عرض مشاركة واحدة
قديم 19-Nov-2007, 12:11 PM   رقم المشاركة : 1
أبوبكر الغزي
إغريقي



افتراضي (الأروع مقال) في أصل البربر / الأمازيغ وعلاقتهم بالعرب

عرب و بربر.. مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله
للشيخ/ عبد الكريم مطيع الحمداوي
_____________________

تصميم الدراسة

عرب و بربر: مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله
التفرقة العرقية سلاح للترويض والإخضاع
أهداف الفرنسيين من الاحتلال وأساليبهم
هل المغاربة عنصران متباينان؟
من حيث تسميتهم أمازيغ وبربر
من حيث علاقة البربرية باللغة العربية
هل يجب أن يعود البربر إلى النصرانية كما تريد فرنسا وتيارها في بلادنا؟
واقع الحال وآفاق المستقبل
كلمة أخيرة للدعاة الصادقين: لوثة العرقية في منظار العقيدة والشريعة


عرب و بربر

مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

تجتاح المغرب في السنوات الأخيرة حملة شرسة مسعورة ترمي إلى تمزيق الشعب المغربي المسلم عرقيا وعقديا وأخلاقيا، وتفتيت قوته وتوهين صلابته وإضعاف مقاومته، ليتحول إلى قطيع من الأغنام بيد أجنبي متكالب، يريد أن تتقطع كل الوشائج الدينية والأواصر الأسرية والروابط الاجتماعية، كي يتمكن من مسخ الهوية المغربية واستنزاف الثروة الوطنية وتوسيع رقعة ما يطلق عليه " فرنسا ما وراء البحار"، وفي سبيل ذلك ليس من ضير أن تستعمر الأرض وتهان الكرامة، وتنهار الأخلاق، وتتفسخ القيم .

في سبيل هذه الغاية تركز دوائر النفوذ الأجنبي على محاولة القضاء على الحركة الإسلامية المغربية بصفتها صمام أمان المجتمع عقديا وأخلاقيا، بتمزيقها وتحويلها إلى شظايا خرافية أو قبورية أو مخزنية أو استخباراتية، فيرتاح أعداء الدعوة لما يؤول إليه أمرها من ضعف ووهن وانشغال لمللها ونحلها بالمعارك الجانبية والحرائق الهامشية.

كما انبعثت عناصر أخرى لإثارة البلبلة والتفرقة بين أفراد الشعب المغربي المنتمين في غالبيتهم إلى أصل واحد هو سام أب العرب قاطبة، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله "سام أبو العرب"1، سواء منهم من هاجر قبل البعثة النبوية الشريفة من اليمن، أو من هاجر بعد الفتح الإسلامي، وهو ما خططت له سلطات الحماية الفرنسية في ثلاثينات القرن العشرين بمحاولة تقسيم المغاربة إلى عرب وبربر لكل منهما أصول خاصة وديانة متميزة، ثم تقسيم سكان الجبال إلى بربر ريف، وبربر زيان، وبربر سوس، وتقسيم سكان السهول والشواطئ والصحراء إلى أعراب، ومدنيين، وأندلسيين، وحسانيين. ثم بناء التنظيمات الحزبية والبرلمانية والمؤسسات الحكومية والوظيفية والعسكرية والبوليسية على قاعدة تكريس هذه التفرقة وإذكائها وتوظيفها واستثمارها لصالح الغرب الاستعماري وأهدافه الصليبة.

لقد عرف المغرب طيلة العهد الإسلامي دولا منبعثة من عدة مناطق فيه، دولا أسسها مسلمو صنهاجة الصحراء المرابطون المجاهدون، ودعاة سوس العالمة الموحدون الأشاوس، وأخرى أسسها حماة الأرض والعرض المرينيون والوطاسيون... الخ، وكلهم من عرب الهجرات الأولى وعرب الفتح الإسلامي، فلم تمزق وحدتهم دعوة عرقية أو فكر دخيل أو ولاء لأجنبي، وكلما استضعفهم عدو انبعثت وحدتهم صلبة متحدية مدافعة، ويكفي شاهدا على ذلك ثورة مسلمي الريف بقيادة آل الخطابي، التي كانت الخطوة التأسيسية الأولى لحركة التحرير الوطني وتحقيق الاستقلال، على رغم تكالب قوتين فرنسية وإسبانية ضدها، مستعينتين عليها ببعض خونة العلماء ووعاظ السلاطين.

على هذه التفرقة عاش النفوذ الأجنبي وأولياؤه في بلادنا، وبها استمروا ومن أجلها يسعون.

حاولوا احتواء سكان السهول لضرب سكان الجبال وتوهين ثوراتهم، بدعوى أنهم يكرهون الإسلام ويبغضون الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحاولون طرد سكان السهول، أو صرفهم عن دينهم.

فلما لم تفلح هذه الدعاوى في ترويض الشعب بجميع فئاته، واندلعت الثورات المطالبة بالعدل والمساواة والحرية عمد المخزن إلى تكوين جيش من الزنوج على غرار تجربة العباسيين أيام المعتصم إذ استعان في حكم البلاد بمرتزقة أتراك، ثم ما لبث جيش الزنوج هذا أن تمزق وانقلب على ملوكه فسامهم سوء العذاب، ثم بعد انفراط عقد السلطة المركزية في عهد السلطان عبد الحفيظ بثورة المستضعفين والجياع من سكان الجبال والسهول الذين احتلوا العاصمة "فاس"، استقدم الجيش الفرنسي لقمع الثوار وتكريس سلطة الاستعمار الأجنبي رسميا في البلاد بتوقيع عقد الحماية المشؤوم.

