عرض مشاركة واحدة
قديم 19-Nov-2007, 12:21 PM   رقم المشاركة : 2
أبوبكر الغزي
إغريقي



افتراضي

هل المغاربة عنصران متباينان؟


إن هذا الزعم الاستعماري لم يقصد به في الحقيقة إلا خدمة أهداف فرنسا في المنطقة المغاربية عامة، وإلا فإن هذه الدعوى العرقية مردودة على أصحابها، يفندها واقع الحضارة الإنسانية المعاصرة، كما يفندها العلم والتاريخ والأصول اللغوية والاجتماعية والنضال الجهادي للمنطقة منذ أربعة عشر قرنا.

ويمكن أن نوجز بعض الردود على هذه الدعاوى المتهافتة فيما يلي:

من حيث واقع التطور الحضاري الإنساني المعاصر، تعد الدعاوى العرقية وشعارات التمايز بالدم واللون واللسان متخلفة عن ركب التطور والرقي وعالم مساواة الإنسان لأخيه الإنسان، ودول أرويا وأمريكا التي يحاولون الارتباط بها واتخاذها قدوة، وهي قبلتهم، تعطي جنسيتها لمن ولد على أرضها، ولمن تزوج امرأة منها ولمن تزوجت رجلا فيها، ولمن أقام مدة معينة على أرضها، وتجرم قوانينها تجريما شديدا كل تفرقة عنصرية باللون أو الدين أو العرق أو اللسان. بل إن فرنسا نفسها مكونة في أصلها من أعراق مختلفة انضاف إليها المهاجرون من كل بقاع العالم، فلم تظهر فيها أي دعوى عرقية قط، وأمريكا وهي أكبر وأقوى دولة في العالم، فيها من الأعراق والألوان واللهجات واللغات ما لا يكاد يعد، ومع ذلك يعتز أهلها بمواطنتهم ولغتهم الرسمية التي هي الإنجليزية ووحدتهم القومية وعلمهم الواحد، ويجرمون كل دعوة عرقية، وكل جنوح من أحدهم خارج ثوابت الدولة يعتبر خيانة وتخريبا وتخلفا.

ومن حيث علم الحفريات البشرية تثبت الدراسات والمكتشفات خلال القرن العشرين أن "إنسان النياندرتال L' homme De Neanderthal" وجد على امتداد المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج لاسيما في كل من فلسطين والمغرب والجزائر وليبيا والصحراء الكبرى. ففي أحد أودية الصحراء الجافة بوادي تليسي سنة 1927م عثر على هيكل هذا الإنسان، كما عثر عليه أيضا في حفرية أخرى بضاحية من ضواحي الرباط، و حفرية جنوبي رأس سبارتل بمغارات هرقل بمدينة طنجة، ورابعة في كهف التابون بسفوح جبل الكرمل بفلسطين، وخامسة في الجبل الأخضر في برقة سنة1955م، وهذه الاكتشافات البشرية تكتسب قيمتها العلمية الكبيرة من كونها أثبتت بالدليل العلمي تشابه هذه الهياكل المكتشفة فيما بينها مما يعد أدلة مادية على وحدة سكان المنطقة العربية في أنسابهم وأصولهم منذ عصور سحيقة موغلة في القدم، ترجع إلى أكثر من خمسين ألف سنة.

ومن حيث الدراسات التاريخية القديمة بما فيها المراجع العربية واليونانية وغيرها، فإنها تؤكد انتساب البربر إلى الجنس العربي والتقاءهم معه في الأصول. وفي هذا يقول صاحب كتاب" تاج العروس من جواهر القاموس36" ( إنهم - أي البربر- بقية من نسل يوشع بن نون من العماليق الحميرية وهم رهط السميدع... وأكثر قبائلهم بالمغرب في الجبال من سوس وغيرها متفرقة في أطرافها، وهم زناتة وهوارة وصنهاجة وكتامة ولواتة ومديونة وشبانة، وكانوا كلهم بفلسطين مع جالوت، فلما قتل تفرقوا)

