقف الطويل والتعداد الطويل:
أ- ماالذي رفعه الصليبيون هدفاً، وما الذي رفعه الصهيونيون؟ شعار واحد رفعه الطرفانالصليبيون تحركوا لتخليص القبر المقدس، والصهيونيون تحركوا لتخليص الهيكل المقدس،ولو أنه لم يبق منه إلا في الذاكرة التوراتية شيء على الأرض! الإيديولوجية التيرفعت في المشروعين واحدة، وراء كل من الشعارين حينئذ لا ينتهي من المشاعر الدينيةالمتقدة، ولكنها تتمركز في النهاية في كلمة محددة، وفي نقطة من الأرض محددة بدورها،وكما سمي الصليبيون فلسطين أرض المسيح يعنون بذلك أنها أرضهم، كذلك يقول الصهاينةإنها "أرتز إسرائيل" أرض الميعاد، بوعد توراتي لا يزول.
ب- إذا كانت الحربالصليبية أول حرب إيديولوجية، بعد الفتوح الإسلامية، وكانت هذه الإيديولوجية دينيةبالضرورة، ولم يكن بالإمكان تحريك الجموع في العصور الوسطى الغارقة في الدين دونإيديولوجية دينية، فإن هذه الإيديولوجية نفسها قد استخدمت من قبل الصهيونية فيتحريك آخر جماعة متحجرة مغلقة من الجماعات الأوروبية، وهم اليهود، للغرض نفسه فيالحرب الصهيونية القائمة، محو الإثارة عند الطرفين هي فلسطين والقداسة فيها للقبرأو للهيكل.
ج- لم تحمل الحروب الصليبية هذا الاسم الديني أبداً لا في عهدها ولابعده، في القرن السابع عشر ولأسباب تبريرية دينية شاع هذا الاسم ليغطي برداء الصليبفترة مائتي سنة من المآسي والحروب ليس لها ما يبررها، المسلمون الذين عاصروهاوالكاثوليك الغربيون الذين شنوها كانوا على السواء يسمونها باسمها: الأوائل يسمونهاحروب الفرنجة، والآخرون يسمونها المآثر والأعمال التي تمت فيما وراء البحار، أوالتي تمت في الشرق، أو أعمال الفرنجة، الحركة الصهيونية بدورها لم تسم نفسها الحركةاليهودية، وسمت نفسها الحركة الصهيونية، ولو أن العنصرية اليهودية المتزمتة تلفهابكلمات التوراة وإسرائيل والناموس والشمعدان السداسي العتيق.
صحيح أن الحربالصليبية معقدة الدوافع، كالحركة الصهيونية سواء بسواء ولو جمعت مختلف دوافعهابعضها إلى بعض لوجدت أن العامل الديني قد يأتي بين العوامل الأولى لا سيما في فترةالإعداد وأيام الحملات الأولية، وقد يعصف بالنفوس تارة بعد أخرى، لكن العواملالدنيوية كانت هي التي تعصف بهذه النفوس نفسها في حالات أخرى، والخليط الصليبي،كالخليط الصهيوني، متباين الطبقات والمشارب، فيه المغامرون والحجاج واللصوص والتجاروالنبلاء والمحاربون وشذاذ الآفاق والرهبان والهاربون من العدالة والباحثون عنالثروة وفي كل واحد من هؤلاء جانب ديني قد يلتهب في بعض الظروف، لكن من الذي يكبحالجوانب الأخرى المادية اللاأخلاقية أو الوحشية في ظروف أخرى؟..
وهكذا كانتإيديولوجية الصليبيات الدينية غطاء مناسباً، وإن يكن أحياناً غير مخالف لأطماعالنبلاء في الأرض، والرهبان الكاثوليك في الانتشار والسيطرة على كنيسة المشرق،والتجار بالربح والامتيازات، والفلاحين العاديين بالخلاص من الديون ومن المجاعاتومن الظلم الإقطاعي والفوز في النهاية بالسماء! أليس هذا هو الوضع الصهيوني نفسه؟
د- الصليبيات بدأت حجاً إلى القبر المقدس تحول إلى حج مسلح، ولقد استغلت الحج،وشجعته الأساطيل البحرية الإيطالية النامية على مياه البحر المتوسط (من جنويةوبيزية والبندقية وكاتلان)، تذهب ملأى بالحجاج وتعود من الشرق ملأى ببضائع الشرق منفلفل وبخور وأفاوية ونسيج وزجاج .. صارت سيدة البحر العربي بعد أن انهزمت القوىالعربية الإسلامية في الأندلس، وتضاءلت أساطيلها، أو انقطعت أحياناً ما بين شماليإفريقيا والمرافئ الإسبانية، وخرجت فرخشنيط وجبل القلال في جنوب فرنسا وجزرالباليار من السيطرة الإسلامية، فأين إذن الحج المقدس؟ وأين القبر المقدس نفسه، حينطرحت هذه الأساطيل نفسها بالصليبيات وبغزو الصليبين إلى القسطنطينية مرة وإلى مصرمرتين وإلى تونس أيضاً، فهل كانوا يحسبون أن القبر المقدس انتقل هناك؟ وفي الحركةالصهيونية، ألم يكن الحج والحج المسلح إلى حائط المبكى وبقايا الهيكل هما بدءالطريق إلى وعد بلفور ثم إلى أحداث 1948؟ ألم تكن العملية الاقتصادية الاجتماعية منتجارة وحلول للمشاكل العمالية والأطماع المادية وراء الهجرة الصهيونية ووراء أخذهاالأرض واحتلالها النقب وتوسعها في المصانع والزراعات بعد أن تخاذلت القوى العربيةسنة 1948 وما بعدها؟ أم أنهم يبحثون عن الهيكل في تونس أو عنتيبي أو حول المفاعلالذري ببغداد؟
 هـ ضمن هذا الإطار الديني نفسه: يسمي الصليبيون أنفسهم في النصوصبفرسان المسيح "والشعب المقدس" و"شعب الرب" أليس يسمى الصهيونيون أنفسهم بشعب اللهالمختار، مقابل الغوييم الهائم الذين هم كل البشر الآخرين؟ وإذا قال البابا أوربانالثاني، وهو يعلن الصليبيات: حرروا هذه الأرض من الجنس الشرير .. فهذه الأرض التييقول الكتاب المقدس إنها تفيض باللبن والعسل قد منحها الرب ملكاً للمؤمنين، أفلايقول الصهيونيون بدورهم إنها ملكهم وعدهم الله بها من الفرات إلى النيل؟..
و- وضمن الإطار الديني أيضاً، ألم تحاول البابوية، وهي الكاثوليكية الغربية، إبرازنفسها حامية لمسيحي الشرق المضطهدين؟ فماذا يقول اليهود الإشكنازيم (الغربيون) الواردين من روسيا ووسط أوروبا وألمانيا وفرنسا؟ أليسوا يجعلون أنفسهم حماة لليهودالسفار أديم، يهود الشرق؟
ز- الطابع الديني استطاع أن يكون واضحاً في الأيامالأولى للصليبيات، لأنه كان الدافع المعلن، ولقد استطاع أن يغطي إلى فترة ماحقيقتها الاقتصادية- الاجتماعية، اختفى التجار وراء سواد المحاربين، وتوارىالإقطاعي بجشعه وراء الرهبان ورجال الكنيسة، لكن الأطماع في الأرض والقلاع والمدنوالامتيازات التجارية كانت واضحة مسيطرة، وفيما نهب الجناح العسكري من نبلاءوفرسان: الأرض عماد الثروة والسلطة في المجتمع الإقطاعي الغربي، تقاسم التجارالغربيون الأسواق والامتيازات والأحياء والفنادق في المدن وحين دارت العجلةبالأحداث والناس، تكشف التناقض العجيب، وتجلى الإفلاس الإيديولوجي في الحملاتالتالية، وبلغ الذروة في الحملة الرابعة التي توجهت إلى القسطنطينية المسيحيةتفتحها، ظهر أن البابوية والتجار الإيطاليين وإقطاعي أوروبا يستخدمون الدين سلاحاًسياسياً عسكرياً ضد المسلمين وضد بعضهم بعضا على السواء، ولو كان هذا "البعض" منأخلص المدافعين عن الكاثوليكية.
ج- إن كل الغطاء الديني للصليبيات يطير إذااستعرضنا الصليبيات الرسمية الثمانية فوجدنا أن ثلاثاً منها فقط توجهت إلى القدس،في حين توجهت الخمس الأخرى إلى أهداف أخرى فالثانية إلى دمشق، والرابعة إلىالقسطنطينية، والخامسة والسابعة إلى مصر، والثامنة إلى تونس، لعلها كانت تفتش عنآثار المسيح هناك، وأما حملات القدس فقد احتلتها الحملة الأولى فقط وفشلت الثالثةفي الوصول إليها، ووصلتها الحملة السادسة سلماً ومجاناً في حين كان البابا يستنزلعلى هذه الحملة اللعنات من الرب، ويرمي صاحبها بالحرمان.