ثم لم يتورع الفرنسيون عقب الاحتلال عن ركوب نفس الموجة العرقية، ولكنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم منها، نظرا لصلابة الوحدة الوطنية وتمسك المغاربة بعقيدة التوحيد ودين الإسلام الموحد. ثم لما اضطروا لمغادرة البلاد سنة 1956م، طوروا أساليبهم لنفس الأهداف من وراء ستار، لإثارة النعرات القبلية والعرقية، تلافيا لأي توجه وطني نحو استئصال بقايا رواسب الاستعمار ومخلفاته ورموزه وأعوانه وعملائه وأذنابه.

قبل أن نتناول الموضوع بتفصيل وتحليل واستدلال ينبغي أن نمهد بإيراد نماذج تاريخية تلقي الضوء على الجذور التوظيفية لهذه النزعات الطائفية لدى المخزن ثم بتوضيح الأساليب الاستعمارية المعتمدة في هذا الأمر، مستطردين بما هو واقع الحال بعد الاستقلال وآفاق المآل، لهذه المؤامرات الهادفة إلى تمزيق وحدتنا وتنصير أبنائنا وتحويل قبلتنا.







التفرقة العرقية

سلاح للترويض والإخضاع


إن التفرقة وبث الفتنة بين القبائل كان سلاح المخزن الأمثل لترويض المغاربة وإخضاعهم والقضاء على ثوراتهم ضد الظلم والفساد، يحتوي بعض سكان السهول لضرب ثوار السهول والجبال معا، ويوقع الفتنة بين قبائل عرب السهول أنفسهم فيسلح البعض منهم ويحرضه على الآخرين، فيقاتل بعضهم بعضا، وينهب بعضهم بعضا، ويستبيح بعضهم دماء بعض وأمواله. ويبقى المخزن حكما وحارسا لوحدة مزيفة وأمن مزعوم.

إلا أن هذا الأسلوب أثبت فشله على مر السنين، إذ سرعان ما كان المغاربة يكتشفون اللعبة فيتحدون مطالبين بالعدل والكرامة والحرية، وينضمون إلى بعضهم تحت راية الإسلام والوحدة، فيدفعون ثمن ذلك ضروبا من القمع والإرهاب والتشريد، ولما عجز المخزن لم يجد بدا من حماية نفسه بارتهان الوطن كاملا لدى جيش الجنرال ليوطي الغازي.

يقول المؤرخ أحمد الناصري2: ( فلما كانت سنة إحدى وثمانين وألف غزا المولى رشيد بلاد السوس فاستولى على تارودانت، رابع صفر من السنة، وأوقع بهشتوكة فقتل منها أكثر من ألف وخمسمائة، وأوقع بأهل الساحل وقتل منهم أكثر من أربعة آلاف، وأوقع بأهل قلعة إليغ، وقتل منهم بسفح الجبل أكثر من ألفين).

ويقول أيضا3 ثم دخلت سنة خمسة وتسعين وألف فخرج السلطان في العساكر إلى جبال فازاز لحرب صنهاجة من البربر هناك فلما سمعوا بخروجه إليهم انهزموا إلى ملوية ....وأنزل السلطان بقلعة آزرو ألف فارس وبقلعة عين اللوح خمسمائة فارس، فأخذوا بمخنقهم واستراح الناس من عيثهم ببسيط سايس، ولما منعوا من السهل وانقطعت عنهم الميرة- أي الزاد – وقلت الأقوات خشعوا، ونزل وفدهم وقدموا مكناسة على السلطان تائبين فأمنهم على شرط دفع الخيل والسلاح والاشتغال بالحرث والنتاج فدفعوها عن يد وهم صاغرون، وهؤلاء هم آيت إدراسن)

ويقول4: ( وصعد السلطان الجبل – أي جبل فازاز - من الناحية الغربية فأول من قدم عليه من برابرته بالطاعة زمور وبنو حكم فولى عليهم رئيسهم بايشي القبلي فاستصفى منهم الخيل والسلاح ثم تجاوزهما إلى المال فاستصفاه أيضا...)

ويقول5: ( ولما كانت الليلة المعينة لم يرع البربر إلا رعود المدافع والمهاريس تصعق في الجو ونيرانها تنقدح في ظلمات الليل وأصداء الجبال تتجاوب من كل ناحية، فقامت عليهم القيامة وظنوا الأرض قد زالت عنهم وزحفت عليهم عساكر السلطان من باقي الجهات واشتد القتال فانهزموا وتفرقوا في الشعاب والأودية شذر مذر، فقتل رجالهم وسبيت نساؤهم وأولادهم ونهب أثاثهم وحيزت مواشيهم وأنعامهم، واستلبت خيلهم واستحر القتل والنهب فيهم ثلاثة أيام والعساكر تلتقطهم من الأودية والشعاب وتستخرجهم من الكهوف والغيران، وكان عدد رؤوس القتلى ينيف على اثني عشر ألفا).

ويقول6: ( فقدم عليه7 مع جماعة من المجاهدين أهل الريف من طنجة فوق المائة ومعهم زوجة الباشا أحمد الريفي وولداه منها، فقدمت هدية عظيمة، فقبض السلطان الهدية وقتل الولدين ومن معها من أهل الريف، ثم قتل معهم ثلاثمائة من بني حسان قدموا عليه للتهنئة).

ويقول8: ( ورد الخبر بأن ركب الحاج- أي حجاج بيت الله الحرام- قد وصل إلى تازة وهو محصور بها فاستغاث أهل فاس بالبرابرة ليأتوهم بإخوانهم، فخلصوا الركب الذي بها – ركب الحجاج- وقدموا بهم إلى فاس، فدخلوا باب الفتوح ونزل البرابرة والحياينة بالزيتون... وفي أثناء ذلك أغار عليهم جيش الوداية فقضوا عليهم وقتلوا منهم كثيرا، فأمرهم السلطان أن يعلقوا رؤوسهم على سور قصبة شراقة ففعلوا...).

