« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: أفيدوني يرحمكم الله (آخر رد :محمّد محمّد)       :: قصيدة خلق الطموح (آخر رد :sarah elshik)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: فلسطين ................نداء (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: سوريا تسلك طريق الحرية (آخر رد :النسر)       :: **لمحة عن عجائب الدنيا السبع** (آخر رد :النسر)       :: بورخيس يقدّم "أوراق العشب" لوالت ويتمان.. (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> صانعو التاريخ




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 17-Mar-2005, 02:10 PM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي محمد علي الكبير‏(‏ ملف وثائقي‏)‏

[blink]الحلقــة‏(1)‏
كيف تبوأ عرش مصر؟
بقلم‏:‏ د‏.‏ يونان لبيب رزق[/blink]

أسابيع ونحن نواجه في‏'‏ مركز تاريخ الأهرام‏'‏ السؤال الذي كنا نعلم أنه لن يمضي وقت طويل حتي يكون مطروحا علي كل المهتمين بالتاريخ الوطني‏..‏ السؤال عن طريقة الاحتفاء بمرور مائتي عام علي تولي محمد علي باشوية مصر في‏13‏ مايو عام‏1805,‏ باعتبارها لحظة فارقة في تاريخ مصر بل وفي تاريخ المنطقة‏,‏ كما أنها نقطة تحول في حياة المصريين بحكم ما أصابهم بعدئذ من تغيرات نقلتهم من العصور الوسطي إلي العصور الحديثة‏.‏

وبعد وضع أكثر من خطة للمشاركة في الاحتفال بالمناسبة حدث أن قدمت لنا أعداد الأهرام القديمة‏,‏ التي لا نفتأ نقلبها‏,‏ خطة جاهزة‏,‏ ففي نوفمبر عام‏1949‏ كانت مصر تحتفل بمرور مائة عام علي وفاة الرجل‏,‏وجاءت مشاركة جريدتنا في المناسبة بذات الشكل الوقور الذي عهده منها القراء‏;‏ جانب من هذه المشاركة أسهمت به هيئة تحرير الجريدة التي قامت بتجميع أكبر قدر من المعلومات الجديدة والمفيدة عن هذه الشخصية الفريدة‏,‏ أما الجانب الآخر فكان باستكتاب عدد من كبار المؤرخين والأدباء والمفكرين لمجموعة من المقالات‏,‏ الأمر الذي قدمت معه صورة بانورامية للرجل والعصر‏.‏

ولتقديم مثل هذه الصورة عن‏'‏ مؤسس مصر الحديثة‏',‏ كما أسماه المؤرخون الأجانب قبل المصريين‏]‏ لم نجد أفضل من اختيار بعضا من تلك المقالات وإعادة نشرها في الديوان‏,‏ بعد مضي أكثر من نصف قرن علي نشرها الأول‏,‏ مع التدخل في أضيق الحدود‏,‏ بالتعليق أو بضبط الأحداث‏..‏

‏*‏ أشهر من صك هذه التسمية المؤرخ الإنجليزي هنري دودويل‏:‏ مؤسس مصر الحديثة‏:‏ دراسة في محمد علي

[blink]المقال الأول[/blink]
كان من إعداد هيئة تحرير الأهرام تحت عنوان‏'‏ كيف تبوأ عرش مصر‏'‏؟ وقد تم وضعه في اثنين وعشرين مشهدا‏,‏ فيما يلي نصها‏:‏

‏1‏ ـ كانت مصر في شهر يناير سنة‏1803‏ منقسمة إلي ثلاث مناطق نفوذ‏,‏ فالجيش الإنجليزي‏-‏ وهو مكون من‏4430‏ جنديا‏-‏ يحتل الإسكندرية‏,‏ والجيش العثماني‏-‏ وهو مكون من عشرة آلاف جندي‏-‏ يحتل منطقتي الدلتا والقاهرة‏,‏ أما جيش المماليك‏-‏ وهو مكون من ثلاثة آلاف فارس وستة آلاف من رجال القبائل و‏80‏ جنديا فرنسيا من المدفعيين فروا من جيش الاحتلال الفرنسي وانضموا إلي المماليك‏]-‏ فكان يحتل الصعيد‏.‏

وكان جيش المماليك إذا التقي بالجيش العثماني ألحق به الهزيمة‏,‏ لأن الجنود العثمانيين كانوا لا يثقون بقوادهم ولا يأبهون لأوامرهم‏.‏

وكان والي مصر في تلك السنة هو عدو محمد علي اللدود‏,‏ محمد خسرو باشا‏,‏ الذي صار فيما بعد الصدر الأعظم في الأستانة‏.‏

‏*‏ كان هذا هو الحال في البلاد خلال الفترة الفاصلة بين جلاء آخر جندي فرنسي عن البلاد بعد فشل الحملة النابليونية الشهيرة‏(3‏ يوليو‏1801)‏ وخروج آخر جنود الحملة الإنجليزية التي ساهمت في إجلاء الفرنسيين‏(5‏ مارس‏1803),‏ وهو الخروج الذي تم بعد عقد معاهدة اميان‏Amiens,‏ بين فرنسا من جانب والحلفاء في طليعتهم إنجلترا من جانب آخر‏,‏ وكانت هذه المعاهدة بمثابة استراحة قصيرة في عمر الحروب النابليونية لم تدم أكثر من أربعة عشر شهرا‏.‏

‏*‏ يكشف هذا المشهد‏,‏ ربما لأول مرة‏,‏ عن انخراط عدد من الجنود الفرنسيين في صفوف المماليك‏,‏ بعد أن رفضوا الجلاء مع بقية قوات الحملة‏,‏ وليس واضحا ما دفع هؤلاء إلي عدم العودة إلي بلادهم‏,‏ هل لأسباب شخصية‏,‏ زواج بمصريات وما إلي ذلك‏,‏ أو لأسباب سياسية‏,‏ كأن يكون قادة الحملة اختاروهم للبقاء في البلاد لتظل العين الفرنسية تتابع ما يجري فيها‏,‏ وإن كنا نلاحظ في النهاية أن وجودهم في صفوف المماليك كان طبيعيا بحكم أن قواتهم قد تشكلت من أخلاط من البشر‏,‏ وكان يمكن أن تقبل هؤلاء بين صفوفها‏,‏ علي عكس الحال مع القوات الأخري التي كان يربط بينها في الغالب لون من الوحدة الجنسية‏,‏ كما هو الحال بالنسبة للألبانيين مثلا‏,‏ خاصة وأنهم كانوا من المدفعيين الذين يحتاجهم المماليك‏..‏

‏2‏ ـوفي أواخر شهر يونيو سنة‏1803‏ ثار الشعب المصري بمعاونة البكوات المماليك القائمين بالقاهرة علي طاهر باشا رئيس الجنود الألبانيين‏(‏ الأرنؤود‏)‏ وقتلوه‏,‏ بينما أسر المماليك والأرناؤوط بقيادة محمد علي والي مصر محمد خسرو باشا‏.‏

وفي شهر يوليو عين‏'‏ علي باشا‏'‏ الذي جامل الإنجليز واليا‏.‏ فنقم عليه المصريون والأوربيون‏,‏ وفي الوقت نفسه أخذ الجنود الألبانيون يطالبون بمرتباتهم المتأخرة ووطدوا العزم علي مغادرة مصر‏,‏ ولكن علي باشا استمالهم وعرض عليهم إبرام حلف ضد المماليك‏,‏ غير أن المماليك اكتشفوا هذه المؤامرة فثاروا علي الوالي ونفوه إلي يافا‏.‏

‏*‏ تختلف القصة التي رواها الجبرتي في يومياته عن مقتل طاهر باشا عما جاء في رواية الأهرام‏,‏ إذ يقول أنه بعد أن أقيم طاهر باشا قائمقاما علي مصر أن طالبه الانكشارية برواتبهم‏(‏ جماكيهم‏)‏ المتأخرة‏,‏ فأنكر عليهم ذلك‏,‏ وأنه مستعد أن يدفع تلك الجمكيات منذ أن تولي المسئولية‏,‏ فقامت جماعة منهم وثارت عليه‏'‏ وعاجلوه بالحسام وضربه أحدهم فطير رأسه ورماها من الشباك إلي الحوش‏'!‏

‏*‏ إبان تلك الفترة خاض الوالي العثماني محمد باشا مجموعة من المعارك ضد قوات المماليك المتمترسة في الوجه البحري لحقه خلالها أكثر من هزيمة الأمر الذي هون من شأنه حتي أنه قبل خلال أيامه الأخيرة في العاصمة المصرية أن يكون تحت حماية أمرائهم‏,‏ مما كان محل تعجب من المصريين‏.‏

‏3‏ ـ وقد طلب المماليك إسناد الولاية إلي خورشيد باشا محافظ الإسكندرية‏,‏ وصادف أن عاد الألفي بك من بلاد الإنجليز‏,‏ فأقلقت هذه العودة بال عثمان بك البرديسي‏,‏ فاستدعي محمد علي قائد فرق الأرناؤوط ليتحدث إليه في هذا الموضوع وانتهيا إلي إبرام حلف بينهما‏.‏

وفي منتصف ليلة‏20‏ فبراير عبر محمد علي وجنوده مجري النيل أمام ساحل مصر العتيقة‏,‏ وهجم علي فرسان الألفي بك الذين كانوا يعسكرون بالقرب من الجيزة فأخذهم علي غرة‏,‏ وتمكن الألفي الصغير من الفرار‏,‏ فاحتل محمد علي مدينة الجيزة وأخذ يطارد فلول قوات الألفي حتي مدينة منوف‏,‏ غير أنه لم يتمكن من القبض علي الألفي الكبير‏.‏

انكسرت شوكة المماليك من جراء تلك المعارك فسر الألبانيون لذلك وسطع نجم قائدهم محمد علي‏,‏ فاتصل محمد علي علي الفور بقنصل فرنسا‏,‏ وطلب إليه أن يتوسط لدي السلطان ليمنحه ولاية مصر‏,‏ فكتب القنصل فورا إلي حكومته يقول‏'‏ أستطيع أن أؤكد لكم أن محمد علي لم يكن يخفي عزمه علي الوصول إلي الحكم‏,‏ ولكني‏-‏ علي الرغم من ميل هذا القائد إلي فرنسا‏-‏ لا أدري إن كانت لديه الكفاءة اللازمة لإعداد برنامج شامل وتنفيذه‏'.‏

وفي شهر مارس تحدث محمد علي بصراحة إلي قنصل فرنسا وقال أنه ينوي إزالة سلطة المماليك‏.‏ ثم صاح‏'‏ كيف تستطيع أن تعتمد علي هؤلاء الرجال الذين خانوا شقيقهم وزميلهم وصديقهم؟‏..‏ أما نحن أعداؤهم الألداء فلا ننتظر منهم غير الخيانة والهلاك‏!'.‏

‏*‏ خلال الفترة القصيرة التي تحكم فيها أمراء المماليك في القاهرة بالغوا في فرض الضرائب والفرد غير الشرعية‏,‏ الأمر الذي أدي إلي الاحتجاجات التي بلغت ذروتها يوم‏8‏ مارس‏4081‏ حين‏'‏ خرج الفقراء والعامة والنساء طوائف يصرخون وبأيديهم دفوف يضربون عليها‏,‏ والنساء يندبن وينعين ويقلن كلاما علي البكوات مثل قولهن‏(‏ إيش تاخد من تفليسي يابرديسي‏)‏ وصبغن أيديهن بالنيلة‏'.‏

‏*‏ تؤكد هذه الرواية علي أن القائد الشاب الذي وصل إلي قيادة الألبانيين بعد اغتيال قائدهم كانت له منذ البداية طموحاته التي تمثلت في الرغبة في الاستيلاء علي مقعد الباشوية في العاصمة المصرية رغم ما تشير إليه الروايات من تمنعه عندما عرض عليه المشايخ وزعماء الشعب هذا المقعد‏.‏

‏4‏ ـ واجتمع محمد علي بعد ذلك سرا بخورشيد باشا‏,‏ واتفقا معه علي أن يهاجما المماليك‏,‏ وفي يوم‏11‏ مارس هاجم الجنود الألبانيون منزلي عثمان بك وإبراهيم بك‏.‏ وأرغموهما علي الفرار بعد أن أثخنوهما جراحا‏.‏ ثم احتلوا القلعة‏.‏ ولما علم خسرو باشا وعلي باشا بفوز الألبانيين غادرا مصر عائدين إلي استنبول‏.‏

‏5‏ ـ اطمأن لذلك بال خورشيد باشا‏,‏ غير أنه كان قد تسلم زمام الحكم دون أن يؤيده السلطان بفرمان شاهاني‏,‏ فصرح محمد علي بأن ولاية خورشيد باشا غير قانونية‏,‏ وأنه سيتولي قيادة الجيوش‏.‏

ولما علم‏'‏ أحمد الجزار‏'‏ والي عكا بما حدث أرسل قواته إلي العريش لإبرام معاهدة بينه وبين محمد علي‏,‏ فخشي السلطان سوء العواقب وبادر إلي إرسال الفرمان إلي خورشيد باشا‏,‏ غير أن أحمد الجزار توفي بعد أيام معدودات‏.‏

‏*‏ تدل التطورات السابقة علي ما كانت قد بلغته حكومة الأستانة من ضعف وقتئذ‏,‏ إلي الحد الذي لم يكن أمامها معه إلا الموافقة علي ما يجري علي أرض الواقع‏,‏ كما تؤكد متابعة الحوادث أن ما جري يوم‏13‏ مايو عام‏1805‏ من تنصيب المشايخ وزعماء المصريين لقائد بعينه من قواد الأتراك واليا لم تكن المرة الأولي التي يحدث فيها مثل هذا‏.‏

‏6‏ ـ ثم عاد الألفي بك فكر بقواته علي القاهرة وعرض الصلح علي خورشيد باشا الذي كان يقف من محمد علي موقف الريبة‏,‏ وأخذ يتحصن في القلعة‏.‏ وعند ذلك شعر محمد علي بحرج الموقف‏,‏ فالمماليك قد طوقوا العاصمة‏,‏ وهددوا سكان مصر المحروسة بالجوع بينما كان الجنود الألبانيون يطالبون بأجورهم ويتوعدون‏.‏

‏7‏ ـ غير أن الخلاف لم يلبث أن دب بين المماليك فلم يتفقوا علي الخطة العسكرية التي اتخذوها ضد الأرناؤوط‏,‏ فانتهز محمد علي الفرصة وسدد إليهم ضربة شديدة مفاجئة‏,‏ إذ هجم علي قوات الألفي الصغيرة المعسكرة بين طرة ومصر العتيقة واستولي علي أربعة مدافع‏.‏ وفي‏23‏ يوليو استولي علي مدينة شلقان واحتلها‏.‏ بينما غمر النيل الأراضي بمياه الفيضان فاضطر المماليك إلي أن يفكوا الحصار‏,‏ وانسحبوا مرة أخري إلي منطقة الفيوم‏,‏ ولكن محمد علي لم يمهلهم فهاجم البرديسي وإبراهيم بك بعنف واضطرهما إلي الانسحاب إلي الصعيد‏.‏

‏8‏ ـ وفي شهر سبتمبر سنة‏1804‏ قرر محمد علي مغادرة مصر‏,‏ بعد أن أبدي جنوده الرغبة في العودة إلي بلادهم‏,‏ ولكن خورشيد باشا خشي أن يستولي المماليك علي الحكم عقب انسحاب محمد علي‏,‏ فأقنعه بالبقاء‏,‏ فلبي محمد علي دعوة الوالي وقرر استئناف القتال مع بعض فرق الأرناؤوط التي عدلت عن السفر‏.‏

9‏ ـ وفي شهر يناير سنة‏1805‏ أعاد‏'‏ القائد العام‏'‏ محمد علي باشا تنظيم جيوشه بعد أن ضم إليها الجنود العثمانيين‏,‏ ثم حاصر مدينة المنيا التي كانت حصنا قويا في يد المماليك‏,‏ وبعد قتال عنيف دام شهرين‏,‏ اقتحم جنوده المدينة بعد أن هزموا المماليك شر هزيمة‏.‏

اوجست كودر : محمد على 1769 - 1838 حاكم مصر .. صورة منقوشة على الفولاذ من عام 1840
‏*‏ جاء عن الحادثة الأخيرة في كتابات المعاصرين أنه في يوم الاثنين‏10‏ رمضان‏1921(13‏ ديسمبر‏1804)'‏ تواترت الأخبار بوقوع الحرب بين العسكر والأمراء المصريين‏(‏ المماليك‏)‏ في المنيا‏,‏ وقتل من الأمراء صالح بيك الألفي‏,‏ ومراد بك من الصناجق الجدد المقلدين الإمارة خارج مصر‏'.‏

‏10‏ ـ وقد قرر محمد علي بعد هذا الفوز العودة إلي القاهرة ومعه جميع قواته‏,‏ وصرح بأن القوات التي تحت إمرته تطالب بأجورها‏.‏ فخشي خورشيد باشا عواقب ذلك‏,‏ واتخذ تدابيره للصمود أمام محمد علي‏.‏ غير أن محمد علي ما كاد يجتاز شاطئ النيل حتي أرسل إليه خورشيد باشا مندوبا لمعرفة نواياه‏,‏ غير أن محمد علي دخل القاهرة علي رأس قواته‏.‏ وأصبحت العلاقات بين القائدين متوترة‏.‏ فلم يتبادلا الزيارات‏,‏ وطلب محمد علي إعداد كشف عن إيرادات الإيالة منذ اليوم الذي تسلم فيه خورشيد باشا زمام الحكم‏.‏ كما طلب إرسال الكتخدا وقائد القوات المعسكرة بالقلعة إلي الصعيد وأبدي رغبته في أن يبقي هو بالقاهرة‏.‏ وكتب قنصل فرنسا في هذه المناسبة يقول‏'‏ يبدو أن محمد علي له نفوذ كبير علي الجنود والسكان‏,‏ وقد زاره القواد العسكريون والمدنيون جميعا مخالفين بذلك الأمر الذي صدر إليهم من خورشيد باشا يمنعهم عن زيارته‏'.‏

‏11‏ ـ مل سكان مصر حالة التوتر المستمرة التي سادت الجو من ذلك الوقت‏,‏ بينما كان هؤلاء السكان ينشدون الاستقرار‏.‏ وفي شهر مايو سنة‏1805‏ كتب قنصل فرنسا إلي حكومته قائلا‏:‏ علي الرغم من الإشاعات المتواترة من أن الأمور عادت إلي مجاريها‏,‏ وأن الوئام حل محل الخصام بين خورشيد باشا ومحمد علي‏,‏ فإني أراني مضطرا إلي طلب تعليمات وزارة الخارجية بشأن الخطة التي يجب أن أتبعها في حالة استيلاء محمد علي علي الحكم‏.‏

وبعد أيام ثار الشعب بقيادة المشايخ علي الجيش العثماني الذي كان لا يزال يرتكب الجرائم‏,‏ فأظهر محمد علي استعداده لمناصرة الشعب‏,‏ وأصدر أوامر مشددة إلي جنوده لمنع ارتكاب الجرائم والدفاع عن حقوق الشعب وسلامته‏.‏

‏*‏ لأهمية هذه الحادثة التي يحتفل المصريون بمرور مائتي عام عليها نسوق نص رواية الشيخ الجبرتي عنها‏,‏ قال‏:‏

‏'‏فلما أصبحوا يوم الاثنين اجتمعوا ببيت القاضي‏,‏ وكذلك اجتمع الكثير من العامة‏,‏ فمنعوهم من الدخول إلي بيت القاضي وقفلوا بابيه‏,‏ وركب الجميع وذهبوا إلي محمد علي‏,‏ وقالوا له‏(‏ إنا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا‏,‏ ولا بد من عزله من الولاية‏))‏ فقال‏(‏ ومن تريدونه واليا‏)),‏ قالوا له‏(‏ لا نرضي إلا بك‏,‏ وتكون واليا علينا بشروطنا‏,‏ لما نتوسمه فيك من العدالة والخير‏))‏ فامتنع أولا ثم رضي‏,‏ وأحضروا له كركا وعليه قفطان‏,‏ وقام السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له‏,‏ وذلك في وقت العصر‏,‏ ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة‏,‏ وأرسلوا إلي أحمد باشا الخبر بذلك‏,‏ فقال‏(‏ إني مولي من طرف السلطان فلا أعزل بأمر الفلاحين‏,‏ ولا أنزل من القلعة إلا بأمر من السلطنة‏))‏ وأصبح الناس وتجمعوا أيضا‏,‏ فركب الباشا ومعه الجم الغفير من العامة‏,‏ وبأيديهم الأسلحة والعصي‏,‏ وذهبوا إلي بركة الأزبكية حتي ملئوها‏.‏

‏12‏ ـ وفي يوم‏10‏ مايو سنة‏1805‏ أحيط محمد علي بنبأ تعيينه واليا علي مدينة جده‏,‏ وكان هذا التعيين قد صدر قبل شهرين‏.‏ ولكن خورشيد باشا كتم الخبر لحاجته إلي محمد علي‏,‏ ولما أصبح القائد العام يهدد سلطته قرأ الفرمان في جلسة رسمية‏,‏ فأظهر محمد علي استعداده للسفر‏,‏ غير أن الأرناؤوط أحاطوا بخورشيد باشا عقب قراءة الفرمان مطالبين بما تبقي لهم من المرتبات‏,‏ فأعلن خورشيد رغبته في فرض ضريبة لهذا الغرض‏,‏ ولكن الشعب أظهر تذمره‏.‏

وأذاع محمد علي عند مغادرته المعسكر خبر سفره بين الشعب‏,‏ وفي اليوم التالي جمع عساكره وأخطر خورشيد باشا بضرورة استعفائه من منصبه‏,‏ وانضم الشعب إلي قوات محمد علي‏,‏ فانسحب خورشيد باشا إلي القلعة ومعه ألفا رجل‏.‏

‏13‏ ـ في ذلك الوقت أرسل المشايخ والأعيان مندوبا إلي الأستانة حاملا التماسا إلي الباب العالي بتعيين محمد علي واليا علي مصر بدلا من خورشيد باشا‏,‏ فقرر الباب العالي إيفاد مندوب إلي مصر لرفع تقرير عن الحالة‏.‏

‏14‏ ـ في‏10‏ يوليو سنة‏1805‏ تلي الفرمان الشاهاني الذي جاء فيه أن السلطان‏-‏ تلبية لرغبات الشعب‏-‏ عين محمد علي قائمقاما لمصر المحروسة‏,‏ وأمر خورشيد باشا بالذهاب إلي الإسكندرية‏.‏ ولما علم علي باشا سلحدار خورشيد باشا بهذا النبأ‏,‏ غادر الصعيد علي رأس‏3000‏ رجل فقاتله محمد علي‏.‏

‏15‏ ـ وبينما كان الصراع قائما بين علي باشا ومحمد علي باشا وصل القبطان باشا إلي مصر‏,‏ فانتظر نتيجة القتال قبل أن يتخذ الإجراءات التي يتطلبها الموقف‏,‏ وأراد المماليك إفهامه أن الود قائم بينهم وبين خورشيد باشا‏,‏ ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل‏,‏ ثم أرادوا أن يظهروا سلطتهم فعينوا‏400‏ فارس لدخول القاهرة صبيحة يوم‏18‏ أغسطس وعلي رأسهم الطبل والزمار ليظهروا بمظاهر الفاتحين‏,‏ ولكن هذه المحاولة فشلت أيضا بعد أن أظهر الشعب عداءه لهم‏,‏ فحاولوا الهرب تاركين وراءهم مهماتهم وأسلحتهم وثروتهم‏,‏ ولكن الشعب أبادوهم عن آخرهم‏.‏



‏*‏ حسين باشا القبطان أمير البحار الذي جاء إلي مصر علي رأس حملة بحرية للمساعدة في إجلاء الفرنسيين‏,‏ وتورط بعد ذلك في الصراعات الداخلية بين المماليك والأتراك‏,‏ والتي استخدم فيها كل ما هو متاح للتخلص من‏'‏ الأمراء المصرية‏'.‏

‏16‏ ـ وعين خورشيد باشا واليا علي سلانيك‏,‏ فغادر أمير البحار مصر‏,‏ بعد أن أظهر عدم ارتياحه لوجود محمد علي علي رأس الجيوش‏.‏