ويقول المؤرخ اليمني القاضي عبد الله بن عبد الوهاب الشماخي: ( أصل البربر قبل الزمن التاريخي بخمسة آلاف سنة يعود إلى الموجة البونية نسبة إلى بون صنعاء باليمن، وهي أول هجرة خرجت من اليمن واتجهت إلى سيناء ثم إلى المغرب، وتكونت منهم البطون البربرية الصنهاجية وغيرها، ومنهم من احتفظ باسمه القديم وهم البونيون، الذين نزلوا بعنابة في الجزائر، وكانت تسمى بونة، ويقول ابن خلدون إن البربر يعود نسبهم إلى الكنعانيين ولكن هذا خطأ، لأن الكنعانيين هاجروا إلى شمال إفريقيا بعدهم ثم امتزجوا بهم. وهذه الموجة هي التي غطت المغرب كله...وأعتقد أن ذلك كان في أيام المعينيين واليعربيين، وحسبك أن حروبهم تدعى الحروب البونية ، يقول ويلز: عرفت بالحروب البونية نسبة إلى بون صنعاء، ونقلت عن معروف الدواليبي قوله: إنما سمي البونيون نسبة إلى بون صنعاء، وهذا البون واسع وفيه القبائل الشرسة، وهي أشبه بقبائل الأوراس )

نخلص من هذا إلى أن سكان المغرب الأوائل ينتسبون إلى عدد من الهجرات العربية المتتابعة من عدة طرق، إلى منطقة شمال إفريقيا، وتنتسب كلها إلى سام بن نوح عليه السلام.

أول هذه الهجرات من نسل العماليق، وهم عرب أقحاح كما يقول الطبري37: ( فعاد وثمود والعماليق وأميم وجديس وطسم هم العرب، لسانهم الذي جبلوا عليه لسان عربي. وقد كان منزل جدهم عمليق الذي يرجع نسبه إلى لاوذ بن سام أب العرب، في جوار مكة، ثم انتشرت قبيلته في الجزيرة العربية والعراق والشام ومصر وغيرها، فلما هزم النبي داود عليه السلام ملكهم جالوت في فلسطين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد خرجوا متجهين إلى المغرب حتى انتهوا إلى شمال إفريقيا).

ويقول ابن عبد الحكم38: ( فتقدمت زناتة ومغيلة إلى المغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواتة فسكنت أرض انطابلس وهي برقة وتفرقت في هذا المغرب وانتشروا حتى بلغوا السوس).

أما الهجرة الثانية فهي أيضا عربية النسب صريحته، وهي التي سارت مع الملك العربي "إفريقش" وسميت القارة باسمه. ذلك أنه في الألف الثاني قبل الميلاد وصل إلى شمال إفريقيا إفريقش بن صيفي ملك التبابعة من قبائل كهلان وصيفي العربية قادما من جنوب شبه الجزيرة العربية، وكانت أبرز القبائل التي رافقته كتامة وصنهاجة وحمير، استقروا في منطقة شمال إفريقيا واستوطنوها، وتنسب هذه القبائل كلها إلى قحطان وفالغ من ذرية سام بن نوح عليه السلام. ثم اختلطت القبائل المهاجرة الأولى من العماليق، بالقبائل الوافدة مع إفريقش فكونوا شعبا واحدا متجانسا. وفي هذا يقول محمد عبد الرزاق مناع39: ( وقد اختلط المهاجرون من كهلان وحمير وصيفي وبني كنعان وتصاهروا حتى صارت الجماعتان جماعة واحدة كونت شعبا متجانسا).

وبعد الفتح الإسلامي تتابعت موجات الهجرة العربية إلى المنطقة جهادا في ربوع الأندلس وأصقاع إفريقيا ووقوفا في وجه الحملات الصليبية على المنطقة، وتعليما للغة العربية والفقه والحديث والقرآن وعلومه، مما تحفل به كتب التاريخ ولا تتسع له هذه العجالة.




من حيث تسميتهم

أمازيغ وبربر


أما تسميتهم "أمازيغ" فأصلها من الجد الأعلى للبرانس وهو "مازيغ بن كنعان" ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه40 نقلا عن نسابة البربر " هاني بن بكور الضريبي وسابق بن سليمان المطماطي وكهلان بن أبي لؤي وأيوب بن أبي يزيد وغيرهم" قال إن البربر فرقتان كما قدمنا وهما البرانس والبتر، فالبتر من ولد بر بن قيس بن عيلان، والبرانس بنو برنس بن سفجو بن ابزج بن جناح بن واليل بن شراط بن تام بن دويم بن دام بن مازيغ بن كنعان بن حام، وهذا الذي يعتمده نسابة البربر)41

فالتسمية إذن بالنسب الكنعاني لفصيل من فصائلهم، وليس للفصائل كلها، ومن المعلوم أن أغلب المؤرخين يعتبرون الساميين والحاميين سلالة واحدة، موطنها الأصلي هو الجزيرة العربية، وأنه لا وجود لسلالتين منفصلتين حامية وسامية، لأنهما اندمجتا في بعضهما منذ القدم.