وفي العصر الحديث سلط الجنرال أوفقير ضابط المباحث العسكرية الفرنسية سابقا، الجيش المغربي على قبائل الريف في مذبحة رهيبة قتلاها بالآلاف، أما أسراها فقد جمعوا في ركن من الغابة وناداهم أوفقير واحدا واحدا ليعطيهم الأمان، وقبل أن يطلب منهم الانصراف ركضا، لم يكن ينسى أن يخص كل واحد منهم برصاصة في رأسه.

لعل هذه المواقف القمعية المتطرفة ضد هذه الفئة المؤمنة تثير العجب لدى البعض، ولكن العجب يزول إذا ما عرفنا أن جريمة هؤلاء المستضعفين الوحيدة هي تشبثهم بالحرية والوحدة والعقيدة والكرامة والأرض، في مواجهة محاولات مصادرة الوحدة والحرية والعقيدة والكرامة والأرض.

ولعل في المثال التالي، وهو قطرة من بحر، خير دليل على ما نذهب إليه:

ذلك أنه في مستهل القرن العشرين ثار المغاربة ضد السلطان عبد الحفيظ، فاستنجد بالجيش الفرنسي، كما ذكر ذلك كل المؤرخين، وفي مقدمتهم محمد غريط الذي أرخ للحادث بقوله9كتب الثائرون إلى المولى عبد الحفيظ بالوعيد والتهديد باحتلال فاس الجديد، فأيقن أنهم يفعلون ما يقولون، وبأن لهم قوة بها يستطيلون ويصولون، فاضطر للدفاع عن الحضرة العلية، بجنود الدولة الفرنسوية...) ( ...ولهذه الاضطرابات والانقلابات السريعة...التي كادت تترك الناس فوضى... وتصير الدولة مطمعا، بسطت الدولة الفرنسية على المغرب حمايتها وسددت لرؤوس الفتنة رمايتها، فعادت الأمور إلى انتظامها والدولة الشريفة إلى عزها وإعظامها)10

وعندما استنكر علماء مراكش ما فعله السلطان عبد الحفيظ واحتجوا على الاستعانة بالجيش الاستعماري الفرنسي كتب إليهم موبخا متوعدا مهددا، بقوله11:

( ...وقد بلغ لعلمنا الشريف ما يتفوه به بعض الثرثارين الذين يدعون التفقه بين الجدران والأساطين، من تهويل أمر الاستعانة بالفرنسيين، فالمتحقق في حالة هؤلاء البربر لا يرى الاستعانة بالغير في حقهم محظورة، إذ البرابر كأسنان المشط في مخالفة الشرع التي هي أفظع صورة، فالاستعانة عليهم ليست إلا لاستنقاذ حرمات الله، وهذا لايوجد في الشرع عنه ناه...) وفي ثنايا هذه الرسالة يكشف صراحة عن نظرة الاستعلاء التي ينظر بها إلى الثوار بقوله: ( ...وعاملناهم معاملة بني آدم مع أنهم ليسوا من هذا القبيل)12.

هذه النظرة الاستعلائية على المواطنين استنبتت في الحاشية والأعوان والمقربين بعد سقوط الأندلس، والاستعانة بنخبة من مهاجرتها الذين كانوا بطانة وأعوانا للأنظمة الفاسدة التي سلمتها للفرنج، ولما استخدموا من طرف المخزن، عملوا على الاستئثار بالسلطة واستبعاد أصحاب الأرض من المواطنين، وتحريض السلاطين عليهم.

ثم لما استقر الأمر للفرنسيين وأمن المخزن غائلة الثوار، كتب السلطان عبد الحفيظ إلى العلماء يهنئهم بهذه المكرمة قائلا13: (...فجرفتهم - أي الثوار- جنود القوة المرتجلة – أي الجيش الفرنسي – التي استبطؤوها، وشردتهم ...وأعلمناكم بهذا أن لله في طي قدرته نعما لا تحصى، وتأخذوا حظكم من الفرح والسرور...)

وبذلك انغمر مغاربة المخزن في حظهم من الفرح والسرور على حساب التفريط في الأرض والعرض والدين والكرامة كما وصف ذلك محمد غريط بقوله:14 ( وحسنت الأحوال بعد زوال تلك الأهوال، فألوى الناس إلى خضراء الدمن15، وذهب بعضهم في اللهو والبطالة كل مذهب، وتآخوا على الفاحشة وبئس الإخاء، وسخوا، ولكن في ما يحرم فيه السخاء، وصاروا في يوم الجمعة كما كان أهل الأندلس يوم السبت، يفعلون أفاعيل أصحاب الطاغوت والجبت... واختلاط النساء بالرجال متعطرات متبرجات كأنهن بكل ناظر متزوجات... ومعاطاة الكؤوس على المقابر، كأنما أعيد عصر الجاهلية الغابر...)

لقد حقق المخزن غايته باستتباب أمنه ورفاهيته، فهل حقق الاستعمار الفرنسي غايته المعلنة قبل الاحتلال والمضمرة؟




أهداف الفرنسيين من الاحتلال وأساليبهم


تزعم السلطة الفرنسية أن هدف جنودها من تدخلهم في المغرب سنة 1912م هو القضاء على الفوضى وحماية النظام وتطوير البلاد وأهلها، مما تم بموجبه عقد مقايضة بينها وبين المخزن تضمن به بقاءه في مقابل وضع اليد الفرنسية على كامل التراب المغربي ثم اقتسامه مع الإسبان، وتطويره في إطار الأهداف الفرنسية المعلنة. وفي هذا يقول المؤرخ الفرنسي تيراس16: (وفي مستهل القرن العشرين أصبحت الأسرة العلوية مهددة من كل الجهات، لما اندلع من فوضى وثورة، ومن ثم كان لزاما على القوات الفرنسية أن تتدخل لإنقاذ السلطان وعاصمته فاس من ثورة القبائل. وفي اليوم الثاني لبسط الحماية على المغرب تمكنت قوة عسكرية أخرى من صد حملة مرابطية جديدة قادمة من موريطانيا بقيادة الشيخ الهيبة).

