عرض مشاركة واحدة
قديم 18-Apr-2010, 09:33 AM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي مشكلة كتابة التاريخ ببلداننا.. تاريخ الشعوب أم تاريخ النخب؟



ماركس وداروين

مشكلة كتابة التاريخ ببلداننا.. تاريخ الشعوب أم تاريخ النخب؟




العرب أونلاين- أزراج عمر*: ليس التاريخ مجرد تأمل وفحص للوثائق، والأحداث والتحولات التي يشهدها فرد ما أو مجتمع ما، أو العالم بأسره في حقبة زمنية معينة. وهكذا، فإن التاريخ أنواع على المستوى الفكري وعلى المستوى العملي.. إذ هناك تاريخ الرّي، والزراعة والفلاحة والمعمار، والطرقات، والموسيقى وهلم جرا.

فالعالم دوارين قد انشغل بتاريخ تطور الأنواع، كما إنشغل ماركس باقتفاء تطورات تاريخ نشوء الطبقات. ونجد مؤرخ الأفكار المعاصر ميشال فوكو يتحدث عن أهمية الانتباه إلى التواريخ الصغرى في الحياة البشرية مثل تاريخ القمع، وتاريخ البحار، وتاريخ العقل والجنون، وغير ذلك.

ومن هنا فإن الدول المتقدمة وخاصة في قارة أوروبا قد بدأت تشجع التخصصات التاريخية الشعبية التي تدعى بالثانوية مثل تواريخ القرى، والقطارات والسكك الحديدية، والنساء، وفصائل النباتات والأشجار والتجارة والمعامل، والمهن المختلفة.

وبهذه الصيغة المفتوحة فإن كتابة التاريخ لم تعد حكرا على المؤرخين التقليديين، بل فقد أصبحت أكثر إتساعا ومرونة. ففي مصر مثلا نجد الدكتور جمال حمدان يخصص مشروعا كاملا لدراسة تاريخ هوية بلاده من منظور جغرافي، كما فعل قبله عدد كبير من المفكرين الذين إتخذوا الجغرافيا أساسا لدراسة الثقافات من المفكرين الذين إتخذوا الجغرافيا أساسا لدراسة الثقافات والطباع.

وبناء على ما تقدم فإن فكرة التاريخ لم تعد تخصصا مغلقا يكتفي بسرد أحداث الحروب، والمعارك، والأبطال بل فإنه قد صار متصلا بكل ظواهر ومظاهر الحياة، وما يكوّن المجتمعات بما في ذلك أشياء الطبيعة الصماء.

وفي هذا السياق يمكن للدارس أن يستمتع بما أنجزه العالم الدوميري في كتابه الموسوعي الموسوم "حياة الحيوان الكبرى" الذي يدرس فيه تطورات الحيوان وكذلك منافعه، ودلالات رؤيته في الأحلام.

أنماط نظريات التاريخ
ففي كتابه الشهير "فلسفة التاريخ" قد قام الفيلسوف الألماني جورج ويلهلم فردريك هيجل بتقديم عدد من نظريات وأنماط التاريخ. إلى جانب ذلك فقد أكد على وجود توازن بين تاريخ معرفة الذات المنطقي أي التاريخ الفردي وبين تاريخ الإنسانية في التوصل إلى الإدراك الكلي للذات في الأخلاق والدين والمعرفة المطلقة. كما سعى إلى تحديد الفاعل الذي يشكل الموضوع الحقيقي للتاريخ ويحركه في كلية تاريخه وهي الواقع العام فأقر بالعقل العام كفعل منطقي يحرك التاريخ". كما أشار إلى ذلك الدارس نبيل داودة.

