الموضوع: العربي التائه!
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-Feb-2011, 11:20 AM   رقم المشاركة : 11
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: العربي التائه!


ماري أنطوانيت تثير العرب هذه المرة

هناء الحمراني

في سنة 1774 توفي لويس الخامس عشر، وصعد لويس السادس عشر إلى العرش.. وحالما صارت ماري أنطوانيت ملكة، أسلمت نفسها للمسرّات التي كانت تحبها أكثر من أي شيء آخر، وهي طلب وارتداء أغلى الثياب والمجوهرات في المملكة، وراحت تهتم بأعقد تركيبة شعر في التاريخ؛ فكانت تسريحاتها المنحوتة ترتفع فوق رأسها بثلاثة أقدام، وشرعت تقيم سلسلة متصلة من الحفلات والمهرجانات، وكانت تدفع تكاليف هذه النزوات بالدًّين، فلم تهتم أبدًا بمقدار تلك التكاليف، ولا بمن يدفع الفواتير.
وكان أعظم مسراتها خلق وتصميم جنة عدن خاصة بها في قصر تريانون الصغير، وهو بيت ريفي ضخم في أراضي فرساي له غابته الخاصة به.
ومع كل نزوة جديدة تصاعدت تكاليف صيانة تريانون الصغير.
وفي تلك الأثناء كانت فرنسا نفسها آخذة في التدهور.. فكانت هناك مجاعة وسخط واسع الانتشار.
وفي سنة 1784 تورّطت الملكة في فضيحة؛ فكجزء من خطة سلب واحتيال معقدة، اشترت باسمها أغلى قلادة من الماس في أوروبا كلها، وأثناء محاكمة النصابين ظهرت على الملأ تفاصيل حياتها الباذخة: فسمع الناس بالأموال التي كانت تنفقها على المجوهرات والفساتين ورقصات الأقنعة التنكريّة، فأعطوها لقب السيدة "عجز" من العجز في الميزانية، ومنذ ذلك الحين صارت محطّ سخط الناس المركز.
وفي عام 1789 قامت الثورة الفرنسية، ولم تبالِ ماري أنطوانيت بالثورة، وفي تلك السنة زحف الناس على فرساي، وأرغموا العائلة المالكة على ترك القصر والعيش في باريس، وكان ذلك فرصة لكي تقيم تواصلاً طيبًا مع الشعب..غير أن الملكة لم تكن قد تعلمت الدرس، ولم يكن يهمّها أن يتعفن رعاياها في الجحيم.
وفي سنة 1792 نقل الزوجان الملكيان من القصر إلى السجن، وفي السنة الثانية حوكم لويس السادس عشر وأُدين وأُعدم على المقصلة.
وفي سنة 1793 ركعت ماري على المقصلة غير نادمة ولا تائبة [1] بعد أن اقتيدت بعربة مكشوفة دارت بها في شوارع باريس حيث رماها الغوغائيون بالأوساخ وكل ما يقع تحت أيديهم، فقصّوا شعرها الطويل، ثم وضعوا رأسها الصغير في المكان المخصص في المقصلة وهوت السكين الحادة، فأطاحت برأسها في السلة الجانبية [2] .
***
منذ عقود والمسلسلات العربية تصف واقعًا مؤلمًا من الفساد الاقتصادي الذي يضطر المواطنين الشرفاء إلى اختيار طريقين لا ثالث لهما.. إما أن يوافقوا على الفساد ليصبحوا في مصافّ الأغنياء.. أو يرفضوه ليعيشوا الفقر بكل صوره.. وأشكاله.. وألوانه.. وأوضاعه.. وتتمادى بعض المسلسلات في السوداوية لتجعل الرجل الشريف مطاردًا من قبل المفسدين، ولربما كلفه شرفه حياته وحياة أسرته..
لعل مسلسلات هذا الزمان عليها أن تغير من وجه العدو الذي يطارد هؤلاء الشرفاء.. فقد قرر الانتحار تمثيل الدور وبجدارة لا تسمح لضحاياه بأن يعيدوا المشهد مرة أخرى.. وتسمح له هو بأن يعيد المشهد مرات ومرات..
