عرض مشاركة واحدة
قديم 01-May-2007, 01:47 PM   رقم المشاركة : 5
التاريخ
مشرف
 
الصورة الرمزية التاريخ

 




افتراضي

المظلومون في تاريخنا (2)
د. عبدالرحمن علي الحجي
أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي


الحلقة الثانية


ما أكثر الظلم الذي تَحَمّله تاريخُنا الإسلامي وحضارتُه من أعدائه ومن بعض مَنْ انتسبوا إليه كأبنائه. وعليه فما أكثرالمظلومين فيه كذلك، والمقصود أولاً وآخراً الإسلام، والإسلام وحده وليس غيره، يستوي فيه الماضي والحاضر.

وليس المقصود بالظلم هنا ما وقع لأهله أفراداً وجماعاتٍ وأحداثاً من أذيً محققٍ فعلاًً واضطهاد لهم في حياتهم الشخصية، من قِبَل أي أحد، عدواً كان أو صديقاً أو من الأبناء المدعين، إنما المقصود أُولئك الذين نالهم الظلم في تشويه سيرتهم وأعمالهم وحياتهم، وربما إلى اليوم.

لقد نال هذا الظلمُ والافتراء والاعتداء كُلَّ ركن وكل أحد وكل صنف من الناس في العصور والبلدان، رجالاً ونساءً، ويمكن الاستنتاج أن كل من خدم الإسلام وخدمه أكثر كان سهمه من الظلم أكثر.

فالمظلومون من الخلفاء كثيرون، وربما أولهم ثلاثة: الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان (35ه = 656م)، والخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد(193ه = 809م)، والخليفة العثماني الرابع والثلاثون عبدالحميد الثاني (1326ه = 1909م).

بل بلغ الظلم حداً غريباً، حيث ذُكر أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح، تآمروا على أن يتولوا الحكم الواحد بعد الآخَر!! بل إن الخليفة عمر بن عبدالعزيز نفسه لم يسلم من الظلم.

كان هذا في المشرق الإسلامي، أما في مغربه (الأندلس، ما قبله وما بعده) فلدينا العديد من الأمراء والخلفاء الذين ظلموا، من أمثال: أمير المرابطين يوسف بن تاشُفين (500ه)، والخليفة الأندلسي عبدالرحمن الناصر (350ه)، وابنه الحَكَم المستنصر (366ه).

ومن الولاة والأُمراء والقادة: خالد بن الوليد (21ه = 642م)، وعمرو ابن العاص (43ه = 664م)، وأبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس(44ه=665م)، وموسى بن نُصَيْر(97ه = 715م)، وابنه عبدالعزيز (97ه=716م) والي الأندلس بعد أبيه موسى وأحد الفاتحين لها، وطارق بن زياد (بعد 100ه = بعد 718م).

ومن العلماء والفقهاء والقضاة: ابن رشد الحفيد محمد بن أحمد (595ه = 1198م). وقد اتُهِموا بالجمود في نِتاجهم لا سيما أدبهم وبالذات شعرهم، حتى لقد نالوا ظلماً من الأئمة المؤرخين الأعلام الثِّقات، أمثال: محمد بن إسحاق (151ه = 768م) صاحب السيرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام، التي هذبها عبدالملك بن هشام (213ه = 828م) وعُرِفَت به، والمؤرخ الفقيه الإمام محمد بن جرير الطَّبَري (310ه = 923م)، لكنهم بالمقابل جعلوا من مصطفى كمال أتاتورك (1356ه = 1937م) المصنوع بطلاً حقيقياً، وكان قد ألغى الخلافة العثمانية سنة 1924م، مثلما جعلوا مكتشفين جغرافيين.. أبطالاً.. مثل: ماجِلاّن البرتغالي (1521م) الذي قام بحملة عسكرية ضد المسلمين في الفلبين، كما جعلوا مثله كذلك فاسكو دي جاما البرتغالي (1524م)، وهو الذي جهز حملة مماثلة إلى الهند.

وإذا كان هذا بالنسبة للأعلام، فالأمر لايختلف بالنسبة للأحداث والفئات والمواصفات، وطبعاً من ورائها الأفراد والجماعات والمجتمعات، أي قّلَّ من بقي من المسلمين إلا وقد حمل من الظلم ما ينوء به حملاً حتى يقع مقتولاً، يُقَوّلونه تلفيقاً ويحركونه افتئاتاً ويُفَسّدون نيته تجريماً، كما يجرحونه، بعد أن يجرمونه، حتى يدموه.

فأنكروا على المجتمع المسلم أن تكون فيه العفة في كل الأمور، لا سيما في العَلاقات بين المرأة والرجل، واعتبروا ذلك ظاهرة يونانية النشأة ونُقلت منهم!! والجهاد ومعاركه ونشاطه افترسوه وذروه في الهواء معتبرينه تجاوزاً، وأسوأ من ذلك قالوه، كما زعموا حول بلاط الشهداء (114ه = 732م).

كما ساقوا الظلم إلى الأقوام: العرب والعجم والبربر، ووجهوه إلى الأعمال، منها بناء المساجد، منتزعين أرضها من الآخرين، ليقيموها في أماكن عبادتهم نفسها، كما أنهم لم يحسنوا معاملة غير المسلمين، وما حفظوا عهود الآخرين، كل ذلك دفعوه إلى تاريخنا. ونسوا أو تناسوا ما أنزله الآخرون بالمسلمين، لا سيما ما جرى على يد محاكم التفتيش.

وللفئات كِفْلٌ من ذلك ثقيل، فقالوا : إن الإسلام خلال تاريخه ظلم المرأة، وفتح أبواب الرِّق لها ولأخيها الرجل، التي جعلها دونه درجة، وأن التاريخ الحضاري لا يحمل إبداعاً، وكل الذي قدمه المسلمون هو ترجمات من اللغات الأُخرى، لا سيما من اليونانية، بل إن الإسلام هو ضد الحضارة ويؤخرها.

ومن وجوه الظلم الشديد والافتئات البليد والجور البعيد عن كل تأويل ووضوح.. التجاوز الذي يعلن عن نفسه ويكشف عُواره أو هو مكشوف، لا يكتفي أن يأخذ بصاحبه إلى الغفلة بل إلى التفاهة والتقزز الكريه، من أن الإسلام انتشر بالسيف وأن الفتوحات كانت من أجل الغنائم، بل إنها كانت علاجاً لمشكلة الفقر بتقليل عدد النفوس! بل إن هذا الظلم لتاريخنا وصل إلى السيرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام.

وهناك مظالم أخرى غيرها تنوعت أشكالها.

كل ذلك يدعو إلى الاهتمام بتاريخنا الإسلامي وحضارته، ورد ذلك إلى موقعه، وإعادة قوته ووضعه في المكان اللائق به في ذاكرة الأُمة وحضوره في فهمها وفعاليته في واقعها، ما يدعو إلى العناية به وكتابته، ليس فقط لإزالة الشبهات ورد الزيف وإزالة الظلم عنه، بل لبيان حقيقته وإظهار تميزه وتبني جمالاته للانتفاع بخيراته.

ويقتضي بجانب الجهود الفردية إنشاء مؤسسات متخصصة لإنجاز المهمة بما يناسبها، بل وربما إنشاء كليات لهذا الغرض المهم.












التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 التاريخ غير متواجد حالياً رد مع اقتباس