الموضوع: الاتجاه الإسلامي في روايات علي أحمد باكثير التاريخية
عرض مشاركة واحدة
قديم 30-Nov-2011, 07:29 PM   رقم المشاركة : 1
أبو خيثمة
مشرف
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي الاتجاه الإسلامي في روايات علي أحمد باكثير التاريخية

الاتجاه الإسلامي في روايات علي أحمد باكثير التاريخية
د. حسن سرباز[1]
الأستاذ المساعد بجامعة كردستان – إيران
من أبحاث مؤتمر "علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية"
المنعقد بالقاهرة في 18-21 جمادى الآخرة 1431هـ/ 1-4 يونيه حزيران 2010م
تحت رعاية رابطة الأدب الإسلامي العالمية

يعدُّ علي أحمد باكثير من روَّاد الأدب الإسلامي والقصَّة الإسلاميَّة في العصر الحديث، وله إسهاماتٌ جيِّدة في مجال المسرحيَّة والرواية والشعر.

تأثَّر باكثير في رواياته بالتصوُّر الإسلامي، واستطاع أنْ يبرز من خِلالها الفكر الإسلامي والقِيَم الإسلاميَّة في صورة فنيَّة ممتعة.

وتهدف هذه الدراسة إلى دراسة رواياته التاريخيَّة والتركيز على اتِّجاهه الإسلامي باستخراج الملامح الإسلاميَّة فيها، ووصلت إلى أنَّ باكثير نشَأ نشأةً إسلاميَّة، وجعل الفكر الإسلامي فلسفة لأدبه ومنهجًا لحياته، كما وصلت إلى أنَّه في آثاره صاحِبُ فكرة وصاحِبُ رسالة يدعو إليها ويسعى إلى خِدمتها دون أنْ يخلَّ بفنيَّة آثاره.

وقد بدَا للدارس من خِلال دراسة رواياته حشدٌ كبيرٌ من المظاهر الإسلاميَّة تتجلَّى من خِلالها ثقافته الدينيَّة ورؤيته الإسلاميَّة.

بدأ علي أحمد باكثير حياته الأدبيَّة شاعرًا غنائيًّا غلَب عليه طابع التقليد للقُدَماء، وفي الحجاز تعرَّف على المسرحيَّات الشعريَّة وتأثَّر بأحمد شوقي كثيرًا؛ فكتب مسرحيَّة "همام أو في عاصمة الأحقاف" بأسلوب الشعر المقفَّى، كما كتب قصيدة (نظام البردة أو ذكرى محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم) وهو في أفكارها ومعانيها يتبع شوقي ويُحاكِيه في تضمينها روح العصر ومشاكل المجتمع الإسلامي، وفي مصر وبعد اطِّلاعه على الأدب الغربي والأدب العربي الحديث تغيَّرت مَسِيرته الشعريَّة، وترجم مسرحيَّة "روميو وجولييت" لشكسبير بأسلوب الشعر المرسل، ثم كتب مسرحيَّة "أخناتون ونفرتيتي" بنفس الأسلوب، وبعد ذلك اتَّجه إلى أسلوب النثر في كتابة مسرحيَّاته، وفي هذه المرحلة الناضجة من حَياته الأدبية لم يكتفِ بفنِّ المسرحيَّة، بل أبدع في مجال الرواية أيضًا.

وهذا التنوُّع في أدب باكثير يُؤكِّد أنَّه قد صدَر في أدبه عن ألوانٍ متعددة وأنماطٍ مختلفة من أشكال التعبير الأدبي؛ من شعر غنائي، ومسرحيَّة شعريَّة، ومسرحيَّة نثريَّة، ورواية تاريخيَّة، تختلف فيما بينها مضمونًا ودرجة فنيَّة.

وهذا الحشد الهائل من المسرحيَّات والروايات يدلُّ على سَعة ثقافته وكثرة اطِّلاعه واتِّساع أفقه ورحابه فكره وفنه واتِّسامه بالجدِّ والمثابرة في سبيل تحصيل ذلك، بحيث يُعتَبر باكثير - بعد توفيق الحكيم - من أكبر كُتَّاب المسرحيَّة في الأدب العربي الحديث، ولكن مع ذلك لم ينلْ باكثير ما يستحقه من التقدير من جانب النقَّاد والأوساط الأدبيَّة في مصر وفي العالم العربي، بل تعرَّض للاضطهاد والمعاناة والجحود.