وأما تسميتهم "بربر" فنحن إذا رجعنا إلى قواميس اللغة العربية وجدنا لكلمة"بربر" أصلا راسخا، ذلك أنها تكرار للفظ عربي هو " بر "، وقد وردت في القرآن الكريم بعدة معاني، لأن حرفي الباء والراء في المضاعف أربعة أصول، هي الصدق، وخلاف البحر، ونبات البُـرّ الذي هو الحنطة، وحكاية صوت.

وردت اسما من أسماء الله الحسنى في قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)الطور28.

وجاءت خلقا كريما من صفات الأنبياء والأصفياء في قوله تعالى: (وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً )مريم14، (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) مريم32.

ووردت بمعنى الصدق والطاعة والقبول في قوله تعالى (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة44، (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)آل عمران92

كما وردت بمعنى ما سوى البحر في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)المائدة96.

ولعل هذا المعنى الأخير للبر - بفتح الباء - هو أصل التسمية "بربر"، لأن اليونانيين والرومان كما هو مشهور، أول من أطلق على سكان شمال إفريقيا هذه التسمية، عندما كانوا يهاجمون المنطقة من السواحل، فترهق الحرب الأهالي ويقررون اللجوء إلى البر جبالا وأودية وكهوفا، بعيدا عن مناطق الغزو الأجنبي في الشواطئ، ويتنادون "البر...البر..."، ثم يتخذون من هذه الأماكن الحصينة جبهة للمقاومة الشعبية ضد الاستعمار الذي يحتل السواحل. وعندما سمع اليونانيون نداءهم "البر..البر.." ورأوا آثار هجماتهم المباغتة على معاقل الاستعمار وحصونه ومزارعه، أطلقوا عليهم هذه التسمية إشارة إلى ما تتسم به مقاومتهم من شراسة وعنف، ولذلك تجد هذه اللفظة في القواميس اللاتينية تعني الوحشية والعنف كما في الأمثلة التالية:

متوحش/Barbarian

فظ/Barbaric

وحشية/Barbarism

همجية/Barbarie

أما المؤرخون العرب فيذهبون إلى أن أصل التسمية هو نسبهم إلى بر بن عيلان بن مضر من أجداد العرب، وهو ما ورد في الشعر الجاهلي قبل الإسلام على لسان طرفة بن العبد:

ولكن دعا من قيس عَيلان عصبةٌ يسوقون في أعلى الحجاز البرابرا42

وإلى هذا الأصل المشترك بينهم وبين العرب تشير الشاعرة تماضر أيضا:

فأقسم أنا والـبـرابــر إخوة نمانا وَهُمْ جَدٌّ كريم المناقــب

أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى وفي حرسه يسقى غليل المحارب

ويقول شاعرهم البربري الآخر قيس بن خالد يفتخر بأصله العربي:

أيها السائل عنا، أصلـنا قيس عيلان بنو العـز الأول

نحن ما نحن بنو بر الندى طارد الأزمـة نحار الإبــل

نحن ما نحن بنو بر القوى عرف المجـد وفي المجد دخل

إن قيسا قيس عيلان هم معدن الحق على الخـير دلل

وعلى هذا الأساس فإن للبربر شرف الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم أخواله من الرضاعة، لأن حليمة السعدية مرضعته، يرتفع نسبها إلى قيس عيلان.

ومن المؤرخين من يذهب إلى أن أصل التسمية في اللغة العربية من " البربرة" وهي اختلاط الأصوات وكثرتها وزمجرتها، من "بربر الأسد" إذا زمجر، وفي حديث على كرم الله وجهه 43:لما طلب منه أهل الطائف أن يكتب لهم الأمان على تحليل الزنا والخمر فامتنع، قاموا ولهم تغذمر44 وبربرة، ومنه الحديث: " فأخذ اللواء غلام أسود فنصبه وبربر"45.

والذي نراه أن التسمية" بربر" ليس لها أصل يفيد عرقا أو نسبا، لأنهم فصائل كثيرة، وتطلق عليهم حسب مناطقهم وأنسابهم تسميات متعددة، وقد اشتهروا في التاريخ بالبتر والبرانس ومازيغ نسبة إلى جد فصيل منهم، وفي المصطلح الشعبي المتداول "زيان والريفيون والسوسيون، والقبائل والشاوية والزواريون .. وكل هذه التسميات الشعبية لها جذورها في اللغة العربية.

