عرض مشاركة واحدة
قديم 11-Feb-2007, 05:00 PM   رقم المشاركة : 1
الذهبي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية الذهبي

 




افتراضي امرأة العزيز وأم الخليفة

ضعيفة المرأة نعم ، ولكن مع هذا الضعف تمتلك قوة غلابة ، خاصة إذا لم تجد من الرجال من يكبح جماحها ، والتاريخ مليء بنماذج من ذلك الطراز من النساء الذي هيمن بقوته الضعيفة الغلابة حتى كاد ان يورد الناس المهالك ، وأسوق في هذه العجالة نموذجين أحدهما لامرأة لم تجد من الرجال من يقف يكبح جماحها فضلت وأضلت ، ألا وهي امرأة الغزيز بمصر التي أرغمت زوجها وبإشارة منها على سجن أشرف وأطهر مخلوق في عصره ، لا لشيء إلا لأنه رفض أن يخون من تربى في كنفه ويمارس معها الرذيلة ، فحرمت بذلك شعبها من الاستفادة من عقليته الفذة في مجال الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي طوال الفترة التي قضاها خارج القطبان .
ولولا أن الله هيأ له من الأسباب حتى خرج من سجنه ما وجدت مصر من يخرجها من أزمتها وشدتها ، وسنينها العجاف .
والنوذج الآخر لامرأة تسمى "الخيزران " كانت أما لأحد الخلفاء العباسيين رأت فيه وهنا فأردت أن تقحم نفسها فيما ليس لها ، وأن تستبدأ بالأمر دونه ، ومن مظاهر هذا الاستبداد أنها عينت رجلاً من النصارى على الطراز ( مصانع النسيج العامة ) بالكوفة ، ليس فقط بل وكتبت إلى الأمير عيسى بن موسى ألا يعصي له أمراً ..
فاستبد هذا النصراني باستبداد من عينته حتى شوهد ذات يوم يخرج من أحد الأزقة عليه خز وطيلسان على برذون فاره ، ورجل يساق بين يديه مكتوفا وهو يقول : واغوثا !! بالله ثم بالقاضي، من شدة ما به من آثار السياط في ظهره التي أوقعها به هذا النصراني الذي لم يكتف بما فعله به ، وإنما ساقه للقاضي ليوقع به عقوبة السجن ؛ لا لشيء إلا لأنه عصى من عينته المستبدة .
لكن الحال كان غير الحال فإذا كانت امرأة العزيز لم تجد من يكبح جماحها فإن الخيزران وعاملها قد صدما بالقاضي شريك رحمه الله .
يقول أحد رفاقه كنت جالسا معه نتدارس حكم العبد الذي يتزوج بدون إذن وليه ، فدخل عليه هذا النصراني ومعه الرجل يصرخ ويقول : أنا رجل أعمل الوشي ( التطريز) وأجرة مثلي مائة في الشهر، أخذني هذا ( النصراني )منذ أربعة أشهر فأجلسني في طراز يجري عليّ القوت ، ولي عيال قد ضاعوا ، فأفلتُ اليوم منه فلحقني ففعل بظهري ما ترى ، يقول رفيق شريك فقام إليه شريك فقال: يا نصراني اجلس مع خصمك ، فرد عليه: أصلحك الله هذا من خدم السيدة ، فمُر به إلى الحبس، وكأنه يتكبر أن يقف معه في ساحة الخصام ، فقال شريك : قم ويلك فاجلس معه، فقام فجلس معه، فقال له شريك: هذه الآثار التي بظهره من أثرها ؟ فقال النصراني : أصلحك الله ! إنما ضربته أصواتاً بيدي !! وهو يستحق أكثر من ذلك!!..
فدخل شريك داره وأخرج سوطه ، ثم ضرب بيده النصراني، ثم قال للرجل: انطلق إلى أهلك، ثم رفع السوط فجعل يقول يا طبجي .. والله لا تضرب المسلمين أبداً ..
فهمّ أعوان النصراني وحاشيته أن يخلصوه من يده، فقال شريك لمن حوله من مساعديه : اذهبوا بهم إلى الحبس، فلما سمعوا مقولته هربوا وتركوا النصراني وحده ، وجعل يبكي ويقول: ستعلم !! كانه يهدده بالسيدة الخيرزان التي عينته ، فلم يعبأ شريك بما قال له ، وجلس إلى رفيقه مواصللا مدارسة ما كان فيه كأن شيئا لم يكن فقال: يا أبا حفص، ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه ، فتعجب من حاله وقال له: أخاف عاقبة هذا الأمر الذي أحدثته ، فرد عليه شريك: اسكت من أعز أمر الله أعزه.
أما النصراني الذي ما زال يركن إلى استبداد الخيرزان فقد ذهب إلى الأمير عيسى بن موسى فشكا إليه شريكا فرد عليه قائلا: لا والله ما أتعرض لشريك، فمضى النصراني إلى بغداد ولم يعد بعدها للكوفة.
وفي نهاية العجالة أقول : إذا لم يوجد من العقلاء من يقاومون الاستبداد , ويسارعون بإخراج أمثال يوسف عليه السلام من السجون ، وإن لم يسارع القضاة بالتشبه بشريك في جرأته في الحق وشجاعته ، وإذ لم يوجد من يكبح جماح نساء الكبراء عن التدخل في أمور البلاد الحساسة فلا أمل في الإصلاح ، ولا أمل في خروج الأمة من كبوتها






 الذهبي غير متواجد حالياً رد مع اقتباس