‏17‏ ـ وفي‏27‏ يونية عاد أمير البحار إلي مصر‏,‏ وخير محمد علي بين ولايتي سلانيك وقبرص‏,‏ ثم قرر أن الألفي بك هو والي مصر‏,‏ وأن موسي باشا والي سلانيك قادم إلي مصر علي رأس جيش قوي ليتسلم زمام الحكم‏.‏

‏18‏ ـ وقد صرح محمد علي أنه سيطيع أوامر السلطان‏,‏ وأظهر استعداده للسفر واشترط علي أمير البحار أن يدفع قبل سفره مائة ألف من الجنيهات للقوات العسكرية‏,‏ وإن لم يفعل ذلك سيعرض نفسه للهلاك‏,‏ كما يعرض مدينة القاهرة للمآسي والشدائد‏.‏

‏19‏ ـ غير أن القاضي والمشايخ والعلماء والأعيان وقعوا عريضة التمسوا فيها من الباب العالي إبقاء محمد علي في مصر‏,‏ إذ أن حكمه أصلح من حكم المماليك‏.‏ أما محمد علي فقد صرح بصوت جهوري إلي قنصل بريطانيا بأنه لا يخشي أحدا ولا يخشي أمير البحار وأن في إمكانه أن يقاوم القوات الأجنبية التي قد تجتاح مصر لمساعدة المماليك‏.‏

‏20‏ ـ ولما يئس أمير البحار من إقناع محمد علي عن طريق المفاوضات بوجوب مغادرة أرض مصر‏,‏ أمر‏-‏ بعد فوات الأوان‏-‏ باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإخراجه عنوة‏.‏

‏21‏ ـ وقد فشل الألفي بك أمام مدينة دمنهور‏,‏ فاضطر أمير البحار أن يستأنف المفاوضات مع محمد علي‏.‏ وفي‏20‏ أكتوبر سنة‏1806‏ عاد أمير البحار إلي الأستانة العلية ومعه إبراهيم بن محمد علي‏.‏

22‏ ـ وفي شهر يناير سنة‏1807‏ انتقل الألفي بك إلي الدار الآخرة‏,‏ وبموته اختفي ألد أعداء محمد علي‏,‏ وانهارت كل مقاومة جدية ضد حكمه‏.‏

‏*‏ توفي الألفي بك بالكوليرا في‏10‏ من ذلك الشهر بعد أن كان قد نجح من قبل في التخلص من منافسه‏,‏ الأمير المملوكي عثمان بك البرديسي بعد أن بعث إليه من دس السم في طعامه‏,‏ وكان للألفي بك مكانة كبيرة حتي أن الشيخ الجبرتي الذي كان يتعاطف مع الأمير الراحل اعتبر وفاته نقطة نهاية لعصر بأكمله‏,‏ الأمر الذي نتبينه فيما كتبه عن هذه الوفاة‏,‏ وجاء فيه‏:‏

‏يامصر انظري إلي أولادك وهم حولك مشتتين متباعدين مشردين‏,‏ واستوطنك أجلاف الأتراك واليهود وأراذل الأرنؤود وصاروا يقبضون خراجك ويحاربون أولادك ويقاتلون أبطالك ويقاومون فرسانك ويهدمون دورك ويسكنون قصورك ويفسقون بولدانك وحورك ويطمسون بهجتك ونورك‏'‏

وتؤكد كل الدلائل علي أن تلك المرثية كتبها الجبرتي تعبيرا عما كان يخالجه هو نفسه حين بدأ محمد علي ينفرد بحكم مصر‏,‏ وكأنما كان بهذه المرثية يودع عصره‏,‏ لأن مصر كانت تستقبل آنذاك عصرا جديدا من عصورها‏,‏ وهو ما عبر عنه بتلك الكلمات التي وضعها علي لسان محمد الألفي بأنه قد‏'‏ قضي الأمر وخلصت مصر لمحمد علي‏'‏ أو بالأحري قد قضي الأمر وانقضي ذلك العصر الذي انتمي إليه المؤرخ الكبير‏!!‏


http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8428













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 17-Mar-2005, 02:13 PM   رقم المشاركة : 2
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي













تابعو الحلقة القادمة













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-Mar-2005, 07:25 PM   رقم المشاركة : 3
روح الشرق
روماني



افتراضي

بارك الله فيك يا أخي، موضوع جميل، ولكني أحتاج أن أقرأه عدة مرات حتى أستطيع فهمه جيداً من غير اشتباه في الأسماء..فكثرة ترديد باشا وبك دوختني كثيراً













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ


فليقولوا ما يقولوا .. أنت من أرجوا رضاه
أنت من يعلم أني.. لك أرخصت الحياة


...............

 روح الشرق غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-Mar-2005, 09:24 PM   رقم المشاركة : 4
شيراز
بابلي



افتراضي

مرحبا اخى النسر موضوع شيق جدا و خاصة ان محمد على يحتل فى تاريخ مصر الحديث مكانة خاصة جدا و فى عهده دخلت مصر منعطف تاريخى هام و شهدت تغيرات كثيرة و اصبحنا نقول ما قبل عصر محمد على و ما بعده .
حقاً كان عبقرية اقتصادية و ادارية و حربية و من الغريب ان الامر انتهى به الى الجنون و لكنها حكمة الله .

بانتظار الباقى و ما سوف يخرجه لنا دكتور يونان من كنوز الاهرام فى ديوان الحياة المعاصرة ، هل قلت لك اننى من عشاق ديوان الحياة المعاصرة .

اخى العزيز النسر الموفق دائما شكراً لاختياراتك المميزة .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 شيراز غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Mar-2005, 09:11 AM   رقم المشاركة : 5
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

بارك الله بك أخت روح الشرق وأخت شيراز . تابعو معي

أخت روح الشرق . هذا الموضوع ملف وثائقي اي كتب في جريدة الأهرام في عصر قديم وكان إستخدام المسميات منتشر في ذلك الوقت













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2005, 10:43 AM   رقم المشاركة : 6
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

محمد علي الكبير‏(‏ ملف وثائقي‏)‏
الحلقــة‏(2)‏
صورة من قريب‏!!‏
في مجالسه الخاصة‏:‏ محمد علي لا يتقلد السلاح
ويجلس في يده حفنة السعوط والمسبحة يتلاهي بها‏!‏
ا لباشا لحفيده عباس‏ :‏
التفت لأشغالك واترك الراحة لأنك بتأخير الأعمال تعزل ويعين بدلك
بقلم : د‏.‏ يونان لبيب رزق




قليل هو المعلوم عن الجانب الشخصي من حياة محمد علي باشا‏,‏ ولأسباب عديدة‏,‏ أهمها أن الرجل قد عاش في القلعة حياة جافة أقرب إلي الطابع العسكري الذي رفد منه‏,‏ ولم يكن نظام الحكم قد عرف الطابع المدني الذي غلب علي عصر حفيده إسماعيل‏;‏ بدءا من القصور الخديوية وانتهاء إلي نظام البلاط الذي اقتبسه الرجل عن ملوك أوربا‏,‏ مما أتاح الفرصة لحياة اجتماعية نابضة بالحياة‏,‏ فضلا عن أن الصحافة التي ظهرت في عصر الرجل قد انحصرت في‏'‏ الوقائع المصرية‏'‏ التي وجهت جل عنايتها للأمور الأميرية‏.‏

أدي ذلك أن جاءت معلوماتنا عن الجانب الشخصي من حياة محمد علي‏,‏ إما من بعض الأجانب‏,‏ من القناصل أو غيرهم‏,‏ الذين كانوا يترددون عليه ويسجلون بعض ما يعن لهم من مظاهر الحياة في القلعة‏,‏ والتي ضمنوها تقاريرهم أو كتاباتهم بعد عودتهم لأوطانهم‏,‏ وإما من الأوامر التي كان لا يفتأ يصدرها في كل ما يتصل بشئون الحياة الصغيرة والكبيرة والتي تناول بعضها النواحي الخاصة بأسرته‏.‏

كان من الطبيعي مع ذلك أن نال هذا الجانب من حياة مؤسس مصر الحديثة نصيبا محدودا في الملف الأهرامي الذي نعيد نشره في هذه الحلقات‏,‏ الأمر الذي دعانا إلي البحث في مظان أخري حتي وجدنا هذا المقال الشيق الذي تضمنته مجلة الهلال في عددها الصادر في أول مايو عام‏1893,‏ وقد آثرنا أن نبدأ بها هذه الحلقة

محمد علي باشا‏-‏ مؤسس العائلة الخديوية‏(‏ نقلا عن الهلال‏-‏ الجزء التاسع من السنة الأولي‏)‏

كان محمد علي متوسط القامة عالي الجبهة أصلعها‏,‏ بارز القوس الحاجبي‏,‏ أسود العينين غايرهما‏,‏ صغير الفم باسمه‏,‏ كبير الأنف‏,‏ متناسب الملامح‏,‏ مع هيبة ووداعة‏,‏ أبيض اللحية كثيفها مع استدارة واسعة‏,‏ جميل اليدين‏,‏ منتصب القامة‏,‏ جميل الهيئة‏,‏ ثابت الخطوات منتظمها‏,‏ سريع الحركة إذا مشي جعل يديه متصالبتين وراء ظهره غالبا وعلي الخصوص إذا مشي في داره متفكرا في أمر‏'‏ وكذلك كان يفعل بونابرت‏'.‏ وقلما يتفاخر باللباس فكان لباسه غالبا علي زي المماليك وعلي رأسه الطربوش الجهادي ثم أبدله بالعمامة فزادته هيبة ووقارا وأبدل اللباس العسكري بلباس واسع بسيط لا يمتاز به عن بعض أتباعه‏.‏

وكان يكره التفاخر بالحاشية فلم يكن علي بابه إلا رجل واحد يخفره‏.‏ وإذا استوي في مجلسه لا يتقلد السلاح إنما يجلس وفي يده حفنة السعوط والمسبحة يتلاهي بها وكان يحب ألعاب البليارد والداما ولا يأنف من مجالسة صغار الضباط‏.‏ وأما جلساؤه العاديون فالقناصل وكبار السياح وكانوا يحبونه ويعتبرون جدا ويلقبونه أحيانا بمبيد المماليك أو مصلح الديار المصرية‏.‏ وكان سريع التأثر لا يعرف الكظم فكثيرا ما كان ينقاد بدسائس المفسدين‏,‏ وكان كريم النفس سخي العطاء‏,‏ وفي بعض المرات مسرفا‏.‏ وكان يتفاخر بعصاميته ويرتاح للتكلم عن سابق حياته‏.‏ وكان محبا للإطلاع ولا سيما علي الأخبار السياسية‏,‏ وكان يعتبر الجرائد وتأثيرها في الهيئة الاجتماعية فكانوا يترجمونها له فيطالعها بتمعن‏.‏

أما هواجسه السياسية فكانت تقلق راحته فلا ينام إلا يسيرا وقلما يرتاح في نومه ولا ينفك متقلبا من جانب إلي آخر فكان يجعل عند فراشه اثنان من خدمه يتساويان اليقظة لتغطيته إذا انكشف عنه الغطاء من التقلب‏.‏ ويقال أن من جملة دواعي أرقه الشهقة المرتجفة التي كانت تتردد إليه كثيرا‏,‏ وكان قد أصيب بها في حملته علي الوهابيين أثر رعب شديد‏.‏ علي أن ذلك الأرق لم يكن يضعف شيئا من سرعة حركته فكان يستيقظ نحو الرابعة من الصباح ويقضي نهاره في المشاغل المختلفة بين مفاوضة مع ذوي شوراه أو مراقبة استعراضات العساكر أو استطلاع أمور أخري تتعلق بصالح الأمة‏.‏ وكان بارعا في الحساب بغير تعلم لأنه شرع بتعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة والأربعين من عمره‏,‏ ويقال أنه ابتدأ يتعلم أحرف الهجاء علي أحد خدمة حريمه‏,‏ والكتابة علي أحد المشائخ‏,‏ وهذا مما يزيده شرفا وفخرا ويبرهن علي ما فطر عليه من قوة الإدراك والحذاقة والمقدرة علي المهام السياسية‏.‏ وكان صارم المعاملة مع لين ورقة وحسن الأسلوب‏.‏ وكان متمسكا بالإسلام مع احترام التعاليم الأخري‏,‏ ولا سيما تعاليم المسيحية فكان يقرب أصحابها منه ويعهد إليهم أهم أعماله‏.‏

ويقال بالإجمال أنه كان لرعيته أبا حنونا وصديقا مخلصا‏,‏ ولذوي قرباه نصيرا مسعفا‏,‏ ولأولاده أبا حقيقيا‏,‏ ولذلك تراه بعد أن أصيب بفقد أكثرهم غلب عليه الحزن حتي أثر في صحته تأثيرا رافقه إلي اللحد‏.‏ أما حبه للرعية فلا يحتاج إلي دليل‏,‏ فهذه الديار المصرية عموما إذا قصرت ألسنة أهلها عن تعداد فضائله ينطق جمادها بمزيد فضله هذه الترع والجسور والأبنية والجنائن والشوارع‏,‏ هذه المطابع والمدارس‏,‏ هذه النظامات الجهادية والملكية‏(‏ المدنية‏)‏ والقضائية‏,‏ هذه الزراعة والفلاحة‏,‏ هذه شبه جزيرة العرب تردد ما لاقته من نجدته‏.‏ وكان محترما ليس فقط من رعيته أو ذويه بل من الأجانب البعيدين عنه وطنا ودينا ومشربا‏,‏ وكثيرا ما تقربوا إليه بالنياشين والهدايا إقرارا بفضله علي العالم عموما بتمهيد سبيل التجارة بين أوربا والهند علي الخصوص‏.‏
‏-‏ يمكن أن تعزي براعته في الحساب إلي أنه اشتغل لفترة في صدر حياته بالتجارة‏.‏

تربية أنجاله للأستاذ إبراهيم المويلحي‏:‏
إن محمد علي الذي ولد في حجر والديه‏,‏ وشب في ظل‏'‏ جوربجي‏',‏ وانخرط في سلك الجندية‏,‏ وتزوج بأرملة ثرية‏,‏ واندفع في تيار التجارة مع أحد الفرنسيين‏,‏ استفاد كثيرا من هذه الحياة العلمية المتنوعة‏,‏ واتخذ من نعيمها وبؤسها عظة كانت له نبراسا هاديا إلي سبيل الفلاح‏,‏ بل إلي سبيل الملك والإصلاح‏.‏

ولا يحضرني الآن اسم ذلك الحكيم الذي قال‏'‏ إن خير حاكم للأمة هو ذلك السيد الذي يكون قد مارس التجارة عشر سنوات‏'.‏ ولا غرو فإن الأعمال التجارية تنمي المواهب وتصقل الطباع وتسمو بالأخلاق‏.‏

وقد مارس محمد علي التجارة إحدي عشرة سنة فأكسبته خبرة بالرجال‏,‏ وسلحته ضد نكبات الحياة ولم تنسه أبهة الولاية وتبعات الحكم تربية أولاده تربية عملية يمتزج فيها حب الوطن والإخلاص له والذود عنه والعمل علي رفع شأنه وجعله يتبوأ المكانة اللائقة به بينه مجموعة الأمم المتحضرة‏.‏

ومن المأثور عن شدته في تربية أولاده أنه طلب من حفيده‏'‏ عباس باشا‏'-‏ وهو يومئذ حاكم الغربية‏-‏ بعض بيانات إدارية‏,‏ وتسبب ما أخر الحفيد عن الرد‏,‏ فأرسل إليه جده هذا الأمر المؤرخ في‏20‏ ذي القعدة‏1250:‏

'‏ قد تغير خاطر جدك من هذا التقصير والإهمال‏,‏ وإني نصبتك علي هذه المديرية لتكون قدوة‏(‏ للمديرين‏)‏ فإن كنت مللت الأعمال فاسترح وسأعين بدلك من يقوم بهذه المهام‏.‏ أما إذا كان التأخير من الباشكاتب فسيلاقي عقابه‏'.‏ إلي أن ختمه بالقول‏:‏

'‏عباس‏!‏ التفت لأعمالك وأشغالك‏,‏ واترك الراحة جانبا‏,‏ لأنك بتأخير أعمال المصلحة تعزل ويعين بدلك وتكون ملوما بين العالم وما كان أملي فيك ذلك‏'.‏

وعندما أمر عباس ذات يوم بقتل‏'‏ خبازه‏'‏ الخاص لجرم أتاه عاتبه جده علي ذلك عتابا شديدا في الأمر الصادر إلي محمود كاشف أحد كبار الموظفين المساعدين لعباس باشا‏,‏ في‏21‏ جمادي الأول سنة‏1250:‏

علمت من العريضة المقدمة من‏(‏ خبازي‏)‏ عيسي أغا‏,‏ الأمر بقتل أخيه الخباز بطرف عيسي باشا مدير الغربية بواسطة الباشا المشار إليه‏,‏ علي أنه سبق أن أكدت عليه بعدم الغدر بالأهالي‏.‏ إني تأثرت من ذلك لأنه من المعلوم أن المشار إليه حفيدي ووارث الملك من بعدي‏,‏ فإن كانت هذه أفعاله في حال شبابه التي تشمئز وتنفر منها الرعية‏,‏ فكيف يمكنه الحكم بالروية والتؤدة والحلم عندما يتولي الحكم؟ أيقظه وألق تلك العبارات عليه رحمة بشيخوختي‏'‏ وإلا فلتتحققا محوكما وإزالتكما‏!'.‏

وفي ذات ليلة ترامي إلي مسامع محمد علي‏,‏ وفي أثناء رياسته لإحدي جلسات ديوانه‏,‏ أن ابنه‏'‏ سعيد بك‏'‏ وكان وقتئذ يدرس فنون البحرية علي يدي موطش باشا سر عسكر الدونانمة‏,‏ يسلك مسلك الإمارة والكبرياء مع معلمه‏.‏ فما كان من محمد علي إلا أن أرسل لابنه في‏2‏ رجب سنة‏1250‏ أمرا يشير عليه فيه‏'‏ بالتزام أوامر موطش باشا وعدم الجلوس أمامه إلا بأمره والقيام بتعظيمه وقت المرور عليه رعاية لمنصبه‏,‏ علي أن يفطن موطش باشا‏,‏ حال وجوده خارج الدونانمة‏,‏ أن‏'‏ سعيد بك‏'‏ هو ابن محمد علي فيعظمه بدوره بما يليق بمقام وارث ولاية مصر‏'.‏

وأبي الوالد إلا أن يخصص لابنه في نفس هذا الأمر مبلغ مائة قرش راتبا شهريا له‏'‏ أسوة بسائر المساعدين بالدونانمة وصرف المرتب علي حساب السفينة الموجود بها‏'.‏

وهكذا ساوي محمد علي‏-‏ وهو عزيز مصر‏-‏ ابنه ببقية الطلاب البحريين‏,‏ ولم يجد في ذلك غضاضة‏,‏ بل رأي فيه حافزا لابنه للتفوق علي أقرانه وارتقاء المراتب العالية‏,‏ ولكي يبعد عن خلده فكرة أنه ابن الوالي فيركن إلي الكسل ويترك العلم‏.‏

ولقد دأب محمد علي باشا علي حضور امتحانات أنجاله وأحفاده بنفسه ليتحقق من ميلهم في العلوم والفنون‏,‏ وإنا لنراه في الأمر الصادر في‏26‏ ربيع أول سنة‏1251,‏ يلفت نظر ابنه‏'‏ سعيد‏'‏ إلي‏'‏ الدراسة وكثرة الحركة لعدم السمن‏,‏ والتزام التواضع مصداقا للحكم والحديث‏,‏ وأن يعمل كل ما يعلي شأنه وأنه‏(‏ أي محمد علي‏)‏ سيحضر إلي الإسكندرية لامتحانه بنفسه أمام أحد المدرسين‏,‏ فإن ظهر عدم رسوخ قدمه في العلوم‏,‏ أجري تأديبه رحمة بحاله‏.‏

ثم أردف محمد علي باشا في آخر هذا الأمر ـ وكان سعيد بك يأبي إلا الأكل علي الطريقة الإفرنجية بالشوك والسكين أمام مدرسه فارس أفندي‏(‏ وهو صوفي يري في الأكل بغير اليد عملا من أعمال الشيطان‏)‏ مما كان يجعل فارس أفندي يمتنع عن الجلوس علي المائدة التي تضمه مع سعيد بك وبقية كبار البحرية ـ‏'‏ اقتد بأخلاق فارس أفندي المدرس وتطبع بأخلاقه وامتنع عن الأكل معه لأنه صوفي ويستنكر الأكل بالشوكة والسكين‏'.‏

ولكن قد تأخذنا الدهشة إذا علمنا أن حاكما من الحكام أو واليا من الولاة أبي قبول إنعام علي أحد أبنائه أو أحفاده من سلطان خطير لأنه لا يزال غير جدير في نظره بهذا الإنعام‏!‏ هذا ما فعله محمد علي مع سلطان تركيا‏,‏ فقد رفض قبول رتبة البكوية لأحد أبنائه لأنه لم يأت بعد بعمل وطني يستحق عليه هذا الإنعام‏.‏

ويسرنا أن نعرض علي القارئ نص الترجمة العربية لهذه الوثيقة التاريخية الهامة‏,‏ وهي خطاب باللغة التركية من محمد علي باشا إلي مظلوم باشا قبوكتخدا مصر لدي الباب العالي‏.‏ وهذا الخطاب من إنشاء المرحوم كامل باشا الصدر الأعظم‏:‏

'‏إن بعض عبيد السلطنة يتشرفون بإحراز الرتب بمناسبة المهرجان الهمايوني الذي يتجلي في الآفاق بهاء وسماء‏.‏ ومن أجل هذا استصوب حضرة الصدر الأعظم بوجوب الإحسان بالرتبة الثانية علي حفيدي مصطفي بك وإلي ثابت بك‏,‏ كما علمنا ذلك من مطالعة رسالتكم البهية المؤرخة في‏18‏ شوال سنة‏1263,‏ وقد فهمنا منها موافقة سعادتكم علي الأمر‏.‏

'‏ولا يخفي عليكم أن الإنسان ميال بالطبع إلي طلب الترقي والتنعم‏,‏ كما أنه من الأمور الطبيعية أن كل إنسان مع علمه بالأسباب والطرق الموصلة إلي أوج الرفعة والاعتلاء‏,‏ فإنه لا يزال مجبولا علي حب التواني والتباطؤ إن لم يجبر نفسه علي اقتناء تلك الأسباب والأخذ بها‏.‏ فإذا بلغ آماله من المعالي عفوا صفوا بلا تعب ولا نصب‏.‏ فإنه لا يهتم في السعي وراء تلك الأسباب وتحصيلها‏,‏ ويبقي بالطبع عاريا من حلة العارف محروما من زينة الكمالات‏.‏

'‏أما الأمير المومأ إليه فهو من جهة صغير السن عاجز عن درك المحاسن والكمالات الإنسانية‏,‏ وهو من جهة أخري إذا حصل أمله بسهولة‏,‏ كان من البديهي أن يتكاسل عن الطلب ويتقاعس عن السعي‏,‏ وفضلا عن ذلك فإن درجته هي السادسة بين طبقات العائلة في امتياز الوراثة التي نالته عائلتي المخلصة للدولة‏,‏ المحبة لخيرها‏,‏ في ظل الحضرة السلطانية‏,‏ وقدره واعتباره بين العائلة لا يكون إلا بحلية الفضائل‏,‏ فلذلك صرت مضطرا أن أتبين ذلك الأمر مما يضر به في هذا الشأن‏'.‏
'‏وبناء عليه أرجو أن يصرف النظر عن هذا الإحسان‏'.‏

ولقد بلغ استعظام محمد علي للرتب والضن بها علي غير مستحقيها حتي ولو كانوا من أبناء الأسرة الحاكمة‏,‏ أنه عندما علم أن أعمال القتل والسرقة قد كثرت في البحيرة‏,‏ لم يجد كلاما يوبخ ويؤنب به حاكمها‏,‏ أبلغ مما جاء في هذا الأمر الصادر إليه في‏18‏ محرم سنة‏1252:'‏ علمت بكثرة مواد القتل في مديريتك بتسلط اللصوص علي نواحيها‏.‏ وبذلك قد‏(‏ وسخت البكوية‏)‏ فإما أن تزيل هؤلاء اللصوص من الوجود وإما أن أزيلك‏.‏ فأي الأمرين تختار؟ فدني عاجلا‏'.‏