وفي فترة الستينيَّات التي تُعتَبر مرحلة النضج الفني والأدبي لباكثير تسلَّل اليساريون والاشتراكيون إلى الصحف والمجلات، وتسلَّطوا على الأوساط الأدبيَّة ووسائل الإعلام ودور المسرح والنشر، ودبَّروا حملة ماكرة من التشويه أحيانًا، والتجاهل أحيانًا أخرى، وتعمَّدوا نسيانَه رغم محاولاته القيِّمة في عالم المسرح والرواية والشعر، وتجاهل "المسرح القومي" له، وامتنع عن عرض مسرحيَّاته، رغم ريادته في هذا الفن، كما امتنع كثيرٌ من دور النشر عن نشر آثاره ومسرحيَّاته؛ حيث بقي كثيرٌ منها مخطوطة طُبِعت بعد موته بسنوات، وقد عبَّر فاروق خورشيد عن هذا التجاهل وهذا النسيان وقال: "لم يظلم النقد الأدبي كاتبًا - على كثرة مَن ظلمهم - كما ظلَم علي أحمد باكثير، صاحب المغامرات الكثيرة في دُنيا القلم وعالم الكتابة، وقد ظُلِم باكثير حاليًّا؛ فقد تناساه النقَّاد أو تعمَّدوا نسيانه رغم كتبه التي جاوَزت الثلاثين، ورغم محاولاته في دنيا المسرح ودنيا الرواية ودنيا الدراسات وعالم الشعر الرحب... كما أسرع الدارسون والنقَّاد بعد وفاته بإغلاق صفحة الحديث عنه بعد مقالٍ هنا وكلمة هناك وحفلة تأبين باهتة في هذا المحفل الأدبي، وحفلة أخرى خَلَتْ من المحتَفِلين في محفلٍ أبدي آخَر، وهذا الموقف الظالم من واحدٍ كعلي باكثير إنما يُمثِّل تمثيلاً صحيحًا مرض العصر في دنيا النقد الأدبي، إنَّه مرض المواقف، فلا يكفي الجهد العاتي الذي يبذله الكاتب طول عمره بحثًا وتنقيبًا، ثم مُعاناة وتجربة، ثم تعبيرًا عن كلِّ هذا في صبر وموالاة؛ ليكون جواز مرور عند الحكومة الأدبيَّة التي تُسَيطِر على مَنابر النقد وتمسك بزمام التاريخ الأدبي والفني"[2].

ويرجع هذا الموقف السلبي من باكثير وآثاره إلى إيمانه بأصالة الفكر الإسلامي، والتزامه به فلسفةً لأدبه ومنهاجًا لحياته، ومُعاداته للشيوعيَّة والأفكار الواردة على الوطن الإسلامي والعربي، فقد نقل عنه نجيب الكيلاني أنهم كانوا يغمزون نحوه في مجالس الأدب ومنتدياته ويقولون عنه في سخرية "إسلامستان"، وهو كان يضحك ويقول: إنه لَشرفٌ عظيم لي أنْ أُتَّهم بالإسلاميَّة فيما أُقدِّمه من أدب[3].

ولكن (باكثير) رغم تألُّمه الشديد من هذا الصمت والتجاهُل، لم يخرج من الميدان ولم يترك عمله الفني، بل واجَه هذا التحدِّي بتحدٍّ من نوعٍ آخَر، فعكف على كتابة العديد من المسرحيَّات والروايات آملاً أنْ يأتي الوقتُ الذي تظهر فيه الأعمال وفقًا لمنطق البقاء للأصلح، فيقول فيما نقَل عنه أحمد محمد عباد - من أدباء حضرموت -: "إنهم يحسبون أنهم سيقتلونني عندما يمنعون الإخبار عني، أو يحاربون كتبي ويحجبون مسرحياتي عن الناس، أنا على يقينٍ أنَّ كتبي وأعمالي ستظهَرُ في يومٍ من الأيام، وتأخُذ مكانها اللائق بين الناس، في حين يطمس أعمالهم وأسماؤهم في بحر النسيان؛ لهذا فأنا لن أتوقَّف عن الكتابة، ولا يهمني أنْ يُنشَر ما أكتب في حياتي... إني أرى جيلاً مسلمًا قادمًا يتسلَّم أعمالي ويُرحِّب بها"[4].

