عرض مشاركة واحدة
قديم 11-Jun-2008, 02:50 PM   رقم المشاركة : 1
abdomaroc
مصري قديم
 
الصورة الرمزية abdomaroc

 




افتراضي بلاد شنقيط(موريتانيا) واشعاعها الفكري والروحي

بسم الله الرحمن الرحيم
تلقت بلاد شنقيط تعاليم الدين الإسلامي وما واكبها من علوم اللغة العربية عن طريق التجار العرب وبواسطة الفاتحين الأوائل ابتداء من اواسط القرن السابع، فتقبل الشناقطة هذه المعارف الجديدة قبولا حسنا وقاموا ببلورتها والتوسع فيها. ثم عملوا في فترة لاحقة على بثها وتدريسها في منطقة إفريقيا السوداء جنوبا ومنطقتي المغرب والمشرق العربيين.
أ‌. مرحلة التلقي والاستيعاب :
لقد سهلت الآبار التي حفرها حبيب ابن أبي عبيدة ابن عقبة ابن نافع وهو في طريقه لفتح بلاد شنقيط سنة 734م عبور القوافل التجارية بين الشمال الإفريقي ومناطق الساحل السودانية. فوصل عن طريق هذه القوافل العديد من التجار والدعاة العرب إلى مدن صنهاجة حيث حطوا الرحال واقبلوا على الدعوة والتدريس وفي سنة 1033م عاد الأمير الصنهاجي يحي ابن ابراهيم الكدالي من حجته وبصحبته الفقيه عبد الله ابن ياسين الجزولي الذي قام بتأسيس رباطه المشهور سنة 1039م والذي شكل البوتقة التي تكونت فيها حركة المرابطين وانطلقت منها الحروب الجهادية صوب الممالك السودانية في الجنوب وباتجاه المغرب في الشمال.
وبعد حملاته الجهادية في المغرب الأقصى عاد الأمير ابوبكر بن عمر اللمتوني إلى بلاد شنقيط بعد مقتل عبد الله بن ياسين سنة 1059 وقد اصطحب معه لفيفا من العلماء والفقهاء كان من بينهم الإمام الحضرمي وابراهيم الاموي وعبد الرحمن ابن آبي بكر الركاز وغيرهم. وقد اضطلع هؤلاء العلماء بمهام القضاء والتدريس والافتاء والإرشاد فشكلوا اللبنة الأولى للحركة العلمية بالبلاد واستمرت هذه الحركة في الاتساع إلى أن بلغت الشأو الذي أومأنا إليه آنفا.
وقد دامت عملية انسياب المعارف من المغرب والمشرق العربيين نحو بلاد شنقيط من القرن الحادي عشر إلى غاية القرن الخامس عشر وذلك إما عن طريق توافد رجالات العلم أمثال مؤسسي وادان وتيشيت أو عن طريق المراسلات التي تمثل رسالة محمد بن محمد بن علي اللمتوني إلى جلال الدين السيوطي سنة (1492) نموذجا معبرا عنها.


ب. مرحلة العطاء والتأثير
لم تشكل الصحراء المقفرة الفاصلة بين بلاد شنقيط ومنطقتي المغرب والمشرق العربيين حاجزا في وجه التواصل الاجتماعي والتبادل الاقتصادي والثقافي بل شكلت جسرا سهل هذه التبادلات.