فهل اكتفى الفرنسيون بتحقيق هدفهم المعلن هذا، أم كانت لهم أهداف أخرى مضمرة أشمل وأوسع وأبعد خطرا؟

إن الاستعمار الفرنسي لم يقدم قط لحماية النظام السياسي المغربي، ولا لنشر الهدوء والأمن والتطور، بل قدم وفي برنامجه أن يحول البلاد وأهلها عن الإسلام ولغة القرآن ( العربية)، ويقتطع المنطقة بكاملها عن أمتها ويربطها نهائيا بالغرب الصليبي كنيسة وعادات وتقاليد وأخلاقا وأعراقا. وفي هذا يقول ويلفريد ناب17: ( وكتب ليوطي بنفسه قائلا:" إنه ليس من مهامنا تعليم اللغة العربية للسكان الذين لم يتعلموها، لأن العربية هي إحدى العوامل المتعلقة بالإسلام، لأنها لغة القرآن، وهدفنا هو تطوير البربر خارج إطار الدين الإسلامي". كما اتبع هذا النهج وعمل لهذا الهدف عدد من الفرنسيين الرسميين والموظفين العسكريين فشجعوا الأسطورة المختلقة التي تدعي بأن هوية البربر تتميز عن الهوية العربية، وأن أصل البربر قبل الإسلام يتضمن ارتباطهم بالمسيحية واليهودية.).

وفي هذا يقول " BOBIN BIDWELL "18: ( يقول الجنرال بريموند في كتابه تحت عنوان فرعي" البربر بلد أروبي": لا يوجد هناك عرب في شمال إفريقيا، فالسكان ربما جاؤوا من سيبيريا ويتكلمون لغة تشبه لغة الكيشوا في الأنديز)

There are no Arabs in North Africa. The population probably came from Siberia and speaks a language with similarities to the Kichoua of the Andes.

ويضيف19: ( ويقول الأستاذ برنار Bernard ": لا يوجد عرب في شمال إفريقيا، بل بربر على مستويات تعريب مختلفة).

There are no Arabs in North Africa: There are merely Berbers at different stages of Arabisation.

ويضيف20: ( وعندما أحيل الماريشال ليوطي على المعاش لخص سياسته البربرية على النمط التالي قائلا: "لقد كان هدفي من الغزو هو أن أحمي البربري من أي تدخل في حياته الخصوصية وأعرافه القبلية وتقاليده... إن نجاحي في إقامة المغرب الكبير ...وهو أمر كان يبدو مستحيلا، يعتبر ثمرة ونتيجة لنجاحي في التغلغل إلى الروح البربرية والتمكن منها. ولقد ساندت دائما العنصر البربري ضد العنصر العربي. إن العنصر البربري لن يفهمه إلا الجندي).

Mon secret, celui de ma Conquête, Ce fut de protéger le Berbère contre toute intrusion dans sa vie intime, dans les coutumes du clan, dans ses traditions…

Si je n'avais pas conquis l'âme berbère, il m'aurait été impossible de constituer un grand Maroc. J'ai toujours soutenu l'élément, berbère contre l'élément arabe dégénéré… l'élément berbère ne sera jamais Compris que par un Soldat.

ويضيف21: ( واهتم الماريشال ليوطي اهتماما كبيرا بدراسة عادات البربر وأعرافهم، كما قام في 9- 1- 1915م بتعيين لجنة للدراسات البربرية . وفي يونيو 1921م وبخ الماريشال ليوطي الضابط"A.I." الذي كتب إليه من "كرامة" باللغة العربية وانتهره قائلا:" إنه يتحتم علينا أن ننتقل مباشرة من البربرية إلى الفرنسية، فالعربية هي عامل الأسلمة، لأنها لغة القرآن، أما مصلحتنا فتحتم علينا أن نطور البربر خارج إطار الدين الإسلامي)

Nous devons tendre a passer directement bu Berbère au français… L'arabe est un facteur d'islamisation parce que cette langue s'apprend dans le Coran ; or notre intérêt nous command de faire évoluer les berbères hors le cadre de l'Islam…

ويضيف22: ( وأعطى ليوطي تعليماته لضباطه بألا يساهموا في نشر الإسلام بين البربر فقال:" ينبغي أن يستوعب ضباطنا جيدا هذه المبادئ، كما يجب عليهم بالأخص أن يحرصوا على عدم الظهور كأمناء وحماة للإسلام..

Tous nos officiers doivent être bien pénétrés de ces principes qu'ils évitent surtout de se présenter en fourriers de l'islam.

إن عملية تحويل البربر إلى فرنسيين سهلة التنفيذ حسب "دي كايكس"، وذلك أنه ليس للبربر ثقافة ذاتية خاصة بهم، وعليه فإنهم لن يقاوموا الثقافة الفرنسية... ولكن المشكلة الوحيدة لديه هي أن الكتاب الفرنسيين يعتبرون البربر حقيرين وجشعين.