وقد تحقَّق أمل باكثير هذا، ولم تستطع مؤامرةُ الصمت والتجاهُل أنْ تقضي على مجد باكثير الأدبيَّة أو يُقلِّل من شأنه؛ لأنَّه كما قال أنيس منصور: "من المؤكَّد أنَّ فنانًا بهذا الصدق والأصالة لا يموت لصمت ناقد أو نقَّاد، فليس النقد هو الذي كتَب له شهادة مِيلاده، وإنما الفن هو الذي ولده وربَّاه، وأنضجه وسوف يبقيه"[5].

ولذلك فقد أخذ اسمه يتردَّد في أنحاء العالم الإسلامي والعربي، وأصبح علمًا بارزًا على مدرسة الأدب الإسلامي، وقام أحد محبي أدبه وهو الكاتب الشاعر الدكتور عبدالحكيم الزبيدي بفتح موقع خاص به على شبكة الإنترنت باسم "موقع علي أحمد باكثير رائد الأدب الإسلامي في العصر الحديث"؛ لنشر آثاره على أوسع نطاق وأشمله.

علي أحمد باكثير واتجاهه الإسلامي:
نشَأ باكثير نشأةً إسلامية منذُ نعومة أظفاره؛ حيث وُلِدَ في إندونيسيا في أسرةٍ محافظة ملتزمة، وتعلَّم في حضرموت العلوم الشرعيَّة في المعاهد الدينيَّة، ودرس الإسلام من يَنابِيعه الأصليَّة دراسةً عميقة وافية، "حيث كان يطمَعُ في أنْ يكون فقيهًا وقاضيًا كعمِّه محمد بن محمد باكثير، غير أنَّ رغبته وموهبته الأدبيَّة قد حالَتْ بينه وبين أمنيَّته"[6].

ولكن مع اتجاهه إلى الأدب ورغبته إليه لم يُهمِل جانب فكره الإسلامي، بل جعله فلسفة لأدبه ومنهاجًا لحياته، فتعمَّق فيه تعمُّقًا كبيرًا، وظلَّت دراسته للفكر الإسلامي باقية بقوَّتها إلى أخريات حياته، وحتى حينما استقرَّ في مصر والتحق بقسم اللغة الإنجليزية، وتعرَّف على الثقافة الأوروبية، وتأثَّر بالأدب الغربي حيث أخذ يُغيِّر مقاييسه الأدبية، ويُغيِّر مفاهيمَه للأدب العربي، لم يتخلَّ عن فكره الإسلامي، بل ظلَّ متمسِّكًا به ومتحمسًا له ومدافعًا عنه بفنه وأدبه.

واستَقَى باكثير فكرَه الإسلامي من ينابيعه الأصلية؛ أي: القرآن والسنَّة؛ ولذلك أنكر الخرافات والبدع التي شاعَتْ في حضرموت، وقام بدعوة الناس إلى تنقية عقيدتهم من الشوائب ونبْذ الجمود والخمول الديني، ورأى أنَّ الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزَّة والمنعة لا دين الضعف والخُرافات والبِدَع، وأنَّه قوَّة روحيَّة ومدنيَّة كبرى، وأنَّ الإنسانيَّة الحائرة تحتاج دائمًا إلى الاهتداء بنوره.

وقد تأثَّر باكثير من بين زُعَماء الإصلاح الإسلامي بجمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده، وكان معجبًا بهما وبطريقتهما في الإصلاح أشدَّ الإعجاب، وكان يرى أنهما قد أعادا للإسلام روحه الصافية النقيَّة بعد أنْ خلَّصوه من شوائب البدع والخرافات، كما أعاداه إلى ينابيعه الأصليَّة؛ الكتاب والسنة، ويبدو هذا التأثُّر عنده حينما كان في حضرموت والحجاز، كما يبدو عندما كان في مصر.

ويتجلَّى اتجاهه الإسلامي والتزامه بالفكر الإسلامي في آثاره الشعريَّة والمسرحيَّة والروائيَّة بصورة واضحة؛ حيث يصدر فيها عن التصوُّر الإسلامي ويدعو إلى الفكر الإسلامي، ولا يرى في ذلك بأسًا؛ لأنَّه يعتقد أنَّ كلَّ كاتب لا بُدَّ أنْ يكون له فكرةٌ يدعو إليها في عمله الفني.

وهكذا كان باكثير في آثاره صاحبَ فكرة وصاحب رسالة يدعو إليها، ويسعى إلى خِدمتها، ويسلك في سبيلها كلَّ الطرق ما دامت سليمة من الخطل، بعيدة عن المزالق التي لا تُؤدِّي إلى خير، دون أنْ يخاف في ذلك من لومة لائم.