التواصل الثقافي مع المغرب العربي

إن عملية التواصل الثقافي بين بلاد شنقيط ومنطقة المغرب العربي كانت عملية مضطردة منذ تأسيس مدينة القيروان. ولا يتسع المقام هنا لذكر مراحلها على نحو مفصل إنما سنكتفي بالاشارة إلى بعض الاحداث المتميزة وذكر بعض الأعلام المرموقة التي هي بمثابة معالم بارزة قد تكون أجدر بالتنويه من غيرها.
وبهذا الصدد يمكن التنويه بما قام به العلماء المنحدرون من أسرة الأوقيتين من نشاط فكري في المغرب عندما تم تهجيرهم سنة 1593م من مدينة تينبوكتو إلى مراكش من طرف الملك السعدي أحمد المنصور الذهبي إذ عمل هؤلاء العلماء على تدريس العلوم الدينية واللغوية حيث أن الفقيه والمؤرخ الشهير أحمد بابا التينبكتي صاحب كتاب "نيل الابتهاج" (المتوفي سنة 1626) جلس للتدريس طوال مايربو على خمس سنوات في زاوية كانت تدعى بجامع الشرفاء بمراكش. وقد ترك هذا العالم الشنقيطي بصماته على الساحة الفكرية المغربية قبل أن يعود وأفراد أسرته إلى بلاده.
وفي سنة 1678 زار الملك المغربي مولاي اسماعيل بلاد شنقيط حيث تزوج بالأميرة خناثه بنت بكار أمير منطقة البراكنة الشنقيطية. واصطحبها معه إلى المغرب. وقد ذكر المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه "الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى" أن هذه الأميرة كانت عالمة وفقيهة وذكر أن لها حواشي على هامش نسخة من كتاب "الاصابة" لابن حجر بخطها. وذكر أنه كان لها مناظرات مع بعض علماء المشرق كانت بها محل تقدير العديد من علماء المغرب.
كما أن الشاعر والعالم عبد الله بن محمد المشهور بإبن رازكة المتوفي سنة 1649 بمدينة شنقيط كان على صلة وثيقة بالملك مولاي إسماعيل وكانت بينه وبين الأمير محمد العالم علاقات مودة وإعجاب متبادل لأنهما كانا أديبين وشاعرين. وقد كان الأمير محمد العالم يقدر الشاعر عبد الله ابن رازكة ويثمن شعره إلى درجة أنه قال فيه :
لقد أهدت لنا شنقيط سحرا حلالا فوق سحر الساحرينا
يقصر سحرنا عنه لوأنا بعثنا في المدائن حاشرينا.
وقد قال الاستاذ عبد الله كنون في كتابه "النبوغ المغربي في الأدب" أن الأمير محمد العالم والشاعر والأديب عبد الله ابن رازكة يعتبران من المؤسسين للنهضة الأدبية في المغرب.
وخلال القرن التاسع عشر تكثفت حركة التواصل الثقافي بين بلاد شنقيط ومختلف البلدان المغاربية وذلك نتيجة لإزدياد اعداد العلماء الشناقطة الذين كانوا يعبرون هذه البلدان ذهابا وايابا في طريقهم إلى البقاع المقدسة.ويقيمون فيها للدرس والتدريس. وهكذا زار العديد من العلماء الموريتانيين المغرب وتونس والجزائر وليبيا حيث تبادلوا المعارف وتثاقفوا مع نظرائهم في هذه البلدان وسوف نشير إلى بعض هؤلاء العلماء على سبيل المثال لا الحصر.
فيمكننا أن نذكر في هذا المضمار العلامة الطالب احمد ولد طوير الجنة الذي زار المغرب في طريقه إلى الحج سنة 1829. وقد نزل ضيفا على الملك مولاي عبد الرحمن الذي اكرم وفادته. وخلال مقامه بالمغرب أتصل الطالب احمد ولد طوير الجنة بالعديد من العلماء المغاربة في مختلف حواضر البلاد فأثر فيهم وتأثر بهم. ثم زار تونس ومكث بها عدة أشهر أتصل خلالها بعلماء البلد وزار معالمه وحواضره وقد وصف ولد طوير الجنة كل البلدان التي زارها وصفا دقيقا في مصنفه "كتاب المنى والمنة".
وزار في نفس الفترة العالم والفقيه محمد يحي الولاتي صاحب كتاب "الرحلة الحجازية" كلا من المغرب وتونس وأقام فيهما عدة شهور أتصل خلالها بالعديد من اعلامهما وعلمائهما وحضر حلقات للدروس واصدر العديد من الفتاوي الدينية.
وقد تلقى الولاتي خلال اقامته بتونس إجازة في الفقه الحنفي والشافعي. وتوطدت بينه وبين العديد من علماء تونس روابط مودة وصداقة حميمة. ونشير في هذا السياق إلى أن أمؤلفات العالم الموريتاني النابغة الغلاوي الذي لم يزر تونس كانت متداولة في ذلك البلد وخاصة منظومته "بوطليحية"، التي كانت من بين المقررات الرسمية في جامع الزيتونة إلى غاية الخمسينيات من القرن المنصرم. وقد طبع هذا الؤلف على المطبعة الملكية بفاس سنة 1862 ضمن الأعمال الفقهية التي وقع عليها الاختيار في تلك الفترة للنشر والتدريس. كما وصل إلى تونس إشعاع محضرة العالم الموريتاني يحظيه بن عبد الودود التي تلقت وسام تكريم وشهادة تقدير من المملكة التونسية القائمة إذ ذاك.
ولعل من ابرز العلماء الموريتانيين دورا وأوسعهم نفوذا في منطقة المغرب العربي هو الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل الذي استقر بعد تخرجه من المحاضر الموريتانية في مدينة السمارة بجنوب المغرب حيث أسس زاوية ذات إشعاع علمي وروحي كبيرين.
وكان الشيخ ماء العينين على صلة وثيقة بملوك المغرب : مولاي عبد الرحمن وسيدي محمد ومولاي الحسن الأول ومولاي عبد العزيز الذي كانت تربطه به روابط روحية خاصة. وقد أسس الشيخ ماء العينين زاويات في العديد من المدن المغربية.
ويجدر التنويه في هذا السياق إيضا إلى أن العالم الموريتاني محمد الامين بن زين القلقمي قد استقر بعد خروجه من موريتانيا سنة 1903 بقرية أوباري قرب مدينة فزان بالقطر الليبي حيث أقام محضرة لتدريس العلوم الدينية والتف حوله الناس بكثافة. ومازال يدرس ويرشد ويفتي هنالك إلى أن تم احتلال ليبيا من طرف الاستعمار الإطالي فارتحل عنها الرجل واتجه إلى المشرق كما سوف نرى فيما سيأتي.
أما بالقطر الجزائري فقد أقام الفقيه الموريتاني الكبير الشيخ بلعمش الجكني في نفس الفترة محضرة كبيرة ومتعددة التخصصات في مدينة تيندوف جنوبي الجزائر.
وهكذا نرى أن التواصل الفكري والتبادل العلمي بين النخبة المثقفة الموريتانية والسلطات السياسية والدوائر العلمية في منطقة المغرب العربي قد بدءا منذ أواسط القرن السادس عشر واستمرا بدون انقطاع إلى يومنا هذا، وأن العلماء الموريتانيين قد اسهموا بحظ وافر في رفد الحركة العلمية وفي التأسيس للنهضة الفكرية في منطقة المغرب العربي بكاملها.


.منقول بقلم :د/ محمد الأمين













التوقيع

]مع تحيات عبدو المغربي

 abdomaroc غير متواجد حالياً رد مع اقتباس