ونعود إلى الصهيونيةالمعاصرة لنرى الصورة نفسها، وإن تكن متطورة على مقياس القرن العشرين: افتراس للأرضلا ينتهي، محاولات لربط العلائق التجارية بكل الموانئ، استخدام للإيديولوجيةالدينية في التوسع العسكري، وإفلاس إيديولوجي يتجلى في حروب 1956و 1967و 1973،ويبلغ الإفلاس أوجه حين تكشف إسرائيل عن دورها الحقيقي في تونس، وفوق المفاعل الذريبالعراق، وفي حروبها في المنطقة، فإذا هي أجير أمريكي صغير، مجرد حاملة طائراتأمريكية تحمل قوى مرتزقة تموّن بالمعونات، وعملها الأساسي استنزاف قوى المنطقةومراقبة الاتحاد السوفيتي.
هل انتهت المقارنة الدينية؟ لم تنته بعد، فثمة أيضاًالحديث عن الإرهابيين المدنيين أيضاً، عن مئير كاهانا وحزبه أغودات إسرائيل، وهنالحاخام شلوموغورين، والنائبة عئولة كوهين، وأركان مجلس الحاخامين، وأعضاء غوشأمونيم، وحركة هاتحيا، وغيرهم ممن ينفخون في الرماد التوراتي ويعميهم دخانه ومثاره،إن دور هؤلاء جميعاً هو الحفاظ على الحقد الديني في حالة الغليان ليصب الحساءساخناً في الصحن الصهيوني- الأمريكي، مقابل هذه المؤسسات كان للصليبين أيضاً مؤسساتدينية- عسكرية مماثلة، وهكذا نقرأ عن الداويّة، وعن الاستبيارية، وهن مؤسسةالنيوتون ... والمؤسسات الصليبية المشابهة في إسبانيا: فرسان القنطرة، وفرسان قلعةترافاً، وفرسان القديس يوحنا (سانتياغو) .. والدور هو الدور نفسه: تأييد اعتداءاتالدولة على الأرض والناس، ومسحها بالممحاة الدينية، وإيجاد أيد أخرى بجانبها تحولالتوراة إلى سيوف أو قنابل، وشيء من عمى غير قليل! ترى هل يتضح، بعد هذا كله، أنالسبب الحقيقي وراء الصليبيات أو وراء الصهيونيات ليس هو الدين ولكن الأطماعالدنيوية للمتاجرين بالدين؟
خامساً: ونعود إلى الصليبيات والصهيونيات لنرى أنالمشروعين إنما قاما على الدعاية المكثفة وعلى استغلالها الأقصى، ولقد طافت تدعوإلى الصليبيات مجموعات شتى من القسس والرهبان والتجار والمتشردين، كان جيش الدعاةالذي لا ينقطع يطوف أوروبا قرى وجبالاً وعبر الأنهار وفي عتمة الكنائس والغاباتومداخن البيوت، منهم بطرس الراهب وسان برنارد وجوسياس (رئيس أساقفة صور) وهرقل(بطريك بيت المقدس)، بل قام الدعاة من الأطفال، وقامت حملات من الأطفال بعشراتالألوف زحفت تريد تخليص القبر المقدس ببراءتها وحدها ( ولو أنهم انتهوا بمساعيالصليبيين أنفسهم إلى أسواق النخاسة)، كانت الدعوة للصليبيات بضاعة رائجة، أليس هذاما يفعله الكهنة والربانيون في كل كنيس، وما تقوم به الصحف الصهيونية منذ مائة سنة؟وكما استغل الصهيونيون جهل العالم بالتاريخ وبالواقع الجغرافي ليحوروهما كما شاءوا،ليلغوا آلاف السنين العربية من التاريخ في فلسطين، وليلغوا وجود الشعب الفلسطيني منالجغرافيا، وليجعلوا من البلد الصحراء فارغة، كذلك استغلت الدعاية الصليبية سدوفالجهل الأسود في تلك العصور، فجندت في ما سموه، بجهل الخيال المنتصر، كل القوى فياتجاهين:
1 ـ اتجاه يضع كل تراث الجهل والخرافة لدى الناس في خدمة الإيديولوجيةالمعلنة من الأساطير في السحر القديم، وجيوش الأشباح والموتى، والشياطين الشريرةوالأشجار صانعة المعجزات، وقصص النجوم التي تتساقط من السماء، والشهب الملتهبة،ومعجزات الأطفال الذين يولدون بأطراف مضاعفة، والرعاة الذين يرون مدناً متألقة فيالسماء، والقسس الذين يشهدون سيفاً ضخماً تحمله الريح في الأفلاك، أو معركة بينفارسين يضرب أحدهما الآخر بصليب يرديه، وقصص النار والحساب والفردوس المقبل ونعيمالخلاص والغفران، بل وقصص الغنائم المنتظرة في الشرق الأسطوري، كل ذلك لإثارة حماسةالناس في الغرب حتى الحد الأقصى.
2ـ اتجاه يوجه هذه الدعاية كلها ضد عدو "شيطاني" الملامح: فالرسول الأعظم في منظورهم "ساحر هدم الكنيسة في إفريقيا والشرقبالسحر والخديعة" وجعلوا من المسلمين وثنين وعباداً لمجموعة من الآلهة والأصنام،ومحمد هو الصنم الرئيسي، وهو كبير آلهة الشرقيين "السراسنة" تمثاله المصنوع منالمواد النفيسة بالأحجام الهائلة منصوب في أصبهان أو مكة، يرافقه 700 من مريديه! غربيو القرون الوسطى صدقوا هذا كله، وصدقوا معه ما يترشح لهم عن المسلمين من أنشودةرولاند وأغاني الـ Gueste وروايات الحجاج الذين كانوا يعودون بالمبالغات والغرائبلإضفاء الأهمية على مغامراتهم ولإثارة الدهشة والإعجاب.
وقد ثبت أن أصحابالإيديولوجية الصليبية استخدموا في الاتجاهين الكذب وتزوير الوثائق والمبالغاتإضافة إلى قصص الأحلام المقدسة والرؤى العجائبية، وكان لهم من سذاجة الناس وجهلهمما يطمئنهم إلى النتائج.
أليس هذا يا ترى ما فعلته الصهيونية في الاتجاهين: فمنجهة استغلت كل موروث الغربيين من الحقد على اليهود في صيغة "اللاسامية" لتضخيمالشعور بالاضطهاد لدى اليهود، ولدفعهم إلى التكتل حولها والهجرة إليها، فما زالتإلى اليوم تحاكم النازيين القدامى، وتتهم غيرهم، وتتقاضى من ألمانيا ثمن الجثثالمحروقة في أوشويتز، وترفع العصا في وجه كل داعية إلى التعقل في الغرب باسماللاسامية، وهكذا ضخمت الأساطير وصاغت الروايات وصنعت الأفلام وكتبت واستكتبت كلالأقلام المكنة وكررت مسكنة اليهود وعذاباتهم كل يوم في كل إذاعة مسموعة أو مرئية،إنهم المضطهدون الوحيدون في العالم، هكذا قال زارادشت!!
ومن الجهة الأخرىفمادام الناس يجهلون كل شيء عن فلسطين وتاريخها وناسها فلماذا لا تصوغ دعايتها فيكل ذلك على ما تشتهي؟ سكانها العرب: تجاهلتهم أولاً بالإلغاء الكامل، ثم لحقتهمبالتهم حين ظهروا على سطح الأحداث فهم في أدبها "برابرة" أنذال، مخادعون، وأخيراً "إرهابيون" وعلى العالم كله أن لاحقهم بالرصاص والإبادة، ألم تستخدم الكذب الدائموالمبالغات والتشويه وتزوير الوثائق؟
أي فرق في النتيجة بين ذلك التضليلالقروسطي وبين التضليل الصهيوني الأمريكي عن "قادة الإرهاب ومصاصي الدماء والقتلةالعرب الفاسدين المفسدين في الأرض". الذين لا يهمهم في الحياة إلا القمار والقتلوجسد امرأة؟ أي فرق بين المهووس الصليبي القديم الذي جاء من أقصى الأرض يحارب "الشيطان" المسلم وبين مئير كاهانا الذي يقول:"كيف نضع أيدينا بأيدي الأبالسة؟"
أو أي فرق بين صورة "المسلم الوحش" في عيني الصليبي وصورة العربي التي ينشرهاالصهيوني في العالم عن العرب:"صورة النخلة والجمل في صحراء ينبع فيها بئر النفطوأسنان العربي المكشر فوقها؟".
سادساً: وتدفق الصليبيون على الشرق سنة 490هـوما بعدها (1096م وما بعدها) وحين احتلوا القدس سنة 493هـ/ 1099م ذهب الصريخ إلىخليفة بغداد: يهز منبر المسجد الجامع ويكسره، ولكن يشكو هجوم "الروم" البيزنطيين! كانوا يجهلون أن العدو هم الفرنجة، مضت سنوات قبل أن يتبينوا أنهم فرنجة وليسوا منالروم الذين اعتادت دول الإسلام سماع قعقعة السيوف معهم على الحدود كراً وفراًأربعمائة سنة، ودون طائل، لا أكثر من غزوات تنسحب بعد حين، أبداً ما انتهت يوماًإلى الاحتلال النهائي ولو هددت به.
الشاعر أبو المظفر الأبيوردي، على طريقةالشعراء الذين تنفجر قوافيهم اليوم في الفراغ، صاح في قصيدة طويلة:
وشر سلاحالمرء دمع يفيضه *      * وكيف تنام العين ملء جفونها