فبفضل هذه المزايا التي تحلي بها محمد علي أشرقت منزلته في سماء المجد وأفق العزة‏,‏ وجعل من مصر‏-‏ تلك الولاية التي كتمت أنفاسها ثلاثة قرون‏-‏ أقوي ممالك الشرق بأسا وأعزها جندا فارتقت في مدارج الحضارة وارتفعت إلي معارج العمران‏.‏

ـ الجوربجي‏:‏ جمعها جوربجية أي الأعيان في الفرق العسكرية وكبار رجال الحفظ في الأقاليم‏:‏

ـ الدونانمة‏:‏ الأسطول البحري أعمالهم في عهد والدهم‏:‏
إبراهيم باشا‏:‏ هو أكبر أبناء محمد علي‏.‏ ولد في قرية نصرتلي وقدم مصر سنة‏1805‏ حيث أنزله والده في القلعة‏.‏ وفي سنة‏1806‏ أرسله محمد علي إلي استانبول إثباتا لولائه للباب العالي‏.‏ ثم عاد منها سنة‏1807‏ بوظيفة دفتردار‏.‏ وعين سنة‏1812‏ محافظا لمصر العليا‏.‏

وفي سنة‏1815‏ عين قائدا للحملة الحجازية بعد وفاة أخيه طوسون باشا‏,‏ فجمع إبراهيم بين الوظائف الإدارية والبحرية‏.‏ وقد امتاز في أثناء الحروب بالبسالة والبطولة وحسن القيادة‏.‏ وامتاز في أوقات السلم بحسن الإدارة والحزم في الإجراءات الكفيلة بتقدم مصر‏.‏

وقد حاول الباب العالي عبثا الإيقاع بين الأب والابن‏.‏ ولكن إبراهيم باشا أحبط جميع هذه المحاولات والدسائس‏,‏ وأظهر طول حياته خضوعا لأوامر والده‏.‏ وكان إبراهيم من أنصار إدخال المدنية الغربية في البلاد‏.‏ وقد توفي في شهر نوفمبر سنة‏1848.‏

أحمد طوسون باشا‏:‏ ثاني أنجال محمد علي وقد ولد في نصرتلي وتوفي سنة‏1815.‏ قاد الحملة ضد الوهابيين وهو في السادسة عشرة من عمره وأحرز عدة انتصارات‏.‏ ولما طلب الوهابيون وقف القتال وإبرام الصلح عاد طوسون إلي مصر‏.‏ ثم أوفده والده إلي برنبال بجوار رشيد في مهمة عسكرية ولكنه أصيب بالطاعون فمات بها ونقل جثمانه إلي القاهرة‏.‏

إسماعيل كامل باشا‏:‏ ولد في نصرتلي‏.‏ وقد أرسله محمد علي إلي استانبول مبشرا السلطان بانتصار الجيوش المصرية في الحجاز‏,‏ فاستقبله الباب العالي استقبالا رائعا‏.‏ وأشيع في ذلك الوقت أن السلطان محمود رشحه لمنصب والي طرابلس الشام‏.‏

وقد عينه محمد علي بعد عودته من الأستانه محافظا لمنطقة بولاق‏,‏ ثم قائدا عاما للحملة السودانية‏,‏ وتمكن الملك الزنجي‏'‏ نمر‏'‏ من إيقاعه في فخ‏,‏ ومات إسماعيل كامل حرقا بسبب النيران التي اشتعلت حول بيته‏.‏

حسين بك‏:‏ ولد سنة‏1825‏ وتوفي في باريس في إبريل سنة‏1847‏ حيث كان من أعضاء البعثة العلمية ونقل جثمانه إلي مصر ودفن بالنبي دانيال في الإسكندرية‏.‏

محمد سعيد باشا‏:‏ هو نجل محمد علي الوحيد الذي أتم دراساته ونال الشهادات العليا‏,‏ وعلي الرغم من الرمد الذي أصيب به فقد سلمه محمد علي منذ نعومة أظفاره إلي أساتذة أجانب‏.‏ وكان رائده الضابط البحري‏'‏ توزيه‏'‏ فلما استقال توزيه وضع تحت رقابة المسيو‏'‏ كونج‏'‏ الفرنسي‏.‏

وقد تخصص سعيد باشا في البحرية حتي صار أميرالا للأسطول المصري‏.‏ وكان يجيد الفرنسية ويتكلمها بطلاقة‏.‏ وكان محمد علي يستعمل القسوة والشدة في تربيته وكان يعاقبه لبدانته كما كان يعاقبه أيضا لتبذيره وإسرافه‏.‏ ولما علم يوما من الأيام أن سعيدا استدان مبالغ كثيرة‏,‏ ذهب بنفسه إلي قصر القباري وباع أثاث نجله لتوفية تلك الديون‏.‏

وقد سافر سعيد إلي الأستانة مع سامي باشا بعد إبرام الصلح مع السلطان الذي أنعم عليه برتبة فريق في البحرية‏,‏ كما منحه رتبة الباشوية‏.‏

محمد عبد الحليم باشا‏:‏ ولد سنة‏1831‏ وتلقي العلم علي أيدي أساتذة وطنيين وأجانب‏.‏ وكان في ريعان شبابه عندما توفي محمد علي‏,‏ فلم يساهم في النهضة المصرية‏,‏ بل سافر إلي باريس مع الأمير مصطفي فاضل والخديو إسماعيل لإتمام الدراسة هناك مع سائر أعضاء البعثات‏,‏ وكان أساتذته يثنون علي ذكائه‏.‏

محمد علي الصغير‏:‏ هو أصغر أولاد محمد علي‏,‏ وقد ولد سنة‏1833‏ وتوفي سنة‏1861,‏ وتلقي العلم بمدرسة أبي زعبل ثم أبدي ميلا لتعلم الفنون الحربية‏.‏ وكان محمد علي يعطف عليه بوجه خاص وكان يفتخر أمام الضيوف الأجانب بذكاء نجله‏.‏

الأميرة زينب‏:‏ هي إحدي كريمات محمد علي‏.‏ وقد تزوجت من يوسف كامل باشا سنة‏1846‏ واحتفل بعقد قرانها احتفالا باهرا‏.‏ ولدت سنة‏1825‏ وماتت في استانبول سنة‏1884‏ ودفنت في مدفن خاص في جهة اسكفار‏.‏

الهدايا إلي محمد علي‏:‏
لما استقر حكم محمد علي في مصر وقوي نفوذه وطار صيته عند السلطان وفي جميع البلدان‏,‏ تسابقت الدول الأجنبية إلي كسب صداقته‏,‏ ولم يقتصر التعبير عن شعورها علي إذاعة الخطب الخلابة والكلمات الساحرة‏,‏ بل أخذت تقدم إليه الهدايا الثمينة والتحف الجميلة‏.‏

ففي سنة‏1810‏ مثلا كان محمد علي قد أمر أمير البحار إسماعيل جبل طارق بأن ينقل إحدي قطع الأسطول المصري الجديد من البحر الأبيض المتوسط إلي البحر الأحمر لتعزيز الدفاع عن مصر من جهة الشرق‏,‏ فلما أراد إسماعيل بك المرور من جبل طارق‏,‏ رفضت السلطات البريطانية أن تصرح له بمواصلة السير‏.‏

وقد غضب محمد علي لهذا القرار المفاجئ‏,‏ ولكن حكومة لندن سارعت إلي إرضائه‏,‏ وأصلحت السفينة علي حسابها ودرعتها بألواح النحاس وزودتها بثلاثين مدفعا من البرونز وثلاثمائة بندقية وكمية وافرة من المؤن والذخائر‏.‏

وقد جعلت الدول تتسابق في تقديم الهدايا إلي محمد علي كما قدمنا‏,‏ وحيث أنه يتعذر حصر هذه الهدايا لكثرتها‏,‏ فإنا نكتفي بذكر بعضها‏:‏

هدية من فرنسا‏:‏ في سنة‏1824‏ وصل إلي مصر القنصل مانجان‏,‏ وأهدي إلي الوالي باسم الحكومة الملكية الفرنسية عربة كبيرة وأربعة مراشح للجياد صنعت كلها بباريس‏.‏ وكان محمد علي حتي هذا التاريخ هو الشخص الوحيد الذي يستعمل العربة في تنقلاته‏.‏

وهدية من الهند‏:‏ وفي سنة‏1826‏ أهدي أحد أمراء الهند إلي محمد علي بصفته الحارس علي سلامة الأماكن المقدسة‏,‏ مبلغ خمسين ألف ريال نقدا لتوزيعه علي فقراء مكة والمدينة‏,‏ كما أهدي إليه كميات كبيرة من الكوفيات الفاخرة والأقمشة المذهبة وساعة من الذهب الخالص مزدانة بعصفور من الذهب يغرد في أوقات معينة‏,‏ وكذلك سلسلة رائعة من الذهب مرصعة بالأحجار الكريمة‏,‏ وساعة كبيرة ونظارة للميدان وخاتما من الياقوت الأحمر‏,‏ وبندقية تطلق‏24‏ طلقة دفعة واحدة وخنجرا وسيفا‏.‏

هدية فرنسية أخري‏:‏ وفي سنة‏1845‏ أراد الملك الفرنسي لويس فيليب أن يكرم محمد علي فأرسل إليه ساعة كبيرة كانت قيمتها وقتئذ ألفي وثمانمائة جنيه‏,‏ ولا تزال هذه الساعة موضوعة في برج بصحن جامع محمد علي‏,‏ وقد أمر جلالة الملك فاروق الأول منذ بضع سنوات بإصلاحها‏,‏ مظهرا اعتزازه بتراث جده العظيم‏.‏

وهدية من إنجلترا‏:‏ لما أرادت الحكومة الإنجليزية أن تحصل علي بعض التسهيلات بشأن الطريق بين مصر والسويس كلفت حكومة الهند إهداء محمد علي قطعة رائعة من الفضة الخالصة وهي عبارة عن نافورة لتزيين القاعات الكبري‏.‏ ولكن محمد علي عندما علم بذلك قال‏:‏ كنت أفضل وردة واحدة تهديها إلي ملكة الإنجليز عن تلك النافورة الثمينة‏,‏ وأفهم قنصل الإنجليز أنه في مرتبة الملوك‏,‏ وكان يليق به أن تقدم ملكة الإنجليز تلك الهدية بدلا من حكومة الهند‏.‏

وقد أدركت الدوائر السياسية الإنجليزية هذا الخطأ فأرسلت الملكة فيكتوريا إلي محمد علي صورتها فورا بعد أن وضعتها في إطار ثمين‏.‏



http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8435












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2005, 10:45 AM   رقم المشاركة : 7
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

الموضوع تاريخي يتناول شخصية فقط لاغير دون النظر لأحداثه . تابعوا













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-Mar-2005, 02:13 PM   رقم المشاركة : 8



افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اقتباس:
الموضوع تاريخي يتناول شخصية فقط لاغير دون النظر لأحداثه

ولكن أسمح لي أن أعلق بحرية ، وكيفيما يأتي الى عقلي

اولا محمد علي ، من أفضل الشخصيات التي أحبها كثيراً ، حتى أتذكر أنه أثناء ما كنت في مرحلة الثانوية كانت صديقاتي يطلقن علي لفظ (مجنونة محمد علي)
نعم أنا مجنونة محمد علي

ثانياً ، أختي روح الشرق أسمحلي أن أقوم بشرح مبسط جدا وعلى حسب معلوماتي البسيطة عن ذكر التي حيرتك

اقتباس:
أحتاج أن أقرأه عدة مرات حتى أستطيع فهمه جيداً من غير اشتباه في الأسماء..فكثرة ترديد باشا وبك دوختني كثيراً

ربما نحن المصريين لا نحتار ، لأننا أعتدنا عليها .

كلمة بيك ، هى من اصل تركي اسمها بي (بيه) وتعني السيد ، وكان يطلقها الحاكم على من ينعم عليهم

أما كلمة باشا فيقال أنها من أصل فارسي أخذها الاتراك منهم وهى تعني رجل الحاكم أو السلطان أو قدمه ، والمقصود منها هو من يكون نائب السلطان في ولاية من ولاياته من ولاة ، وكان يمنحها السطان نفسه ، ولكن أعتقد بعد ذلك وبعد نهاية الحرب العالمية الاولى أصبح ملك المصر هو من يمنحها


وأشكر كثيراً أخي النسر على تلك المقالات الشيقه حقاً واكثرها تشوقياً هذا الجزء الثاني الذي يتحدث عن قرب عن محمد علي والذي فسر لي الكثير فمثلاً

اقتباس:
وقد تخصص سعيد باشا في البحرية حتي صار أميرالا للأسطول المصري‏.‏ وكان يجيد الفرنسية ويتكلمها بطلاقة‏.‏ وكان محمد علي يستعمل القسوة والشدة في تربيته وكان يعاقبه لبدانته كما كان يعاقبه أيضا لتبذيره وإسرافه‏.‏ ولما علم يوما من الأيام أن سعيدا استدان مبالغ كثيرة‏,‏ ذهب بنفسه إلي قصر القباري وباع أثاث نجله لتوفية تلك الديون‏.‏

وهذا يفسر لماذا كان سعيد أول من أهتم بالأسطول بعد محمد علي ( ولكن أنجلترا هى من وقفت أمامه لحيلولة دون تنفيذ مشاريعه بالأسطول ، بالاضافه الى أن سعيد هو أول من قام بالأستادنه قبل إسماعيل وكانت ديون مصر حوالي 11 مليون وقت وفاته

والكثير والكثير ، المقالات ملئية بأشياء كثيرة يود الشخص أن يعلق عليها جميعا

سأتابعك بشغف أخي النسر

وياحبذا إذا أحضرت مقالات عن محمد علي والحريم ، لأن محمد علي هو أول من حاول أن يهتم بالمراه وعملها وتعليمها ، وقد شعرت من خلال قرأتي له في هذه النقطه أنه كان يعامل النساء مثل البلورة المضيئه يخشى عليها من أن تكسر

بصراحة الحديث عن محمد علي لا ينتهي أبداً

شكراً أخي النسر

سلام












التوقيع



 أم نورالدين غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 31-Mar-2005, 01:00 PM   رقم المشاركة : 9
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

الحلقة‏(3)‏
مذكرات الباشـا المجهـولـــة‏!‏
روضة العمران‏':‏ عنوان مذكرات محمد علي التي لم يعثر عليها أبدا‏!‏
الأهرام يحذر من انفعالات الباشا
عندما كان يفاجأ بسؤال محرج أو يتبسط في الحديث
بقلم : د‏.‏ يونان لبيب رزق



يبدو لأول وهلة وكأننا نسخر من القارئ النابه عندما نتحدث عن مذكرات لمحمد علي‏,‏ خاصة وهو يعلم أن الرجل لم يفك الخط إلا بعد الخامسة والأربعين‏,‏ غير أن ما جاء في عدد الأهرام الذي نعيد نشر بعضه في هذه الحلقات مثير للاهتمام‏..‏

فجريدتنا لم تدع أن الرجل كتب مذكراته وإنما أملاها‏,‏ والفارق كبير‏,‏ ثم أنها ساقت من الحقائق ما يجعل الأمر قابلا للإقناع أو علي الأقل داعيا للتفكر‏,‏ وفيما يلي ما نشرته الأهرام في عددها المتميز تحت عنوان‏'‏ محمد علي يملي مذكراته‏'‏

((‏ لو اطلعنا بدقة علي قائمة المؤلفات المطبوعة ببولاق بأمر من محمد علي للاحظنا أن بعض المؤلفات عبارة عن ترجمة كتب تاريخية مدونة باللغات الإفرنجية إلي اللغة التركية كحياة الإسكندر الأكبر ونابليون الأول وكاترينة إمبراطورة روسيا‏.‏

وقد يبدو من الغريب أن يأمر محمد علي بطبع الكتب التاريخية حينما كانت المطبعة الأميرية عاجزة عن طلب الكتب المدرسية لكثرتها؟ ولكن محمد علي كان يرغب في نشر الكتب التاريخية بين الأوساط المتعلمة وخاصة بين الموظفين‏,‏ لأنه كان مغرما بدراسة التاريخ ومقتنعا بفائدته‏,‏ ولدينا من القرائن ما يدل علي مبلغ اهتمامه بالتاريخ نذكر منها هذا الخطاب الذي أرسله المسيو طوسيجه قنصل اليونان وصديق محمد علي إلي بطريق الروم الأرثوذكس يقول فيه‏:'‏ ياصاحب الغبطة‏.‏

كلفني سعادة أفندينا أن أكتب إليكم لعلكم تجدون في مكتبة البطريركية كتابا خاصا بحياة الإسكندر الأكبر‏.‏ ويود سموه استعارة هذا الكتاب لترجمته إلي اللغة التركية‏.‏ وإذا كان الكتاب غير موجود لديكم فمن أين يستطيع سموه أن يحصل عليه أمن دير سيناء أم من الأستانة؟‏'(‏ سنة‏1833)‏

لقد كان محمد علي يستوحي الآراء الحكيمة من قراءة التاريخ‏,‏ كما كان يتعرف علي ما قام به القدماء من مشروعات جليلة في القطر المصري حتي يقوم بأعمال تماثلها‏,‏ وقد أصدر أمرا في سنة‏1829‏ إلي نظارة المالية يتلخص في أنه اطلع في الكتب التاريخية علي أن مؤسس الترعة الأشرفية‏(‏ وهي التي تبدأ من ساحل برلس في البحيرة‏)‏ المزمع تجديدها الآن هو الإسكندر ومن معه من حكماء اليونان‏,‏ ثم اندثرت‏,‏ وفي زمن استيلاء الأكراد علي مصر تجددت بأمر السلطان الأشرف ثم اندثرت أيضا‏,‏ وأنه كلف شاكر أفندي المهندس بمباشرة فتحها وبذل الهمة في ذلك‏.‏

إذن‏:‏ كان محمد علي علي الرغم من مشاغله الكثيرة يكرس بعض أوقاته لقراءة الكتب التاريخية والاستفادة منها‏.‏

وقد فكر بعد ذلك في نشر تاريخ لعصره يطبع تحت عنوان‏'‏ روضة العمران‏'‏ وأرسل لهذا الغرض عدة منشورات إلي جميع المصالح نذكر منها منشورا صدر في غرة شعبان سنة‏1250‏ إلي ناظر الكيلار‏(‏ مخازن المؤونة‏)‏ يطلب فيه كشف بعض الشمع الكائن ببولاق وعماله وكيفية صناعة هذا النوع وعمله وإرسال هذا الكشف لطرفه ليدون ذلك في التاريخ الجاري وضعه المسمي‏(‏ روضة العمران‏).‏

ولما تقدم العمل كلف لجنة مكونة من مختار بك‏,‏ وكاني بك‏,‏ وأرتين أفندي‏,‏ ويوسف أفندي واسطفان أفندي لترجمة ما تم وضعه إلي اللغة الفرنسية‏,‏ فهل طبع هذا الكتاب؟

إننا نشك في ذلك‏,‏ لأننا لم نعثر حتي اليوم علي أية نسخة منه‏.‏ ولا يسعنا إلا أن نبدي أسفنا الشديد لعدم طبع الجزء أو الأجزاء المنتهية من‏'‏ روضة العمران‏'‏ فإن هذا الكتاب كان يحوي بدون شك تفاصيل وآراء لم نزل نجهلها‏.‏

علي أن لنا أن نسأل عما إذا كانت هناك علاقة بين تأليف‏'‏ روضة العمران‏'‏ والمذكرات السياسية التي كان محمد علي يمليها علي سكرتيره الخاص المكلف بهذا العمل‏.‏

لقد تحدث محمد علي عن مذكراته الخاصة‏,‏ وقال للقنصل الروسي لافيزون في سنة‏1831:'‏ إن مشاغلي الكثيرة لا تمنعني من تسجيل تفاصيل حياتي السياسية‏.‏ وإن المؤرخين الذين تحدثوا عني منذ ارتقائي عرش مصر حتي الآن قد ارتكبوا عدة أخطاء‏'.‏

كذلك تحدث إلي السائح الإنجليزي‏'‏ سانت جون‏'‏ وقال له‏:'‏ أنا لا أستهتر بحكم التاريخ‏,‏ وأقطع دليل علي ذلك هو أنني مهتم منذ وقت طويل بتسجيل حياتي‏,‏ وكلما انتهزت بعضا من الوقت الذي أكرسه للمسائل العامة استدعيت السكرتير المنوط بهذا العمل وأمليت عليه مذكراتي‏,‏ وهو يدونها دون أن يغير كلمة واحدة من أقوالي‏'.‏

'‏إن حياتي حافلة بالوقائع وسأتحدث عن طفولتي وشبابي قبل قدومي إلي مصر‏,‏ وسأصف حالة البلاد حين وصولي إليها وجميع الوقائع التي طرأت في أثناء فتح النوبة وسنار وكردفان والحجاز وسوريا مهما تكن خطورتها‏.‏ إن هذا العمل مضن‏,‏ وأوقات فراغي محدودة‏'.‏

وسأل السائح‏'‏ هاريس‏'‏ الذي كان موجودا خلال هذه المقابلة‏:‏ لماذا لا يكلف الباشا أحد الضباط كتابة هذا التاريخ لأن هذا الكتاب سيكون له قيمة كبيرة في المستقبل‏.‏ فأجاب محمد علي‏:'‏ إني أعني بهذا الأمر شخصيا‏,‏ ولم أكلف أي شخص بعمله ولدي منذ سنين كاتب أملي عليه ما أريده في أثناء فراغي‏.‏ وأطلب منه تدوين تطورات حياتي والإشارة إلي حالة مصر عندما تسلمت زمام الحكم فيها‏'.‏

والمعروف أن لوبير بك الفرنسي كان يقوم بتدوين تاريخ الأسرة العلوية علاوة علي مهماته الأخري‏.‏

ومن المؤسف حقا أن التطورات العسكرية والسياسية شغلت جميع أوقات محمد علي‏,‏ لدرجة أنه أهمل تسجيل تلك المذكرات وطبعها‏.‏ وقد تحدث في سنة‏1839‏ إلي بورنج فقال‏:'‏ نصحني بعضهم بدراسة التاريخ لأتعلم منه كيف أحكم بلادي ولكني الآن متقدم في السن ولا أستطيع أن أواصل دراسته‏'.‏ واأسفاه‏..))‏

*‏ جون بورنج‏:‏ سياسي بريطاني ساح في مصر ورفع إلي مجلس العموم تقريرا اكتسب شهرة كبيرة عن‏'‏ الحالة العامة في مصر [blink]وكريت‏'ReportonEgyptandCanadia‏[/blink]

***‏
يبدو أن القائمين علي تحرير هذا العدد التاريخي من الأهرام قد تخوفوا من التأثير السيئ للعنوان المضلل للمقال السابق علي القراء فقرروا تعويضهم بطريقة مبتكرة تقوم علي اقتباس بعض أقوال الباشا المرموق‏,‏ بحيث تشكل في البداية ما يمكن أن يشبه المذكرات‏,‏ وقد أسموها‏'‏ تاريخ مصر في عصر محمد علي بلسان محمد علي‏!!‏

وقد تحلي كاتب هذه الورقة من الملف الذي قدمته جريدتنا بقدر كبير من الموضوعية حين استهله بالقول أن الباشا الذي كان يحذق فن الحديث كان كلما انتهي من عمله دعا إليه أحد السياسيين أو من يكون من كبار الضيوف ليتحدث إليه في شئون مصر الداخلية والخارجية‏,‏ وكان الأخير إذا عاد إلي منزله يسارع إلي تدوين ما سمعه ليرفع به تقريرا لحكومته‏,‏ غير أنه وضع بضعا من التحفظات بعد ذلك‏..‏

منها‏:‏ أن محمد علي كان لا يتحدث سوي التركية وكان يستخدم مترجمين من الأرمن في الغالب‏,‏ وأن بعض الأجانب كان يشك في أمانة هؤلاء إلي حد اتهامهم بتحريف أقوال الباشا أو تحريف أقوالهم عند ترجمتها إليه‏.‏
ومنها‏:‏ أن هؤلاء نشروا أقواله دون عرض النص علي الوالي‏'‏ فلا يصح أن نعطي هذه الأقوال الصبغة الرسمية‏'.‏ ثم أنه حذر من أن محمد علي كان يتعمد أحيانا المبالغة في مدح الدول الأجنبية لأسباب تتعلق بالحالة السياسية‏.‏