ولم يعد الفساد خيارًا..بل صار طاغوتًا يدوس كل البشر الفقراء والبسطاء تحت أقدامه..
والشهادة الجامعية التي يدفع في سبيل الحصول عليها أعمارًا وجهدًا..ومالاً.. لم تعد صالحة لانتشال الفقراء من فقرهم..
إن الغلاء.. والفقر.. والفساد.. جميعها مصطلحات لم تكن وليدة هذا الزمان.. ولم تكن حكرًا على الشعوب العربية.. ففي قصة ماري أنطوانيت عبرة مهمة للتجويع الذي لا يعرف الرحمة ويحيق بما أمامه.. ويجعل الإنسان مستعدًا للتضحية بكل شيء.. فما دام أنه لا يستطيع أن يحيا حياة كريمة.. فهو قادر على أن يموت شريفًا..
ومشكلة هذا العالم أنه كبير إلى الحد الذي يجعله لا يستيقظ إلاّ إذا شمّ رائحة الدماء.. ولا يقبل بتغيير شكله إلاّ إذا هزته زلازل الحروب والدمار..
ومأساته أن الذين يهبون لنجدته..لا يهبون إلاّ لمساندة الأقوياء.. وأما الضعفاء فإلى الجحيم وبئس المصير..
ومن المضحك المبكي أن قومًا يرون في ثورة الجياع تصرّفًا لا عقلانيًّا..في حين أن عليهم كشعب محترم أن يتصرفوا بعقلانية واتّزان..
كيف يمكن لإنسان أن يفكر بشكل واعٍ وهو لم يجدْ وقتًا للوعي.. بعد أن ضربه الفقر على رأسه ضربة أنسته كل شيء، إلاّ صورة أطفال جياع.. وزوجة مريضة؟
وكيف يمكنهم أن يتفهموا معنى "الصبر"، وأن يدركوا واجبهم تجاه حكومتهم.. وهم يرون بأن حكومتهم لم تكن سوى ماري أنطوانيت أخرى؟!
وكيف لهم أن يدركوا من أين يأتي الرزق.. ومن بيده مفاتيحه.. وهم يرون في كل من تعلّق بالمسجد إرهابيًّا..ومجرمًا يستحق الإعدام؟!
يتحدث المتحدثون من بروجهم العاجية.. فقوم يرى بأن الشعب الذي لا يجد الأرز؛ فلا داعي لأن يأكله كلّ يوم!!
وآخرون مقتنعون بأن الله خلق الناس قسمين..أغنياء وفقراء..فمن هو غني يحق له أن يعيش.. وأما الفقراء فعليهم الموت جوعًا أو حرقًا..أو غرقًا..أو بأي طريقة يمكن أن تخفف من عددهم على وجه هذه الأرض!
وفريق ثالث لا يكفّ عن ترديد المثل القائل: "مدّ رجلك على قدّ لحافك" على الرغم من أن واجبه تجاههم هو إطالة اللّحاف لا تركه كما هو..
بل وقاموا بقصقصة اللحاف قدر إمكانهم ليطيلوا بها ألحفتهم التي تتسع لضم الآلاف من الفقراء وتوفير حياة كريمة لهم.. ومن استطاعوا تجريده من لحافه وتركه وأسرته عراة.. فلا مانع من ذلك..
كل ما أرجوه.. ألاّ تكون ردة الفعل تجاه الغلاء زوبعة في فنجان.. فزوابعنا الفنجانية تريق الكثير من الدماء أيضاً..وقد لا تصنع شيئًا..
لم تعد المسلسلات واقعًا بعيدًا.. بل أصبحت صورة يومية مؤلمة.. عند التجول في السوق لشراء الخضار.. فإن الأسعار المريبة تصفعك.. ولربما جعلتك تنظر بعين الألم لمن لا يملك قيمة كيس من البصل..
أليس مرعبًا أن طعام الفقراء قرّر هو الآخر أن يواكب موضة الغلاء؟!




قبل الرحيل:
قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى). [طه: 132].
ويقول سبحانه: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ). [الذاريات: 22-23]


[1] كيف تمسك بزمام القوة لـ (روبرت غرين)-بتصرف-
[2] قصة الحضارة لـ(ويل ديورانت).













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً رد مع اقتباس