عرض مشاركة واحدة
قديم 25-Dec-2008, 07:50 PM   رقم المشاركة : 3
بنت بلادى
بابلي
 
الصورة الرمزية بنت بلادى

 




افتراضي

ثانيا :المقاومة فى الوجه القبلى:

فر مراد بك إلى الصعيد منهزما بعد موقعة الأهرام مع الجنود الفرنسيين، و انجه بفلول جيشه إلى الصعيد ليكون بعيدا عن هجمات نابليون الذى عزم على إخضاع الوجه القبلى. فقد وجد نابليون أو وجود قوة مراد بن إلى الصعيد تعدد سلطة الحكومة المركزية، و ستكون نواة لمقاومة شعبية ، و تعطل الملاحة فى النيل عندما بدأت تمنع سفن الغلال من الإبحار للقاهرة. لذلك عين الجنرال ديزيه قائدا للحملة على الصعيد و مانت مؤلفة من نحو خمسة آلاف جندى من الفرسان و المشاة و المدفعية.
و قبل أن تسير الحملة أراد مراد بك أن يذخر جنوده و يمنع الحرب بإقطاع مراد بك مديريات جرجا و قنا و أسوان على ألاتزيد فرسانه عن 500ألى 600 فارس ، و أن يؤدى الضرائب للجيش الفرنسى. و ظن مراد بك أن نابليون فى موقف حرج عندما عرض عليه هذا الطلب فرفضه، و كان ذلك من حسن حظ الشعب المصرى لأنه إذا تحالف الاستعمال مع الاستغلال لكانت الفريسة هى الشعب المصرى.
و فى ليلة 25-26 أغسطس 1798 بدأ الجنرال ديزيه زحفه من الجيزة مطاردا مراد بك إلى إقليم البهنسا و الفيوم ثم أسيوط و جرجا مخترقا أطلال دندرة الكرنك و الأقصر الضخمة إلى أسوان و فيلة. ز مراد بك ينطلق بأقصى سرعته تارة هاربا و تارة منقلبا ليهاجم الفرنسييس، يختفى مرة فى واحة الصحراء و يعود مرة أخرى للظهور من خلفهم، ينكمش جيشه إلى بضع مئات من الأوفيائ و لكنه لايلبث أن يجمع الأحلاف و الجيوش الجديدة ثم ينتهى به المطاف حيث بدأ.
وصلت حملة ديزيه إلى بنى سويف يوم 31أغسطس و احتلنها دون مقاومة، ثم تحركت الحملة صاعدة فى النيل ووصلت إلى المنيا فى 9 سبتمبر، ثم أسيزط فى 14 سبتمبر و فى 7 أكتوبر وصل ديزيه بلدة سدمنت حيث جمع مراد بك نحو 4000إلى 5000 فارس من المماليك و العربان، و دارت معركة من أشد المعارك هولا كدت تسحق بها قوات ديزيه لولا قوة المدفعية الفرنسية. و قد انتصر الفرنسيون و قتل منهم أريعة و أربعون و جرح مائة، و قدرت خسائر المماليك بأربعمائة و تقهقر مراد بك إلى الفيوم.
و تغيرت الحرب بعد هذه المعركة فصارت مقاومة محلية تتجدد تبعا للأحول و المفاجآت.و كان هذا النوع من المقاومة اشد خطرا على الجيش الفرنسى من المعارك المنظمة خاصة و أن هناك فرقا بين الصعيد و الدلتا، إذ كان يسهل امداد القوات المحاربة فى الدلتا لسهولة التنقل فيها أم الصعيد فلم يكن الإمداد سهلا و طول المسافات كان فى صالح المدافعين و منهكا لقوى المهاجمين. و ظل الزحف مستمرا حتى أسوان دون أن يقدر الجنرال ديزيه على إخضاع الأهالى، فما وجدا إنسان قبل السلطة الفرنسية أو رضى بالاحتلال، و المل يحمل سلاحه و الكل فى معركة.