غير أن كاتب الملف استدرك في نهاية هذه التحفظات فوصف التصريحات التي تضمنتها بأنها ذات قيمة تاريخية‏'‏ وهي تعتبر بمثابة سجل يرسم لنا بطريقة حية انفعالات محمد علي عندما كان يفاجأ بسؤال محرج أو عندما كان يتبسط في الحديث في جو مفعم بالثقة والصداقة‏.‏نتحول بعد ذلك لعرض هذه الورقة من الملف الأهرامي‏..‏

محمد علي والي مصر‏:‏
‏-‏ كل دولة تستطيع أن تكون كبيرة‏,‏ وكل جيش يستطيع أن يضمن الفوز إذا وجد كل منهما من يعرف كيف يقوده في الطريق القويم‏(‏ بوكلر مسكاو‏1837)‏

-‏ يكفي للأجيال القادمة أن تعرف أن محمد علي لم يحقق ما حققه بفضل التقليد أو توسط الغير بل بفضل جهوده الشخصية‏(‏ بوكلر مسكاو‏1837)‏

-‏ أنا رجل أدركني الكبر فلا أستطيع أن أتمهل في سيري كما يستطيع ذلك من هو أصغر سنا‏,‏ لهذا أريد الإسراع في تنفيذ كل ما أريد‏(‏ بورنج‏1838)‏

-‏ لا تحكموا علي بنسبة المستوي العلمي الذي بلغتموه‏,‏ بل وازنوا بيني وبين الجهل الذي يحيط بي‏.‏ إنا لا نستطيع أن نطبق في مصر الأساليب التي تطبق في إنجلترا‏,‏ إذ نحتاج إلي عدة قرون قبل أن ندرك المستوي الذي وصلتم إليه غير أنه لم يمض علي إلا سنوات قليلة‏,‏ ولديكم العدد الوفير من ذوي الفطنة يفهمون حكامهم ويتفقدون مشروعاتهم‏,‏ بيد أني لا أجد إلا عددا قليلا يفهمونني وينفذون ما أوصي به‏.‏ وكثيرا ما أكون ضحية الخداع ولكنني أعرف أنني مخدوع‏(‏ بورنج‏1838)‏

-‏ لم يسعدني الحظ أن أتعلم في صغري‏,‏ فلم أبدأ في تعلم القراءة والكتابة إلا وأنا في السابعة والأربعين من سني‏.‏ ثم أني لم أر في حياتي بلادا أرقي مدنية من بلادي‏,‏ ولهذا فإني لا أتوقع أن أعمل ما تستطيعون أنتم عمله‏,‏ ولا أن أبلغ درجة الرقي التي بلغتموها‏(‏ بورنج‏1838)‏

-‏ ياكونت ميديم‏:‏ قد أسمعتني اليوم حقائق قاسية ولكني لست بمعاتبك علي ذلك‏,‏ لأني أحب من يكلمني بصراحة‏(‏ ميديم قنصل روسيا سنة‏1838)‏
ا

الإصلاحات الداخلية‏:‏

-‏ أريد أن أدخل إصلاحات ضخمة وأن أؤسس عدة منشآت وأكون جيشا وطنيا كبيرا‏,‏ لأن الجيش هو دعامة القوة الثابتة الراسخة‏,‏ وباختصار أريد قبل وفاتي أن أعزز في بلادي مبادئ المدنية‏.‏ وعلي نجلي إبراهيم باشا أن يقتفي آثاري ويوضح خطتي‏,‏ فهو متعلق بتلك المبادئ التي قد تعود بفائدة عظيمة علي البلاد‏,‏ وأن سمعته مرتبطة بنشر تلك المبادئ‏(‏ بواييه رئيس البعثة العسكرية الفرنسية‏1824).‏

-‏ أنا مشرف علي ولاية مصر منذ اثنتين وعشرين سنة‏.‏ وفي السنوات الست الأخيرة حققت من المشروعات أكثر مما حققته في السنوات التي سبقتها‏.‏ إن تكوين جيشي والنظم التي اتبعتها داخل بلادي‏,‏ وإنشاء الأسطول هو بلا شك كسب لنا‏.‏ وإن عشت ست سنوات أخري أو سبعا فأستطيع أن أفكر طويلا في المشروعات التي أنوي إدخالها حتي يكون لها أعمق الأثر في البلاد‏.‏ أتتذكر ما كانت عليه حالة مصر منذ عشرين سنة‏(‏ صولت قنصل إنجلترا سنة‏1827).‏

-‏ المشروعات الواجب تنفيذها كثيرة جدا‏.‏ لقد تقدمت بلادي حتي الآن أكثر مما تقدمت تركيا واليونان‏.‏ وخصوصا بلاد الفرس‏.‏ ولكني بدأت عملي متأخرا ولا أدري إذا كان في الوقت متسع يسمح لي بأن أنجز مشروعاتي‏.‏ سأجتهد علي كل الأحوال أن أترك الأمور قبل وفاتي في أحسن حالة‏(‏ بوالكنت‏1832).‏

-‏ إن غايتي الكبري هي إدخال المدنية في مصر‏.‏ ولكن الوقت قد يضيق لتنفيذ أساليبها‏.‏ يقولون لي أن مصر غدت في مستوي أوربا إلا أني علي يقين أن هذا القول غير صحيح‏.‏ أنا محتاج لثلاثين سنة لأعزز سياستي الجديدة في البلاد‏.‏ والواقع إني لا أرجو أن أعيش طول هذه المدة ولست راغبا في ذلك‏.‏ إن أبي عاش حتي بلغ المائة ولكن ذاكرته قد أصيبت بالضعف‏.‏ أما أنا فأتمني الموت حالما أشعر بضعف ذاكرتي‏.‏ لذلك أعد كل شيء يمهد لمرور فترة الانتقال التي تتبع وفاتي بسلام‏.‏ ثم أن نجلي إبراهيم يقر سياستي كما أن روح التربية التي بثثتها في أنجالي الآخرين قد تكفل لسياستي البقاء‏(‏ بوالكنت‏1832).-‏ إن الصعوبة في البداية‏,‏ وقد استخدمت في البداية إبرة أحفر بها أرض مصر‏.‏ أما الآن فأستعين بفأس ولكني أريد أن انتفع بكل مزايا المحراث‏(‏ بورنج‏1838).‏


محمد علي والأقليات‏:‏

‏-‏ ألم تر كيف عاملت بطريق جزيرة كريت؟ لقد استقبلته بحفاوة بالغة وأعفيته هو ورجال حاشيته من دفع الرسوم الباهظة‏.‏ وخلعت عليه خلعة‏.‏ كما أن مسيحيي سوريا لم يتمتعوا من قبل بما يتمتعون به اليوم من حرية وسعادة‏.‏ ولهم الحق في أن يقرعوا الأجراس متي شاءوا وإني أقدرهم وأريد أن أنقذهم من الغبن الذي هم فيه‏(‏ إلي ميمو قنصل فرنسا سنة‏1831).‏

-‏ إن ديني وشرفي يفرضان علي أن أترك كل شخص يؤدي بكامل حريته الواجبات الرئيسية المفروضة عليه‏,‏ وهي عبادة الله‏.‏ لذلك ألغيت الفوارق المذهبية في مدينة القدس‏,‏ كما أبطلت ما كان يتحمله المسيحيون من إهانات تحت حكم العثمانيين فما كان يحق لهم قبل عهدي أن يبنوا كنيسة‏.‏ ونفذت هذه الخطة في مدينة مكة أيضا حيث كان الباب العالي يفرض علي كل حاج قادم من بلاد الفرس ضريبة قدرها ثلاثمائة قرش‏(‏ بوالكنت‏1833).‏


لماذا سياسة الاحتكار؟

‏-‏ إنني أدرك ما يجول في خاطرك‏.‏ ولكنك لو بقيت معنا وقتا طويلا‏-‏ وهذا ما أرجوه‏-‏ ربما تغير فكرك‏.‏ التفت إلي برهة من الوقت‏.‏ إني أحكم شعبا يميل إلي الكسل‏.‏ فإذا لم اضطره إلي العمل بقي عاطلا لأنه يستطيع أن يعيش ببضع بارات‏(‏ أقل من المليم‏)‏ في اليوم‏.‏ فإذا حصل عليها لا يفكر إلا في أن يتمتع بها وبمعني آخر يكف عن العمل بينما أنا أقصد من نظامي تكوين طبقة مجتهدة تتعود علي الكد والكدح‏.‏

استوليت علي كل شيء‏,‏ ولكني فعلت ذلك لأجعل كل شيء منتجا‏.‏ ومن يستطيع ذلك غيري؟ من يستطيع غيري أن يقدم المبالغ اللازمة؟ من يستطيع غيري أن يحمل الشعب علي التعليم ومعرفة العلوم والأفكار التي كانت سببا في تفوق أوربا؟ أتظن أن أحدا في هذه البلاد فكر أن يدخل فيه القطن والحرير والتوت‏(‏ إلي بوالكنت سنة‏1833).‏


رأي في حفر قناة السويس‏:‏

‏-‏ إذا كانت عملية حفر القنال موكولة إلي بعض الماليين وأصحاب المصالح فإني لن أوافق علي حفره أبدا‏,‏ ومع ذلك فإني علي أتم استعداد لتحقيق رغبات الدول الأجنبية إذا تم الاتفاق بينها‏.‏ وفي هذه الحالة سأتولي بنفسي حفر القنال بعد إتمام القناطر مباشرة‏(‏ إلي فوك قنصل روسيا سنة‏1847).‏


الوراثة والاستقلال‏:‏


-‏ لماذا لا أعلن استقلالي‏.‏ إنك تعرف السبب‏:‏ أريد أن أحترم رغبات الدول وما كنت لأبقي مرؤوسا لغيري حتي الآن لولا احترامي لرغبات الدول‏.‏ لم يحترمكم اليونانيون ولا البلجيكيون كما أحترمكم ومع ذلك فإنكم كافأتموهم بضمان استقلالهم وتعاقبونني برفض طلبي الخاص بضمان سلامتي‏(‏ إلي بوالكنت‏1833).‏

-‏ أريد السلم ولم أفكر في التعدي علي أية دولة‏.‏ ولكن إذا استمر الأتراك في موقفهم الدنيء‏,‏ وإذا لاحظت أنهم يريدون أن يعاملوني كما يعاملون الطفل الصغير ففي هذه الحالة سأحل الموقف دفعة واحدة وسأعلن استقلالي‏(‏ إلي روسيني قنصل إيطاليا‏1834).‏

-‏ كيف تريدون أن أبقي الخادم والمرؤوس المطيع لدولة أضعف مني من جميع الوجوه بينما أحكم شعبا أكثر عددا وأتصرف في اعتمادات أضخم مما يتصرف فيها السلطان وكثير من ملوك أوربا‏(‏ إلي دوهاميل‏1834).‏

-‏ لم أكرس حياتي كلها في سبيل مصر ولم أنجز أعمالا عجز عن أدائها غيري لأترك ذلك كله لحاكم تركي يستفيد منها‏.‏ لم أصرف مبالغ طائلة لإنشاء مؤسسات واسعة وبناء أسطول عظيم وحفر القنوات وعمل أشياء كثيرة أخري لأترك بعد ذلك أنصاري يتخبطون في الفقر‏,‏ فلو خالجني أقل شك في أنهم سيتولون الحكم من بعدي لكنت فضلت أن أتركهم يثرون‏.‏ أنا رجل هرم وأريد أن أطمئن قبل وفاتي علي مستقبل عائلتي‏.‏ أريد بقاء القوة التي أسستها بين أيديهم‏.(‏ إلي كوشيليه‏1838)‏


رفض اقتراح فرنسا بحملة علي الجزائر‏:‏

-‏ لقد أبلغت مرتين بلسان إبراهيم باشا الأسباب التي تحول دون القتال إلي جانب فرنسا علي الرغم من تعلقي ببلادكم ورغبتي الصادقة في خدمتها‏.‏ وسأكرر لكم الأسباب إذا أردتم‏,‏ أنا أعظم وزير في السلطنة العثمانية‏,‏ ولكن إذا وافقت علي الشروط التي تعرضونها علي فسأفقد كل ثمار جهدي وشرفي في نظر شعبي والمسلمين عامة‏.‏ إنهم سيحتقرونني وينفضون من حولي‏.‏ لا تتصور أن كلامي هذا مبني علي اعتبارات دينية‏.‏ إني فوق هذه الاعتبارات‏.‏ لا أعتبر نفسي مسلما أو مسيحيا في سياستي‏.‏ ولكن بما أنني استمد نفوذي من الشهرة التي أتمتع بها وحكم أمتي علي أقول لكم أنني إذا تعاقدت معكم قضيت علي نفسي‏(‏ إلي ميمو‏1830)‏

-‏ أعرف أين هم أصدقائي وأكون سعيدا لو قدمت إلي فرنسا خدماتي‏.‏ ذكرت لكم مرتين الأسباب التي حملتني علي رفض الحل الذي عرضتموه‏.‏ أتريدون أن أقطع رأسي بسيفي؟ فإذا تحالفت معكم علنا ضد شعوب تدين بالإسلام‏,‏ سأقضي علي نفسي‏.‏ وإذا حالفتكم سأفقد مركزي وتنهار قوتي الأدبية‏.‏ تحدثنا كثيرا عن هذا التحالف فانتشرت الإشاعات هنا وفي جهات أخري‏.‏


محمد علي وحرب المورة‏:‏



‏-‏ إن الانتصارات التي سأنالها في تلك البقعة من الإمبراطورية ستقوي سمعتي وتزيد من اعتباري‏.‏ إن السلطان لا يملك القوة اللازمة ليعارض مشروعاتي‏.‏ أنا ابن النصر‏,‏ إن الشعب التركي ينطق باسمي‏,‏ ويلهج بمقدار الأعمال الجليلة التي اضطلعت بها‏,‏ فقد رفعت الدولة من الحضيض علي الرغم من مقاومة الباب العالي الذي يريد أن يسند كل شيء حسن إليه دون سواه‏.‏

أنا أعلم تمام العلم أن الإمبراطورية تسير قدما نحو الانهيار وسيكون من الصعب علي إنقاذها‏,‏ إذن فلماذا أبذل جهودي في إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه‏.‏ إني سأعمل علي بناء دولة مترامية الأطراف علي تلك الأنقاض ولدي جميع الوسائل للوصول إلي هذه الغاية‏ تؤكد هذه المقولة الأخيرة أن فكرة الحرب ضد السلطان قد ولدت أثناء حرب المورة


احتلال سوريا‏:‏-‏

لا أسعي إلي احتلال بلاد تبعد عن سوريا‏,‏ ولكن سوريا تنقصني ويجب أن احتلها لأني أستطيع أن احتلها وأريد احتلالها‏(‏ إلي ميمو‏1831).‏

-‏ أنا عالم بأحوال أوربا فكيف تعتقدون أني أجهل أحوال تركيا؟ أنا عالم بما قد يفعله الباب العالي ضدي‏,‏ وأنا عالم بما أستطيع عمله ضد الباب العالي‏.‏ من هو القائد الذي سيقاتل إبراهيم باشا؟ أين هم القواد؟ أهو والي حلب الذي كان قواصا منذ بضع سنوات؟؟ لا‏.‏لا‏.‏ صدقني أن الباب العالي سيعمل ألف حساب قبل أن يعتدي علي‏.‏ وأنا من رأيي أننا سنصل إلي حل‏.‏

عندي في سوريا ثلاثون ألفا من الجنود النظاميين‏.‏ وعندي أيضا تحت تصرفي خمسة وعشرون ألف درزي وخمسة عشر ألفا من رجال نابلس‏.‏ أين القوة التي تستطيع أن تقاوم هذا العدد؟‏(‏ أشيربي قنصل النمسا‏1832).‏

-‏ ما رأيك ياأشيربي في الباب العالي؟ كان أمامه سبعة أشهر ليمد والي عكا فماذا فعل؟ انخدع عبد الله المسكين وفقد كل شيء بعد أن ضحي بكل ما عنده في سبيل الباب العالي‏.‏ ولم يبق معه إلا ألف كيسة‏.‏ وبعد ذلك فضل أن يلجأ إلي لأنه سيئ الظن بالسلطان‏(‏ إلي أشيربي‏1832).‏



إدارة سوريا‏:‏

‏-‏ لقد ارتكبنا عدة أخطاء ولكنا قضينا علي عبث الحكام‏.‏ ولن تجد بعد انسحابنا قوة واحدة تستطيع أن تحكم سوريا‏.‏ فإذا عاد الحظ ثانيا لصالحنا ستري أن السوريين سيلجئون من جديد إلينا‏.‏ وفي العام المقبل سنجتاز معا هذه المقاطعة ونضمد جروحا كثيرة‏.‏

-‏ كنت أحييت الزراعة والتجارة وكانت الأديان كلها محل احترام الجميع‏.‏ ولكن بعد فترة قصيرة ستعلم أن الإصلاحات القليلة التي أدخلتها لن يبقي لها أثر‏(‏ إلي كوشيليه قنصل فرنسا‏1840)‏

-‏ عندما كنت أحتل سوريا كان من واجبي أن أعتني بها لذلك كنت أهمل بعض المصالح المصرية‏.‏ ولكن بعد حوادث‏1840‏ ستنتفع مصر وحدها بعنايتي‏(‏ إلي الدوق دي مونبانسيه‏1845).‏

تفسر الأقوال السابقة أفكار محمد علي بالنسبة لكثير من سياساته العربية‏,‏ فهو قد رفض التحالف مع دولة أوربية ضد شعب إسلامي‏,‏ مهما بلغت حاجته لتلك الدولة‏,‏ ثم أن فكرة حروبه ضد الدولة العثمانية ولدت أثناء حرب المورة حين كانت القوات المصرية تحارب تحت لوائها‏,‏ وأخيرا نظرته الخاصة إلي سوريا التي يمكن توصيفها بلغة عصرنا أنها كانت‏,‏ وستظل‏,‏ تشكل العمق الاستراتيجي لمصر‏!‏




http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8442












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Apr-2005, 11:56 AM   رقم المشاركة : 10
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

لم يغب علي القائمين علي العدد التذكاري الذي صدر عن الأهرام في نوفمبر عام‏1949‏ أهمية ما ترتب علي سياسات محمد علي باشا من متغيرات أعادت رسم الخريطة الاجتماعية للمصريين‏,‏ كما أعادت في نفس الوقت بناء العلاقات بين سائر القوي الاجتماعية التي انخرطوا فيها‏.‏

الوعي بهذه الحقيقة دعا هؤلاء إلي تضمين العدد جانبين عن هذه المتغيرات‏..‏ الجانب الأول كان أقرب إلي موضوع تسجيلي عن بعض نواحي التغيير الذي عرفته الشرائح الاجتماعية في البلاد‏,‏ والذي جاء في الصفحة السادسة من هذا العدد المهم تحت عنوان‏'‏ سياسته الاجتماعية‏',‏ وقد غلب عليه الطابع الانتقائي من بعض الأوامر ذات الطبيعة الإصلاحية التي كان يصدرها الباشا المرموق إلي كبار موظفيه‏.‏

وعني الجانب الثاني بتقديم دراسة تحليلية لأحد كبار المؤرخين الذين عرفتهم مصر‏,'‏ الأستاذ محمد شفيق غربال بك‏'‏ الذي استكتبته جريدتنا موضوعا تحت عنوان‏'‏ محمد علي والمجتمع المصري‏',‏ ووضعته في الصفحة التالية مباشرة‏,‏ وكان أقرب إلي رسالة للقارئ أن الموضوعين متكاملان‏,‏ وأن علي من يقرأ الأول أن ينتقل منه إلي الثاني‏!‏

والأستاذ غربال الذي حصل علي درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة ليفربول عام‏1919,‏ ثم حصل علي درجة الماجستير من نفس الجامعة عام‏1924‏ تحت عنوان بدايات المسألة المصرية وظهور محمد علي

‏TheBeginningsof[blink]
theEgyptianQuestionandtheRiseofMehemetAli‏[/blink]

وأشرف عليه المؤرخ البريطاني المعروف السير أرنولد توينبي‏,‏ وقامت المدرسة العلمية التي أسسها علي التحليل‏,‏ الأمر الذي نلاحظه في أغلب أعماله‏,‏ سواء الكبيرة مثل‏'‏ تاريخ المفاوضات المصرية‏-‏البريطانية‏1922-1936',‏ أو الصغيرة مثل‏'‏ محمد علي الكبير‏'‏ و‏'‏ تكوين مصر‏',‏ فقد غلب عليها جميعا طابع الأطروحة‏.‏ ونتوقف هنا قليلا عند عمله‏'‏ محمد علي الكبير‏'‏ والذي صدر عام‏1944,‏ إذ نعتقد أنه قد تأثر كثيرا فيما كتبه عن هذا الباشا بآرائه التي أبداها في الأهرام‏,‏ والذي وصفه أحدهم بالقول أن غربال‏'‏ لم تفوته فرصة إلا وسوغ مسلك محمد علي‏,‏ فالكتاب من هذا الصنف الذي كتبه‏(‏ كارليل‏)‏ عن أبطاله‏,‏ وألفه‏(‏ ماكولي‏)‏ عن بناة إمبراطوريته‏'.‏

ولما كان التسجيل دائما سابقا علي التحليل‏,‏ الأمر الذي دعا جريدتنا إلي ترتيب الموضوعين علي النحو السابق الإشارة إليه‏,‏ فلا نملك سوي أن نفعل ما سبقتنا إليه في عددها القديم‏!‏

[blink]الموضوع الأول‏:‏ سياسته الاجتماعية‏(‏ من وضع هيئة تحرير الأهرام‏):‏[/blink]

يخيل للناس أن ما تفعله وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية للترفيه عن الشعب ودفع الشر عنه من ابتكار رجال الفكر الحديثين‏.‏ ولكن إذا نظرنا إلي ما كان يفعله محمد علي في هذا الصدد‏,‏ اتضح لنا جليا أنه قد فكر منذ قرن ونصف قرن في كل الإجراءات الكفيلة برفع مستوي الشعب الأدبي والمادي‏.‏

وفيما يلي بعض الأوامر التي صدرت في عهده‏:‏
مكافحة البطالة‏:‏ قال الجبرتي‏(1817):‏ نجزت عمارة السواقي التي أنشأها الباشا بالأرضالمعروفة برأس الوادي بناحية شرقية بلبيس‏,‏ قيل أنها تزيد عن ألف ساقية‏,‏ ثم برزت الأوامر إلي جميع بلاد الشرقية بإرسال الفلاحين البطالين الذين لم يكن لهم أطيان فلاحة ليستوطنوا الوادي المذكور وتبني لهم كفور يسكنون فيها ويتعاطون خدمة السواقي والمزارع ويتعلمون صناعة تربية القز والحرير واستجلب أناسا من نواحي الشام والجبل‏(‏ يقصد جبل لبنان‏)‏ من أصحاب المعرفة بذلك ورتب للجميع نفقات إلي حين ظهور النتيجة ثم يكونون شركاء في ربع المتحصل‏.‏

إيواء وتشغيل المتسولين‏:‏ وجاء في الأمر الكريم الصادر في سنة‏1837:‏ وردت مذكرة كلوت بك المتضمنة مشروع جمع المتسولين في مستشفي المجاذيب واستخدام القادرين منهم وصرف إيراد المستشفي لهم بعد ما تقرر إخلاؤه ونقل نزلائه من المجاذيب إلي المكان الجاري إنشاؤه في المستشفي الملكي ثم وصلت هذه المذكرة وعلمت مضمونها واستحسنته جدا وإني أطلب إليكم تنفيذ هذا المشروع وجمع القادرين من المتسولين واستخدامهم في الورش والمصانع والمباني وما يماثلها من الأعمال‏.‏

‏*‏ كان الشحاذون في العصر العثماني يشكلون طائفة معترف بها لهم حارتهم الخاصة‏,‏ شأنهم في ذلك شأن سائر الطوائف الحرفية‏!!‏

تشغيل المصريين محل الأجانب‏:‏ تعلمون أننا كنا استقدمنا صانعا إنجليزيا أخصائيا في قطع أحجار القطع‏(‏ الزناد‏)‏ الخاصة بالبندقيات لتعليم صناعة قطع الأحجار الجاري قطعها من الجبل‏.‏ ولا بد أن يكون بين الصناع من أبناء المصريين الملحقين بهذا الأخصائي لتعلم هذه الصناعة من يكون ذا دراية وأهلية واستعداد‏,‏ فعليكم أن ترسلوا لهم مندوبا لبقا ليشجعهم قائلا لهم‏:‏ من منكم يتعلم هذه الصناعة قبل إخوانه ويثبت كفاءته سيرقي إلي‏'‏ أوسطة باشي‏'(‏ رئيس صناع‏)‏ ويتناول مرتبها‏,‏ وبذلك يكون محترما ذا نفوذ‏,‏ ولا بد أن تكون لهذه الترغيبات والمشوقات أثر حميد يحفز المتعلمين في سرعة تعلم هذه الصناعة فتكون النتيجة الاستغناء عن هذا الإنجليزي‏.‏