 

 

وإخوانكم بالشام يضحىمقيلهم * * تسومهم "الروم" الهوان وأنتم

 

 

وتلك حروب من يغب عن غمارها**إذاالحرب شبت نارها بالصوارم

 

 

على هفوات أيقظت كل نائم *         *ظهور المذاكى أو بطونالقشاعم

 

 

تجرون ذيل الخفض فعل المسالم *       * ليسلم يقرع بعدها سن نادم!

 

 

وغابتالقصيدة والعشرات من أمثالها في المستنقع الكبير، كانت قوى المنطقة تجهل من هوالعدو الذي تحارب صحيح أن القدس السلجوقية بعيدة المرمى ، ولكن السيف الصليبي كانثقيلاً جداً وقاطعاً جداً، ولم يعرفه المحاربون في المشرق من قبل وحين تبينواالواقع كان الفرنجة قد استقروا.
أليس هذا هو جو المستنقع الأخرس الذي تعيشهالقضية الفلسطينية اليوم، جو البكائيات دون دموع، والصياح في غرف كتيمة من البلور،في حين يقوم في القدس عجل ذهبي له خوار يأكل عيون الأطفال حتى في بيروت! ألسنا نقولتلك القصيدة الأولى اليوم ألف مرة وبألف لحن؟
على الجانب الفرنجي كان الأمربالعكس، اعتبر الكثيرون في الغرب نصر الفرنجة نصراً للكتاب المقدس ونبوءاته، تماماًكما يعتبر ذلك الصهيونيون، وتشجع الكثيرون على أن يسلكوا سبيل الشرق حجاجاً،محاربين، تجاراً، باحثين عن الثروة، فهم على كل شراع، كلهم كان يعتبر الاحتلالالفرنجي نهائياً، والتوسع فيه أمراً مقضياً، الجيل الثاني من الصليبيين الذي نشأ فيالبلاد أخذ يكتب ما كتبه المؤرخ اللاتيني فولشير أوف شارتر:"فيما يتعجب المرء من أنالله يظهر المعجزات في السموات في حين أنه أتى بمعجزة على الأرض نفسها بتحويلهالغربيين إلى شرقيين .. ومن كان من روما أمس فرنجياً من قبل قد أصبح جليلياً ومنأهل فلسطين أو من صور، نسينا أوطاننا الأصلية، وأولئك الذين كانوا من قبل أجانب قدأصبحوا أهالي البلد، ومن كانوا فقراء أصبحوا يمتلكون هنا ما لا يحصى، فلم يرجعالمرء إلى الغرب بعد أن وجد الشرق صالحاً إلى هذا الحد؟ إن الله لا يريد لأولئكالذين حملوا الصليب (ونستطيع أن نضع بدل هذه الكلمة اليهود) أن يقاسوا حتى النهاية .. إن الله يرغب أن يغنينا لأننا من أعز أصفيائه" أليس هذا هو ما يكتبه اليوم بألفشكل ولسان كتاب الصهيونية؟ ونمضي مع المقارنة قدماً.
سابعاً: يطنب المؤرخونويعيدون ويبدون في سبب النصر الصليبي الأول الذي بدأ عند إنطاكية سنة 1097م وانتهىباحتلال القدس سنة 1099، ويذكرون أن تمزق القوى في المنطقة هو الذي سمح للفرنجةبالنصر، ما في ذلك أي شك، وحين يكون رضوان صاحب حلب أخا لدقاق صاحب دمشق، ويكون فيالوقت نفسه أعدى أعدائه، وحين يتصيد الفاطميون في مصر انشغال دقماق مع الصليبين فيالشمال لينقضوا على القدس فيأخذوها، ويكون صاحب إنطاكية رقيباً للسلطان علي صاحبحلب، وينفرد أمير شيرز بشيرز، وابن ملاعب بحمص، والقاضي ابن عمار بطرابلس، وبعضهملبعض عدو، فماذا تنتظرون إلا انهيار الجميع قوى متفرقة أمام الموجة الغازية؟
ومن عجب أن تكون القوى التي تصدت للفرنجة في غزوتهم الأولى سبع قوى، وتكونالدول التي وقفت لموجة الاحتلال الإسرائيلي بدوره سبع دول، ولعلنا نتذكر هنا ذلكالسائل الذي سأل: كيف تهزمون وأنتم سبع دول؟ فأجابه المجيب- لأننا سبع دول! على أنالمؤرخين ينسون أن يضيفوا أن حائط الدم قام منذ اليوم الأول بين هذه القوى- علىتفرقها- وبين الفرنجة، امتد كاللعنة الأبدية من إنطاكية إلى المعرّة، حتى وصل ساحةالمسجد الأقصى حيث خاض الصليبيون في آلاف الجثث وسواقي الدماء! وقد ظل هذا الحائطيتكاثف على الدوام ويرعف على الدوام مع المعارك الدائمة، أضحى سوراً خانقاً حولالإمارات الفرنجية، أبداً ما صفا قلب أحد لها ولا نسي الدماء أحد، أليس حائط الدمنفسه يقوم اليوم حول المنطقة المحتلة؟ يحولها إلى "فيتو" كبير رغم الخروق التيفتحتها فيه بعض السياسة الخرقاء! الفيتو الصليبي انهزم في النهاية، أما الفيتوالصهيوني فهل تنجده يا ترى هذه الخروق؟
قوى المنطقة أقامت قاعدة المقاومةالصلبة للفرنجة فيها على النهب والعزل والتطويق، تماماً كما تطوق الكائنات الحيةالأجسام الغريبة حتى تنفقئ كالدمامل، صحيح أن التجارات كانت تسير دون عائق، عابرةآمنة، ولكن صحيح أيضاً أن ذلك لم يؤد إلى أي تقارب فكري أو ثقافي أو "تطبيقي" ممايُطبعون من الطرفين، حتى الصهيونيين سجلوا أن الحوار بين الفرنجة وأهل البلاد كان "حوار الطرشان"، والعلاقة الوحيدة كانت علاقة المصلحة المادية المباشرة، ظلت الخليةالفرنجية المتوضعة على الساحل الشامي غريبة، في لسانها، في عقيدتها، في نظام حكمهاالإقطاعي، في رجالها ونسائها، بل في عادات الطعام والشراب فيها، ربما كانت سياسةالعزل متبادلة من الجانبين، لكن النفي الإسلامي للفرنجة كان هو الأول والأقوىوالأصلب، لأنه الأقوى حضارياً والأعمق ألماً، كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ هو ضحكةاستهزاء عريضة بكل حياة الفرنجة، تشبه الاحتقار، إلى أن جاء الوقت في حطين ومابعدها فإذا بالمحتلين الفرنجة قشرة تسقط وتزول كأن لم تكن! المحتلون الصهيونيونتنبهوا مبكرين إلى هذه الخطيئة الصليبية المميتة، أما ترون أن كل همهم كان، حتى قبلسنة 1948، أن يصبحوا جزءاً من المنطقة؟ أن ينتصروا على "لاءات" الخرطوم الثلاث، أنيمرروا، التطبيع؟ أن تعترف المنطقة بهم.