وكتب " PIQUET" الذي كان يعمل في الجنوب: "إن البربر أكثر استعدادا من الأجناس الأخرى للانسجام مع الحضارة الأوربية، ولم يدرك أنه تسرع في حكمه بسهولة اندماج البربر بالفرنسيين، كما أن القائلين بهذا الرأي ينسون مقولة الماريشال" BUGEAUD" وهي:" إذا أخذت جمجمة لمسيحي وجمجمة لمسلم وتركتهما على النار تغليان في قدر واحدة لمدة مائة سنة فإنك ستحصل على مرقين مختلفين)

Faites bouillir dans une même marmite pendant cents ans, un crâne de chrétien et un crâne de musulman vous obtiendrez deux bouillons séparés.

ويضيف23: ( إن فكرة إمكانية احتواء البربر أدت إلى ممارسة تفضيلهم على العرب في الشؤون المادية كالمنح الحكومية مثلا، وفي منتصف العشرينات حينما كانت معظم مناطق البربر تقاوم الاحتلال لم تفتأ سلطات الحماية تتطلع لليوم الذي ستشكل فيه هذه القبائل دعما رئيسا لها.

لقد كتب الأستاذ"BERNARD" سنة 1924م: "إن البربر أكثر انقيادا من العرب وذلك لأنهم أضعف حساسية وأقل اهتماما بأن يتفوقوا على المسيحيين".

وبعد مرور سنوات كتب أحدهم:" إن فرنسا لها الحق في تحويل البربر إلى فرنسيين" بينما يتخيل آخر إمكانية ظهور أمة فرنسية في إفريقيا بعد مرور فترة من الزمن).

ويضيف24: ( إن من السخرية السياسية أن ترغب السلطات الفرنسية في استعداء البربر ضد العرب... لاسيما وقد كان هذا هو الهدف الحقيقي للموظفين العاملين في المغرب، كما أن حرصهم الشديد على تحويل البربر إلى فرنسيين يقود طبيعيا إلى تنصيرهم، وغزاتهم سيكونون بعثات تبشيرية تنصيرية، لذلك علينا أن نعرفهم بالمسيح)

Les conquérants seront les missionnaires. Parlons-leur de Jésus.

ويضيف25: ( ولإنجاح هذه السياسة البربرية تقرر إبعاد التأثير العربي الإسلامي، يقول "دي كايكس" ما معناه: "إن التعريب هو الأسلمة ، وهذا يعني إحكام قبضة ديانة من أهم أركانها الجهاد المقدس ونشر لغة بإمكانها أن تصبح وسيلة لنشر أفكار معادية).

Arabiser c'est Islamisé. C'est donc approfondir l'emprise d'une religion de guerre sainte et répandre une langue qui peut être le véhicule d'idées hostiles.

ويستطرد الكاتب نفسه قائلا26 ويزعم داعية آخر يسمى" FONTAINE" أن جميع العرب كسالى ومفسدون... كما يلاحظ بلهجة المنتصر أن العرب قد وصلوا إلى إفريقيا قبل الفرنسيين وعليهم أن يغادروا المنطقة حالا...

إن هذه الأمثلة من الدعاية المبتذلة تبرهن على أهمية الصعوبات التي واجهت الفرنسيين عند انتهاجهم سياستهم المحكوم عليها بالفشل مسبقا، وتجدر الإشارة هنا إلى أن موزعي المنشورات من خلال حملاتهم الدعائية وصلوا إلى درجة من الإسفاف جعلتهم يزعمون أن مناطق البربر تابعة لفرنسا لأن التكوينات الجيولوجية لجبال الريف مماثلة لجبال الألب)

ويضيف27: (في عام 1931م أدرك الداعية الكبير "LEGLAY" أن هذه السياسة قد فشلت نهائيا فكتب حزينا في كتابه " إفريقيا الفرنسية": إن الشعوب مهما اختلفت فيما بينها فإنها عندما تكتشف طموحاتها وقضاياها المشتركة فإنها تتحد في توجيه الانتقادات إلى الفرنسيين" )

من خلال هذه النصوص، وغيرها لا يكاد يحصى، يتضح الهدف الحقيقي للاحتلال الفرنسي للمغرب، وهو تحويل المغاربة إلى نصارى دينا، وفرنسيين من درجة دنيا لغة وتقافة ووضعا اجتماعيا، وإلحاق المغرب أرضا بتراب ما كانوا يطلقون عليه"فرنسا ما وراء البحار".

إلا أن هذا المشروع الخيالي الفرنسي ظل يتلقى الضربات القاسية على يد المقاومة المغربية في الأرياف والجبال والسهول والصحارى، فلم يجد الفرنسيون بدا من الاستعانة بسلطة المخزن التي أصبحت مرتهنة في أيديهم ضعيفة لا حول لها ولا قوة، واستغلال وضعية السلطان المولى يوسف كإمام للمسلمين، حيث أجبروه على تزكية الحملات العسكرية الفرنسية ضد الثوار. وفي هذا كتب " BOBIN BIDWELL"28) إن استغلال وضعية السلطان كإمام ساعدت الفرنسيين على التدخل في المسائل المتفجرة مثل تعليم المسلمين وإصلاح نظام الأحباس، من غير إحداث معارضة، وفي استمالة شريف تازروالت الذي كان يعتبر أحد الشخصيات الدينية البارزة في الجنوب.وكتب الماريشال ليوطي: " كنت سعيدا جدا حين طلب مني السلطان أن أوجه باسمه الجيش الفرنسي في عملية علوية شريفة للقضاء على ثورة الهيبة، وأن نتصدى بقوة لهذه المقاومة الإسلامية معززين بالسلطة الدينية التمثيلية للسلطان، وأعتقد أن اقتراح السلطان هذا يعد من أحسن المناورات السياسية الناجحة في التعامل مع الأهالي)

ولعل في إيراد البرقية التي أجبر المولى يوسف على إرسالها إلى المقيم العام الفرنسي بالمغرب بمناسبة انتصار الجيش الفرنسي على المقاومة المغربية في تازة ما يغني لتوضيح هذا الأمر، وهذا نص البرقية كما وردت في كتاب "ليوطي الإفريقي"29:

( الرباط في 19 مايو، الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة.