تيسير القوت للشعب‏:‏ وجاء في الأمر الكريم للباشا الكتخدا‏'‏ في مجلس المالية الذي انعقد من قبل ثلاث سنوات وعطوفتك كنت حاضرا فيه كان تقرر إدخال اللحم والخبز والسمن والزيت وغيرها من الأقوات اليومية في التسعيرة إلا المأكولات مثل الخضروات والفواكه‏,‏ ولكنه بلغني أخيرا أن هذه المأكولات قد أدخلت أيضا التسعيرة‏.‏ ولما كان هذا التصرف عبارة عن وسيلة خبيثة لسلب أموال الناس فإنني أريد الوقوف علي حقيقته وكيف شرع فيه وأدخلت المأكولات المذكورة في التسعيرة علي الرغم من استثنائها من القرار المذكور‏.‏

‏*‏ الكتخدا‏:‏ لفظ يطلق علي الموظف المسئول والوكيل المعتمد والأمين‏.‏

الرفق بالفلاح‏:‏ وأرسل محمد علي إلي مفتش عموم الفابريقات الأمر المؤرخ سنة‏1835‏ يقول فيه‏'‏ إن أولياء نعمتي اثنان‏:‏ أحدهما السلطان محمود والآخر الفلاح‏.‏ وإن قصدي من ذلك ألا تنظروا للفلاح بعين العداوة لأن ما نأخذه ونعطيه ونناله من شرف‏,‏ إنما هو بفضل الفلاح‏.‏ وحيث أن الفلاح ولي نعم الجميع‏,‏ يجب أن نعتني بما يزيد رفاهيته ونرفع مرتب هذا العامل اليومي‏'.‏

‏*‏ ديوان الفابريقات أحد الدواوين السبعة التي أنشأها محمد علي‏,‏ وكان مسئولا عن شئون الصناعة‏.‏

منع زراعة الحشيش‏:‏ وصدر أمر محمد علي إلي مدير الإيرادات في سنة‏1836‏ يقول‏:'‏ إن الوالي علم بالضرر الذي يصيب الأهالي من تعاطيهم الحشيش وإن أغلب عمال الحكومة يتعاطون مثل هذا الصنف وقد سبب ذلك تعطيلا في العمل‏.‏ لذلك أمر بشطب الإيرادات الناتجة عن زراعة الحشيش لكافة المديرين بمنع زراعته‏'.‏

الملاهي‏:‏ وكتب محمد علي إلي ناظر المالية بتاريخ مايو سنة‏1842‏ يقول‏:'‏ إن قنصل إنجلترا التمس الترخيص لرعاياه بفتح الملاهي‏(‏ كباريهات‏)‏ في بعض جهات حي بولاق‏.‏ فرخص بفتح الملاهي علي شرط أن تكون بعيدة عن الأحياء التي يقطنها المسلمون‏.‏

منع بيع المسكرات‏:‏ وصدر في فبراير سنة‏1844‏ منشور من رئيس الشرطة يؤيد القرار السابق نشره الخاص بمنع الاتجار بالمشروبات الروحية في أسواق المسلمين وكذلك في الأحياء التي يقطنونها‏.‏

البطاقات الشخصية‏:‏ كتب قنصل روسيا في نوفمبر‏1829:'‏ أدخل بمصر منذ شهرين نظام خاص يحمل بمقتضاه كل رجل بطاقة شخصية يبرزها عند دخوله مدينة أو قرية أو يخرج منها‏.‏ ويجب أيضا علي كل فلاح أن يحصل علي تلك البطاقة حتي تتحصل الإدارة علي عنوان منزله إذا أراد الانتقال من جهة إلي أخري‏.‏

‏*‏ لم يكن مقصودا باتخاذ هذا الإجراء صالح الفلاحين بقدر ما كان مقصودا ضبط حركتهم بعد اتساع عملية تركهم لأراضيهم والتي عرفت بظاهرة‏'‏ التسحب‏'‏ الناتجة عن سياسات الباشا الاحتكارية‏.‏

العطف علي الجنود المجاهدين‏:‏ وصدر أمر في سنة‏1818‏ إلي رزنامجي مصر بترتيب معاشات لائقة للعساكر المقيمين بمصر والذين أصيبوا بجراح خطيرة تمنعهم من القيام بعمل أو كسب معيشتهم‏.‏ أما الجنود الذين يريدون العودة إلي بلادهم فتصر ف لهم مبالغ معينة مكافأة لخدماتهم‏.‏

‏*‏ الروزنامجي‏:‏ رئيس الروزنامة وهو الديوان الذي يجبي الضرائب ويتولي الإنفاق علي بعض جهات البر‏.‏

[blink]الموضوع الثاني‏:‏ محمد علي والمجتمع المصري للأستاذ محمد شفيق غربال بك‏:‏[/blink]

يحمل مجتمعنا المصري في يومنا الحاضر الطابع الذي طبعه به محمد علي الكبير في أثناء نصف قرن من الزمان‏.‏ ولما كان الكلام في تشكيل مجتمعنا قد كثر في هذه الأيام وتشعب‏,‏ ولما كان المتكلمون يتناولون الموضوع غير مسلحين لذلك بالدرس الصحيح مكتفين في الغالب بالدراسات التاريخية أو الاجتماعية التي عالجت نشأة الطبقات أو الطوائف‏,‏ إما معالجة عامة وإما معالجة خاصة بقطر من الأقطار‏(‏ كالهند مثلا‏)‏ أو بعصر من عصور التاريخ الأوربي‏(‏ كالعصر الإقطاعي أو عصر النهضة الصناعية مثلا‏)‏ منتهين من ذلك إلي نوع من التقريب بين المظاهر الاجتماعية المصرية‏,‏ ومثيلاتها وشبيهاتها في غير مصر‏,‏ فلما لاحظت هذا كله رأيت أن خير ما أقوم به في احتفال‏'‏ الأهرام‏'‏ بذكري رجل مصر الكبير أن أكتب موجزا في أثر خطته في طبع الأمة بطابعها الحاضر‏.‏

لم يسطر محمد علي علي لوح خال من أي نقش‏,‏ فالمجتمع الذي آلت أموره إليه سنة‏1805‏ مجتمع عتيق‏,‏ رسخت أصوله في ثري هذا الوادي منذ آلاف السنين‏,‏ ولكن مما لا شك فيه أيضا أنه أثر تأثيرا قويا فيه‏,‏ وأنه عدل فيه وبدل فثبت أشياء وأضاف أشياء أخري‏,‏ وأطلق قوي كانت حتي أيامه محبوسة‏,‏ وقيد أخري كانت حتي أيامه طليقة‏.‏

هذا المجتمع تشكل في أثناء الأجيال العديدة التي عاشها الإنسان في هذا الوادي‏,‏ فتماسكت عناصره وتقاسمت فيما بينها العمل استجابة لمقتضيات الأسباب الحية والأسباب المعنوية‏,‏ وهدفها أن يحيا المصري الحياة الطيبة في هذا العالم الزائل وفي عالم الخلود‏.‏

والمقتضيات الحسية تقتضيها الأحوال المعيشية‏,‏ وكانت الاستجابة لها من نوعين‏,‏ نوع من قبل‏'‏ التحدي‏'‏ أي تناولها قهرا وإحالتها إلي ما ينفع الإنسان‏,‏ ونوع من قبل المطابقة بين الحالات والأحوال‏,‏ وكلا النوعين‏(‏ التحدي والمطابقة‏)‏ كان فعل‏(‏ الزعامة‏)‏ أي زعامة فئة من الناس تقدمت كتلة الجماعة وتولت قيادتها نحو الحياة الطيبة‏.‏ ولا ندري علي وجه التحديد كيف حدث هذا ولم حدث‏.‏ وإن كنا نعرف أن الغالب في التاريخ أن الفئة المتزعمة لا تكون في الأصل من صميم الجماعة‏.‏ بل تفد فاتحة قاهرة ثم تعمل علي أن تبقي سيدة منعزلة‏-‏ ولكن كل ما نراه في مصر يحملنا علي الاعتقاد أن الفئة المتزعمة كانت من صميم الجماعة‏,‏ فقيادتها وخططها لم تكن قيادة أو خطط الغاصب الغشوم‏,‏ وحتي لو كانت كذلك في أول الأمر فإنها لا تلبث أن تصبح أقلية مبتكرة قومية تتزعم أمة حقيقية‏.‏ ومهما يكن فالثابت أن مصر كونتها زعامة فئة ممتازة وأن المصريين أنفسهم عرفوا ذلك لها فنسبوها لآلهتهم نسبة عادية‏.‏

وكان مجتمعنا المصري القديم نظاما تتأكد فيه النزعة نحو التماسك الاجتماعي والاستقرار‏.‏ ويقل فيه تأكيد الفردية‏.‏ علي أن لا ينبغي أن نفهم هذا علي الوجه الشائع بين الكتاب وهو قولهم أن‏'‏ الفرد‏'‏ في مصر القديمة طغت عليه الجماعة فمحته تماما أو تقريبا‏.‏ والواقع ينقض ذلك‏.‏ فكل ما هو باق من مصر القديمة‏,‏ من آدابها وفنونها‏,‏ يشهد أن فكرة خدمة الجماعة في أغراضها الحسية والمعنوية اقتضت من الأفراد خلقا وابتكارا وتجديدا وتجريبا‏.‏ وإن هذا لا يمكن أن يحدث إلا في جو نمت فيه شخصية الفرد وترعرعت‏.‏

وكذلك لا يجوز لنا أن نغار من جهة أخري في شأن الطوائف التي انتسب لها الناس‏,‏ فنبالغ في درجة انعزالها البعض عن البعض الآخر‏,‏ أو في الحيلولة بين فرد أو جماعة من الأفراد والخروج من طائفة إلي أخري‏,‏ فالمعلوم أن في كل المجتمعات‏,‏ وفي كل العصور‏(‏ بما في ذلك عصرنا الحاضر‏)‏ لا يسهل علي فرد أن ينتقل من طبقة اجتماعية لأخري مع عدم وجود حائل من قانون أو غيره يحول دون ذلك‏.‏ والنزعة الغالبة هي بقاء الأشياء علي حالها‏,‏ والتقسيم الطائفي الاجتماعي لا يشتد حقا إلا عندما يخالطه التقسيم المستند إلي غالب ومغلوب‏,‏ مقبول ومنبوذ‏,‏ ويزداد سوءا إذا اكتسب صبغة من الدين‏.‏

ولا أعرف في تاريخ مصر الطويل مثلا للعزل الحقيقي المتصل بأسباب اجتماعية إلا في حالتين‏,‏ في حالة رجال الفلاحة وفي حالة رجال العسكرية‏.‏ والأصل فيه أن حفظ الزراعة وهي قوام الحياة في مصر اقتضي عندهم أن يتخذ الحاكم كل ما ينبغي اتخاذه لزرع الأرض‏,‏ فأخرجت الأرض الزراعية من نطاق التصرفات‏,‏ ووضعت للزراعة وما يتصل بها خطط وقواعد عامة‏,‏ وحوول بمختلف الوسائل منع الفلاحين من التحول عن صناعتهم لأي عمل آخر والانتقال من موطن لآخر‏.‏ واتصل بذلك عدم تجنيد الفلاح‏,‏ واتجه الحاكم لتكوين القوة العسكرية نحو العناصر الوطنية أو الغريبة الصالحة للجندية والتي لا يؤثر تجنيدها في الحياة الاقتصادية القومية‏,‏ ولا أعرف في تاريخ مصر أيضا مثلا للقول المتصل بأسباب الفتح والقهر والغلبة الأجنبية إلا ما حدث في أعقاب اندماج مصر في دول عامة كالمقدونية والرومانية والعربية والعثمانية‏.‏ وعندما حوول أن يحتفظ لطوائف الروم والعرب والترك بمزايا خاصة‏,‏ ولكننا نعرف ما آلت إليه هذه المحاولات من الفشل في النهاية‏.‏ فاختفت الطوائف بعد زمن طويل أو قصير وتغلبت العوامل الاجتماعية في تشكيل المجتمع مع غيرها من العوامل‏.‏

والآن وقد تبينا ملامح المجتمع المصري الأساسية يجدر بنا أن ننتقل بالقارئ إلي مصر في أواخر القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر عندما آل أمرها إلي محمد علي فماذا نري؟

نري أولا أهل الفلاحة‏,‏ خدمة الأرض‏,‏ ملزمين بالارتباط بها‏.‏ وقد أحيط بها من كل ناحية بالدرجة التي أمكن لحكومات ذلك الزمان أن تحيط بشيء ما‏.‏ أما حيازة الأرض فقد ارتبطت بالإدارة والحرب والدين‏,‏ فدخلت الأرض في حوزة الهيئات الحربية كفرقة من فرق الحامية العثمانية أحيانا‏,‏ أو في أيدي الزعماء من أصحاب العصبيات الحربية كشيخ من شيوخ القبائل العربية‏,‏ أو أحد أصحاب المناصب الإدارية‏,‏ أو ربطت علي غرض خيري ديني‏,‏ أو مصلحة عامة فانتقلت إلي المشرفين علي تحقيق ذلك الغرض أو تلك المصلحة بحق أو بغير حق‏,‏ أو طرحت في شبه مزادات علنية لمن يضمن للحكومة زرعها وتأدية مالها وهكذا‏.‏ وعلي هذا النحو انعدمت في مصر قبيل حكم محمد علي طبقة الملاك الزراعيين بالمعني المعروف‏,‏ كما انعدمت أيضا طبقة أمراء الأرض الإقطاعيين المعروفين في التاريخ الأوربي‏.‏

ثانيا‏:‏ رجال الحامية العثمانية المرتبطة أرزاقهم بغلة الأرض وعوائد مالية متباينة‏,‏ وقد اختل علي نهاية القرن الثامن عشر أمرهم‏,‏ واغتصبت أرزاقهم‏,‏ واختلطوا بالأهلين واستقروا‏'‏ أعيانا‏'‏ أو‏'‏ وجاقلية‏'‏ أو‏'‏ جوربجية‏'‏ وما إلي ذلك‏.‏

ثالثا‏:‏ أهل التجارة والصناعة في الحواضر‏,‏ منتظمين في طوائف رسمية تحت رؤسائهم‏.‏ والسر في هذا التنظيم وبقائه أنه حقق منافع شتي‏,‏ كان نافعا للحاكم‏,‏ فهو أداة طيبة لحفظ الأمن وهو أداة طيبة أيضا لجمع العوائد‏,‏ وكان حافظا لأسرار المهنة ومستواها‏.‏ فلا تباح لدخيل أو لجاهل لم يدرب علي طرقها تحت إشراف معلميها‏.‏

رابعا‏:‏ العلماء‏.‏ وقد اندمجوا في تنظيم طائفي لأسباب‏;‏ منها ضرورة التسجيل لاستحقاق رزق مربوط‏,‏ ومنها أن وظائف التدريس والقضاء والفتاوي استلزمت إعدادا فنيا وإجازات علمية‏,‏ ومنها التقارب بين رجال العلم بحكم الطابع الديني والمثل الأخلاقية‏.‏ إلا أن طائفة العلماء امتازت عن غيرها بحرية الالتحاق بها وكذلك بحرية الخروج منها‏.‏ فأفرادها أقل الطوائف تأثرا بالأصل وبالجنسية‏.‏ هذا ولا يصح‏-‏ فيما أري‏-‏ أن ألحق طوائف المتصوفة أو أهل السجاجيد والعكاكيز‏(‏ كما كانوا يعرفون‏)‏ بالتنظيم الاجتماعي علي الوجه المعروف‏.‏ فقد كان رجال الطرق الصوفية‏,‏ ولا يزالون‏,‏ أصحاب صناعات وحرف انتظموا في الطرق تدينا أو تصوفا‏,‏ وذلك فيما عدا شيوخهم فإن هؤلاء كانوا من المنقطعين لخدمة الطرق وكانت المشيخة تجري في بيوتهم علي سبيل التوارث‏.‏

‏***‏
هذه صورة لمجتمعنا المصري في آخر القرن الثامن عشر من أوضاعه النظرية‏,‏ أقول أنها نظرية‏,‏ فقد تعرض هذا المجتمع للتشكيل والتعديل بفعل عوامل تاريخية طارئة عليه‏,‏ أذكر منها‏'‏ المملوكية‏'‏ وهي التي مكنت أي صاحب مال من أن يقتني بأمواله عبيدا بيضا أو سودا يدربهم علي الحرب ويتخذ منهم عصابة يغتصب بها حصص الالتزام أو العوائد أو الوظائف‏.‏ فاختل أمر الحامية واختل أمر الوظائف‏.‏ ولم تتكون من المماليك طبقة ثابتة‏.‏ ولم يجتمع أمرها علي شيء واحد إلا لزمن قصير ولسبب طارئ‏.‏

ولم تقترب فكرة المملوكية يوما من الثبات إلا في الأيام التي استخدم فيها سلاطين مصر والهند الإسلامية والدولة العثمانية أداة المماليك للحرب والحكم‏,‏ ومن تلك العوامل أيضا‏(‏ القبيلة الصحراوية‏)‏ وكانت أيضا من عوامل الاضطراب‏,‏ ولا ندري مدي صحة الأنساب التي ادعتها الجماعات الصحراوية التي هبطت أرض الوادي في عهود مختلفة‏,‏ ولكن مما لاشك فيه أنها كانت تلتف حول بيوتات ومشيخات‏,‏ وكانت قوتها تتوقف في الغالب علي شخصية الشيخ أو علي مواتاة الظروف له‏,‏ ثم لا يلبث أمرها أن يتلاشي‏,‏ ولم تبق للقبيلة الصحراوية فاعلية دائمة إلا حيث تمكنها ظروف المعاش في الصحراء من الاحتفاظ بنظامها أو إذا نيط بها عمل له محله في مجتمع ذلك الزمان لحراسة الدروب أو استخلاص بعض المواد كالشب والنطرون وما إلي ذلك‏.‏ وينبغي هنا أن نشير أيضا إلي الجاليات الأجنبية والأقليات الدينية الوطنية والعثمانية‏.‏

ومفتاح الموقف في تاريخ محمد علي كله أنه قرر أن يصطنع الحديد والعلم والمال‏,‏ فلم يطق أن يري حوله خرابا أو ما هو صائر إلي خراب‏,‏ فلا بد من زرع الأرض وتدبير المال اللازم لذلك الزرع والبحث عن مزروعات مطلوبة في الأسواق العالمية‏,‏ ولا بد من الإفادة من مركز مصر الجغرافي بين مختلف القارات لإحياء تجارة خارجية نامية مزدهرة‏,‏ ولا بد من صناعة تغنيه عن غيره قائمة علي ما استحدثه الغرب من آلات وأدوات‏.‏ ولا بد من أن ينقذ ذكاء المصريين وعقولهم باستحداث أنظمة جديدة تتلاءم مع الظروف الجديدة وتعد له ولنظامه حاجته من الفنيين‏,‏ ولا بد من قوة حربية قوية برية وبحرية تحفظ للبلاد استقلالها‏,‏ ولهذا كله لا بد من أن تسود الجماعة روح واحدة وألا يضعف إرادتها امتيازات الطوائف والطبقات‏.‏

ومن هنا فخطة محمد علي تقتضي محو الطوائف والطبقات‏,‏ فاختفت طوائف الحامية والعصابات الخاصة المسلحة وأفندية الروزنامة وطوائف الصناع والتجار والملتزمين‏,‏ واستبقي‏'‏ المملوكية‏'‏ للخدمة الشخصية أو لتأليف بعض البعثات الدراسية‏,‏ كما استبقي القبيلة الصحراوية للحراسة في بعض المناطق ولبعض أغراض الحرب‏.‏

تحلل المجتمع المصري علي ذلك إلي عناصر‏,‏ ولكن ما لبث أن تركب في الأوضاع التي نشهدها فيه الآن‏.‏ وقبل أن نشرح ذلك علينا أن نجيب علي سؤال مهم وهو‏:-‏ هل كان لمحمد علي خطة اجتماعية مرسومة؟ وهل جاءت الأوضاع الحالية للمجتمع المصري أو بعض الأوضاع نتيجة لخططه الاجتماعية المرسومة أو نتيجة لعوامل أخري غير مقصودة لذاتها؟ وللإجابة علي ذلك نقول أنه لم يعن برسم نظام اجتماعي شامل ولكنه استرشد بمبادئ وأهداف معينة وأن أوضاع المجتمع المصري الحالي تأثرت بخططه ولكنها تأثرت أيضا بفعل عوامل خارجية عن نظامه وأغراضه‏.‏ ولتوضيح هذا نقول أن أهم مبادئ وأهداف محمد علي كانت‏:-‏

أولا‏:‏ محاولة المحافظة علي طبقة من الفلاحين‏,‏ فسن قانون الفلاحة لم يرم به إلي تنظيم الشؤون الزراعية فحسب بل قصد إلي وضع نظام اجتماعي شامل لطبقة من الأمة مرتبطة بخدمة الأرض‏.‏

ثانيا‏:‏ عدم التقيد بالفوارق الدينية بالنسبة لخدمة المصالح العامة‏.‏

ثالثا‏:‏ تجنب خلق مجتمع منعزل مكتف بنفسه وموالاة‏'‏ تطعيمه‏'‏ بما لا يزيد في تنوع كفاياته وتعدد رجالاته‏,‏ فكان يمقت التعصب الجنسي ويعتبره ضيقا في الأفق وعجزا في التفكير‏.‏

رابعا‏:‏ تأليف طبقة من الخاصة يجمع لها المبرزين من الفتيان ممن يعرف آباءهم وممن يستدل علي تفوقهم ونجابتهم في معاهد الدراسة‏,‏ ثم يتعهدهم ويعدهم في مصر وأوربا الإعداد الكامل لتولي شتي المصالح العسكرية والمدنية والاقتصادية‏,‏ وكان يرمي بهذا إيجاد فئة ممتازة تتولي زعامة الأمة تحت توجيهه وتوجيه من يخلفه‏.‏

هذا ما يمكن أن يقال عن فكرته الاجتماعية أما ما ترتب علي خططه وأعماله من الآثار الاجتماعية فهي واضحة تمام الوضوح‏,‏ فقد تحررت الأرض الزراعية من قيودها القديمة‏,‏ وأصبح لها في مصر ملاك كبار ومتوسطون وصغار‏.‏ وبجانبهم من لا يملكون شيئا ولكنهم لا يخضعون لقانون خاص بل حكمهم حكم سائر مواطنيهم‏,‏ وتألفت طبقة من متوسطي الحال في الحواضر من أصحاب المهن الحرة‏,‏ كما تألفت أيضا طبقة من العمال الذين يعملون بالأجر‏.‏ وأخيرا ظهرت في بلادنا الفئة التي تقود الحياة الاقتصادية بمشروعاتها وتدبيراتها وأموالها‏.‏

وهذه الظواهر الاجتماعية أثر من آثار تحريره وإطلاقه لقوي مصر‏,‏ ولكنها لم تأت وفق ما اشتهي‏,‏ فقد كان يؤمن بالاقتصاد الموجه لأهداف اجتماعية ولكن لم يستطع هو نفسه ولا خلفاؤه من بعده أن يحموه دون التوغل الأوربي والتوسع الاستعماري‏.‏ إلا أن أهم ما أفادته مصر هو اكتسابها الكيان القومي‏,‏ فإن كان فعل العوامل الداخلية والخارجية قد زاد غني الأغنياء وفقر الفقراء‏,‏ فمما لاشك فيه أيضا أن هناك فكرة قومية حية قوية تسمو علي اعتبارات المصالح الخاصة وتهدي قادة الرأي في معالجة المشكلات الاجتماعية سواء السبيل‏.‏





http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8449













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Apr-2005, 11:48 AM   رقم المشاركة : 11
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

ما فتأ الاختلاف قائما حول النقلة التي تحولت بها مصر من ثقافة العصور الوسطي ذات الطابع الديني التي حمل لواءها الأزهر والمؤسسات التي نهجت نهجه‏,‏ إلي ثقافة العصور الحديثة ذات الطابع المدني‏,‏ وهو الاختلاف الذي كان محل اهتمام القائمين علي تحرير الملف الأهرامي‏..‏