1-بين جرجا و أسيوط:

واجه الفرنسيين فى الصعيد مابين جرجا و أسيوط ثورة واسعة النطاق بعيدة المدى. و كلف الجنرال دافو لقمع هذه الثورة، فقام من جرجا ووصل إلى سوهاج يوم 3يناير 1799 حيث كانت تحتشد قوة من الثائرين تقدر بأربعة آلاف من الفلاحين المسلحين بالبنادق و الحراب يشد أزره سبعمائة من الفرسان. و نشب القتال بين الفريقين و لكن الأهالى على كثرة عددهم لم يكونوا معتادين على خوض معارك حديثة، فأصلتهم فرقة الفرسان نارا حامية تراجعوا أممامها تاركين ثمانين من القتلى. و مع ذلك لم تنكسر شوكة الثائرين رغم هزيمتهم مرة ثانية فى طهطا 8 يناير حيث خسروا 150 من الفرسان و ثمانيين من المشاة، و انتقم الفرنسيون انتقاما فظيعا من القرى التى أطلقت عليهم النار فقتلوا من أهلها حمسمائة رجل و احرقوها.
و فى 22 يناير من نفس السنة و قعت معركة سمهود بين جيش مراد بك الذى يتكون من 1500 مملوك و الباقون من الأهلى الذين انضموا إليه، و يقدر نابليون عددهم فى مذكراته بسيعة آلاف من الفرسان المصريين و ثلاثة آلاف من المشاة و ألفين من عرب ينبع و جدة بقيادة الشريف حسن، فى حين كان الجيش الفرنسى و عدده خمسة آلاف مزودين بالمدافع و البنادق الحربية. و هزم مراد بك و فر المماليك إلى الصحراء، و الفرنسيون يجدون فى مطاردتهم فلما وصلوا أسوان كان مراد قد أوغل فى أعماق السودان.


2-فى أسوان:

فى أول فبراير من نفس السنة احتل الفرنسيون أسوان، و بذلك تم لهم احتلال الصعيد بأكلمله. و عندما أرادوا أن يعبروا النيل إلى جزيرة فيلة فى مراكب الأهالى لم يقبل أحد منهم أن يسلك مركبه . فلقى الفرنسيين مقاومة شديدة و حمل الأهالى أسلحتهم و صاحوا صيحات القتال. و يوم 20 من نفس الشهر احتل الفرنسيين الجزيرة، و فى 21 احتلوا الجزر الأخرى المجاورة لها و التى شارك أهلها فى الثورة و أخذ الفرنسيين يحصنون أسوان.
و لا جدال أن الشعب المصرى كان يعلم أنه يخوض معركة غير متكافئة أمام المدافع و القوة العسكرية المتفوقة. و مع هذا لم يخطر ببال أحدا الفرار و لا فكر فى الاستسلام، بل احتقروا المماليك الذين كانوا يفرون دون أن يشعروا إحساس المواطن الذى يدافع عن شرفه و شرف قومه، و لعل الدفاع القومى رغم عدم ظهوره بالمعنى الواضح كان يتكون فى أعماق الشعب المصرى العربة و هو يحارب الاحتلال دون ان يكترث للماليك الذين يختلف معهم فى القومية.

3-فى قنا:


