الموضوع: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى!
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-Dec-2011, 10:05 AM   رقم المشاركة : 10
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: الإسلاميون قادمون.. شاء الغرب أم أبى!

الإسلام الحداثي والثورة الدائمة





زهير الخويلدي:

"الأفكار الدينية هي بالضبط العناصر الأكثر عمقا في تشكيل الذهنية الوطنية، وهي تحمل في ذاتها قانون تطورها وتمتلك قدرة ضاغطة خاصة بها".

إن التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده المنطقة العربية يجب أن يرافقه تطور في نظرة العقل الإسلامي إلى نفسه وتجديد في الرؤية إلى العالم والموقف من الصراع الاجتماعي، ويجب أن يشمل هذا التطور جميع المناهج والأدوات والآليات المستعملة، وليس فقط الآراء والنظريات والرؤى، وأن يطال البنية العميقة وليس فقط التمظهرات الخارجية.

إن انضواء القوى الإسلامية في الحراك الثوري لا ينبغي أن يتم بطريقة اعتباطية وجانبية ويؤدي إلى ركوب الثورة أو الالتفاف عليها أو جني ثمراتها وقنص السلطة واحتكارها. وكلنا يعلم ما جرى للإسلام من سوء تقدير وبلاء وكوارث على من أساء فهمه وأخطأ في تطبيق تعاليمه في التجربة التاريخية وجعله في معسكر معادٍ للطموحات التقدمية والثورية التي تتوق إليها الشعوب المنتفضة وموالين لبعض التوجهات العولمية الاختراقية والتوسعية.

ليس صحيحا أن الإسلام لا يقوم بدور سياسي إلا بطريقة غير مباشرة ورمزية وأنه يتمحور ضمن الحياة الشخصية للأفراد ويقف وراء الهوية الثقافية للمجموعات ويكتفي بالتبشير بالماوراء. إن دوره الحقيقي هو علاوة على ذلك الآن وهنا وهو دور مباشر وفعال في الحياة الاجتماعية والحراك السياسي وعليه أن يدخل المعترك ويقلع عن السجال في القوالب الجاهزة والأمور الهامشية ومسائل اللباس والمظهر والعبادات وأن يهتم بالجوهر والمسائل التشريعية والمعاملات ويفتح الطريق أمام المجتمع للخروج من المستنقع ويستنشق هواء الحرية وينطلق أفراده نحو الخلق والإبداع والإقبال على العلم والتنوير والثقافة الحية.

إذا ما أراد الإسلام أن يكون منارا هاديا فيما يتعلق بالتأثير الثوري السياسي وأن يتحول إلى أداة اجتماعية فعالة للانعتاق الطبقي من الاستغلال الرأسمالي والتحرر الشعبي من الهيمنة الإمبريالية وجب عليه أن يصبح ثورة دائمة، وأن يعمد بشكل متواصل إلى عملية نقد ذاتي، وأن يقيم مسارا جدليا في بيته ويتحمل صراعا بين قلاع اليمين وقوى اليسار في داخله.

"أسمي هذه الفترة فيما يخص شعورها العام أو القوى المحركة لها بأنها فترة سياسية دينية. السياسي لا ينقطع عن الديني، وهذه فكرة معروفة، لكن الأساسي هو أن يحدد المؤرخ ماهو دور السياسة ودور الدين، وكيف يقع التفاعل بينهما؟ أنا أقول إن السياسي يلعب دورا كبيرا لكن في جو وفي إطار إسلامي، في جو نفساني إسلامي حسب المرجعية إسلامية".

إن الإسلام لا يدعو إلى الجمود والإبقاء على الأوضاع كما هي والمحافظة على الأنظمة الرجعية القائمة، ولا ينصح الناس بالتأمل الرومانسي الحلم وانتظار الخلاص، وإنما يقطع مع مظاهر اليأس والقنوط والتشاؤم والتكلس التي تدب في النفوس وتحاصر العقول، ويبحث عن الانضواء الوجودي والنظرة الحرة، ويشجع التناقض والصراع والتحرك ضد الظلم والفساد واتخاذ موقف عادل من أمهات القضايا التي تحدث في الساحة ومناصرة القوى الثورية.

إن الإسلام يأبى أن يعامل الإنسان المسلم أخاه غير المسلم على أنه غرض لمصلحته ومجرد آخر ووسيلة لتحقيق مآربه، ويدعوه إلى النظر إليه كشريك له في الإنسانية ومساو في الحقوق والواجبات، وأن يحترم فيه الكرامة الإنسانية ويبني معه النظام السياسي على أساس المواطنة.

إن الإسلام المستنير لا يكلف نفسه الدخول في نقاشات عقيمة حول ضروب الحياة الخاصة للناس والتمييز بين الإيمان الفاسد والإيمان النقي، وإنما يركز انتباهه على الحكم الرشيد والتسامح والديمقراطية وسبل العيش المشترك وتحمل مسؤولية وجود الإنسان في الكوكب.

إن الإسلام المستنير إذا ادعا الأنسنة والعقلانية والديمقراطية فلأنه يرفض الوقوف في الصفوف المناهضة للتيار الثوري ويرى أن الموقف التقدمي الوحيد هو طرح على بساط البحث المشاكل العميقة للناس التي يعانيها العصر الراهن ومحاولة رصد حلول عاجلة لها.

إن الثورة الدائمة في الإسلام لا تعني نشر هذا الدين الحنيف في العالم وتبليغ رسالته إلى مختلف الشعوب وإنما تشير إلى ديمومة الحراك الاجتماعي ومقاصدية انتفاضة الشباب وحلم الطبقات المضطهدة بعالم غير طبقي، وتحول الإسلام من مسلك عقائدي طقوسي إلى زخم نضالي إنسي رافض للاستغلال والشمولية والارتداد العقيم نحو الماضي التليد.

إن النزعة الإنسية في الإسلام هي فلسفة تسعى إلى التدليل على حرية الإنسان وكرامته وأنه سيد نفسه ومشرع قيمه وواهب الحياة للأشياء ويضفي المعنى على العالم الذي يعيش فيه وقادر على المباغتة والاختراع والتمرد والتجاوز والثورة على المألوف وتخطي السائد وتعدي المستهلك وتأثيث فضاء التجربة بالمختلف والفريد والمتنوع والعجيب والمدهش.

"كان الإسلام يمثل لحظة حداثة دون شك أي لحظة تغيير وتحريك لعجلة التاريخ، هذا شيء أساسي جدا لكي نفهم جوهر الحداثة، إنها تعني الحركة والانفجار والانطلاق. ولحظة انبثاق الخطاب القرآني كان يمثل تغيرا، بل تغيرا جذريا بالقياس إلى ما قبله. وكان يمثل حركة تاريخية مندفعة بكل قوة وانطلاق على كافة الأصعدة".

ألا يعمل الإسلام الحداثي في جوهره على طرد لليأس وتشجيع العمل وجلب للأمل؟ ألا يعني ذلك ربط الإرادة الشعبية بالشرعية الثورية والتأليف بين الاستنارة العقلية والمصالحة مع التراث ضمن حركة تنويرية تأصيلية ودمج الحرية الإنسانية في مشروع الثورة الدائمة؟!.

_____
المراجع

-
هشام جعيط، العقلانية العربية والمشروع الحضاري، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط 1992.
- ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانية والروح الرأسمالية، ترجمة معهد الانماء القومي، بيروت، 1990.
- محمد أركون، الإسلام والحداثة، مجلة مواقف، عدد 59-60 1989.














التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً رد مع اقتباس