من صاحب الجلالة إلى المقيم العام.

أولا: تلقينا بكامل الغبطة والسرور نبأ دخولكم المظفر إلى تازة على رأس جيشكم، وبالمناسبة نبعث إليكم بتهانينا لنجاحكم في هذه العمليات العسكرية المتعاقبة التي هيئت ونفذت تحت قيادتكم الرشيدة كما نرجو منكم أن تبلغوا تهانينا الحارة لكل من الجنرال "كورو" والجنرال "بومكرتن" وإلى ضباطهم وكافة الجنود الذين أعرب لهم عن تقديري الكبير للشجاعة والحنكة التي أظهروها خلال عملياتهم الشاقة.

ثانيا: إننا نوصيكم بانتظار رسائلنا الشريفة التي تقدم التهاني باسمنا إلى كل من القائد أحمد ولد علي وهوارة لموقفهم العادل، كما نؤكد تأييدنا للقائد هاشم ولد الحاج المدني والحاج اجميعان ولد علي، وندعوهم باسم المخزن أن يستخدموا كل نفوذهم ونشاطهم للمحافظة على الهدوء وإخضاع السكان للفرنسيين).

ثم في 11 سبتمبر 1914م أجبروا المولى يوسف على توقيع الظهير البربري الأول الذي يضفي الشرعية على السياسة الفرنسية البربرية، ويقضي بأن تلغى الشريعة الإسلامية لدى القبائل البربرية التي تم إخضاعها من قبل الجيش الفرنسي، وإحلال العرف مكانها في المعاملات والأحوال الشخصية، والقوانين الجنائية، على أن تتخذ قرارات وزارية لضبط محتويات هذا العرف وتقنينها، وبمقتضى هذا الظهير أحدث المقيم الفرنسي العام المارشال ليوطي ابتداء من سنة 1915 في قبائل البربر ما سمي " الجماعات العدلية"، تمهيدا لتحويلها إلى سلطة قضائية حقيقية لا تلتزم في أحكامها بأي جزئية أو كلية من أحكام الشريعة الإسلامية، وإنما بالعرف الجاهلي لسكان ما قبل الإسلام وبالقانون الفرنسي.

ثم عزز الفرنسيون هذه الخطوة في أول عهد السلطان محمد بن يوسف قبل أن يلتقي بالحركة الوطنية الاستقلالية وينخرط فيها، فاستصدروا باسمه وتوقيعه ظهيرا آخر سنة 1930م، هو ما دعي تاريخيا بالظهير البربري، شرعوا بمقتضاه قانونا يفصل بين من صنفوهم عربا، عن من صنفوهم بربرا، واعْتُـبِر بمقتضى هذا القانون أن الإسلام واللغة العربية خاصان بسكان السهول وهم وحدهم العرب والمسلمون، وأن سكان الجبال غير عرب وغير مسلمين، وأوجب لذلك أن تؤسس في مناطقهم محاكم لا تطبق الشريعة الإسلامية ومدارس لا تدرس إلا اللغة الفرنسية.

ثم خطت السلطة الفرنسية خطوة ثقافية أخرى في المناطق التي تعدها وحدها عربية مسلمة بأن قررت فصلهم تدريجيا عن لغة القرآن، بتخصيص حصص في المدارس الرسمية لتعليم اللهجة العربية الدارجة التي استحدثت لها قواعد نحوية وصرفية وتعبيرية، وشهادات ابتدائية وثانوية، ودبلوما عاليا يفتح للحاصلين عليه آفاقا واسعة للتوظيف والترقية.

يقول شارل أندري جوليان 30: ( بدأت السياسة البربرية باحتشام، بالظهير البربري سنة 1914م، ثم أخذت فجأة صورة علنية بالظهير الصادر في 16 مايو 1930م، وقد أمضاه السلطان الفتي محمد بن يوسف، وهو يقر الصلاحية العدلية للجماعات العدلية التي أنشأها ليوطي، وينشئ محاكم لا تحكم بالإسلام وإنما بالعرف، مركبة من الأعيان ومكلفة بالحكم في جميع القضايا المدنية والتجارية وقضايا المنقولات والقضايا العقارية، وفي كل مادة تتعلق بالأحوال الشخصية أو نظام الميراث، كما تؤسس بمقتضى هذا الظهير محاكم استيناف لا تحكم بالشريعة الإسلامية وإنما بالعرف أيضا، باستثناء الأحكام الاستينافية المتعلقة بالقضايا الجنائية حيث نص البند السادس على أن للمحاكم الفرنسية صلاحية البث في الجنايات المرتكبة بالبلاد البربرية مهما كانت وضعية صاحب الجناية وكل ذلك عملا بالخطة التي وضعت منذ انتصاب الحماية لتكريس العرف وإلغاء الشريعة . ثم أمر السلطان بأن يتلى الظهير الشريف في المساجد والأسواق والأماكن العامةوأن تسرع السلطة الفرنسية إلى تنفيذه في جميع ربوع المغرب.)

وقد برهن إصدار الفرنسيين لهذا الظهير وإجبار السلطان على توقيعه، على مدى الضغط الممارس على السلطة المغربية وممثلها الذي لم يكن يملك من أمره شيئا، وفي هذا يقول "BOBIN BIDWELL":31 ( ولم يحتج إلى سلطته – أي سلطة السلطان- إلا خلال الاضطرابات التي وقعت عقب صدور الظهير البربري، كما لم يحتج لرسائله الشريفة إلا لتزكية قراءة الظهير في المساجد.... إنه يمكننا الترحيب بمواقف السلطان محمد الخامس في السنوات الأولى للثلاثينات، فسلطات الحماية لم تمرنه على السلطة، كما أن الجنرال" Spilman" اقترح أن يروض السلطان على النظر إلى الفرنسيين كأعضاء أوفياء ومخلصين، وأن يروع ويخوف من وجود شباب مغربي في مثل عمره يشجبون ويستنكرون بعنف توقيعه للظهير البربري).