ثامناً: واعتمد الفرنجة في توطنهم علىالمعونات مما وراء البحر: الأسلحة، الرجال، الأموال، الطاقات البشرية كانت دوماًتأتيهم على الأشرعة، حتى الكهنة والنبلاء والتجار المدد البشري لم ينقطع، ومعظمه منالشباب المحاربين، أوروبا الغربية كلها كانت تصب في هذا المشروع ليعود عليهابالخيرات، ولينعم أصحاب النذور والهبات والتطوع بالفردوس الآخر! ريتشارد قلب الأسدبحث عمن يشتري منه لندن لينفق أموالها في الحرب ضد صلاح الدين، الأمراء والملوككانوا يأتون بثرواتهم وثروات أتباعهم لينفقوا منها على الحرب، ولم تكن موارد أجزاءمن الشام أو من مصر تكفي كما هي اليوم، حرب حاسمة أو ناجحة على الأقل ضد الجماعةالمحتلة، إلى أن استطاعت إمبراطورية صلاح الدين أن تقيم التوازن في المواردوبالتالي في القوى بينها وبين الفرنجة، ولم تكن هذه الموارد ضخمة على أي حال، بدليلأنها شحت بعد الفتوحات الأولى، وقصرّت عن إمداده في المراحل اللاحقة، وجفّ الذهبعنده، فلم يعد يضرب الدنانير ولكن الدراهم، وهو ما أبقى الصليبيين في صور ثم في عكاوفي الساحل مائة سنة أخرى.
ألستم ترون أننا، ونحن نتحدث عن الحروب الصليبية،إنما نتحدث أيضاً عن الحروب الصهيونية، وعن مليارات الدولارات التي تصب سنوياً فيالمشروع الصهيوني؟
ويبقى في هذا المجال أمر أخير لا بد من ذكره، هو التمويلاليهودي للصليبيات، يهود أوروبا ومن باب الربا، ساهموا في تمويل الصليبين، الأمراءوالملوك، وبخاصة حين فترت الحماسة الصليبية الأولى، وفرضت ضريبة صلاح الدين فيأوروبا لإيجاد الموارد التي شحت، كانوا يلجئون إلى الاقتراض من المرابين اليهود،وكما غطى أغنياء اليهود في حروب سنة 1948 ثم سنة 1967 ثم 1973 ما تكبدته إسرائيليهممن نفقات، كان المرابون يغطون بعض تكاليف الصليبيات المتأخرة من الثالثة حتىالثامنة .. وحين فشلت الصليبيات الفشل النهائي، انصبت النقمة في أوروبا على اليهود! لا انتقاماً للفشل فقط، ولكن لأكل الديون أيضاً، وانضاف هذا السبب إلى السببالتاريخي القديم الذي يتهم اليهود بصلب المسيح ليشكلا معاً النواة الأولية للعزلاليهودي في أوروبا كلها.
تاسعاً: وقد قام المجتمع الفرنجي الخليط على طولالساحل الشامي، أسقف فرنسي معاصر للصليبيات يقول عن المجتمع الغربي : إن "بيت الرب ذوجوانب ثلاثة، فبعض يصلي فيه، وبعض يحارب، وبعض يعمل".
 هذا المجتمع الغربي الإقطاعينفسه هو الذي تشكل في الشام في ثالوث ضلعاه: الذين يحاربون والذين يصلون، وقاعدتهالذين يعملون، بل كان المحاربون (النبلاء) والمصلون (الكهنة) جناحين عسكرياًودينياً لطبقة واحدة تقود المشروع الصليبي.
أليس هذا يا ترى وضع الجماعاتالصهيونية المحتلة، جماعة تحارب، وأخرى تهز أجسادها جيئة وذهاباً وراء التوراة،وجماعة ثالثة تعمل في الأرض والمصانع؟ قد يكون الفرق في وجود طبقة رأسمالية إضافيةفي المجتمع الصهيوني الحديث، ولكن أليست هذه الطبقة امتداداً للطبقة الغربية نفسهاوالجزء المكمل بها والإفراز الطبيعي للتطور الغربي الحديث نفسه؟
وكما بقيت فيفلسطين تحت الاحتلال قوى عربية واسعة، تتمسك بالأرض والزيتون ومزراب العين، كذلكبقيت تحت الحكم الفرنجي طبقة عربية مسلمة تملأ الريف الفلسطيني يستثمر جهدها الرجلالفرنجي (كما يستثمرها اليوم الرجل الصهيوني) تحت رقابة الفرنجة، ولا تستطيع حتىالهرب من القرى، وكما للعرب اليوم مقاومتهم وتحركاتهم الجماعية والفردية ضدالمحتلين، كذلك كانت لأجدادهم الأولين في تلك الأرض مقاومتهم الرافضة، في نابلسوالناصرة كانوا يحتالون لها على الحجاج العابرين فيقتلونهم ويقطعون الطرق، ويتركونالعمل بحجة الصلاة، فمن أعجزه الأمر هرب مهاجراً، ونواة حي الصالحية في دمشق إحدىنتائج الهجرة من "جماعيل" إحدى قرى نابلس أواسط القرن الثاني عشر، في أوج القوةالصليبية.
وإننا لنستطيع أن نرى التشابك الفرنجي الصهيوني على مستوى آخر: فطبقةالعاملين، في القطاع، في الأيام الفرنجية كانت تتشكل من المسلمين ومن أفراد الطوائفالمسيحية غير الغربية، ومن فقراء الغرب في حين يحتكر النبلاء والكهنة السيف والكتابالمقدس، أليس هذا هو الوضع الصهيوني الذي يعمل فيه، في القطاع، العرب واليهودالشرقيون وفقراء المهاجرين؟ في حين ينعم أمراء الإشكنازيم بالحكم وقيادة الجيوشوتفسير التلمود؟
ونتابع المضي مع المقارنات أيضاً ما أشبه الليلة بالبارحة.
عاشراً: اعتمد الفرنجة السابقون والصهيونيون اللاحقون على السواء أسلوباًواحداً في التشبث بالأرض وفي التوسع عند الإمكان، القلاع التي نثرها الفرنجة علىجميع المعابر إلى المنطقة المحتلة قابلها الصهيونيون بقلاع عسكرية من مثلها ترونهافي أنواع المستعمرات التي زرعوها على طول الحدود وفي داخل البلاد وكل منها مسلحةكاملة، وكما كان المحاربون القدماء يعيشون على أراضي الزراعة حولهم، يعيش المحتلونالجدد محاربين مزارعين في المستعمرات الجديدة، وكما كانت القلاع الفرنجية في القديمتتوزع بين منظمات الداوية والاسبتارية والملك والإقطاعيين نجد المستعمرات الصهيونيةموزعة بين الأحزاب والمنظمات الإرهابية.