على أن هذه النزعة العرقية لم تكن معروفة أو متداولة فيما قبل الاستعمار الأجنبي للمنطقة، بل كان المغاربة شعبا واحدا متمسكا بوحدته الوطنية والعقدية والعرقية، وإنما وفدت هذه اللوثة الخبيثة مع الغزو الصليبي لبلادنا، في إطار برنامجه لمسخ هوية البلاد وأهلها وأصالتها، وتمزيقها على صعيد العرق بتقسيمنا إلى عرب وبربر، وعلى صعيد الدين بالادعاء أن سكان الجبال لهم دينهم العرفي المستقى من بقايا ديانات مسيحية أو يهودية أو مجوسية كانت في بلادهم، كل ذلك من أجل تكريس النفوذ الفرنسي الكنسي في أوطان المسلمين كافة، تطبيقا لسياسة "فرق تسد"، وسعيا لتحقيق طموح إمبراطورية استعمارية حاقدة.




من حيث علاقة البربرية باللغة العربية


وفي هذا المجال يحسن بنا أن نورد قول المؤرخ اليمني القاضي عبد الله بن عبد الوهاب الشماخي اللغة العربية والبربرية تشتركان في الأصول والتركيب... إن البربرية الموجودة الآن لغة عربية قديمة، وغير صريحة، لأن هناك العربية الصريحة والعربية غير الصريحة، العربية غير الصريحة ما كانت قبل نزول الوحي، في أطوار تكوينها. فاللغة الحميرية إذا رأيتم هي اللغة البربرية، ثم جاءت الأسواق قبل البعثة النبوية بنحو ثلاثمائة عام فبدأت تتهذب وتصقل في سوق عكاظ وأمثاله، حتى جاءت اللغة العربية الصريحة التي شرفها القرآن ورفعها إلى القمة).

إلا أن ما ذهب إليه الشماخي وهو ما يؤكده التقارب بين البربرية واللهجة اليمنية الحالية، وكثير من التقاليد المشتركة بين الشعبين اليمني والبربري في العادات والتقاليد والملابس والحلي، لا ينفي أن اللهجات البربرية قد تأثرت على مر السنين بالشعوب الوافدة إلى المنطقة من غير العرب، كالفينيقيين والرومان والبيزنطيين والوندال، على رغم أنهم ووجهوا بمقاومة شرسة من قبل الأهالي ولم يستطيعوا النفوذ إلى ما سوى بعض السواحل، وإن كان هذا التأثير محدودا جدا، فحروف التيفيناغ التي لدى الطوارق وتبناها التيار البربري الفركفوني مثلا، مستمدة من الفينيقيين وهم ساميون كما ذهب إليه غوستاف لوبون46، ورغم ما طرأ عليها بسبب الاتصال المباشر بالعالم الخارجي تجارة ومدافعة فإن هذه الحروف مازال أكثرها أقرب إلى حروف اللغات السامية عربية وحميرية وسريانية وآرامية...

وكذلك الحال فيما يتعلق بأغلب القواعد النحوية والصرفية وتركيب الجمل والمفردات التي لا تكاد كلها تقريبا تبتعد عن أصلها العربي إلا بما أحدثه في بعضها عامل الزمن والاستعمال الدارج مما يؤكد أنها أصيلة في كلامهم وغير دخيلة أو منقولة، وأن اللغة البربرية هي لهجة عربية قديمة وغير صريحة مثلما كان الحال في لهجات قبائل عرب الجزيرة قبل البعثة وقبل أن يوحدها القرآن الكريم، سواء اللهجات التي انقرضت وبقيت لنا منها نقوش تدل عليها مثل الثمودية والصفوية واللحيانية، أو العربية الباقية كلغة قريش بصفائها واشتراك القبائل الأخرى في فهمها واختصاصها وحدها في الكتابة والشعر والخطابة لاسيما بعد نزول جل مفردات القرآن بها، وكلغات القبائل الأخرى التي لكل منها تميز خاص نطقا أو تعبيرا، كما هو حال كشكشة47 ربيعة ومضر، وفحفحة48 هذيل، وطمطمانية49 حمير، وعجعجة50 قضاعة، وشنشنة51 اليمن ، وعنعنة52 تميم، ولكنها كلها تجتمع في كونها لغة عربية.