وعن هذا الظهير الذي استصدر لخدمة أهداف الاستعمار والكنيسة الصليبية يقول " ويلفريد ناب":32( في عام 1930م نفذ الفرنسيون قانونا جديدا على شكل ظهير، والظهير هو المصطلح الذي يطلق على الطريقة العادية التي ينهجها السلطان لوضع التشريعات ذات الصبغة الدينية، وأعطى هذا الظهير شرعية قانونية للمحاكم القبلية التي شكلت للبربر، وبذلك وضعت قبائل البربر تحت حاكمية القوانين الفرنسية...) ثم يضيف: ( ويمكن وصف هذا الظهير بأنه هجوم على الإسلام ومحاولة لتقسيم البلاد).

لقد كان هذا الظهير كما يقول شارل أندري جوليان33: ( لصالح الدعاية الكاثوليكية التي يتزعمها حينئذ الأسقف "هاري فيال"، وتنادي بها صحيفة "لو ماروك كاثوليك – المغرب الكاثوليكي"، والمجلة التاريخية لبعثات التبشير " لا ريفو ديستوار دو ميسيون"، واتهم الإصلاح – أي الظهير البربري – بأنه ظهر في وقت تفاقمت فيه الدعاية التبشيرية الفرنسية ونشطت فيه جهود ضابط فرنسي هو " الكومندان ماتي" لنشر نسخ من كتاب عن حياة المسيح باللغة العربية، وتنصيب مغاربة من القبائل متنصرين ككتبة بمحاكم الجماعات).

ولذلك قام المغاربة عن بكرة أبيهم في الجبال والسهول والصحارى لمقاومة هذه المؤامرة الفرنسية كما وصف ذلك شارل أندري جوليان34 قائلا: ( وكان للحملة على الظهير البربري انعكاسات عميقة، فلقد انطلقت الحركة من مساجد سلا حيث ظل دعاء أيام الخطب " يا لطيف" يذكر عقب كل صلاة ويختم بهذه الجملة" اللهم إنا نعوذ بك من غضبك فلا تفرق بيننا وبين إخواننا البربر"، ودوى جامع القرويين بهذا الذكر ، وأقبل الجمهور على حرم مولاي إدريس يردد نفس الذكر، فكانت بذلك مظاهرة شعبية جعلت السلطة تحرك الباشا، ولتوقيف الإضرابات استقبل الباشا وفدا يتألف من عشرة أعضاء، فلم يقتصر على اعتقالهم بل سلط عليهم عقوبة الجلد...كما لم يهتم أحد أو يتأثر بقراءة رسالة السلطان التي يدين فيها حركة الشباب الاحتجاجية، ويبرر سياسة تكريس العرف البربري).

هكذا عبدت طريق الغزاة الفرنسيين كي يعملوا على تقسيم المغاربة المسلمين إلى طائفتين عرقيتين، عرب وبربر، ويعملوا على تنصير سكان الجبال تمهيدا لتنصير المنطقة كلها، ويؤسسوا مدارس بربرية فرنسية، تستبعد لغة القرآن الكريم مطلقا، وتقطع جذور السكان عن أصولهم الدينية وأنسابهم وأقاربهم في المناطق الأخرى، وتؤلبهم على إخوة الدين والرحم من عرب السهول بدعوى أنهم جنس غريب عن المنطقة، وأن دينهم الإسلامي خاص بجزيرة العرب، وأن الدين الوطني للمغرب هو المسيحية.

ثم أسسوا أديرة وكنائس ومآوى في الجبال ألحقوا بها الأطفال الأيتام والمشردين واللقطاء وعزلوهم عن المجتمع المسلم واقتصروا في تعليمهم على اللهجة البربرية واللغة الفرنسية والدين المسيحي، وكونوا من خريجي هذه المراكز قيادة فكرية وسياسية لتيار جديد في المنطقة مركزه في باريس تحت عنوان" معهد الدراسات البربرية" تسيره الاستخبارات العسكرية الفرنسية مباشرة، بتوجيه من الكنيسة وقسسها، وغايته تحويل شمال إفريقيا – المغرب وتونس والجزائر وليبيا- إلى مستعمرة فرنسية ممسوخة دينا وجنسا ولغة وهوية. ثم تحويل المنطقة كلها إلى قاعدة عسكرية لحرب صليبية تشن على باقي الوطن العربي والعالم الإسلامي. وقد حقق الفرنسيون بتأسيسهم هذه الأديرة والكنائس والمآوى نجاحا لا ينكر، وكانت أكثر النتائج من نصيب كنيسة "تيومليلين" في ضاحية آزرو، بمأواها ومدرستها التي كانت تستوعب أطفال المأوى، وتدرسهم حسب الخطة الاستعمارية المرسومة، لاسيما بعد أن أسسوا لتلامذتها " جمعية قدماء تلامذة مدرسة آزرو"، ومن هذه المدرسة تخرج منظر هذا التيار المدعو" محمد شفيق". وكثير من زملائه، وفي هذه الجمعية كان نشاطهم.