مصدر هذا الاختلاف ما ارتآه البعض من أنه لو لم يتدخل محمد علي في ذلك الشأن لما عانت البلاد مما عانت منه لأجيال طويلة بعدئذ‏,‏ وربما حتي يومنا هذا‏,‏ من ازدواجية التعليم فيها‏..‏ ديني ومدني‏,‏ ولحدث ما حدث في أوربا من تطور تدريجي لمؤسسات التعليم الأول لتأخذ بنهج التعليم الثاني‏,‏ كما حدث في أوربا من تحول جامعات العصور الوسطي‏,‏ مثل أكسفورد وكمبردج والسوربون وغيرها من المؤسسات التي كان يديرها الرهبان‏,‏ إلي جامعات مدنية يديرها العلماء من أصحاب التخصصات المختلفة‏.‏

من جانب ثان كان من رأي البعض أنه لم يكن ثمة قطيعة بين التعليمين الديني والمدني‏,‏وأن التعليم الأخير قام علي أكتاف الأول‏,‏ وهو التفسير الذي جاء في مقال من الملف وضعه أحد أساتذة الأزهر‏,‏غير أن الجريدة أردفت ذلك بمقال كتبه أحد المعنيين بالتعليم المدني‏,‏ وكان يحمل معني مختلفا‏,‏ وهما المقالان اللذان نعرضهما فيما يلي‏:‏


[blink]محمد علي والأزهر للأستاذ أبو الوفا المراغي‏[/blink]:‏
توالت علي مصر في تاريخها عهود زاهية زاهرة‏,‏ وأخري عابسة مظلمة‏,‏ فانتعشت في الأولي وانكمشت في الثانية‏,‏ ولكنها صمدت علي المحن وخلدت كأهرامها علي الأيام‏,‏ ومن شر العهود التي مرت بها عهد المماليك وخاصة الحقبة الأخيرة منه‏,‏ وقد صور حالة مصر في ذلك العصر العلامة رفاعة بك الطهطاوي في كتابه‏'‏ مناهج الألباب‏'‏ فقال‏:'‏ لم يكن لأكثرهم‏(‏ المماليك‏)‏ أدني حظ في قصد التمدين‏.‏ فاستبدلوا الربح بالخسران‏,‏ وآثروا التدمير علي العمران‏,‏ وحل الخوف في أيامهم محل الأمان‏.‏ فانحل نظامهم‏,‏ واختلت أحكامهم‏.‏ فطمعت الفرنساوية في أن تجعل حكومة مصر ملحقة مضافة إلي مملكتهم بالجر علي وجه الإضافة‏,‏ وتغلبت عليها وأرادت بها ما أرادت‏,‏ وأراد الله خلافه‏.‏ ولكن كان لحكم المماليك قوة نافذة غالبة‏,‏ وأظفار أسود ناشبة تفتك بالرعية‏,‏ حتي آن الأوان وسخر الله سبحانه وتعالي لخلاصها من أيديهم بفتكهم أول أمير عجيب خرج من قوله‏,‏ وثاني فحول أمراء مقدونيا‏,‏ محمد الاسم علي الشأن‏,‏ فإنه بقريحته العجيبة أوصلت مصر إلي درجة مهيبة‏.‏

تلك حالة مصر كما وصفها رفاعة بك وتعلم منها كيف كان عبء محمد علي ثقيلا حين ألقت إليه العناية بمقاليدها‏,‏ واختير واليا عليها‏,‏ ولقد كانت تلك الحالة كفيلة بأن تورث اليأس من إنهاضها من عثرتها وإبرائها من عللها‏,‏وكيف يرجي البرء لمريض ألحت عليه العلل في كل عضو من أعضائه‏,‏ إلا أن محمد علي بما توافرت له من المواهب كان طبيبها الحاذق‏,‏ وكان قوي الرجاء في شفائها‏.‏ فتمت المعجزة علي يديه ونهضت نهضتها التي أدهشت العالم‏,‏ وتبوأ بفضلها مكانه في التاريخ من الخالدين‏.‏

كان علي محمد علي أن يعالج في كل عضو‏,‏ وأن يصلح في كل ناحية‏,‏ فرأي‏-‏ وهو سديد الرأي بعيد النظر‏-‏ أن أساس النهوض بالدولة هو التعليم‏,‏ والتعليم بأوسع معانيه وفي جميع فروعه‏,‏ لا يؤثر علما من العلوم علي علم ولا يختص نوعا من المعرفة دون نوع‏,‏ فقد أراد لمصر أن تكون دولة ناهضة قوية‏,‏ والدولة الناهضة القوية هي التي تستوفي وسائل المعرفة ووسائل القوة‏,‏ وكانت الخطوة الموفقة إلي ما قصده من النهوض بمصر علميا‏,‏ أن فكر في إنشاء مدارس مختلفة تسد حاجة في أغراضه المتنوعة وفي إرسال بعوث إلي البلدان الأوربية التي امتازت بالتقدم في العلوم والآداب ليعتمد علي أعضائها بعد عودتهم في تنفيذ مشروعاته الإصلاحية الواسعة‏,‏ ويحلهم محل الأجانب الذين اضطر إلي الاستعانة بهم مؤقتا‏,‏ وكان عليه مع ذلك أن يفكر فيمن يقوم بهذه الأعباء‏.‏ وقد هداه تفكيره إلي الأزهر فوجه نظره إليه ووجد طلبته فيه‏,‏ إذ كان وحده مصدر الثقافة والتعليم في البلاد‏,‏ تستمد منه مقومات معرفتها وتفكيرها‏,‏ وقد ربط بينه وبين الأزهر من قبل ذلك رباط الولاء والمحبة حينما كانت الأحداث تمهد له الجلوس علي عرش مصر‏,‏ فقد كان موقف شيوخه هو العامل الحاسم في الفصل بينه وبين ال
مماليك‏,‏ وتوليته واليا عليها‏,‏ لما لهم من أثر في توجيه الشعب واستجابة الشعب لهذا التوجيه‏.‏

وذكر المؤرخون أنه لما وقعت الفتنة بين محمد علي باشا ووالي مصر خورشيد باشا كان العلماء أول من عضده وساعده في توليته إمارة مصر‏,‏ فقد ذهب رهط من العلماء والمشايخ إلي دار محمد علي منادين بصوت واحد‏:‏ لا نقبل خورشيد واليا علينا‏,‏ فقال لهم‏:‏ ومن تريدون إذن؟ فقالوا‏:‏ لا نريد أحدا سواك‏.‏ فتظاهر أولا بالامتناع وجعل يكرر لهم النصح بالإذعان والتزام السكينة فما ازدادوا إلا إصرارا‏,‏ ولم يسعه إلا القبول‏,‏ فأحضروا له الكرك والقفطان وألبسوه إياهما‏.‏ وبعثوا إلي خورشيد بأن يغادر القلعة‏.‏

وقد قدر محمد علي لهؤلاء الشيوخ هذه السابقة فوثق بهم وقربهم إليه وجعلهم موضع عطفه ومشورته‏,‏ وبادلوه الحب والوفاء‏,‏ ولعل هذا هو سر ما يلقي الأزهر من عناية من الأسرة العلوية أمرائها وسلاطينها وملوكها‏,‏ وقد أدرك من هذا الحادث نفوذ الأزهر في الأمة‏,‏ وما يمكن أن يشارك به من جهود فيما يرجوه من النهوض بمصر والسير بها في مضمار الحضارة وإنزالها منازل الرفعة بين الدول‏.‏

توجه إلي الأزهر فاختار من طلبته صفوة غذي بها المدارس المختلفة التي أنشأها واختار منهم البعوث التي عزم علي إرسالها إلي البلدان الأوربية لتكون عند عودتها عدته في تنفيذ الخطة التي رسمها للنهوض بالتعليم كوسيلة لإنهاض الدولة‏,‏ وقد نجح هؤلاء فيما انتدبهم له وكانوا عند ظنه فيهم‏,‏ سواء منهم من انتظم في سلك المدارس المصرية‏,‏ أو من سافر إلي البلدان الأوربية‏.‏

ويقول العلامة أمين سامي باشا‏,‏ فيمن اختيروا للمدارس المصرية‏:'‏ لقد كان الفضل أول الأمر لمن وقع الاختيار عليهم من طلبة العلم بالأزهر وألحقوا بمدارس الطب والمهندسخانة كبيوس أفندي رمضان مؤلف كتاب‏'‏ الهندسة الوصفية‏.‏ والظل‏.‏ والمنظور‏.‏ وقطع الأخشاب‏',‏ ومحمد علي البقلي باشا الحكيم مؤلف الكثير من الكتب الطبية‏.‏ وأحمد الرشيدي أفندي مؤلف المادة الطبية وغيرها‏,‏ وهو الذي كلف باختبار سواحل البحر الأحمر للبحث عن المعادن وتوجه إلي المكسيك مع بعثة أسندت رياستها إليه لهذا الغرض‏.‏

الصفحة الثالثة من الاهرام صباح 1946/11/21
ولم يكن أعضاء البعوث التي أوفدها من الأزهر أقل توفيقا من إخوانهم الذين انتظموا في المدارس المصرية‏,‏ بل كانوا أثناء إقامتهم بأوربا وبعد عودتهم منها فخرا للأزهر ومثلا عاليا للذكاء المصري والخلق المصري‏.‏

وكان محمد علي شديد العناية بأخلاق هذه البعوث‏,‏ دائم التفقد لأحوالها‏,‏ كثير السؤال عن مدي تقدم أعضائها في الدراسة بعد أن هيأ لهم وسائل العيش الرغيد مدة إقامتهم هناك‏,‏ وقد تحدث أحد أعضاء البعوث عن مقدار عنايته بها فقال‏:‏

‏'‏إن محمد علي وضع لهم لائحة من أربع عشرة مادة‏.‏ وطلب من المشرفين عليها أن يقوموا بتنفيذها في أمانة ودقة‏,‏ وجاء في المادة الرابعة منها‏(‏ إن جميع الأفندية يمتحنون في آخر كل شهر ليعرف ما حصلوه من العلوم في هذا الشهر ويسلمون ما يحتاجون إليه من الكتب والآلات ويكتب في آخر كل شهر‏:‏ تحصيلهم وأعمالهم علي الصحيح‏).‏ وجاء في المادة السابعة منها‏'‏ في محل التفرج أو الطريق لا ينبغي لأحد منهم أن يرتكب ما يخل بمروءته‏.‏ وهذا الأمر هو أهم الجميع وممنوع أشد المنع‏'.‏وقد سار أعضاء البعوث علي هدي إرشاده وتعاليمه سيرة موفقة وحققوا غرض ولي النعم في مدة وجيزة‏.‏ يذكر رفاعة بك‏:‏

‏'‏إنه لما كانت آمال ولي النعم متعلقة بتعلمنا عاجلا ورجوعنا إلي أوطاننا‏,‏ ابتدأنا من مرسيليا قبل وصولنا إلي باريس وتعلمنا في نحو ثلاثين يوما التهجي‏,‏ ثم ذهبنا إلي باريس‏'.‏

وقد أوفد من الأزهر أعضاء في بعوث متعددة في فترات تاريخية متقاربة‏,‏ كما أوفد منه أئمة لبعض هذه البعوث‏,‏ وقد دفع الشغف العلمي بعض أولئك الأئمة إلي أن يعتبروا أنفسهم أعضاء فيها‏.‏ فدرسوا وحصلوا وظفروا بدرجات علمية عالية‏.‏ وقد عرف أنه كان من الأزهر أعضاء في ثلاث بعوث‏:‏ الأولي في سنة‏1826‏ وكان فيها ثلاثة أحدهم رفاعة بك الطهطاوي وقد خصص بالترجمة‏,‏ والثانية سنة‏1832‏ لدراسة الطب وكان فيها اثنا عشر عضوا‏,‏ والثالثة في سنة‏1847‏ وكانت لدراسة الحقوق أو علم الوكالة في الدعاوي وكان فيها خمسة‏,‏ وقد تفوق أكثر هؤلاء في دراستهم وعادوا إلي مصر واضطلعوا بما عهد إليهم‏,‏ وعلي كواهلهم قامت النهضة العلمية فيها وحققوا ظن ولي النعم فيهم‏,‏ فترجموا وصنفوا وحكموا وعالجوا‏,‏ وكانوا أعلاما في تاريخ مصر الحديث‏.‏

واشتهر منهم رفاعة بك رافع الطهطاوي‏,‏ وقد لقبه التاريخ بإمام النهضة وشيخ المترجمين‏,‏ نبغ في علوم‏:‏ الجغرافيا والتاريخ والترجمة‏,‏ وترجم أثناء إقامته بفرنسا رسائل وكتبا‏,‏ وله مصنفات عديدة‏:‏ كالمرشد الأمين للبنات والبنين‏,‏ نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز‏,‏ مناهج الألباب وتلخيص الإبريز في تلخيص باريز‏.‏ وتقلب في عليا المناصب هو وتلاميذه غرة في الدهر كما يقول العلامة أمين باشا سامي‏,‏ كما اشتهر منهم الدكتور الشيخ أبو الوفا والدكتور الشيخ إبراهيم‏.‏

وقد صدر أمر محمد علي سنة‏1252‏ هـ بأنه‏(‏ يجب انتخاب واحد من الأطباء الشيخ نصر والشيخ إبراهيم وحسونة ساكي بطريق القرعة لمساواتهم في الكفاءة والأخلاق لتعيينه بدلا من الخواجه فرباي حكيمباشي مستشفي البحرية المستعفي من هذا المركز‏)‏ وقد ندب لهذا المركز الشيخ أبو الوفا‏.‏ واشتهر منهم أحمد حسين الرشيدي وإبراهيم النبراوي‏.‏

هذه لمحة تاريخية تصور في إجمال مقدار ما ساهم به الأزهر من جهود في بعث مصر السياسي والعلمي‏,‏ ومقدار اعتماد محمد علي عليه في نهضته‏,‏ وقد قدر عاهل مصر للأزهر هذه الجهود كما أسلفنا وقدرها خلفاؤه فأظلوه بعطفهم ورعايتهم‏.‏

‏*‏ لا ندري هل أعقب القائمون علي تحرير هذا العدد من الأهرام مقال‏'‏ محمد علي والأزهر‏'‏ بمقال من وضع الأستاذ أحمد عطا الله مدير متحف التعليم تناول فيه دور الباشا في التعليم الحديث‏,‏ قصدا أو عفوا‏,‏ خاصة بعد أن اختار له عنوانا موحيا‏,‏ يختلف كل الاختلاف عما ذهب إليه أبو الوفا المراغي‏,‏ من أن الباشا أقام النهضة التعليمية الحديثة انطلاقا من الجامعة الدينية العريقة‏,‏ الأمر الذي بدا من تتمة العنوان الذي جاء فيه‏'‏ يد الباشا تأتي علي الأطلال الدارسة لتضع أحجار أساس النهضة العلمية‏',‏ كل هذا تحت العنوان الرئيسي‏'‏ أضواء العلم والمعرفة تشع من قلب العاصمة‏',‏ وقد عني بالأطلال الدارسة التعليم الديني الذي يقوده الأزهر‏,‏ فيما نعرض له في السطور التالية‏.‏

‏..‏ حينما خرجت القاهرة إلي ميدان الأزبكية في عصر يوم‏13‏ مايو من عام‏1805‏ تنادي بمحمد علي أميرا علي مصر لم تكن عاصمة المماليك إلا مدينة خربة‏,‏ تجثم علي صدرها الأطلال‏,‏ وتحبس أنفاسها البرك الآسنة‏.‏

كانت مدينة حزينة استولي علي أهلها الفزع والرعب‏,‏ حتي لتكفي شائعة من الشائعات لأن يهجر الناس بيوتهم فتقع فريسة النهب والسلب‏.‏ ولم يكن هناك من صوت يرتفع إلا من الجامع الأزهر‏,‏ ندوة المدينة السياسية وسقيفة الشوري‏,‏ ولكنه كان صوتا متقطعا‏,‏ لأن أبوابه كثيرا ما كانت ترتج إذا ما انفلت حبل الأمن فحينئذ تنفض حلقات الدرس‏,‏ ويتخلف الشيوخ‏,‏ وينقلب الطلبة إلي بيوتهم أو إلي بلادهم‏.‏

كان الأزهر مدرسة مصر الكبري‏,‏ ومدرستها الوحيدة‏.‏ وكانت من ورائه الكتاتيب الملحقة بالأسبلة والأضرحة والمساجد‏,‏ تغذيه بطلبة العلم‏.‏ أما الكتاتيب فغرف وقاعات خافتة الضوء يجلجل فيها صوت الفقيه أو العريف من الصبح إلي صلاة العصر‏,‏ يسمع لتلاميذه‏(‏ الماضي‏)‏ علي الألواح‏,‏ ويدربهم علي قواعد خط ليس به قواعد ولا ضوابط‏,‏ فلا يكاد يقرأ أو يميز‏.‏ أما ما عدا ذلك من مواد الدراسة‏,‏ مما يتعلمه الصغار اليوم من حساب وغيره فكانت فنونا مجهولة في تلك الأيام‏.‏ فإذا رغب التلميذ في مواصلة الدرس فلن يجد أمامه سوي الأزهر‏,‏ ولكن الأزهر كان يخيب أمله إذا رغب في غير علوم الدين وبعض فنون اللغة‏.‏ فليس للتعليم العام‏,‏ ولا للتعليم الفني من طب وهندسة وصناعة وتجارة وزراعة‏,‏ مكان في ذلك المجتمع‏.‏

هكذا كان وجه القاهرة‏,‏ وهكذا كانت المدارس في مصر عندما ولي أمرها محمد علي الكبير‏,‏ فكان علي‏'‏ الباشا‏'‏ أن ينشر الأمن حتي تقر النفوس‏,‏ وأن ينشر العمران والتعليم حتي تتفتح القلوب‏,‏ وكان له ما أراد‏.‏

كيف كان الزائر يري وجه القاهرة في أوائل القرن الماضي‏(‏ التاسع عشر‏)‏؟ كان إذا هبط ساحل بولاق يجد نفسه في بلدة صغيرة مستقلة بنفسها‏,‏ ذات مخازن للغلال والمؤن ومصانع بلدية يرسو أمامها سرب من المراكب النيلية والفلائك‏.‏ كانت بولاق ضاحية أو ميناء للقاهرة‏.‏ أما المدينة نفسها فكان علي الزائر أن يخترق برية موحشة‏,‏ لا تخلو من قطاع الطرق ليصل إلي طرفها الجنوبي عند بركة الأزبكية‏,‏ التي كان يجف أكثرها إبان التحاريق‏,‏ فإذا ارتفع الماء أصبحت ملهي لهواة القوارب‏.‏ وكانت علي ضفافها بقايا قصور المماليك‏.‏ كما كانت بركة الفيل إلي شمالها الشرقي تتصل بالخليج الذي يشق القاهرة من الشرق إلي الغرب‏,‏ وبين البركتين تتفرع مئات من الدروب والأزقة والحارات التي كانت تقفل أبوابها بالليل‏,‏ خوف الهجوم المباغت علي أهلها‏,‏ إذ أن تلك القناديل التي أمر نابليون برفعها علي رؤوس الحارات قد أهملت‏,‏ حتي شدد محمد علي بإضاءتها كما شدد في كنسها ونظافتها‏,‏ ونادي المنادون بإخلاء البيوت الآيلة للسقوط ليقيم مكانها أبنية حديثة‏,‏ ويشق مكانها شوارع عريضة فسيحة‏.‏

وهكذا امتدت يد العمران في كل ركن من أركان المدينة‏,‏ فأزيلت تلك الأكوام الممتدة علي ساحل النيل شرقي بولاق وأقيمت مكانها حدائق وبساتين يتوسطها قصر لإبراهيم باشا‏,‏ كما أقام محمد علي قصره في شبرا بعد إزالة أكوام تقع غربي باب الحديد‏.‏أما البرك فقد أخذ في ردمها‏,‏ وأما قصور المماليك القديمة فعمر بعضها‏,‏ أو جعلها مقرا لبعض إداراته الحكومية‏,‏ وأما القلعة فكان لها النصيب الأكبر من العمران‏,‏ فجعل منها مدينة كبري بعيدة عن صخب العاصمة‏.‏

أما المدارس الحديثة فلم يكن يخلو منها حي من أحياء القاهرة‏,‏ ما بين طره في الجنوب وأبي زعبل في الشمال‏,‏ وقد احتلت كثير من البيوت والقصور القديمة‏,‏ وأضيفت إليها أبنية حديثة لتتناسب مع المهمة التي تقوم بها من أفنية أو قاعات أو مخازن‏,‏ وكان الباشا يصدر أوامره بالاستيلاء علي البيوت المجاورة إذا ضاقت المدرسة بتلاميذها‏,‏ وكان يعوض أصحابها عشرة أضعاف قيمتها‏.‏

كانت القلعة أول مركز للنهضة التعليمية الجديدة‏,‏ فأنشئ بها أول مكتب وأول بذرة للمدارس الصناعية‏,‏ ثم انتقل النشاط إلي قصر العيني‏(‏ حيث مكان كلية الطب‏)‏ وهو من قصور المماليك‏,‏ فأنشئت به أول مدرسة ابتدائية‏(‏ مبتديان‏)‏ تحولت إلي مدرسة ثانوية‏(‏ تجهيزية‏).‏ أما أول مدرسة ابتدائية كاملة فهي مدرسة المبتديان بالسيدة زينب التي استمرت في مكانها إلي ما بعد وفاة محمد علي‏.‏ وكانت مدرسة القاهرة الابتدائية حرة داخلية وخارجية‏,‏ أما تلاميذ القسم الداخلي فكانت تقدم إليهم ثلاث وجبات للطعام‏,‏ كما تقدم إليهم الملابس من الكتان‏,‏ وكانوا ينامون علي أسرة وفرش صنعت خصيصا لهم‏.‏ كما أنشئت بالسيدة زينب مدرسة للمحاسبة‏(‏ والتجارة‏)‏ لتخريج كتبة للخدمة بدواوين الحكومة وبفرق الجيش‏,‏ وكانت تشترك مع مدرسة المبتديان في مبناها‏.‏

أما المدرسة التجهيزية فكانت في قصر العيني‏,‏ وهو بناء ذو طابقين مربع الشكل‏,‏ كثير الغرف والحجرات للدراسة والطعام والنوم‏.‏ وألحقت به مطابخ ومكتبة ومسجد لأداء الصلاة‏,‏ وتحيط به حديقة غناء‏,‏ وبعد أن أتم محمد علي وضع قانون للتعليم‏(‏ أو ترتيب للمدارس‏)‏ اكتظت هذه المدرسة بالطلبة حتي نيف عددهم علي‏1200‏ تلميذ من أبناء القاهرة والأقاليم ممن أتموا الدراسة في مدرسة المبتديان‏.‏ وكانت عناية محمد علي بهذه المدرسة التجهيزية كبيرة‏,‏ فكانت تقدم الكساوي الشتوية والصيفية لتلاميذها‏,‏ وكانت وجبات الطعام وافرة باللحوم والخضر والفاكهة‏,‏ وكان للمدرسة طبيب وصيدلية لعلاج التلاميذ‏.‏ ولكن سرعان ما رؤي نقل هذه المدرسة إلي أبي زعبل لتحل محلها مدرسة الطب‏.‏

أما بولاق فكانت بها ثلاث مدارس‏:‏ الأولي مدرسة المهندسخانة التي افتتحت أصلا في القلعة في أوائل حكم محمد علي‏,‏ واتخذ لها الباشا قصر ابنه إسماعيل‏(‏ الذي توفي بشندي في السودان‏)‏ وكان يدرس فيها ما يدرس في كليات الهندسة في الوقت الحاضر‏.‏ من علوم الرياضة والطب والكيمياء وعلم طبقات الأرض والرسم بأنواعه‏,‏ وقد رأي محمد علي أن طالب هذه المدرسة يحتاج لخبرة عملية فكان الخريجون فيها يرسلون للتمرين العملي لمدة سنة‏.‏