وهذا ما قررته دائرة معارف "يونيفرساليس" مؤكدة: " أن اللغة البربرية امتداد لصيغ اللغة العربية"، وأن الآداب البربرية " مستمدة من المشرق العربي"، وأن "جميع اللهجات البربرية مطبوعة بطابع اللغة العربية"53

ولعل من المفيد في هذا المجال أن نسوق بإيجاز ما ذكره الدكتور محمد بن عبد الكريم الجزائري54،قال: ( لعل كثرة اختلاط سكان الشمال الإفريقي مع مختلف الأجناس المتوالية على احتلال بلدهم، وتبدل الطقس وقساوة الطبيعة، كل ذلك أصبح سببا في تبربر لغتهم العربية وتلاثغ ألسنتهم بعد فصاحتها، وفي إمكاننا أن نأتي ببعض البراهين لعلها تكون خير مرشد لمن ضل السبيل في بحثه عن عروبة الشمال الإفريقي لغة وجنسا:

البرهان الأول: ثلث مفردات اللغة البربرية عربي النزعة.

البرهان الثاني: عدم وجود ما يقابل اللغة العربية إن أريد حذفها وتعويضها باللغة البربرية.

البرهان الثالث: وجود حروف في اللغة البربرية لا وجود لها في سوى اللغة العربية، ثم لا تكاد تجد حرفا من هذه يعسر النطق به في تلك، مثل حرف الضاد والعين والغين والطاء وجميع الحروف التي تفردت بها لغة الضاد، والعجيب أن هذه اللغة هي لغة ذات ضاد كالضاد العربية تماما... إن هذه البربرية ليست مستقلة بذاتها، وإنما هي عربية في أصلها قد تحرفت بطول الزمن، حتى أصبحت أكثر بعدا عن العربية الفصيحة من هذه اللهجات العامية المختلفة التي تتكلمها الشعوب الناطقة بالضاد.

البرهان الرابع: سرعة انتشار العربية في البربر بمجرد امتزاجهم بالعرب الفاتحين. ولعل خير دليل على عروبة البربر بالأصالة أنهم لم يتأثروا بأية لغة من لغات الأجناس الكثيرة التي مرت بهم مثلما تأثروا باللغة العربية.

البرهان الخامس: وجود التشابه الخَلْقي والخُلُقي المشترك فيهما - أي عرب هجرات ما قبل الإسلام وهجرات ما بعده - قديما وحديثا، قال ابن خلدون: ( البربر لم يكن لهم انتحال للمباني والصنائع والمدن، وبهذه الصفة يشبهون العرب، على أن يقاس حضري أولئك وبدويهم بحضري وبدوي هؤلاء).

البرهان السادس: وجود أسماء وألقاب عربية تلقب بها البربر قبل الفتح الإسلامي، قال ابن خلدون: ( ومن الأسماء العربية عند البربر موسى بن صالح من بني يفرن، الكاهن المشهور)، فلو لم يكونوا عربا ما أسموا أبناءهم بأسماء عربية صريحة مثل صالح هذا، وزياد والد طارق بن زياد.)




هل يجب أن يعود البربر

إلى النصرانية كما تريد فرنسا وتيارها في بلادنا؟


يعتمد في الترويج لهذا الهدف قدماء المتعاونين مع سلطة الحماية والاستعمار في ببلادنا، والمنظرون السريون والعلنيون للتيار البربري الفرانكفوني في المغرب ومنطقة شمال إفريقيا، وفي أوروبا بأكاديمية الدراسات البربرية بفرنسا ومراكز التوجيه والدعم المادي واللوجيستيكي في المعسكر الاستعماري، على مقولة متهافتة هي زعمهم بأن الدين الأصلي لسكان ما قبل الإسلام هو المسيحية، ولذلك ينبغي استبعاد اللغة العربية والانتقال مباشرة إلى اللغة الفرنسية والتغريب، تمهيدا للردة والتنصير، ولئن رفعوا شعار الدفاع عن البربرية مرحليا، فإنما ذلك لتبرير الانتقال إلى الفرنسية مباشرة، والدليل واضح في دعاة هذا الاتجاه، لأنهم لا يعلمون أبناءهم إلا الفرنسية، ولا يتكلمون في أغلب حياتهم العملية إلا بـها، ويصرحون بأنها هي لغة الإدارة وتسيير الِشأن العام، بل منهم من التحق مباشرة وعلانية بالمسيحية وأخذ يسمي أبناءه بأسماء فرنسية. مع العلم بأن الردة عن الإسلام تكاد تعم أعضاء هذا التيار، حتى وجد منه من يدعو صراحة وعلى منابر الإعلام المرئي والمسموع إلى طرد الدين الإسلامي واستبعاد أهله من الوطن.