إن هذا العقل العام في تقدير هيجل هو "الفاعل الحقيقي في كل تاريخ" مثلما يشرح الباحث داودة. وهكذا يرى هيجل بأن هناك ثلاثة أنواع من التاريخ:
1- التاريخ الكلي الخاص بشعب ما أو بلد ما،
2- التاريخ النظري ويعرفه بأنه التاريخ البرجماتي العملي ويتميز بأنه نقدي،
3- التاريخ الفلسفي وهو النمط الذي يدرس ظاهرة تاريخية ما من خلال الفكر. ويعتقد هيجل بوجود علاقة قوية بين التاريخ والفلسفة وتتمثل في أن هذه الأخيرة تنطلق من فرضية وهي أن العقل يسيطر على العالم.

منعطف في النظرية
قد تمكنت "الدراسات الثقافية" المعاصرة من إعادة النظر جذريا في مفهوم التاريخ وخاصة بعد بروز نظريات القطيعة المعرفية والخطاب على أيدي أقطاب ما بعد البنيوية. وهكذا انتقد هؤلاء أطروحة التقدم الخطي للتاريخ، وفكرة التقدم ذاتها وذلك على أساسين وهما ان التاريخ كثيرا ما يشبه الرقصة الاسبانية التي ينجزها الراقص بخطوتين إلى الأمام تليها خطوة إلى الوراء، وأن هذا التاريخ أيضا ليس حبلا متصل الحلقات، لأن هذا الحبل كثيرا ما يتقطع فتحدث به الثغرات والفجوات. وهكذا يدعونا ما بعد البنيويون إلى البحث عميقا في دلالات هذه الثغرات، وما يدعى بالهوامش من أجل قراءة البانوراما التركيبية لظاهرة التاريخ.

وفي الواقع، فإن المؤرخ الفرنسي بروديل المدعو بعرّاب الحوليات التاريخية قد لعب دورا تمهيديا في إبراز فكرة مهمة وتتلخص في أن التاريخ، أو لنقل الزمان التاريخي هو أبعد ما يكون، كما يتصور التقليد الوضعي، ان يكون أبديا، ومتجانسا وأحادي الاتجاه. بالنسبة للمؤرخ الفرنسي بروديل فإن التاريخ متعدد الاتجاهات، وأنه لا يتقدم إلى الأمام، أو يتجه إلى الخلف أيضا، وإنما هو جدلية الزمان، أي أن حركة التاريخ تولد باستمرار قيما وتناقضات جديدة بشكل يؤكد عدم وجود نقطة النهاية المغلقة.

وعلى ضوء هذا الفهم فإن الطبيعة ذاتها ليست مجرد حديقة خلفية أو أمامية للأحداث التاريخية، بل فإنها تاريخ أيضا، وانها شرط من شروط تحقق التاريخ. ولقد أبرز هذا البعد ابن خلدون أيضا حين كرّس عشرات الصفحات لسبر العلاقة المتبادلة بين الجغرافيا والمناخ، وبين الثقافة وبنية السلوك البشري. وقد فعل الشيء نفسه المفكر الماركسي الايطالي أنطونيو غرامشي في نصه الشهير وهو "المسألة الجنوبية" وقام بذلك سلفه جامباتيستا فيكو حين برهن على وظيفة التأثير التي تمارسها الجغرافيا في تأسيس الشعوب وذلك قبل وفاته عام 1744.

فالفيلسوف كانط لا يتصور حصول المعرفة عند البشر بدون توفير كل من الفضاء والزمان كحدسين ضروريين وكشكلين "تخلعهما الحساسية على كافة المعطيات التي ترد إلينا من الخارج" حسب شرح محمود شريح لنظرية المعرفة عند هذا الفيلسوف الالماني. إذا، هناك دائما بعد الذاتية للتاريخ من حيث صنعه، ومن حيث التنظير له، ومن حيث النظر في أحداثه. فما هو التاريخ إذا؟

يقول الناقد والمفكر البريطاني ريموند وليامز بأن التاريخ له عدة معاني منها "البحث والتحري" وكذلك "نتائج البحث" و"رواية المعلومات" و"سرد الأحداث". ثم يؤكد وليامز إحدى معاني التاريخ لتشمل "معرفة الماضي المنظمة، وإمكانية تجاوزها".