وإلي جوار مدرسة الهندسة أقام‏'‏ الباشا‏'‏ مدرسة العمليات التي أطلق عليها فيما بعد مدرسة الفنون والصنائع‏,‏ وكان تلاميذها يدرسون الحرف الهامة كالتجارة والخراطة وكل ما يتصل بالفنون العسكرية كفن الاستحكامات‏.‏ وكان توجيه الدراسة فيها عمليا في مجموعه‏,‏ إذ كانت تعتمد عليها دواوين الحكومة في تزويدها بالأثاث والآلات والأجهزة المختلفة‏,‏ وإلي جوار هذه المدرسة أقيمت‏(‏ الرصدخانة‏)‏ وهي معهد لدراسة الفلك والأرصاد الجوية‏,‏ غير أنها ضمت بعد قليل إلي مدرسة المهندسخانة‏.‏

وفي أبي زعبل أقيمت المدارس الطبية‏(‏ الطب والصيدلة والولادة‏)‏ في بناء حديث أنفق عليه محمد علي آلاف الجنيهات‏.‏ وأحاطه ببساتين بديعة وحديقة نباتية عظيمة‏,‏ كما احتوي علي قاعات فسيحة للتشريح ومدرجات للمحاضرات‏,‏ والفضل في إنشاء هذه المدرسة يرجع لجهود كلوت بك التي يذكرها بالفخر والإعجاب في كتابه عن عصر محمد علي‏.‏ ولكنها لم تستمر طويلا حتي نقلت إلي قصر العيني بالتبادل مع المدرسة التجهيزية السالفة الذكر‏.‏ والأسباب التي دعت إلي ذلك ترجع إلي بعد أبي زعبل عن قلب المدينة مما يصعب علي المرضي الاختلاف إلي المستشفي الملحق بها‏,‏ لا سيما وأن المعسكرات التي أقيمت بجوارها قد نقلت‏,‏ ففقدت المستشفي روادها من الجنود‏,‏ ولكن من ناحية أخري فقدت مدرسة الطب بنقلها إلي مدرسة قصر العيني ميزات هامة‏,‏ إذ كانت في مكانها السحيق شبه دير يترهب فيه طلاب كلية الطب‏,‏ إذ كانوا يعيشون عيشة داخلية عسكرية بعيدا عن أنوار المدينة‏,‏ ومن ناحية أخري فقدت المدرسة حديقتها النباتية التي كان يستخدمها طلبة الصيدلة في دراستهم‏.‏

وفي أبي زعبل أنشئت مدرسة البيادة‏(‏ المشاة‏)‏ إحدي المدارس العسكرية الكبري‏,‏ وكانت في أول أمرها بالخانقاه ودمياط‏,‏ وكان الغرض منها تخريج ضباط لفرق البيادة التي كانت تعد أهم فرق الجيوش في ذلك التاريخ‏,‏ وكان متوسط عدد تلاميذها‏400‏ تلميذ‏.‏

وفي طرة أقيمت أبنية حديثة لمدرسة الطوبجية‏(‏ المدفعية‏)‏ وكانت تطل علي النيل ما بين حلوان ومصر القديمة‏,‏ وكان الفضاء الذي يمتد خلف المدرسة إلي مرتفعات المقطم يستخدم للتدريب‏,‏ وتلاميذها يعدون للخدمة في الجيش البري أو الأسطول‏,‏ وألحق بالمدرسة مستشفي‏,‏ كما ألحق بها مطبعة خاصة تقوم بطبع المؤلفات التي تترجم من اللغات الأجنبية‏.‏وكان نصيب مصر القديمة مدرسة للمعادن والكيمياء‏,‏ غير أنها لم تعمر طويلا‏,‏ إذ اكتفي بمدرسة المهندسخانة لهذا الغرض‏.‏

أما الجيزة فكان نصيبها مدرستين‏:‏ مدرسة السواري‏(‏ الفرسان‏)‏ التي احتلت قصر مراد بك‏,‏ واستمرت في مكانها إلي ما بعد وفاة محمد علي‏.‏ وقد أنشئت علي غرار مدرسة‏'‏ سومور‏'‏ بفرنسا‏,‏ وكان تلاميذها يبلغون نحو‏400‏ وتتضمن مناهجها الفروسية والمبارزة والمناورات العسكرية‏.‏ أما المدرسة الثانية فمدرسة الموسيقي العسكرية التي أسست أولا بالخانقاه‏.‏ إذ كان متمما للتجديد الشامل في نظام الجيش المصري الذي استلزم تعيين فرقة موسيقية لكل آلاي‏,‏ وقد استقدم محمد علي موسيقيا أسبانيا حاذقا للتعليم‏.‏ وقد نجحت هذه المدرسة في مهمتها إلي حد كبير‏.‏

أما الأزبكية‏,‏ قلب العاصمة الجديدة التي أحالها محمد علي إلي بساتين يانعة فقد ميزها بوجود‏(‏ ديوان المدارس‏)‏ أو وزارة المعارف في ذلك العهد الذي تولي أمره أولا مصطفي مختار بك‏.‏ ثم أدهم بك‏.‏ وكان الديوان مقرا للمدير ووكيله ومساعديه الفنيين من مفتشين ومترجمين‏,‏ ومن إداريين للحسابات والتوريدات‏,‏ وكان ملحقا به مخزن للأدوات التي تحتاج إليها المدارس‏.‏ كان ديوان المدارس يحتل قصر الدفتردار في الأزبكية بالاشتراك مع مدرسة الألسن التي أنشئت في التاريخ نفسه وعين رفاعة بك ناظرا لها‏,‏ وهي إحدي المدارس الكبري التي أنشئت في ذلك العهد‏,‏ إذ كانت تؤدي رسالة كلية الآداب وكلية الحقوق في الوقت الحاضر‏,‏ بالإضافة إلي مهمة كبري هي ترجمة أمهات الكتب الأجنبية إلي اللغة العربية‏,‏ وكان يدرس بها من اللغات الشرقية‏;‏ التركية والفارسية‏,‏ ومن الغربية‏;‏ الفرنسية والإيطالية والإنجليزية‏.‏

وكانت شبرا لعهد محمد علي ريفا صميما‏,‏ فعمل علي توصيلها بالعاصمة بطريق زراعي فسيح أقام علي جانبيه الأشجار الظليلة‏,‏ وجعله ينتهي بحدائق بعيدة كانت تحتوي علي نادر الفاكهة والزهور والنباتات التي جلبها من آسيا وأوربا‏.‏ وأقام في وسطها قصره البديع‏.‏ وكان من نصيب شبرا بعد عمارتها هذه إنشاء مدرسة للزراعة استقدم لها بعض الأوربيين للتدريس فيها‏,‏ وقد ألحق بها مدرسة نموذجية تحتل نحو مائة فدان‏.‏ وفي الوقت الذي نقلت فيه مدرسة الطب من أبي زعبل إلي مكانها الجديد في قصر العيني‏,‏ نقلت مدرسة الطب البيطري إلي شبرا‏(‏ وقد أنشئت أصلا في رشيد‏)‏ لتكون علي مقربة من اسطبلات الحكومة‏,‏ وقد ألحق بها‏(‏ شفخانة‏)‏ لعلاج الحيوانات‏,‏ وكان تلاميذ هذه المدرسة يختارون من تلاميذ مدرسة الطب بقصر العيني‏.‏ وإذا استثنينا المدارس الحربية والبحرية والمدرسة التجهيزية بالإسكندرية‏,‏ ومدارس المبتديان في الأقاليم‏,‏ فإنه يمكن القول بأن القاهرة في عصر محمد علي كانت تضم جميع المدارس الحديثة‏.‏


http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8463













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Apr-2005, 02:33 PM   رقم المشاركة : 12
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

محمد علي الكبير‏(‏ ملف وثائقي‏)‏ الحلقة‏(7)‏
تنظيــــم شـــئون الجنـــوب
كاتب سوداني‏:‏ السودان كان مشيخات
أو سلطنات صغيرة علي رأس كل منها شيخ أو مك
بقلم : د‏.‏ يونان لبيب رزق


لم تتأثر الدراسات التاريخية‏,‏ سواء علي الجانب المصري أو الجانب السوداني‏,‏ بموقف سياسي بقدر ما تأثر الدور الذي لعبته مصر في السودان خلال عصر محمد علي‏,‏ إلي الحد الذي يجوز معه أن نميز بين مدرستين من أصحاب هذا الدراسات‏:‏

[blink]المدرسة الأولي‏:‏ [/blink]
من أنصار فكرة وحدة وادي النيل‏,‏ وهي المدرسة التي انتعشت بشكل ظاهر بعد التدخل البريطاني في العلاقات بين شطري الوادي في أعقاب احتلالها لمصر‏(1882),‏ وبعد أن شاركت في حكم السودان فور إسقاط الثورة المهدية‏,‏ وهي المشاركة التي تمت بمقتضي اتفاقية مشهورة‏(1899)‏ أملاها اللورد كرومر المعتمد البريطاني في القاهرة علي الحكومة المصرية‏,‏ وما تبع ذلك من تنفيذ حكومة لندن لسياسة مفادها تقطيع أوصال الوادي‏..‏ إلي شمال وجنوب‏,‏ وذلك من خلال خطة متعددة الجوانب‏,‏ يدفعها إلي ذلك قناعة أن التحكم في الشمال لن يتم إلا من خلال السيطرة علي مفاتيح الجنوب‏.‏

وفي مواجهة ذلك عمد أبناء هذه المدرسة إلي البحث في جذور العلاقات بين شمال الوادي وجنوبه‏,‏ وخلصوا إلي نتيجة مفادها أن محمد علي لم‏'‏ يغزو‏'‏ أو‏'‏ يضم‏'‏ أو‏'‏ يفتح‏'‏ الجنوب فيما روج له البعض‏..‏ كل ما فعله الرجل أنه أعاد‏'‏ تنظيم‏'‏ الجنوب الذي طالما كان من الوجهة الجغرافية والتاريخية والبشرية جزءا لا يتجزأ من مصر ويتوفر زخم من الكتابات السياسية التي تضخ في هذا الاتجاه‏,‏ بيد أن أكثر من عبر عنه بالبينة التاريخية كان الدكتور محمد فؤاد شكري في عمله الموسوعي تحت عنوان‏'‏ مصر والسودان‏-‏ تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر‏1820-1899'.‏

بيد أن أبناء هذه المدرسة قد أخذهم الحماس في بعض الأوقات في التدليل علي وحدة الوادي‏,‏ وكان أن وقعوا في خطأ استغله ساسة لندن‏,‏ من ناحية‏,‏ والساسة الذين تم اصطناعهم في العاصمة السودانية‏,‏ الخرطوم‏,‏ من ناحية أخري‏..‏ الخطأ الناجم عن استخدام مفردات القانون الدولي في إثبات هذه الوحدة‏,‏ عندما توقفوا طويلا عند قضية‏'‏ السيادة المصرية‏'‏ علي السودان دون التمسك بجملة الثوابت التي صنعتها الطبيعة أو أسهم فيها الإنسان‏,‏ وقد ألح الساسة المصريون في التمسك بهذا الخطأ‏,‏ الأمر الذي تكشفه جولات المفاوضات العديدة التي خاضوها مع الجانب البريطاني‏,‏ ثم الكتابات التاريخية التي ظهرت مع بعض تلك الجولات ومن أشهرها العمل الذي وضعه نفس المؤرخ‏;‏ الدكتور محمد فؤاد شكري‏,‏ تحت عنوان‏'‏ مصر والسيادة علي السودان‏'.‏

[blink]المدرسة الثانية‏:‏ [/blink]
وقد نشأت في أحضان كلية غوردن التي ظهرت إلي الوجود عام‏1903,‏ والتي كانت فيما بعد النواة التي قامت علي أساسها‏'‏ جامعة الخرطوم‏',‏ وهي المؤسسة التي سعت منذ بداية ظهورها أن تكون‏'‏ الحضانة‏'‏ التي تربي أجيالا جديدة من المثقفين السودانيين ثقافة غير عربية وغير إسلامية‏,‏ بكل ما يستتبع ذلك من انصراف تلك الأجيال عن التطلع إلي الشمال‏,‏ مصدر هذه الثقافة‏,‏ والنهل من مصادر أخري ذات طبيعة إنجليزية‏,‏ سواء بالبعثات التي أرسلت إلي الجامعة الأمريكية في بيروت أو إلي الجامعات البريطانية نفسها‏.‏

وقد قامت هذه المدرسة علي توصيف الوجود المصري في السودان‏'‏ بالاستعمار‏'‏ وإن ما فعله محمد علي في السودان لم يكن إلا‏'‏ غزوا‏',‏ ولم ير أبناء هذه المدرسة من وحدة شطري الوادي إلا كل ما هو سيئ‏,‏ حتي أن أحدهم وهو الأستاذ‏'‏ مكي شبيكة‏'‏ أسماها بفترة الحكم التركي‏,‏ ولم يكن حسن النية في هذا الاختيار‏,‏ فقد مارس بعض من الحكام المنحدرين من أصول تركية أسوأ الأساليب في حكم تلك البلاد‏,‏ وقدموها علي اعتبارها النموذج السائد في حكم السودان وقتئذ‏,‏ وقد نسوا في هذا حقيقة هامة وهي أن هؤلاء كانوا موجودين في مصر مثلما كانوا موجودين في السودان‏,‏ وأن المصريين في الشمال قد عانوا منهم بالقدر الذي عاني به أبناء الجنوب‏,‏ وربما أكثر‏!‏

وقد تباري أبناء المدرستين‏..‏ كل يسعي إلي إثبات ما ذهب إليه‏,‏ مستخدما في ذلك فعاليات التاريخ‏,‏ ووصل الأمر إلي أن وضع أحد المؤرخين المصريين المعاصرين‏,‏ الدكتور عبد العظيم رمضان‏,‏ مؤلفا تحت عنوان‏'‏ أكذوبة الاستعمار المصري في السودان‏',‏ فند فيه ما ذهب إليه أصحاب المدرسة الثانية‏,‏ مؤكدا علي أن الاستعمار في العصور الحديثة ظاهرة اقتصادية صنعتها حركة التطور الرأسمالي في غرب أوربا‏,‏ وأن مصر لم تعرف في أي وقت نموا رأسماليا يدفع بها إلي نفس الطريق الذي سارت فيه من قبل بريطانيا وفرنسا وهولندا‏,‏ خلال المرحلة التجارية من الاستعمار‏,‏ والتي أسميت بالـ‏Colonization,‏ أو الثانية التي نجمت عن الثورة الصناعية والتي عرفت بالإمبريالية‏Imperialism,‏ بل أنها كانت من ضحاياهما‏!‏

في عام‏1949‏ وحينما نشرت الأهرام ملفها الذي لا نزال نقلب في أوراقه‏,‏ كان الصراع بين المدرستين محتدما‏,‏ خاصة بعد الفشل المتكرر الذي عرفته المفاوضات المصرية‏-‏ البريطانية‏,‏ وكان من أهم أسبابه عدم الاتفاق حول موضوع السودان‏,‏ والمعلوم أنه في أكثر من مرة بعد أن كان يتم الاتفاق بين الجانبين علي أغلب الخلافات بقيت وحدة وادي النيل لتقف حجر عثرة في طريق إتمام الاتفاق‏,‏ لعل أشهرها جولة‏1930‏ المعروفة بمفاوضات النحاس‏-‏هندرسون‏,‏ وآخرها مفاوضات صدقي‏-‏ بيفن التي انهارت قبل شهور قليلة من نشر الملف الأهرامي‏,‏ ومن ثم لم يكن غريبا أن تسعي جريدتنا في اختيارها للأسباب التي دفعت محمد علي إلي الانحياز لأصحاب الرأي الأول‏,‏ والذي سعت أن تدلل عليه بمقالين‏;‏ أولهما لكاتب سوداني‏,‏ وهو الأستاذ يحيي الفضلي‏,‏ وكان من أبرز رموز الداعين لوحدة وادي النيل‏,‏ والثاني لكاتب مصري‏,‏ هو الدكتور محمد عبد المنعم الشرقاوي‏,‏ وهو أستاذ للجغرافيا‏..‏

المقال الأول‏:‏ محمد علي ووحدة وادي النيل بقلم يحيي الفضلي‏..‏ إن الصحائف التي دبجها رجال الفكر وأعلام البيان عن أمجاد ذلك البطل العظيم‏,‏ محمد علي الكبير‏,‏ والتي أفاضت في تعداد فضائله‏,‏ لم تسجل أثرا من آثاره في السودان‏,‏ وآياته الجمة عليه وعلي أبنائه‏..‏ولست في هذه العجالة بسبيل الإفاضة في الحديث عن محمد علي والسودان‏,‏ فقد سجل التاريخ أيادي محمد علي‏,‏ علي ذلك الشطر الجنوبي من وادي النيل بما لا يحتاج إلي إفاضة أو زيادة لمستزيد‏,‏ ولكني بسبيل أن أرمز إلي سفر ضخم قد لا تستوعبه البحوث المستفيضة‏,‏ وفاء لحق صاحب الذكري وعظيم أفضاله علي بلادي‏'‏ السودان‏'.‏

لعل من أكبر أفضال محمد علي باشا علي السودان هو كيانه ذو الحدود السياسية الحاضرة‏,‏ فلقد برز السودان لأول مرة في التاريخ الحديث بحدوده الحالية من صنع محمد علي‏,‏ فإلي ما قبل عهده لم تكن لتنتظم السودان وحدة سياسية ذات طابع موحد كما هو الشأن اليوم‏.‏ لقد قامت في غربيه سلطنة دارفور المستقلة عن باقي أجزائه استقلالا تاما‏,‏ كما قامت سلطنة الفونج‏'‏ السلطنة الزرقاء‏'‏ علي ضفتي النيل الأزرق‏.‏ وانتشرت في شماله دويلات صغيرة متفرقة‏,‏ مشيخات أو سلطنات صغيرة علي رأس كل منها شيخ أو مك‏(‏ علها مصغر ملك‏)‏ وكانت هذه السلطنات والمشيخات التي تقوم علي نظام الإقطاع العصبية والقبلية قد احتربت فيما بينها وتقاطعت وظلت المنازعات والغارات تتصل بينها ولا يخبو لها أوار حتي كادت تقضي علي الحرث والنسل‏.‏

وفي ذات عام‏-‏ وكانت الإصلاحات العظيمة التي قام بها محمد علي في مصر قد تردد صداها في السودان‏-‏ قصد أحد رؤساء تلك المقاطعات‏-‏ ولعله الشيخ ناصر مك المريغاب‏-‏ إلي الحجاز ليؤدي فريضة الحج‏,‏ وكان الشيخ ناصر مثقل الخاطر بما تنوء به بلاده من الفتن الداخلية والمنازعات بين قبائلها المختلفة‏,‏ ولا بد أن يكون قد اتجه إلي الله وهو يؤدي مناسك الحج‏,‏ أن يلهمه الصواب فيما عساه ينقذ البلاد مما تتردي فيه من أعاصير الفتن الجائحة‏.‏ ومهما يكن في الأمر من شيء فقد ذكر التاريخ أن الشيخ ناصر هذا لم يعد بعد فراغه من أداء فريضة الحج إلي السودان‏,‏ ولكنه أتي في صحبة الحجيج المصريين إلي مصر‏,‏ وحظي بمقابلة محمد علي باشا ودعاه في إلحاح أن يأتي إلي السودان ليؤلف بين مختلف قطاعاته تحت ظله‏,‏ وأن يفيء عليه بما فاء علي الشمال من ضروب الإصلاح والعمران‏.‏ هكذا سعي السودانيون إلي محمد علي طائعين مختارين‏,‏ مطالبينه أن يدخل السودان مع مصر في حظيرة واحدة‏,‏ هي حظيرة وادي النيل‏.‏

وكان من الطبيعي أن يستجيب محمد علي لمثل هذه الدعوة الطبيعية الحرة‏.‏ فإنه لما أخذ ينفخ في روح النهضة في مصر لتساير الوعي والحضارة العالمية‏,‏ وأخذ وادي النيل يتحرك للنهضة من جديد‏,‏ وما أشبه يقظة الأمم بيقظة النائم إذا ما شارفته تباشير الصباح‏,‏ فإنه يفتح عينيه يرنو بهما إلي مسارب الضوء‏,‏ ثم يحرك أوصاله‏,‏ ويتحسس أجزاءه لينهض‏,‏ وهكذا صنع وادي النيل بإرادة محمد علي‏,‏ فقد التفتت مصر‏,‏ وهي بمثابة الرأس لوادي النيل‏,‏ نحو أوربا لتقتبس من حضارتها ومدنيتها‏.‏ وتحسست أجزاءها في الجنوب استعدادا للنهضة القوية الحثيثة التي تتطلب تعبئة جميع الموارد وتجنيد جميع القوي‏,‏ ولم يتمنع السودان عن الإصاخة لداعي النهضة ولا تأخر عن الاستجابة‏,‏ بل هو الذي دعا وسعي‏.‏

ولنترك أحد المؤرخين يتحدث عن هذه الاستجابة حيث يقول‏:'‏ دخل إسماعيل باشا إلي السودان بين عاصفة الزغاريد وجلبة المهنئين وتقديم الضيافة‏,‏ وسار سير السائح لا سير الفاتح لم يشهر في وجهه سلاح‏,‏ ولا وقف السودانيون موقفا عدائيا أمام مصر‏,‏ وخصه زعماء العشائر بالحفاوة ورافقوه إلي دخول سنار‏'.‏

وأحب لهذه المناسبة أن أخص بالذكر الرجل العظيم الذي وضع التصميم الأول لدولة وادي النيل في التاريخ الحديث‏,‏ فإذا بها تتاخم في الشمال البحر الأبيض المتوسط‏,‏ وفي حدودها الشرقية البحر الأحمر‏,‏ ولم تفت عليه أهمية الأسطول البحري لحماية أطراف المملكة البحرية الشاسعة‏,‏ فكان للأسطول في عهده شأن أي شأن‏,‏ مما استثار حفيظة الدول الغربية المتربصة بالشرق ونهضته‏,‏ فكانت المؤامرة الدنيئة التي مني بها أسطولنا في‏'‏ نفارينو‏'.‏

وأحب لمناسبة هذه الذكري المجيدة‏,‏ ولما تركه في نفوسنا ذلك العرض المشرف الذي قام به الجيش المصري‏,‏ أن أتقدم إلي شعب وادي النيل مقترحا أن يتبرع الشعب في الشمال والجنوب بإنشاء بارجة حربية هدية إلي الجيش المصري بمناسبة الذكري الخالدة تسمي‏'‏ محمد علي الكبير‏'‏ تضاف إلي السلاح البحري نواة الأسطول العتيد الذي سيدفع عن الحدود البحرية لمملكة وادي النيل المتحدة بين مصر والسودان تحت تاج الفاروق المفدي‏,‏ أعزه الله‏!!‏

‏-‏ الملاحظ أن كاتب المقال وهو سوداني من المنحازين لفكرة وحدة وادي النيل قد ذهب بعيدا في درجة انحيازه إلي الحد الذي أغفل فيه أي جانب يتناقض مع هذه الفكرة‏,‏ ثم أنه من ناحية أخري قد خرج أحيانا عن الموضوع ليقفز إلي وقت كتابة المقال‏,‏ فيما فعله في الفقرة الأخيرة مما أضفي عليه المسحة السياسية‏.‏

[blink]المقال الثاني‏:‏ الروابط الاقتصادية والتجارية بين مصر والسودان في عهد محمد علي للدكتور محمد عبد المنعم الشرقاوي[/blink]

إذا كان المؤرخون قد اختلفوا فيما بينهم فيما يتعلق بتاريخ الأسباب والبواعث التي دفعت ساكن الجنان محمد علي باشا الكبير إلي الاتجاه صوب الشطر الجنوبي من الوادي‏,‏ فإن الجغرافيين يكادون يتفقون علي أنه‏,‏ أيا كانت هذه العوامل والدوافع‏,‏ فإن النتائج التي ترتبت علي هذه الخطوة المباركة‏,‏ تمثل صفحة جديدة في حياة القطر الشقيق‏,‏ خير ما يمكن أن توصف به أنها بدأت تظهر‏,‏ لحسن الحظ‏,‏ بصورة لا تقبل الجدل‏,‏ ولا يمكن أن يرقي إليها الشك‏,‏ مقدار ارتباط شطري الوادي بعضهما ببعض‏-‏ وتؤكد الحقيقة التاريخية الثابتة‏,‏ وهي أن مثل هذا الارتباط بين القطرين الشقيقين قديم العهد‏,‏ وقد كان النيل الذي يجري في أرضهما خير صلة طبيعية للربط بينهما‏,‏ وإذا كانت الصحراء علي جانبيه قد تعمل علي الفصل بينهما في بعض النواحي‏,‏ فإن هذا الفصل لم يكن كاملا‏.‏