وحرصا منهم على تمييع الغيرة الدينية والنخوة الوطنية واغتيال روح المقاومة في مجتمع سكان الجبال الذين أبلوا البلاء الحسن في مقاومة الفرنسيين، أجبروا شباب الأطلس المتوسط - وكانوا شوكة في خاصرة الاستعمار - على الانخراط في الجيش الفرنسي وكونوا منهم لفيفا أجنبيا حكموا بجنوده بلادا إسلامية أخرى، وقاوموا بهم الاحتلال الألماني لفرنسا، فلم يبق في المنطقة إلا الأطفال والشيوخ والنساء، وسلطوا على الأطفال الأديرة والقسس والرهبان، أما النساء فنشروا الفاحشة بين كثير منهن، اختطفوهن واستباحوا أعراضهن للجيش الفرنسي الغازي، وكونوا منهن فرقا للغناء والرقص في المناسبات والاحتفالات والأعراس الفرنسية، بدعوى أن هذا هو الفن الراقي الأصيل الذي ورثه البربر عن آبائهم وأجدادهم، وليس العلم والفقه وعقيدة النخوة والإباء والجهاد، واستمر استغلال هذا العفن الدخيل واستثماره سياحيا في مجتمعاتنا على يد حفنة من المتاجرين بأعراض الأمة وكرامتها بعد الاستقلال، إلى أن شاعت ظواهر يندى لها الجبين، أعراسا علنية وسرية للشذوذ، وأقراصا مدمجة للمخنثين والداعرات، توزع في كافة أنحاء العالم للتسلية والترفيه على غير المغاربة وغير المسلمين، موازاة مع تغييب تراث علماء البربر وفقهائهم ومجاهديهم، حتى لم يعد يذكر عن كثير من مناطق البربر إلا رقص المخنثين من الذكور والإناث ومنكرات الفاحشة والانحلال، وغاب ذكر أفذاذ العلماء والفقهاء والمجاهدين أمثال أبي الحسن اليوسي وعبد العزيز بن إدريس الزموري من الأطلس المتوسط، أوعبد الكريم الخطابي وعبد الله كنون من الريف، أو الفقيه الصالح عبد الله بن حسين المغاري والعالم الجليل المختار السوسي من سوس، أو الأصولي البارع عبد الواحد الونشريسي شهيد محراب العلم بفاس، وامحت من الذاكرة مراكز للعلم كتابا وسنة وفقها وأصولا وأدبا وتاريخا وفلسفة، مبثوثة منذ فجر التاريخ الإسلامي في الجبال والأودية والصحارى، بها عشرات آلاف المخطوطات النادرة، مثل زاويتي تانغملت وتامكروت ومكتبتيهما، وعشرات غيرهما.

وبعد أن أتم الفرنسيون مؤسساتهم الاستعمارية التنصيرية انتقلوا إلى مرحلة جديدة موغلة في المكر، فأخذوا يمهدون لتجاوز السلطان نفسه، والضغط عليه إن تردد في مساعدتهم ومسايرتهم نحو أهدافهم، وظهرت أصوات مسموعة تتساءل عن جنسية السلطان، هل هو عربي أم بربري؟ وعن مدى شرعية جلوسه على عرش المغرب، وأن عليه أن يختار بين صفتي العروبة والبربرية، إذ لكل صفة نتائجها وعواقبها، إن كان عربيا فلا يحق له أن يبقى سلطانا على أرض بربرية، وإن كان بربريا فعليه أن يساهم في تصفية الإسلام واللغة العربية والجنس العربي من البلاد، وفي هذا يقول" BOBIN BIDWELL" 35: ( واختلف كيرنير وفونتين في ملاحظاتهم حول السلطان، يقول فونتين:" إن السلطان باعتباره عربيا لا يمتلك الحق في حكم مناطق البربر، بينما يعتقد كيرنير أنه مادام السلطان من البربر فلا ينبغي له أن يغازل العرب).

إلا أن هذا المشروع الاستعماري الفرنسي أصيب بنكسة أفقدته صوابه، وذلك بعد اللقاء التاريخي بين السلطان محمد الخامس وبين الحركة الوطنية الناشئة، واتفاق الطرفين على النضال المشترك ضد الحماية الفرنسية ومخططاتها العدوانية على الشعب والوطن والدين والهوية، فكان النصر والاستقلال سنة1956م.

وعلى الرغم من اندحار المشروع الصليبي التنصيري المرتبط بالاستعمار، فإنه ظل بعد الحصول على الاستقلال، ولحد الساعة، يرفض إعلان هزيمته واللحاق بأوليائه ومؤسسيه في فرنسا، بل ويحاول دائما التماسك وتجديد الأساليب وتطوير الوسائل والتمويه على الأهداف، والتسلل إلى الساحة عبر الثقافة والسياسة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، محافظا على قنوات الدعم الأجنبي ماديا ومعنويا ولوجيستيكيا، مرتبطا ارتباطا وثيقا بالاستخبارات الأجنبية، مستغلا تناقض المصالح الحزبية وتضارب التوجهات الفكرية والعقدية، يمارس الابتزاز على كل ساحة وبكل سبيل، مما لا تتسع لشرحه هذه الدراسة الموجزة.

ولئن كان النظام المغربي يعتقد أنه يستطيع احتواء هذا التيار بمثل الأساليب الممارسة حاليا، فهو مخطئ، لأن الفرنسيين والكنيسة الصليبية لن يترددوا في الإطاحة به وإحلال بديلهم الاستعماري العرقي مكانه، إذا ما تأكدوا من قدرة بديلهم العرقي هذا على السيطرة والصمود، لأنه هو الوحيد الذي لا يتورع عن إعلان الردة الرسمية عن الإسلام، وتنفيذ كل ما تريده فرنسا والكنيسة، والتنكر لكل القيم .

(يتبع الجزء الثاني)







آخر تعديل أبوبكر الغزي يوم 19-Nov-2007 في 12:19 PM.
 أبوبكر الغزي غير متواجد حالياً رد مع اقتباس