وفي هذا السياق ينبغي الإنتقال إلى التعريف بالتاريخانية حتى تصبح مناقشة الذاتية والموضوعية في التاريخ ممكنة.

فالتاريخانية، حسب تقدير ريموند وليامز أيضا لها ثلاثة معاني وهي أنها: "منهج دراسة يعتمد على حقائق الماضي ويتتبع سوابق الاحداث الحالية" وأنها "توكيد معتمد على ظروف وسياقات تاريخية متقبلة يجب عن طريقها تفسير كل الأحداث المحددة". أما المعنى الثالث للتاريخانية فيحدده المفكر نفسه في أنها تتضمن "مهاجمة لكل أنواع التفسير أو التنبؤ عن طريق ضرورة تاريخية أو إكتشاف قوانين تطور تاريخي عامة". ويوضح المنظر بول هاملتون في مقدمته لكتابه "التاريخانية" بأن هذه التاريخانية يمكن تعريفها هكذا وباعتبارها "حركة نقدية تشدّد على الأهمية الأولية للسياق التاريخي لتأويل النصوص من كل نوع" وفضلا عن ذلك فإن التاريخانية "معينة أولا بموضعة آية عبارة – فلسفية، وتاريخية، وجمالية – في سياقها التاريخي" من أجل "سبر المدى الذي يعكسه – على نحو حتمي – أي مسعى تاريخي، وانحياز المرحلة التي كتب فيها". وهنا تقوم التاريخانية وفقا لفهم هاملتون بالشك في "القصص التي يقولها الماضي عن نفسه". وبالشك في تحزّبها هي أيضا.

ولعل النقد الذي وجهه كارل بوبر للتاريخانية في كتابه "بؤس التاريخانية" من أقوى الإنتقادات، وهو يقصد التاريخانية التي ترى "التاريخ مثل مجرى الماء، مثل النهر الجاري، ويعتقد أنه يتوقع أين يمر الماء".

وبالتحديد فهو يرفض فكرة الغائية للتاريخ، وفكرة الشمولية، وعلى أية حال فإن بوبر معروف بعدائه للماركسية وبدفاعه عن الليبرالية التي تعتقد بدورها في نمط من الغائية التاريخية التي لا ينتبه إليها بوبر ذاته، وهي ان غائية مكشوفة تتمثل في الحرية الفردية، وفي عبارة "دعه يمر دون ودعه يعمل". ولكن هذه الحرية مشروطة تاريخيا، وأنها ليست موزعة بالعدل والمساواة ماديا وسياسيا وانحيازا أيديولوجيا في المجتمعات الطبقية والرأسمالية الاستغلالية.

وفي الضفة الغربية من المحيط الأطلسي احتدم النقاش حول مفهوم التاريخانية الجديدة وخاصة في حقل نظرية الأدب.

ويعرّف قاموس "المفاهيم المفتاحية لنظرية الأدب" التاريخانية الجديدة بأنها "المنهج النقدي الذي سيّس – وشدّد على – العلاقة البينية الحميمية بين الآداب والثقافة والتاريخ" وأنها أيضا تقرأ "التشكيلات النصية كتوسط معقد للتوظيفات الأيديولوجية والمعرفية، وللخطابات المنتجة للمعنى". ويخلص مؤلفو هذا القاموس إلى القول بأن القاسم المشترك بين تحليلات التاريخانيين الجديدة، وخاصة في حقل نظرية الأدب. ويعرّلإ قاموس "المفاهيم المفتاحية لنظرية الأدب" التاريخانية الجديدة بأنها "المنهج النقدي الذي سيّس – وشدّد على – العلاقة البينية الحميمية بين الآداب، والثقافة والتاريخ"، وأنها أيضا تقرأ "التشكيلات النصية كتوسط معقد للتوظيفات الايديولوجية والمعرفية وللخطابات المنتجة للمعنى".