حادي عشر: منذ الأيام الأولى للتوضعالصليبي في القدس، لم تكن الموانئ الشامية وحدها هي الهدف، بلى! كانوا يحتلونهاواحداً بعد الآخر، الأساطيل التجارية الإيطالية وضعت كل ثقلها لاحتلالها، لكن عينهاوعين مملكة القدس الصليبية معها كانتا على مصر وعلى "العقبة" مصبي طرق التجارةالعالمية إلى المتوسط، حاولوا احتلال مصر مرات حتى سبقهم إليها نور الدين وصلاحالدين، بنوا قلعتين في الطريق إلى أيلة بشرقي الأردن، بنوا قلعة في جزيرة فرعونبخليج العقبة بالقرب منها، أقاموا إمارة في الكرك تسلمها قبيل حطين فارس من أعتىفرسانهم: أرناط المعروف الذي حاول بمشاريعه البحرية السيطرة على البحر الأحمر حتىعدن، كما حاول الوصول إلى المدينة ، وكان من الأسباب المباشرة لموقعة حطين، والسبب؟السبب ليس حب الصحراء ولا الماء، ولكنه الدور الاستراتيجي والتجاري، كانت طرقالتجارة العالمية بين الشرق البعيد، طرق الأفاويه والتوابل والبخور والنسج، تمر منهذه المنافذ، وما جاء بهم إلى الشرق الأدنى إلا الطمع بهذه المنافذ وتجاراتها، وحينانقطع الطريق البري بظهور المغول عليه في القرن الثالث عشر، وفقدوا السيطرة علىالقدس والمناطق في شرقها، وصارت مصر هي الطريق التجاري الأكبر توجهت الحملات إليها،وإلى دمياط الثغر الأول بالذات، الحملتان الخامسة والسابعة توجهتا إليها، وفشلتالحملتان، هل يذكرنا هذا بقتل الكونت برنادوت الوسيط الدولي بأيدي الصهاينة لكييتوسعوا في النقب، وبإصرار بن غوريون على احتلال أيلة بأسرع وقت سنة 1948، أو بماأعقب ذلك من أحداث حول خليج العقبة البحر الأحمر حتى مشكلة طابا اليوم والجزر فيمدخل خليج العقبة؟ وهل يكشف هذا نفسه لأعيننا عن معنى محاولات إسرائيل النفوذ منالبحر الأحمر إلى ما وراءه لتكون مثلها مثل مصر المطلة على البحرين الأبيض والأحمر؟وله يكشف ذلك دورها التجاري والاستراتيجي؟
ثاني عشر: حرص الفرنجة الصليبيون منذأيامهم الأولى حتى أيامهم الأخيرة على إبقاء التمزق السياسي قائماً في المنطقة، كانكنزهم الثمين، وحرصوا أكثر من هذا على عقد هدنة مع كل طرف على حدة: مع إمارة دمشق،مع إمارة حلب، مع أمراء الجزيرة، مع مصر التي ظلت تحتفظ بعسقلان في أقصى الجنوبالفلسطيني خمسين سنة تماماً كما احتفظت مصر في العصر الحاضر بقطاع غزة، البندالأساسي في هذه الهدنات: فتح طرق التجارة والسبل الآمنة، هل يذكرنا هذا بشعار "التطبيع" اليوم؟ وبما تحاوله السلطات الصهيونية من العلاقات مع مصر؟ ومع غير مصر؟الفرنجة في القديم كانوا كذلك يفعلون، ينفردون بالإمارات في المنطقة، يضربونهاالواحدة بعد الأخرى ضربات خاطفة صاعقة، أو يهادنونها واحدة واحدة! كانوا يعرفون أنفي لقائها بعضها مع بعض نهاية المشروع المهووس، يخشون هذا اللقاء خشيتهم للموت لأنهالموت! ألم يكن ذلك في حطين؟ ألسنا نرى استماتة إسرائيل منذ بن غوريون وشاريت إلىبيريز وشامير في المطالبة بالمفاوضات الفردية والمباشرة؟ ورعبها من أي لقاء بيندولتين ..
 لقد جرت بعض هذه اللقاءات في القديم، أمير الموصل مودود اتفق مع أمير دمشقطفتكين وواقعا الفرنجة، فكانت لحظة من أخطر لحظات المملكة الصليبية، وأمير دمشقاتفق مع أمير حلب، على بينهما من تباين، فتمكنت الإمارتان من الوقوف يومذاك، وحاربمعها أمام غزة، كما دافع عن ثغرها (صور) بجنده وماله، لكنها كانت اتفاقات عابرة غيرواعية، ألا تذكرنا هذه المحاولات بمحاولات الوحدة بين سورية ومصر، أو بين سوريةوالدول العربية الأخرى؟
وكان أقصى ما تتمناه مملكة القدس أن تعقد الصلة معإمارات الشام ودمشق بالذات، لقد أفشلت الحملة الصليبية الثانية كلها لتبقى لها دمشقالتي كانت تهادنها، وعقدت معها حلفاً منفرداً استمر قرابة اثنتي عشر سنة هو "كامبديفيد" الزمن القديم الذي أنهاه نور الدين محمود بتحرير دمشق من الأمير المتحالف،لقد ظلت مملكة القدس تلعب على حبال التفرقة، حتى سقطت بين الحبال!.
ثالث عشر: أضاع العرب المسلمون، أيام الفرنجة، فرصاً ذهبية لإنهاء الوجود الاحتلالي الفرنجي،ارتسمت حطين عشرات المرات في الأفق قبل حطين بزمن طويل، قصر النظر السياسي وحده هوالمسئول عن عدم اغتنامها، السنوات التسعون التي انقضت بين سنتي 492هـ (سنةالاحتلال) وسنة 583هـ (سنة التحرير) شهدت مئات المعارك كما شهدتها مثلها مائة سنةأخرى من بعد، وبعضها في عنف حطين ونصرها الحاسم، أولى هذه الفرص كانت أمام إنطاكيةعشية وصول الفرنجة إلى الشام، دخلوا أنطاكية الفارغة من المؤن وهم حوالي مائة ألف،وبعد ثلاثة أيام فاجأهم الحصار الإسلامي بستة جيوش فدب فيهم الجوع حتى أكلوا النعالوالجلود وعشب الأرض، وبادر الكثير منهم بالهرب، حتى الداعية بطرس الراهب! ثم خرجوابهجمة واحدة يائسة، فلم يحاربهم أحد من الجيوش المتربصة حولهم واكتفوا بالفرار،كانت هذه المعركة هي التي أدت إلى التوطد الصليبي وإلى احتلال القدس! هل يذكركم هذابحرب سنة 1948؟
وبعد أشهر من الاحتلال والمذابح، تحمل الفرنجة عائدين إلىبلادهم، لقد أدوا مهمتهم، لم يبق في فلسطين كلها سوى ثلاثمائة فارس وألفي محارب،ولم تستفد من هذه الفرصة مصر، وكانت تستطيع أن تسوق فيما يذكرون ثلاثين أو خمسينألف فارس، ولم تستعملها دمشق وكان لديها عشرة آلاف فارس، كل ما صنعه طفتكين أتابكدمشق أنه ذهب في كواكب من فرسانه إلى طبرية فأخذ منها مصحف عثمان فدخل به دمشق فيموكب حافل وأغلق الأبواب!
ومرت فرص بعد فرص من هذه اللحظات الحرجة أضاعهاالمصريون، كان أخطرها حلمة مايو/أيار سنة 1102م التي سحق فيها الفرنجة عند الرملةفاختفى ملك الفرنجة الهارب في أجمة قصب أحرقها المسلمون فلحقته النيران، والقدسفارغة دون حامية، ولكن النجدات الغربية التي وصلت على المراكب قلبت الميزان، هلتذكرون قصة حرب 1973 والجسر الجوي الأمريكي وثغرة الدفرسوار؟.
أخطر تلك الفرصكانت معركة الأقحوانة عند طبرية سنة 507هـ/1113م، أربع عشرة سنة بعد الاحتلال،التقى جيشا دمشق والموصل مع الجيوش الفرنجية قرب حطين، وتراءت حطين نفسها فيالمعركة، بحيرة طبرية اختلط فيها الماء بالدم حتى امتنع الشرب منها أياماً، وحشرالجيش الفرنجي محاصراً مهزوماً في الجبال شهرين بجرحاه وأثقاله لا يجرؤ على الحركة،لم يكن في كل مملكة فلسطين من حامية، ووصلت طلائع الجيش الإسلامي حتى مشارف القدس،ودانت لهم البلاد بالطاعة، ثم خشي أمير دمشق أن يختطف منه أمير الموصل إمارة دمشقفأقنعه بالعودة واستئناف القتال في الربيع القادم، ولم يأت هذا الربيع أبداً لأنالأمير الموصلي قتل.