وبغض النظر عن تهافت منطق أذناب الاستعمار وبقاياه المعاصرين، فإنه كذلك يدحض من عدة وجوه، منها:

1 - أن الدين ليس قضية وراثية وإنما هو إيمان إرادي واقتناع حر، يقرره المرء بمحض إرادته، فقد يصبح المرء مؤمنا ويمسي كافرا، والعكس بالعكس، وقد تكون الأسرة كلها كافرة وابنها مسلم، وقد يكون الأب مؤمنا والابن كافرا - نعوذ بالله من الكفر والشرك - ، وهذا من البديهيات العقدية، وسكان المغرب بجميع فصائلهم قد اختاروا الإسلام واعتنقوه بكامل وعيهم وإرادتهم، بعد أن تبين لهم الرشد من الغي والهدى من الضلال، ويستطيع أي منهم أن يرتد في أي لحظة تعمى فيها بصيرته، دون الاعتماد على هذه الحجة الصليبية التي تزعم أن البربر قوم مسيحيون، وأن على الكنيسة أن تستردهم وتنتشلهم رغم أنفهم من "براثن" الإسلام، بواسطة احتلال أرضهم، وتشريد عائلاتهم، ومصادرة ثروات بلادهم، ونشر الفاحشة وشذوذ القسس والرهبان بين أبنائهم، وفصلهم عرقيا ولغويا عن أصولهم في النسب، و لسانيا عن لغة قرآنهم المجيد، ودينيا عن الإسلام والعقيدة الصافية البيضاء.

2 - أن سكان مغرب ما قبل الإسلام لم يعرف أكثرهم المسيحية ولم تنتشر في مجتمعهم، باستثناء بعض شواطئهم التي احتلها الرومان والبيزنطيون والوندال، وقد عرفوا قبلها اليهودية زمان النبي سليمان عليه السلام، وقبل ذلك انتشرت فيهم المجوسية والوثنية عبادة للنار والنجوم والطواطم والأوثان وبعض الحيوانات التي وجدت مرسومة في الحفريات والصخور. فإذا تقبلنا هذا المنطق المتهافت لدى التيار الفرانكفوني في بلادنا، فسوف ينبعث من يطالب بالعودة إلى الوثنية أو المجوسية أو اليهودية بحكم أن هذه الديانات كانت منتشرة قبل المسيحية، وأن على البربر أن يرتدوا يهودا أو مجوسا أو وثنيين.

3 - أننا بالمقياس التاريخي وحده نستطيع أن نثبت أن الدين الأصلي للسكان لم يكن المسيحية أو الوثنية أو المجوسية أو اليهودية، وإنما كان ملة أبينا إبراهيم عليه السلام وهو سمانا المسلمين ، وقد أثبت صاحب السيرة الحلبية أن إسماعيل عليه السلام قد أرسل بدين أبيه إبراهيم أب الأنبياء عليهم السلام إلى الحميريين العماليق وهم معدن البربر وأصلهم، فاعتنقوه ونقلوه معهم إلى إفريقيا.

ولعل اعتناقهم لديانة إبراهيم التوحيدية هو ما يفسر عدم اهتمامهم بالأصنام والأوثان والنحت والرسم، وما اكتشف بمنطقتهم من آثار- وهو قليل جدا بالنسبة لما عند الأمم غيرهم - ليس إلا من بقايا الغزو الروماني والبيزنطي والوندالي لبلادهم. مما يؤكد احتفاظهم طيلة تاريخهم القديم ببعض معاني التوحيد الإبراهيمي الخالص، كما يفسر سرعة استجابتهم لهذا التوحيد نفسه عندما وفد إليهم من جديد في ثوبه المحمدي على يد الفاتحين صحابة وتابعين، فاعتنقوا الإسلام وتفاعلوا معه وأتقنوا لغته، وجاهدوا في سبيله، ونقلوه إلى أمم غيرهم في الأندلس ومجاهل إفريقيا، تم كل ذلك في ظرف لم يتجاوز ثلاثين سنة بعد وصول عقبة بن نافع إلى المنطقة سنة92 هجرية، وهذه ظاهرة لم تتكرر في أي قطر آخر دخل إليه الإسلام، ثم تحمل البربر بعد ذلك مسؤولية إقامة أمر الإسلام سياسة وإدارة وتسييرا للشأن العام، بتأسيس أنظمة سياسية متكاملة وإقامة إمبراطوريات عظيمة نصرت العقيدة وأهلها، ودافعت عن قيم الدين ومثله وشريعته، ووحدت منطقة الشمال الإفريقي من المحيط الأطلسي إلى الحدود الليبية المصرية، ومن الأبيض المتوسط إلى بحيرة تشاد كما هو شأن دول المرابطين والموحدين والمرينيين.