ويخلص مؤلفو هذا القاموس إلى القول بأن القاسم المشترك بين تحليلات التاريخانيين الجدد هو رفض فكرة علاقة النص مع السياق، والتأكيد بالمقابل على ضرورة "فهم النص كلحظة إمتياز". هنا نلمس تأثرا التاريخانية الجديدة بالمنهج التزامني المكرس في البنيوية بخصوص التاريخ: بماذا نخرج من كل هذه السجالات الخلافية؟ وهل هناك موضوعية في التاريخ؟ وما هو الفرق بين السياق وبين العلاقة؟

نحو آفاق جديدة
إنه يبدو واضحا بأن النقاشات والمنظورات التي عليها التركيز في الفكر التاريخي تتميز بأنها متعددة ومتنوعة. ويعني هذا أن الفكرة التقليدية لمفهوم التاريخ، ولإنجازه عمليا ونظريا قد تم نقدها وتجاوزها إلى آفاق أكثر عمقا ورحابة وغنى.
وهكذا قد عمل المفكرون على تفكيك مقولة الموضوعية المطلقة وتم استبدالها بوجهة النظر النسبية والشك الايجابي الذي يخضع الحقيقة التاريخية، وشتى الوثائق والشهادات للفحص والمقارنة والتدقيق.

ونتيجة لذلك فقد زحزح الاعتقاد التقليدي الذي ينطلق من فرضية دوغماطية والتي تزعم بأن الكتابة التاريخية هي من اختصاص النخبة، أو من حق النخبة أيضا أو كلاهما معا. وهذا ما قد إنتبه إليه منذ زمان طويل الفيلسوف دفيدهيوم في كتابه "مبحث في الفاهمة البشرية" حيث قال في بدايات وأواسط القرن الثامن عشر ما يلي: "على الرغم من أن الخبرة هي مرشدنا الوحيد في التعليم حول الوقائع فإنه يجب الإقرار بأن هذا المرشد ليس معصوما من الخطإ دائما وأنه في بعض الأحيان قادر على إيقاعنا في الأخطاء". ويقودنا هذاالموقف من الموضوعية باعتبارها نسبة إلى قضية السياق وقضية العلاقة.

فالتاريخ يكتب دائما في إطار السياق لأنه يصنع في إطار السياق أيضا. إنه لا يوجد تاريخ معزول بل هو يحدث باستمرار وسط ملابسات وتعقيدات إذ هناك الاطار الزماني والمكاني وهناك الهدف، وهناك المشاركون في الحدث التاريخي أوالظاهرة الاجتماعية أو الثقافية أو اللسانية أو السياسية وهلم جرا. وبذلك نفهم بأن التاريخ يحدث دائما في سياق معين أو في سياقات متعددة معينة.

وفضلا عن ذلك فإن الأحداث التاريخية أو الظواهر التاريخية لا يصنعها فرد أو جماعة بمعزل عن أطراف أخرى بما في ذلك البيئة والمحيط الطبيعيين. وهكذا فإن الظاهرة التاريخية هي نتاج تفاعل علاقات سواء إتسمت بالتجاور أوالتصادم أو التناص.

إنه لولا هذه الشروط لما كانت هناك الدراسات التاريخية والحضارية، والثقافية المقارنة لأن من مهام هذا النوع من الدراسات هو سبر ورصد وتحليل العلاقات والسياقات التي ولّدت أوتولّد الحدث التاريخي سواء كان محليا محدودا أو طنيا أو دوليا.

وبناء على ما تقدم فإن بلداننا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مناهج ونظريات كتابة التاريخ التقليدية والسائدة والمهيمنة عندنا. إنه من اللائق إعطاء الفرصة الكافية لبروز تواريخ الهوامش لتعبر عن الحياة الجزئية التي هي الشرط الضروري لقيام التاريخ الكلي الذي يمثل الجميع بدون تمييز أو إقصاء.

__________________

* كاتب وناقد من الجزائر

Alarab Online. © All rights reserved.












التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 النسر غير متواجد حالياً رد مع اقتباس