أخطرها في هذه الفرص القديمة الضائعة أن الثمن الذي كانسيدفع فيما بعد كان دوماً أغلى فأغلى، أليس هذا هو قدرنا اليوم مع الاحتلالالصهيوني: الفرص دوماً تضيع والثمن دوماً يرتفع؟
رابع عشر: المقاومة الإسلاميةللفرنجة لم تتبلور التبلور السريع لأسباب عديدة، كانت تتصاعد حالاً على حال معازدياد اندماج المنطقة ووعيها للكارثة، المعارك التي استمرت تسعين سنة أفرزت الكثيرمن البطولات كما سفحت على التراب الكثير من الشرايين، في حين كان الحزن يعشش أكثرفأكثر في الصخور والعيون، من هذا الصمود صاغت المنطقة عشرات الرجال، وكان لكل منهم "حطينه" على مقداره، كل منهم ضرب سيفاً في حطين المقبلة ولو لم يحضرها: كربوغاً،جكرمش، جاولي، مردود، أقسنقر البرسقي من الموصل، سقمان بن أرتق، إيلغازي أخوه،برسق، نجم الدين ألبي من الجزيرة، طفتكين، إسماعيل بن بوري، أتر من دمشق، علي كوجك،مظفر الدين كوكبوري من إربل، الأفضل الجمالي، إبنه شرف المعالي، الوزير المأمون،رضوان الولخشي من مصر .. هي أسماء كثيرة لا يذكرها أحد، ولكنهم كانوا الشرط الأساسيلظهور صلاح الدين، لقد كانوا ربيع السيوف الذي برز منه عماد الدين زنكي، ثم نورالدين ثم صلاح الدين، وإذا كان صلاح الدين وحده يخرج من الأسطر ويفرض نفسه علىالذاكرة والتاريخ فإنه، بكل تأكيد، لم يخرج وحده من عتمة الإنهزامية والسكون، ماكان ممكناً أن يخرج لو لا "صلاح الدينون" الآخرون الذين سبقوه، كان لا بد أن يوجدالسابقون الذين انطفؤوا في مستنقع السلبية والتمزق، ليوجد صلاح الدين من بعدهممحرراً أخيراً، أليس في سجل الصمود اليوم عشرات الأسماء التي تسجل في انتظار حطينالمقبلة؟
خامس عشر: كانت عملية تحرير فلسطين من الفرنجة من عمل مصر والشامبالذات، وكان شمال العراق هو العمق الاستراتيجي للعملية، ويبدو أن المنطق الجيو- بوليتكي لا يزال قائماً ولا تزال عملية التحرير من مهمات هذه المنطقة بالذات قبلغيرها، وإن كان منطق العصر لا يكتفي بها ويدخل في التحرير ما لا ينتهي من العناصرالأخرى، على أنك تستطيع أن تفهم لماذا ارتجفت أركان إسرائيل والدول التي تستخدمهاللوحدة التي قامت سنة 1958 بين مصر وسورية، لقد رأت فيها- كما ظلت ترى في كل مشروعوحدوي- بداية النهاية، إنها إنما تقوم على تمزق المنطقة وفتاتها، الضباع لا تعيشإلى على الجيف، وهي تفهم هذا الدرس جيداً، بقي أن نعي نحن بدورنا هذا الدرس.
سادس عشر: وأخيراً كانت حطين، لكنها لم تكن إلا بعد أن وجدت عاصمة ومركزاًديناميكياً لها في دمشق، وقيادة واعية ملهمة، وقوة موحدة ساحقة، وعمقاً استراتيجياًوراءها، وموارد تدفع ثمن الدماء وإعداد سياسياً طويلاً مضنيا، ولن تكون حطين الأخرىإلا إن وجدت مثيل كل ذلك وعلى مقياس العصر هو العنصر الحاسم.
ونصل بعد إلىالمحاور الأساسية وإلى تطبيقاتها في سياسة الصليبيين في المنطقة وفي سياسةالصهيونيين، كان الصليبيون يدركون، وهم يتجهون إلى الشرق أمرين أساسين:
1 ـ يدركون وحدة العدو العربي المسلم ما بين الأندلس إلى المشرق الكثيرون ممن شاركوا فيالحملة الأولى كانوا من قبل يقاتلون في جبهة إسبانيا ضد المسلمين، واستمر الأمر علىذلك من بعد.
2 ـ ويدركون أن موانئ الشرق الغنية هي مصب التجارات القادمة منالمحيط الهندي وما وراءه، الأساطيل الإيطالية كانت قبل ذلك بكثير تقوم على هذهالتجارات في البحر المتوسط واستمرت هذه الأساطيل سيدة هذا البحر من بعد.
وهكذاكانت إستراتيجية الصليبين تقوم على الأمرين معاً:
1 ـ ضرب العالم العربيالإسلامي في وسطه تماماً بجانب ضربه في الأندلس وشمال إفريقيا وصقلية، لينقطع اتصالالكتلة الغربية الإسلامية بعضها مع بعض.
2ـ استثمار الموقع الاستراتيجي لفلسطينحتى الحد الأقصى تجارة ودوراً، والتحكم في عقدة الاتصال الأساسية في التجارةالدولية فيها، ولما كانت مصر تشارك فلسطين الموقع الاستراتيجي فقد كان هم الصليبيينموجهاً إلى مصر دوماً لفصلها عما حولها أو أخذها، يوم وصلت الحملة الأولى الرملةسنة 1099 وقبل أن تحتل القدس أخذوا يتشاورون في متابعة المسير إلى مصر! وظلوا بعدذلك على مهاجمتها دون انقطاع، وحاولوا أخذها أيام نور الدين، وتوجهت إليها الحملتانالخامسة والسابعة بعد ذلك.
هذه الإستراتيجية مرت خلال العهد الصليبي بمرحلتين: في المرحلة الأولى التي امتدت حوالي نصف قرن: كانت المملكة الصليبية والإماراتالتابعة لها تعمل لحسابها في عملية استعمارية مبكرة، وكان لها سند قريب قلق فيبيزنطة وسند عريض بعيد في دول الغرب، في المرحلة التالية: وبعد أن أدركت الحركةالفرنجية عجزها عن ابتلاع المشرق بكتلتها المحدودة، باعت نفسها لبيزنطة طلباًللمعونة المباشرة أيام نور الدين وأوائل أيام صلاح الدين، وقبل أن تقع حطين كانت قدباعت نفسها لمن يشتري في الغرب، كانوا يفتشون عن ملك، أي ملك، رموا هزيمة حطين علىرأس الملك (غي) النبيل الفرنسي الذي اتفق أن قاد الجمع الصليبي ضد صلاح الدين، ثمبعد أن تضاءل المشروع الصليبي إلى مجرد شقة ساحلية بين صور ويافا أخذوا يبحثون لهعن منقذ يعينه: فيليب أوغوست أو ريتشارد قلب الأسد، ثم جاءت أيام الحملة الخامسةفتحكم في المشروع ملك هنغاريا أولاً وفشل، ثم قاده الكاردينال بلاجيوس مندوب الباباسنة 1218- 1229م فغرق به في وحول الدلتا وبعد دمياط، ثم تولاه فريدريك الثاني صاحبصقلية فكانت مملكة القدس مجرد ملحق إضافي لمملكة الإمبراطوري، وجاء لويس التاسعبالحملة السابعة وقاد المشروع مرة أخرى إلى دمياط، وأغرقه مرة أخرى في مياه النيلعند المنصورة.