4 - أن الارتباط العاطفي بالجزيرة العربية وعالم الغيب من خير الأدلة على انتمائهم لأبناء عمومتهم عرب المشرق، فبمجرد ما سمعوا بظهور النبي صلى الله عليه وسلم، اشرأبت أعناقهم إليه، قبل أن تأتي جيوش الفتح، وشاعت بينهم أحاديث وأخبار ما زالت رائجة في أدبياتهم لحد الآن، وإن لم نتـأكد من صحتها، عن وفود منهم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنت به وأيدته ونقلت دينه إلى أهلها وعشيرتها، من ذلك ما ذكره أبو العباس بن إبراهيم الدكالي في كتابه" الذهب المنقود في ذكر الأعلام من الآباء والجدود" أشار فيه إلى حديث صحبة رجال سبعة من قبيلة رجراجة البربرية وفدوا على الرسول الكريم وآمنوا به وحملوا رسالته إلى قومهم. ومازال المغاربة لحد الآن يفتخرون بكون بعض أجدادهم من الصحابة الكرام، ويتغنون في أهازيجهم الشعبية وأدعيتهم بمن يسمونهم" رجراجة الأحرار"

5 - أننا بمقياس التجربة والواقع نرى فشل كل جهود المبشرين في تنصير المغاربة منذ السماح لهم بفتح الكنائس في مدينة فاس سنة1760م، مرورا بمعاهدة الحماية سنة 1912م، والظهيرين البربريين الاستعماريين في سنة1914م وسنة 1930م، وبالجهود التي يبذلها في هذا المجال بقايا الخونة وعملاء الاستعمار في العصر الحديث، مما يؤكد أن المغاربة يرفضون كل محاولة لتغريبهم وتنصيرهم وشق صفوفهم عرقيا، أو إبعادهم عن دينهم ولغة قرآنهم (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )55.







واقع الحال وآفاق المستقبل


إن هذا البحث لم يحملنا عليه انتماء إلى عرق دون عرق، أو قوم دون قوم، ولئن تضمن تنقيبا عن الأصول والأعراق الوطنية، فإنما للرد على دعاة العرقية والعنصرية، من أولياء النفوذ الأجنبي وأتباعه، خاطبناهم بلغتهم، دحضا لمفترياتهم، وإقامة للحجة عليهم. وإلا فإن الحديث والكتابة عن الانحراف قد يكون أحيانا ترويجا ودعاية له.

وما دعانا لإثارة الموضوع، إلا عواصف وأنواء تقصف مجتمعنا وأبناءنا، وتحاول تدمير حاضرنا ومستقبلنا، وتخريب دنيانا وآخرتنا، وتوهين صفنا ووحدتنا، والقضاء على حريتنا واستقلالنا، وتحويلنا إلى ذيول وأتباع لأجنبي صليبي مستعمر.

يشهد بذلك ما تعرفه بلادنا حاليا من فساد اجتماعي واقتصادي وسياسي، وانحلال أخلاقي وإعلامي، ونشاط محموم سائب لكل دعاة الفاحشة، ودعاة التبعية للمستعمر القديم، ودعاة التحلل من القيم والأخلاق، ودعاة التمرد على الدين، ودعاة بيع الأعراض والمتاجرة في المحرمات، مما ينذر بفتنة عارمة تحل بديارنا، وتعصف بمستقبل أبنائنا، وتدمر وجودنا كأمة لها تاريخها المجيد وطموحها الراقي العتيد، ونِدِّيـتُها للأمم غيرها.

ويصرح بذلك أولياء الردة والكفر والولاء للأجنبي علانية وبكل جراءة ووقاحة، وكأنما نامت نواطير56 البلد، أو غاب ناطورها، وانكسر نُطَّارُها57، فعاثت في أرجائها الثعالب وهرجت ومرجت وبعثرت المَقَاثي والمزروعات.

إن بني إسرائيل لُعِنوا لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وقال الله تعالى عنهم: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ )58.

وإن هذا مآل من فعل فعلهم فلم ينته عن منكر ولم ينه عنه، وهو ما ورد تفصيله في الحديث الشريف59 عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما دخل النقص على بني اسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون... إلى قوله: فاسقون" ثم قال: كلا والله لتأمرُنَّ بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر ولتأخذُنَّ على يد الظالم ولتأطُرُنَّه على الحق، ولَتقصرُنَّه على الحق قصرا، أو لَيَضْربَنَّ الله ُبقلوب بعضكم على بعض ولَيَلْعَنَنَّكُم كما لعنهم )

إن الإسلام الذي وحد القبائل المتنافرة، والشعوب المتناكرة، والأقوام المتناحرة هو البلسم الشافي للأمراض العرقية والعنصرية وفتن التناحر والتقاتل والتنابز.