وكان يرى أنَّ على الكُتَّاب ألا يستعيروا الأيديولوجيات الأجنبيَّة، بل عليهم أنْ ينظُروا إلى الحياة من وجهة النظر الإسلاميَّة، ويُعبِّروا عن واقعهم وأحلامهم من خِلالها، غير مبالين في ذلك بِمَن يرميهم بالرجعيَّة والجمود والغيبة من الملاحدة والشعوبيِّين[7].

علي أحمد باكثير والرواية التاريخية:
تنوَّعت مواهب باكثير الفنيَّة، وتعدَّد إنتاجه الأدبي بين شعر ومسرحيَّة ورواية، والذي يهمُّني في هذه الدراسة وأريد أنْ أقوم بتحليله ودراسته هو إنتاجه الروائي فقط.

وقد اختار باكثير الرواية التاريخية وتوقَّف عندها، ولم يتخلَّص من قبضتها إلى نوعٍ آخَر من الرواية المعاصرة؛ وذلك لأنَّه برز في فترةٍ كانت الراوية التاريخيَّة من أكثر الفنون القصصيَّة شيوعًا وانتِشارًا بحيث ظهر عددٌ كثير من الكُتَّاب المصريين الذين استخدَمُوا التاريخ القومي والإسلامي موضوعًا لفنِّهم الروائي؛ ومنهم: عادل كامل، ونجيب محفوظ، وعبدالحميد جودة السحار، ومحمد فريد أبو حديد، ومحمد سعيد العريان.

وكانت الظروف السياسيَّة والاجتماعيَّة التي تمرُّ بها الدول العربيَّة والإسلاميَّة في تلك الفترة إحدى العوامل الأساسيَّة وراء انصراف الكُتَّاب إلى التاريخ واستِمداد نماذجهم الفنيَّة من بُطونهم؛ إذ إنها كانت فترةَ صراعٍ ضد الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي، وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين؛ ومن ثَمَّ اندفع بعض الكُتَّاب إلى إحياء بعض الأمجاد التاريخيَّة وتخليدها في شكلٍ روائي.

ولم يكن نظرة هؤلاء الكُتَّاب إلى التاريخ نظرةً واحدة، بل كان اختلافهم في تكوينهم الفكري والنفسي، وتباين نظرتهم إلى الظروف والأحداث المحيطة بهم، وأسلوب مُواجَهتها وتفسيرها، عاملاً مهمًّا في تبايُن الموضوعات التاريخيَّة التي تناوَلها كلٌّ منهم في رواياته، فعادل كامل مثلاً بدافِعِه العرقي والنسبي التفَتَ إلى تاريخ مصر القديم واستَقَى موضوعه منه وكتب رواية "ملك من شعاع"، وكان نجيب محفوظ مولعًا بالدعوة إلى الفرعونيَّة وإحياء أمجاد مصر القديمة التي كان يحمل لواءها بعضُ الكُتَّاب المصريين حينذاك؛ ولذلك اختارَ تلك الفترة التاريخيَّة مجالاً لفنِّه في الرواية التاريخيَّة وكتب روايات "عبث الأقدار"، و"رادوبيس"، و"كفاح طيبة".

وأمَّا عبدالحميد جودة السحار فقد اتَّجه في البداية إلى تاريخ مصر القديم وكتب رواية "أحمس بطل الاستقلال"، ولكن سرعان ما رجع عنه والتفت إلى التاريخ الإسلامي وتاريخ مصر الحديث.

وآثَر فريد أبو حديد في تلك الفترة تاريخ العرب قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربيَّة موضوعًا لرواياته التاريخيَّة؛ فكتب روايات "المهلهل سيد ربيعة"، و"الملك الضليل"، و"زنوبيا"، و"عنترة بن شداد"، و"الوعاء المرمري".

وعُنِي علي الجارم بحياة أعلام الشعر العربي الذين نالوا إعجابه وتقديره؛ فكتب روايات "الشاعر الطموح"، و"خاتمة المطاف"، وكلاهما حول أبي الطيب المتنبي، و"شاعر ملك" حول المعتمد بن عباد، و"فارس بني حمدان" حول أبي فراس الحمداني، و"هاتف من الأندلس" حول ابن زيدون، و"مرح الوليد" حول وليد بن يزيد.

بينما شغف محمد سعيد العريان بتاريخ مصر الإسلامية؛ فكتب روايات "قطر الندى"، و"شجرة الدر"، و"على باب زويلة".













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً رد مع اقتباس