لو أغمضنا الأعين لحظات، نتأمل في كل هذا الذي مضى من تاريخالصليبيات، إستراتيجية ومراحل، واستبدلنا بكلمة الفرنجة كلمة الصهيونية فهل يختلفالأمر؟ تجاوزوا القرون الثمانية التي مرت، وضعوا مكان بيزنطة والغرب في المرحلةالأولى بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدول الأخرى حتى حرب 1967، وضعوا اسم الولاياتالمتحدة في المرحلة الثانية بعد تلك الحرب، وراقبوا الذيلية الصهيونية للإستراتيجيةالأمريكية منذ ذلك الوقت إلى اليوم، أليس تنبئ مطالع الخط بنهاية المصير؟
لقدكانت إسرائيل في الجيو- إستراتيجية البريطانية إسفين التحطيم للكتلة العربية، وعقدةالطريق إلى الهند، ولهذا خلقت في مكانها، فلما ثبت التمزيق للبلاد العربية، وأقيمتالحدود والدول المنعزلة، واستقلت الهند، انتقلت إلى الجيو استراتيجية الأمريكيةلتصبح جزءاً من الحزام الأمني الاستراتيجي ضد الاتحاد السوفيتي، ووسيلة للإبقاء علىالتخلف العربي، وضاعت فلسطين بين أرجل الإستراتيجيتين، كما ضاعت من قبل أيامالصليبيات، وإلا فاسألوا إذن أنفسكم عن إسرائيل، هذا الحائط اللاهوتي الذي انتصبعلى العدوة- المفصل لتمارس الأمة العربية الموت على طرفيه، وليعزل مصر عن الوطنالعربي بين اللاهوت اليهودي من جهة وبين بحار الماء والصحراء من جهة أخرى، ترى مادوره في استراتيجيات الدول الكبرى؟ ولماذا تحقنه أمريكا كل سنة بنصف مساعداتهاللعالم وهو في شبرين من الأرض وفي ملايين قليلة معدودة من البشر؟ إن الولاياتالمتحدة تحاول أن تجعل الجغرافيا الصغيرة تقوم بدور الدول الكبرى وتحقنها بالسلاحوالمال حقناً في حين تعكف الجماعة المحتلة على اختراع التاريخ واللاهوت والمرتزقة.
وأخيراً هل يعني هذا الذي سلف كله أن لا جديد تحت الشمس؟ وأن التاريخ يعيد نفسهبنفسه؟ وأن حطين ذاتها قادمة في حطين أخرى مماثلة؟ لست أعني هذا أبداً ولا أعتقده،ثم كل يوم جديد تحت الشمس، وحذار أن ننظر إلى حطين من خلال الماضي، إنها لن تكونإلا من خلال المستقبل وأهوال المستقبل، حذار أن نطلب منها أكثر من أن تكون ملهمةبدروسها والمعاني لأنها لن تتكرر إلا بهذه الدروس والمعاني، إن التاريخ أعجز وأعظممن أن يعيد نفسه، وأنا أعرف أن الدنيا الدولية كبرت جداً وتعقدت مصالحها المشتبكة،وأن الأسلحة اختلفت حتى جهنم الذرة وعدميات الفضاء، وأن الأفكار والإيديولوجياتتطورت فما تلمها الخطوط والرؤوس، وأن حطين المقبلة سوف تكبر بهذا المقدار نفسهلتكون نصراً!
قد تكون قطعة من جهنم أو أشد عذاباً، وقد لا تكون حطين واحدة حاسمة،ولكن سلسلة حطينات، وقد تدخل تيه التعقيد الدولي فلا تكون بيننا وبين الصهيونيةفحسب ولكن مع القوى التي توظفها أيضاً، وقد لا تكون في ذلك المثلث المقدس من تراباليرموك- حطين- عين جالوت، ولقد تلعب بها التكنولوجيا الحديثة لعباً ما عرفه العالمقط من قبل، ولقد تختلط فيها الرؤى فما "يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود منالفجر".
وإذا احتاجت حطين الأولى إلى صلاح الدين وصحبه، يعدون لها ما استطاعوامن قوة ومن رباط الخيل، ومن الإعداد الدولي، والدبلوماسي، ومن الموارد الاقتصاديةومن الخطط التكتيكية، ويخوضون المعركة سنبابك تقدح الشرور، وأشلاء ممزقة علىالوديان، ونيراناً تحصد الوجوه، وسيوفاً تبصق الدماء، إلا أن كل ذلك ليس أكثر منلعبة أطفال أمام ما يجب لحطين المقبلة التي لا بد فيها من حرّاقة هوقل الأسطوريةوهو يحارب الهيدار الأفعوان ذا الرؤوس السبعة الذي كلما قطع له رأس نبتت منه سبعةرؤوس فلا بد من حريق كل رأس حتى الجذور.
أعرف كل هذا الرعب المنتظر، وأعرفأبعاده المأساوية، ولكني إنما أفسر اهتمام الصهيونية بالصليبيات ودوافع هذاالاهتمام خارج إطار العلم والعلماء لأصل إلى معرفة السر وراء احتفال إسرائيل أيضاًبحطين.
إن حطين كانت معركة النهاية كما كانت معركة البداية، ومن خلال حطين تريدإسرائيل أن تفتح لنفسها ثقباً من ثقوب الشرعية، إنها تموت رعباً من التاريخ الذيينذرها، ولو أنها تبني كيانها كله عليه، تخشى أي مناقضة تاريخية لئلا ينهار البناءكله، وهي تعرف أن الناس يلتهمون الطعم إن كان تاريخياً كما يلتهمون الفاكهةالنادرة، مساحات الغبار التي تفصل بينهم وبين التاريخ تدفعهم إلى تصديق كل أسطورة،وإسرائيل تريد أن تخرق جدار العهد الإسلامي في فلسطين في أروع لحظاته بأسطورةتاريخية جديدة تصادر على المطلوب، وإذا كان العالم كله يرى في فلسطين نصراً لصلاحالدين فإن إسرائيل تريد أن تجير هذا النصر لليهود، تريد أن تطبع قبلة يهودية علىجبين صلاح الدين، قد يكون من المضحك حتى القرف أن تسوق إسرائيل أسطورة تقول إن صلاحالدين كان عميلاً يهودياً، وما صنع حطين وفتح فلسطين إلا ليقدم القدس على طبق منفضة لليهود، مع ذلك سوف تسمعون هذا، وسوف يطلبون له بوسائل الإعلام معتمدين علىتزييف بن غوريون.
