الموضوع: ساحات للرتع
عرض مشاركة واحدة
قديم 14-Nov-2006, 02:58 PM   رقم المشاركة : 1
الذهبي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية الذهبي

 




افتراضي ساحات للرتع

قديما قال أحد الصحابة لعمر رضي الله عنه : لو رتعت لرتعوا ، وكان رد عمر المفحم على من سأله كيف لبس الثوب الطويل ، وماوزع على عوام المسلمين لا يكفي لصنع مثله ـ بأنه قد استسمح ابنه في نصيبه ، أقول كان هذا الرد كفيل بأن يخجل كل من تسول له نفسه في الرتع بأن يردع عن ذلك ، ومن قبل نظر الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه ينام على الحصير حتى أثر في عنقه رغم كثرة الأموال التي كانت ترد إليه من الغنائم غير أنه كان يوزعها ويقول : ليس لي إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، رأى الصحابة منه ذلك فعفوا لعفته .
والآن تختلس الأموال ، وتنهب البنوك ، وتحتكر الأقوات ؛ فينظر الناس من حولهم فيرون الكثيرين يتسارعون للرتع فيزاحموهم ، ينظر الطبيب فيرى من سمي زورا وبهتانا بالفنان والمطرب والنجم والكوكب قد سكن القصور ، فيثار في نفسه: لم وقد تعب هو وجد وما زال يكد لجلب الشفاء للناس لا يكون مثله ؛ فيغالي في أجرته كي يجمع الآلاف والآلف كل يوم دون أن يسأل نفسه كيف يحضر المريض هذه الأموال ، وينظر المدرس فيرى حقيرا وقد امتلك الكنوز فيثار في رأسه : ولماذا لا يكون مثله ، وقد سهر الليالي في تعلم العلم وتعليمه ،لماذا لا يسارع بالاحتيال على الطلاب بدروسه الخصوصية ليجمع كل يوم المئات والمئات ، دون أن يفكر في حال المساكين من التلاميذ ، ويرى العلماء أنفسهم وقد صاروا مثل من حاك أو حصا( عمل بالحياكة أو جمع الحصوات وبيعها ) في رزقه وسط مجتمع مادي فيفكرون في الهجرة إلى بلاد تبسط لهم في رزقهم وترفع من شأنهم وإن كانت عدوة لنا .
حتى الدعاة إلى الله سولت للكثير منهم وسط مجتمعات غلبها الجشع أن يطلب بعضهم بعمله ولا أقول بعلمه فقط حطام الدنيا رافضين الاقتداء بمعلهم الأول صلى الله عليه وسلم في الرضا بما عند الله بعد أن صار المجتمع لا يقدر إلا صاحب المال ، فصار الكثير والكثير ـ عافانا الله ـ يصر على المطالبة بثمن ما ينشر من دروس يلقونها أو خطب يخطبونها ، تحت مسمى حقوق الملكية ، ولا عجب أن يقل صداها أو ينعدم نفعها مهما حرك الناس لهم الشفاه إعجابا بها ، وتوالت المدائح ثناء عليها ,وهذا الموظف ينظر لدخله بين الناس فيستقله فيسعى للرشوة بكل سبيل ، وذاكم التاجر يتسقل دخله قياسا على الأثرياء فينافس في غش بضاعته، وصدق الرجل لو رتعت لرتعوا .
وسيظل كل ما حولنا ساحة للرتع إلا إذا عف العالم ثم تبعه الحاكم ، فهما صنوان ، والأول أسبق ميلادا ، ووجوده أولا شرط لكل صلاح .
ألم تروا إلى حال العز بن عبد السلام وقصته مع قطز كيف عف ثم طالب الأمير بالتوبة من الرتع حين قال : إن أنفقتم ما ادخر في بيوتكم من ذهب وغيره أفتيت لكم بجواز فرض الضرائب على الرعية لتكون عونا على الجهاد ؛ فسارع أمراء الممليك والأثرياء بالإنفاق في سبيل الله ، وكان ذلك مقدمة للرجوع إلى الله ، مقدمة لذهاب هيبة التتار من قلوب المسلمين ، مقدمة لرضا الناس بواقعهم ، مقدمة للصلاح الاقتصادي والاجتماعي ، بل والديني ، إذ ورث قطز أمراء ذوو باع في الإصلاح لا يعلمه إلا القليل ، وورث العز علماء قامت النهضة الفكرية على أيديهم، أسأل الله أن يصلح أمرنا وسائر المسلمين .







 الذهبي غير متواجد حالياً رد مع اقتباس