عندما كان نابليون منهمكا فى الحملة على سوريا،و كان الجنرال ديزيه مقتفيا أثر المماليك فى الصعيد عاكست الرياح الأسطول الفرنسى قرب بلدة البارود، و كانت مؤلفة من إثنى عشر سفينة مسبحة بالمدافع الضخمة و محملة بالمؤن و الذخائر و الأمتعة و خزينة الحرب و آلات الموسيقى ، و تقل حوالى ثلثمائة جندى و مائتى ملاح. فهاجم أهلى قنا الأسطول الفرنسى فى 3 مارس 1799، و نزل عدد كبير منهم إلى المياه سابحين نحو السفن . و قد أطلقت السفن مدافعها على المهاجمين و مات كثيرون دون أن يوقف ذلك محاولة الوصول إلى السفينة "إيطاليا" ، ووجد قائدها "سوراندى" أنه مغلوب على أمره فأمر بحارته و جنوده القفز فى الماء و أشعل النار فى مخزن البارود فى السفينة فنسفت إلى شظايا أصابت الكثيرين، و دارت معركة مائية بالأيدى و الخناجر. و كذلك صنع بقية رجال السفن الفرنسية المرافقة بعد ان رأوا عنف الهجوم. و هلك قائد الفرنسيين فى هذه المعركة و جميع جنوده و عددهم 500 و كانت هذه أكير خسارة منيت بها القوات الفرنسية فى معركة واحدة.
و روعة التصميم الذى أبداه أبناء قنا فى الهجوم الجرىء لا مثيل له فى تاريخ الفدائية. و لقد غنم الأهالى كثيرا من الذخائر و بعض المدافع التى كانت تحملها السفن المتطورة و الخزينة و مافيها من مال .
و فى أبنود ظهرت هذه الغنائم التى شدت من عزم الشعب على المقاومة، فقد دارت مع الفرنسيين معركة رهيبة استمرت ثلاثة أيام لم تنته إلا بإحراق البلدة إحراقا تاما حتى تحولت إلى تراب. و على الرغم من المئات العديدة التى خسرها الأهالى فقد أثخنوا الجيش الفرنسى بجراح مؤلمة، إذ قدرت خسائره ب 169 قتيل و جريح.


و هكذا ظل الجيش الفرنسى يطارد قوات شتى لا عداد لها و لا يكاد يتغلب عليها حتى تتجمع و تعود ثانية للقتال فى ميدان واسع يمتد من الجيزة شمالا إلى أسوان جنوبا و من القصير شرقا إلى واحات الصحراء غربا دون إقرار السلطة الفرنسية لها.
و هكذا صح ماذكره قواد نابليون فقد تحولت حرب الصعيد إلى حرب حقيقية، فكتب ديزيه لنابليون فى 17 مارس 1799 يقول:
"إنى لا أكتمكم الحقيقة... إننا لن نكون سادة هذه البلاد، لأننا إذا أخلينا بلدة لحظة من الجنود عادت لحالتها القديمة."



الخاتمة

و هكذا لم يمض على احتلال القاهرة إلا ثلاثة أشهر حتى كانت الدلتا و الصعيد و كأنهم اشتعلوا من اللهب تزخر أرجاؤهم بأمجاد التضحية. و يمكن القول أيضا أنه خلال حملة سوريا ، تابعت الفكرة العربية نموها. ففى الوقت التى شهدت به يافا المجازر على يد نابليون فى مارس 1799 ، كان المصريون يسطرون النصر على الفرنسيين فى قنا و تأججت الثورة فى الشرقية و اثناء حصار عكا ، اندلعت القورة فى البحيرة.
و على ضوء الحرائق التى كانت تذهب بالمال و البنين كتبت مصر تاريخها الحديث و فيه من العزم و التصميم على الحرية ما أذهل المعتدى المتكبر، و هى تزرع بذرة الفكرة العربية من جديد.



المراجع:

o عجائب الآثار فى التراجم و الأخبار، عبد الرحمن الجبرتى.


o النهضة العربية الحديثة ، عبد العزيز نوار.


o المقاومة الشعبية المصرية للاحتلال الفرنسى و الغزو البريطانى، عصام محمد.


o تاريخ الحركة القومية و تطور نظام الحكم فى مصر، عبد الرحمن الرافعى.












التوقيع

الحزن يطارد عنوانى
و سألت الناس عن السلوى...
عن شىء يهزم أحزانى
عن يوم أرقص بالدنيا
أو فرح يسكر وجدانى
قالوا : أفراحك أوهام
ماتت كرحيق البستان
و دموعك بحر فى وطن
لا يعرف حزن الإنسان

فاروق جويدة
 بنت بلادى غير متواجد حالياً رد مع اقتباس