بلى! يهودا الحريزي الشاعر الأديب اليهودي الذي زار القدسحوالي سنة 1216م، أي بعد ثلاثين سنة تقريباً من حطين كتب في مذكراته التي نقل عنهاالمؤلف اليهودي مان "لو تساءلنا عن السبب في منع الصليبيين المسيحيين لليهود منالبقاء في فلسطين لسمعناهم يقولون بأننا المستببون في قتل إلههم ولذلك أنذرونابأنهم سيأكلوننا أحياء .. لكن الله أرسل الملك العادل صلاح الدين وزوده بالحكمةوالشجاعة وحاصر القدس: فأسقط الله بعونه المدينة في يده، وعندما أرسل السلطانمنادياً ينادي في أرجاء البلاد بأن يعود كل أبناء إبراهيم إلى القدس من العراق ومصرومن كل البلاد التي لجئوا إليها، ذكر خبر آخر، يهودي بدوره: أن ثلاثمائة من يهودالغرب وصلوا سنة 1211م إلى فلسطين ومعهم الربانيون بن شمشون والإشكنازي واللونلي،فلم يجدوا سوى عشرة من اليهود معهم يصلون على جبل الزيتون، والتقط هذه الجمل عدد منكتاب اليهود وتبعهم بعض العرب ليعتبروا ذلك من بعض التاريخ، غير أن أكثر الجميعكذباً كان بن غوريون، لقد حور هذه الكلمات فكتب:"أصدر صلاح الدين نداء غداة فتحهالقدس يحث في اليهود الفارين من حكم الصليبيين صغاراً وكباراً على أن يعودوا إلىالقدس، وفي خلال سنوات قليلة من حكم هذا السلطان العادل أعيد تجمع اليهود في القدس،ووفد اليهود عليها من كل صوب، ولقد عاد مع هؤلاء العائدين عدد من كبار علماء اليهودورابانييهم، منهم ثلاثمائة من فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وسكنوا المدينة.
ولقدذكر مؤرخ يهودي أن الملك العادل أخا صلاح الدين استقبل سنة 1211 هؤلاء العلماءالثلاثمائة استقبالاً طيباً، وسمح لهم ببناء مدارس ودور عبادة يهودية، وكان علىرأسهم الرابي شمشون بن إبراهيم الشنازي والرابي يوناتان الونلي، ولقد استمرت هجرةالعلماء اليهود الغربيين إلى القدس وفلسطين طول عهد صلاح الدين وعهد أسرته من بعده (بن غوريون، اليهود في أرضهم، ص 217- 218).
الهوس البن غوريوني زيّف النص ونفخفيه حتى صار بالوناً ضخماً، إن معلمه غوبلز هو الذي قال: أكذب أكذب دائماً فلا بدأن يبقى من كذبك في النهاية شيء، وهكذا زيّف بن غوريون النص والتاريخ في عدد منالنقاط ومد لسانه للجميع: زيفه في قوله:"يحث اليهود صغاراً وكباراَ على أن يعودواإلى القدس وفي سنوات قليلة أعيد تجمع اليهود في تجمع اليهود في القدس ووفدوا عليهامن كل صوب، ولم يكن شيء من ذلك، ولا كان لليهود تجمع في القدس ليعودوا، ولم يذكرأحد من المؤرخين أن صلاح الدين بعث المنادين، إضافة إلى أن "أبناء إبراهيم" إنمايستعملها اليهود للدلالة على جميع أبنائه من سارة وهاجر، من عرب ويهود، وأضاف بنغوريون زيفاَ آخر في قوله: إن 300 من علماء اليهود بدلاً من 300 من اليهود وإنهم منفرنسا وإنكلترا وإسبانيا، وهم من إسبانيا فقط ممن طردهم الإسبان عند نشأة محاكمالتفتيش كما طردوا غيرهم، فاسما الربانيين اللذين كانا بينهم هما شمشون بن إبراهيمالإشكنازي وهو اسم عربي إسباني، ويونان اللونلي من بلده لونة في الأندلس، وكانتالبلاد الإسلامية كلها مفتوحة لليهود السفار أديم قبل حطين وبعدها، لا في القدسوحدها، فمنهم آلاف يتوزعون ويتنقلون في كل من بغداد والبصرة ونيسابور وتبريزوالموصل وحلب ودمشق والقاهرة والإسكندرية والقيروان وفاس وقرطبة وغرناطة وطليطلة..
ويضحكنا قوله: استمرت هجرة العلماء اليهود طوال عهد صلاح الدين وأسرته إلى القدسبالذات، ولو كان هذا حقاً فلماذا لم يوجد سوى عشرة يهود في القدس بعد حطين بثلاثينسنة يستقبلون وفد اليهود الثلاثمائة.
ولو كان هذا حقاً لما دفن كبير فلاسفتهمورئيس جالوتهم ابن ميمون في طبرية، ولكن في القدس عند بقايا الهيكل، ولو كان حقاًلذكر ذلك الذاكرون، ومصادر العهدين الأيوبي والمملوكي بما فيها أقوال الرحالةاليهود مجمعة على أنهم لم يجاوزوا في القدس في أحسن أحوالهم بضع عشرات أو بضع مئاتحسب العصور والأحوال، وكان وجودهم ينعدم تماماً في القدس في بعض الفترات ، ويكملتزييف بن غوريون في قوله:"بناء مدارس ودور عبادة يهودية" وإنما سمح لهم بكنيس فيهمدرسة هو معبد ناحوم، وسمح للمسيحيين- وهم الأعداء يومذاك- بأمثال ذلك.
إنعباقرة الإعلام الصهيوني سوف يحاولون أن يلبسوا صلاح الدين الطاقية اليهوديةويدوروا به على بوابات العالم باعتباره خادماً من خدمهم بدوره، وكما كان بإمكانهمأن يسرقوا مختلف الأساطير من قبل: أسطورة أرضهم من الفرات إلى النيل، وأسطورة أرضالميعاد، أسطورة الديمقراطية الفريدة، وأسطورة الملايين الستة التي أحرقها هتلر،وأسطورة الدولة المسكينة المهددة بالذبح، وأسطورة الإرهاب العربي .. فإنهم يريدونأن يركبوا أكتاف صلاح الدين ليسرقوا باسمه اعترافاً به المنادون: أن القدس لليهود.
ونعود إلى التشابه بين المشروعين الصليبي والصهيوني، التشابه الذي ليس ينقصهإلا كلمة الختام: حطين ولتكن حطين حلماً، إن المشاريع الإنسانية الكبرى إنما بدأتأحلاماً وليكن الطريق إلى حطين مفروشاً بعذاب جهنم، فلا خيار لنا في عدم سلوكالطريق. " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "  [البقرة : 216]. "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ "[آل عمران : 142]
ـــــــــــ
المصدر : مجلة شؤون عربية/ فصلية فكرية - العدد 52 كانون أول/ديسمبر - 1987م/ربيع الثاني 1408هـ - تصدر عن جامعة الدول العربية - رئيس التحرير هيثم الكيلاني

طباعة   أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (1
1
تعليق: حمدى المرسي
13/06/1431
رؤية واعية وراشدة محملة بالامل دافعة للعمل نافية للتواكل والتكاسل هادمة للأمانى العاجزة لكن الخط سئ والقراءة فى هذا الحجم رحلة من العذاب والاخراج متواضع ارجو تصليح الخطوط واحجامها