وإن ما شاع في بلادنا من جراءة على الله، وتمرد على القيم، ومحاولات خبيثة لتخريب الوحدة الوطنية، وتوهين الصف الواحد المتراص، يحمل الدعاة مسؤولية عظيمة وخطيرة، لأن بين أيديهم دواء ما تعاني منه الأمة من أمراض وأوبئة، وتقاعسهم عن إفشاء الدواء والتمكين منه ظلم عظيم. ولسوف يسألون...




كلمة أخيرة للدعاة الصادقين:

لوثة العرقية

في منظار العقيدة والشريعة


إن القلوب المؤمنة، والأفئدة المتشربة لدين التوحيد والإخلاص لله تعالى حقا، والصادقة في تحمل أمانة التبليغ، لا بد أن تتطهر من لوثة العرقية، وتسلس قيادها لله عقيدة صافية وشريعة على النهج السليم.

إن الإخلاص لله تعالى هو تصفية جميع النوايا والأعمال من ملاحظة المخلوقين، فإن شابـها شيء من ملاحظتهم كان الشرك أكبر أو أصغر، ظاهرا أو خفيا.

وإن العرقية دائما مشوبة بالشرك، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول60 (إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي، يأيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء) فكيف بمن يلاحظ انتماءه العرقي قبل انتمائه العقدي أو معه في بره أو صدقته أو زكاته أو زواجه أو مصاهرته أو صِلاته وعلاقاته ؟

إن كل تجمع أو تكتل أو تحزب يراعي فيه المرء مع الله انتماءه العرقي أو القبلي هو للعرق أو للقبيلة، وليس لله منه شيء، والله تعالى يقول فيما يرويه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك61).

ولئن كانت العصبية العرقية والقبلية تزلزل أركان الوحدة الوطنية وتمزق شمل الأمة، فإن أخطر من ذلك أيضا أنها تعصف بالإيمان نفسه، وتخرب دنيا المرء وآخرته. يقول عز وجل:

- (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)62 .

- ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ )63.

ترى الرجل يفتخر بآبائه وأصوله، ومِنْ أصوله مَنْ هم جُثِيّ64 جهنم، ولن ينفعه ذلك أو يغني عنه يوم القيامة من الله شيئا ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:65 (لَينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو لَيكونُنَّ أهونَ على الله من الجُعَل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّـيَّةَ66 الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب)

ويقول: 67( يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عُبِّـيَّةَ الجاهلية وتَعَظُّمَها بآبائها، فالناس رجلان رجل برٌّ تقيٌّ كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقيٌّ هَيِّـنٌ على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 68")

ويقول69: (من ادعى دعوى الجاهلية فهو من جُثِيِّ70 جهنم، قيل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى، تداعوا بدعوى الله الذي سماكم بها، المؤمنين المسلمين عباد الله )

ويقول عن العصبية العرقية71 دعوها فإنها منتنة )

وعن الحسن أن أُبَيّاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اعتـزى72 أحدكم بعزاء الجاهلية فأَعِضُّوه بِـهَـنِ73 أبيه ولا تُكَنُّوا)74.

إننا ذريةُ أبٍ واحد وأمٍّ واحدة خُلِقا من تراب، ومن نفسٍ واحدة خلق منها رب العزة زوجها (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)، وإن قيامنا بواجب الدعوة الإسلامية عبادةٌ مفروضة، لها أدبها، وأركانها، وشروطها. وأدبها الحياء من الله تعالى فلا نشرك معه غيره وجوها أو أرحاما أو عرقا أو قبيلة، ومن شروطها تطهير النوايا من الشرك كبيرا أو صغيرا ظاهرا أو خفيا، ومن أركانها إيثار الأتقياء بمحبتنا وولائنا وتعاوننا في الله معهم، مهما تباعدت الأرحام والأعراق والمصالح، على غيرهم من أولي العرق أو القبيلة أو المصلحة.

إن دعوى التخلص من لوثة العرقية والتطهر من نتنها ليست شقشقة باللسان، أو استعراضا متكلفا مرائيا لنصوص لا أثر لها في السلوك، ولكنها تحتاج إلى دليل، ودليلها تصرفات المرء ومعاملاته وأقواله وملامحه وتصريحاته وتلميحاته، ولئن تكلف امرؤ خُلقا ليس من أخلاقه ونية ليست نيته، فإن الله تعالى يقول: (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ )75.

(انتهى)







 أبوبكر الغزي غير متواجد حالياً رد مع اقتباس