ولم تحل الصحراء في أي عصر دون عقد هذه الصلة المباركة بل يرجع إليها الفضل في فرض نوع من التنظيم الدقيق لطرائق الارتباط في صورة خطوط طبيعية معينة‏,‏ كانت تتبعها طرق القوافل في العادة‏,‏ كما أن طريق البحر الأحمر لعب دورا هاما في تاريخ الوصل بين القطرين الشقيقين‏.‏

ويمكن القول أن علاقات الارتباط بين القطرين قد تنوعت وتشعبت حتي أنها ظهرت في صور وأشكال شتي‏,‏ إذ كانت تارة تبدو ذات صبغة سياسية‏,‏ وأخري ذات طابع تجاري أو ثقافي بحت‏.‏

ويلوح للباحث أنه إذا كانت العلاقات السياسية بين القطرين‏,‏ أو علي الأصح بين مصر والسودان الشمالي قد أصابها الضعف والوهن منذ العصور الوسطي‏,‏ غير أن ذلك الضعف لم يأخذ طريقه إلي العلاقات التجارية الوثيقة التي ظلت قائمة طوال هذا العهد‏,‏ وإن كانت قد تأثرت لدرجة ما‏,‏ تبعا للصورة التي كانت عليها الظروف السياسية الزائدة‏,‏ ومن هنا كانت تنشط أحيانا‏,‏ أو يصيبها الهزال‏,‏ ويفرض عليها الانكماش الملحوظ في بعض الفترات الأخري‏.‏ ولكن يجمل بنا أن نذكر أنها في كلتا الحالتين‏,‏ قد استطاعت أن تبقي علي مظاهر الارتباط والاتصال بين الإقليمين‏,‏ وبخاصة في شئون التبادل التجاري‏.‏

ومن الطبيعي بعد ظهور محمد علي علي مسرح السياسة في الشطر الشمالي من الوادي أن تبدأ مرحلة جديدة في العلاقات بين مصر والسودان‏,‏ ذلك أن عاهلنا العظيم قد هداه منطقه السليم إلي تضمين سياسته العامة أمر إعادة الارتباط السياسي حتي يضع القواعد والأسس لإقامة صرح العلاقات التجارية والثقافية في صورتها الجديدة التي ارتضاها لتؤدي أفضل الخدمات للطرفين‏.‏

وليس من شك أن محمد علي‏,‏ بعد أن انتهي من تنظيم شئون الحكم والإدارة‏,‏ ذلك التنظيم الذي أقامه علي اعتبار أن الشقيقين يمثلان في الواقع قطرا واحدا مندمجا‏,‏ وأن نظرته إلي السودان ما كانت تختلف عن نظرته إلي أية مديرية من مديريات القطر المصري ذاته‏,‏ الأمر الذي يمكن اعتباره عظيم الأثر في حياة السودان الحديثة‏,‏ وبدء مرحلة خروجه من ذلك الظلام الحالك الذي كان مخيما في عهود الفوضي والاضطراب التي سبقت إلي نور التقدم وسبيل الحضارة وطريق العمران‏.‏

وقد أراد محمد علي للسودان ما أراده لمصر ذاتها من حيث وضع الأساس لقيام حكومة صالحة تسهر علي الأمن وتوفر للسكان سبل العيش‏,‏ عن طريق إنعاش الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة‏,‏ وكذلك بفضل تنمية موارد التجارة‏.‏

وإذا كانت سياسة محمد علي تقوم علي أساس اعتبار مصر والسودان قطرا طبيعيا كبيرا يتكون من وحدتين عظيمتين متحدتين مندمجتين‏,‏ فإن ذلك الاتجاه السليم كان معناه تطبيق مبدأ‏'‏ الاكتفاء الذاتي‏'‏ الذي سبق له اختياره بالنسبة لمصر‏,‏ ويترتب علي هذه السياسة الاقتصادية أن يتعاون الشطران فيما بينهما بحيث يقدم السودان إلي مصر ما يفيض عن حاجته من موارده الاقتصادية المتنوعة وأن تقدم مصر الفائض من مواردها لسد حاجة السودانيين‏,‏ وفي الوقت ذاته‏,‏ كان الأخذ بمبدأ الاكتفاء الذاتي كفيلا باتباع سياسة قوامها تعمير القطرين وتحسين أحوالهما حتي يتيسر استثمار مواردهما الطبيعية‏,‏ زراعية كانت أو رعوية أو غابية أو صناعية‏,‏ وبالتالي كان من الضروري لنجاح هذه السياسة الاقتصادية المستحدثة‏,‏ أن يشمل التنظيم جميع الأمور التي ترتبط بالأمن والنظام وفرض الضرائب‏,‏ وكل ما من شأنه زيادة الاستقرار وإشاعة الرخاء وتشجيع إقبال الأهلين علي العمل والإنتاج‏.‏

هكذا كانت سياسة محمد علي في الشطر الجنوبي من الوادي‏,‏ ترمي إلي العمل بكل الوسائل علي تنشيط التبادل التجاري في أكبر مساحة ممكنة من ربوع السودان المترامية‏,‏ وحتي يمكن أن يشترك أكبر عدد من السودانيين في عمليات التجارة‏,‏ وقد استمدت كثيرا من وسائل الترغيب والتشجيع‏,‏ وفي الوقت ذاته أخذ يجاهد لتيسير جميع الوسائل التي تضمن نجاح المبادلات التجارية علي نطاق واسع‏,‏ وبخاصة توجبه عناية كبيرة نحو وسائل المواصلات‏,‏ إذ كل نجاح تجاري يتطلب أولا أن يصبح النقل ممكنا كوسيلة مضمونة حتي يتسني وصول السلع السودانية إلي حيث يكثر الطلب عليها‏.‏ وهذا يفسر العناية الفائقة التي بذلها محمد علي ورجاله لدعم سياسة الارتباط السياسي بين القطرين الشقيقين برباط آخر يستند إلي صلات تجارية واقتصادية وثيقة‏.‏

ومما يجمل ذكره أن المرحلة الأولي من هذه السياسة الاقتصادية التجارية الحديثة‏,‏ شهدت إطلاق الحرية للتجار الذين كان في مقدورهم تسويق الحاصلات السودانية في ظل رقابة قائمة لتنظيم الأسعار لجميع السلع التي تدخل التجارة بين القطرين‏,‏ غير أن المرحلة التالية وجدت محمد علي يأخذ بسياسة تجارية احتكارية لبعض السلع السودانية الهامة مثل الصمغ والسنامكي وسن الفيل وريش النعام والمواشي والجلود‏,‏ وكان محمد علي شديد العناية بكل وسائل زيادة الإنتاج المحلي بصفة عامة‏,‏ كما أنه كان يحدد أسعار البيع لهذه السلع سواء حيث يراد استهلاكها محليا أو تصديرها إلي الخارج‏.‏

وقد شملت عناية محمد علي‏,‏ في سبيل تشجيع هذا الارتباط التجاري الاقتصادي‏,‏ إعداد الوسائل حتي يتحقق النجاح علي خير وجه‏,‏ ولهذا كله أقيمت المخازن الرئيسية ونظمت وسائل النقل ووجهت عناية فائقة لتيسير النقل بطريق القوافل‏,‏ بفضل حفر الآبار في نقط مختارة علي طول هذه الطرق‏,‏ وحراستها حراسة جيدة‏.‏ أما فيما يتعلق بالنقل المائي‏,‏ فإن سياسة إنشاء الترسانات لصنع أكبر عدد من المراكب اللازمة لتيسير النقل المائي‏,‏ كان معناها خلق صناعة جديدة في السودان تستثمر موارد الأخشاب المحلية الجيدة الوفيرة‏,‏ وفي الوقت ذاته إيجاد وسيلة أخري يمكن أن تؤدي خدمات جليلة للمبادلات التجارية بجانب طرق القوافل التي يمكن اعتبارها الوسيلة الرئيسية للنقل في هذا العهد‏.‏

ولم تقف عناية محمد علي عند هذا الحد‏,‏ بل شملت أمور تنظيم النقد حتي تسهل عمليات التبادل التجاري ويختفي عنصر المنازعات والاختلافات التي كثيرا ما ترتب عليها إفساد العلاقات بين المنتجين السودانيين والمشترين‏,‏ مما كان يؤدي في كثير من الأحيان إلي عرقلة التجارة واضطرابها وعدم استقرارها‏.‏ كذلك كان الاهتمام بتنظيم العلاقات التجارية بين السودان وجيرانه في الشرق والغرب‏.‏

ولما حلت المرحلة الثالثة ابتداء من سنة‏1848‏ وقضي علي السياسة الاحتكارية التي كانت سائدة ووضعت سياسة جمركية جديدة بعد إطلاق الحرية للتجارة‏,‏ كان من الطبيعي أن تشكل السياسة الجديدة بحيث تؤدي إلي آخر النتائج‏,‏ وظلت جمارك أسوان وكورسكو وأسيوط تقوم بوظيفتها حتي آخر عهد محمد علي لتنظيم التجارة بين القطرين‏,‏ كما كانت هناك جمارك في مصوع وسواكن وغيرها من مواني البحر الأحمر لتنظيم التجارة العابرة في هذا الطريق‏.‏

وقد أثمرت سياسة محمد علي الخاصة بتحسين الإنتاج الصناعي في السودان وتنويعه‏,‏ واتسع تبعا لذلك‏,‏ نطاق التبادل التجاري كلما كثرت السلع وتنوعت‏,‏ وهذا يفسر سياسته في تشجيع السودانيين علي توسيع رقعة الأراضي المزروعة وإدخال كثير من الفنون الاقتصادية الجديدة‏,‏ ونذكر هنا علي سبيل المثال إدخال زراعة النيلة وتعليم الأهالي خير طرائق زراعتها واستثمارها‏,‏ كذلك إدخال زراعة القطن‏,‏ وبذل النصح والإرشاد لاستغلال موارد الغابات السودانية الجيدة‏,‏ بجانب عنايته بالمنتجات الحيوانية‏,‏ وتحسين نسلها ونوعها بقصد الحصول علي خير أنواع الصوف سواء أكان للاستهلاك المحلي أم للتصدير إلي الخارج‏.‏

هكذا كانت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والسودان في عهد محمد علي‏,‏ وكانت الفائدة مزدوجة‏,‏ أصاب الطرفان منها الشيء الكثير من النفع الجزيل‏,‏ ذلك أن السلع السودانية المصدرة إلي مصر‏,‏ كان يقابلها تجارة تامة قوامها السلع المصرية التي تشتد حاجة السودان إليها وتشمل المواد الغذائية‏.‏ وقد كان الأرز المصري يكثر تصديره إلي السودان علي الرغم من المحاولات العديدة التي أراد بها محمد علي إدخال زراعته في البيئات السودانية المناسبة كما كانت البذور النباتية والتقاوي المختارة‏,‏ والآلات الضرورية للأعمال الزراعية كالمحاريث مثلا من أهم ما كان يصل إلي الشطر الجنوبي من شقيقه في الشمال‏.‏

كذلك كان يرسل الملح المصري ليدخل صناعة تمليح الجلود ودبغها حتي يمكن الانتفاع بها علي خير وجه‏,‏ وفي النهاية كانت مصر تقدم إلي السودان كل ما يمكن أن يسد حاجة ماسة أو ينفع في زيادة الإنتاج الزراعي أو الغابي أو الصناعي‏,‏ ويضاف إلي هذا كله ما كانت تصدره مصر من السلع المصنوعة وبخاصة المنسوجات المتنوعة‏.‏

وعلي هذا النمط سارت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والسودان وكان محمد علي وضع قواعد الارتباط الوثيق المتين بين القطرين الشقيقين‏,‏ ولم يقصر جهوده علي الناحية السياسية بل كانت النواحي الاقتصادية والتجارية والثقافية والحضارية تجد من عنايته الرشيدة ما جعل الحياة في القطرين أشبه بالوحدة الكبيرة التي يكمل بعضها البعض الآخر‏.‏ وهكذا أراد محمد علي للسودان ما أراده لمصر ذاتها‏.‏ ولم تختلف وسائله ومن ثم تشابهت النتائج في كلتا الحالتين‏.‏

‏-‏ ملاحظتان حول هذا المقال الذي وضعه أستاذ الجغرافيا المصري‏,‏ الأولي‏:‏ أنه بحكم‏'‏ الصنعة‏'‏ لم يقترب من التاريخ إلا فيما ندر‏,‏ وقد نجح بذلك في تخطي أية قضايا خلافية‏,‏ فالجغرافيا من الثوابت التي يتعذر الاختلاف حولها‏,‏ والثانية‏:‏ أنه عندما كان يقترب من قضية تاريخية فقد كان يأخذها من‏'‏ شواشيها‏'‏ مثلما حدث عندما اعتبر عام‏1848‏ نقطة النهاية لنظام الاحتكار‏,‏ فالمعلوم أن بداية النهاية جاءت قبل ذلك بعشر سنوات‏(‏ بالطة ليمان‏1838)‏ وأنه لم ينته فعلا إلا في عهد عباس الأول خليفة محمد علي‏.‏



http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8470












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 05-May-2005, 03:03 PM   رقم المشاركة : 13
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

محمد علي الكبير‏(‏ ملف وثائقي‏)‏ الحلقة‏(8)‏
رجل العرب المرتقب‏!!‏
محمد رفعت‏:‏ لا يختلف ما قام به محمد علي
عما قام به بطرس الأكبر أو نابليون بونابرت‏!‏
محمد علي‏:‏ أول من ألف جيشا من العناصر العربية فجند منهم عشرات الألوف
بقلم : د‏.‏ يونان لبيب رزق


بقي الخلاف قائما بين المعنيين بتاريخ مصر الحديث حول الأهداف البعيدة للحروب التي خاضتها مصر ضد الدولة العثمانية خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر‏,‏ إذ بينما رأي البعض‏,‏ علي رأسهم الأستاذ شفيق غربال في كتابه عن محمد علي الكبير‏,‏ أن باشا مصر المرموق قد استهدف من وراء تلك الحروب دعم حركة الإصلاح داخل الدولة‏,‏ ومواجهة الأطماع الأوربية التي أخذت تحدق بها علي اعتبارها‏'‏ رجل أوربا المريض‏',‏ نظر آخرون إلي القضية من زاوية مختلفة تقوم علي أن باشا مصر‏,‏ إنما كان يسعي في النهاية إلي فصل ولايات الدولة‏(‏ العربية‏)‏ لتشكل إمبراطورية مستقلة تحت حكمه‏.‏

ونري أن هذا الخلاف قد اتخذ أبعادا جديدة بعد قيام جامعة الدول العربية عام‏1945‏ مما قوي أصحاب الرأي الثاني‏,‏ ومن ثم كان من الطبيعي أن تفسح الأهرام في هذا العدد التذكاري‏,‏ الصادر عام‏1949,‏ مساحة لهؤلاء ممن رأوا في محمد علي‏'‏ رجل العرب المرتقب‏.‏

وذلك في مقالين لاثنين من كبار المؤرخين‏,‏ محمد رفعت بك والدكتور عبد الحميد البطريق‏,‏ نسوق فيما يلي نصيهما‏:‏

[blink]الأستاذ محمد رفعت بك‏:‏ محمد علي ونهضة العرب‏:‏[/blink]
من مذكرات نابليون بونابرت وهو في المنفي أنه قال‏:'‏ إن الأقاليم التي تخضع للدولة العثمانية ويتكلم أهلها باللسان العربي لتنادي من صميم قلبها تريد إحداث انقلاب عظيم‏,‏ وإنها لتنتظر رجلها‏'.‏ وقد حاول بونابرت نفسه وهو في عنفوان دفعته الأولي نحو الشرق أن يكون هو ذلك الرجل الذي تنتظره شعوب العرب فاصطحب معه في حملته إلي مصر مجموعة نادرة من العلماء والمستشرقين‏,‏ وأحضر معه مطبعة بحروف أوربية وأخري عربية جاء بها خصيصا من روما وأخذ يصدر منشوراته في مصر ويطبعها بذلك الأسلوب العربي السقيم الذي كان يستعمله الناس حينذاك حتي شيوخ الأزهر أنفسهم‏.‏

ثم أنشأ ديوانا وطنيا للحكم ألفه في أول الأمر من الشيوخ الوطنيين وجعل يولي المصريين بدلا من الأتراك مختلف أعمال الحكومة وفي مقدمتها ولاية القضاء‏.‏ ولكن هذا كله لم يفد منه بونابرت كثيرا فما كاد يخرج بحملته علي سوريا حتي وقف أمام حصن عكا المنيع‏,‏ وكانت القوات البحرية الإنجليزية تظاهر الحصن من جهة البحر فارتد بونابرت مرة بعد مرة حتي لم ير أخيرا محيصا عن الجلاء لا عن عكا وحدها بل عن مصر والميدان الشرقي كله‏,‏ وانسل ذات ليلة سرا إلي فرنسا تاركا الشعوب العربية تنتظر رجلها المرتقب‏.‏ ولم يكن هذا الرجل سوي محمد علي الكبير‏.‏

وليس من شك أن محمد علي قد ورث فيما ورث عن نابليون في مصر فكرة إنهاض العرب ومحاربة التبعية التركية وذلك بخلق روح عربية فتية تساير السلطان التركي في أول أمرها ثم لا تلبث أن تناهضه وتظهر عليه في النهاية‏.‏ وكانت تركيا إذ ذاك‏'‏ الرجل المريض‏'‏ كما كانوا يطلقون عليه في حالة من الضعف والارتباك والتدهور دعت دول أوربا الكبري إلي عقد‏'‏ استشارات‏'‏ ديبلوماسية دورية فيما بينها للبحث في حالة المريض ومصير ممتلكاته في أوربا بعد وفاته‏.‏

وكان من أثر هذه الاستشارات الفردية أو الجمعية أن تدخلت الدول فعلا وأجرت للمريض عملية البتر لأكثر من عضو في جسمه‏.‏ فقد ساعدت أولا علي فصل اليونان‏,‏ ثم تدخلت روسيا فكسبت لرومانيا الحديثة استقلالها الذاتي‏.‏ ورنت فرنسا ببصرها فوجدت في شمال إفريقية عضوا أشل مواجها لسواحلها فلم تتردد في بتره وضمت إليها بلاد الجزائر لتكون قاعدة تثب منها في المستقبل شرقا وغربا حتي يصبح البحر الأبيض المتوسط بحيرة شبه فرنسية‏.‏ لذلك كان طبيعيا أن يعمل محمد علي‏,‏ وهو السياسي العبقري الحصيف‏,‏ علي إنقاذ البلاد العربية المجاورة لمصر والسودان وذلك بأن يؤلف من هذه البلاد وحدة تمتاز عن باقي أملاك تركيا بخصائص جنسها وتقاليدها ولسانها العربي المبين‏.‏

وقد يظن البعض أننا باستعمالنا كلمة الوحدة العربية في مقام الكلام عن محمد علي إنما نحمل الألفاظ أكثر من مدلولها‏,‏ إذ كان الشعور الديني أو المذهبي لا الشعور الوطني القومي هو الذي يسيطر علي عقول الناس وأفكارهم‏.‏ ولكن المصلحين العباقرة من أمثال بطرس الأكبر وبونابرت ومحمد علي وكمال أتاتورك لا يقفون مكتوفي الأيدي أمام صمت الأهالي وجمودهم وعدم مسايرتهم لروح الزمن وحاجاته‏,‏ إنهم يسبقون أزمانهم عادة ويقيمون من النظم ويحققون من الآراء والإصلاحات ما قد يستعصي علي الناس فهمها واستساغتها في أول الأمر‏..‏

ولا يختلف ما قام به محمد علي نحو مصر والشرق العربي في جوهره عما قام به بطرس الأكبر نحو روسيا من تمدينها ومد حدودها غربا وجنوبا‏,‏ أو ما قام به نابليون بونابرت في فرنسا وأوربا عامة‏,‏ غير أن من الناس من يقول أن محمد علي وابنه إبراهيم الذي كان ساعده الأيمن في تنفيذ مشروعه العربي لم يكونا من عنصر عربي ولم يتكلما باللغة العربية إلا قليلا فكيف كان يرجي لمشروعهما نجاح وهما عنه غريبان‏,‏ والحقيقة أن المذاهب والخطط السياسية العامة لا يشترط لنجاحها بين الناس أن يكون الداعون إليها متفقين والأهالي في الجنس أو اللغة أو الدين‏,‏ فخليفة المسلمين العثماني لم يكن عربيا حين كان سلطانه الروحي يمتد علي سائر البلاد العربية والإسلامية‏.‏

علي أن محمد علي كان قد وضع حدا فاصلا لجنسيته عندما قرر أن يتبني أرض مصر ويبني لها ولنفسه ولأسرته مركزا عاليا ومجدا موئلا‏,‏ وحين أرسل فوافته أسرته وأتاه قبل ذلك ابنه إبراهيم‏,‏ وهو في سن المراهقة‏,‏ فاكتملت نشأته ورجولته تحت سماء مصر‏,‏ وتأدب فيها بأدب القرآن الكريم واللغة العربية‏,‏ فما لبثت شمس مصر المشرقة أن دمغت إهابه وحولت دمه‏-‏ علي حد قوله‏-‏ إلي دم مصري صميم‏.‏

علي أنه لم يخدم قضية العرب‏,‏ سواء في مصر أو بلاد الشرق الأوسط عامة‏,‏ أمير أو رئيس أو ملك بمثل ما خدمها به محمد علي وابنه إبراهيم‏.‏ ويكفي أن يكون محمد علي هو أول من ألف جيشا في العصور الحديثة من العناصر العربية‏,‏ فجند منهم عشرات الألوف وسار بهم ابنه إبراهيم إلي مختلف الميادين حاملين ألوية النصر فوق هاماتهم من صقع إلي صقع حتي شغلت أوربا بأنباء الجيش المصري العربي وبحركات الأسطول المصري العربي‏.‏ ولقد جنت الفكرة العربية في مصر وسائر بلدان العرب من وراء ذلك فوائد أدبية وقومية لا تقدر‏,‏ فالجيش كان عنوان الوحدة القومية يخدم فيه المسلم والقبطي أو المسيحي والمصري والسوري والحجازي والسوداني جميعهم علي قدم المساواة‏.‏

وأوجد الجيش في هذه الأرجاء جميعا روحا نظامية قومية لا عهد للشرق بها منذ قرون وبذلك قضي علي حال الذل والمسكنة التي شقي بها أهل البلاد طوال القرون التي سبقت محمد علي‏.‏


وكما كانت جيوش نابليون تبذر في أثناء فتوحها في أوربا بذور مبادئ الثورة الفرنسية وتعلن حقوق الإنسان في الحرية والإخاء والمساواة كذلك كان محمد علي يحرص كنابليون علي تزويد حملاته بالخبراء والعلماء‏.‏ وكان رجاله إذا حلوا بإقليم جديد ألغوا فيه الفوارق وامتياز الطبقات ووحدوا الضرائب وساووا بين المذاهب الدينية وجعلوا نصب أعينهم تأمين الناس علي حياتهم وأملاكهم ونشر التعليم بين جميع الطبقات‏.‏ وإذا عرفنا أن نفوذ محمد علي قد شمل بلاد الشام ولبنان وفلسطين وشبه جزيرة العرب والسودان فضلا عن جزيرة كريت وإقليم أطنه في الأناضول‏,‏ أدركنا إلي إي حد يعتبر العالم كله مدينا للعاهل الكبير الذي غرس شجرة المعرفة والحرية في تربة الشرق العربي لأول مرة في العصر الحديث‏.‏

وكأن القدر قد أتاح للرجل الذي خلق مشروع الوحدة العربية أن يستنبت الفكرة في بيئتها ويأتي البيوت من أبوابها فكانت بلاد العرب أول ما اتجهت إليه همة محمد علي في سبيل نشر سلطانه وإعلاء كلمة العرب‏.‏ لقد أرسل الباب العالي بعد فشل قواته مرارا يكل لمحمد علي إخضاع الحركة الوهابية‏.‏ وقد استمر النضال قرابة ثمانية أعوام انتهت باستسلام الوهابيين وضياع سلطانهم السياسي ردحا من الزمن‏.‏ أما حركتهم الروحية فلم تضعف‏.‏

ولا بد أن يكون محمد علي قد جعل من استيلائه علي مكة والمدينة وعلي جزيرة العرب عامة أقوي سند وأدمغ حجة لتأييد حقه في زعامة العرب ضد الترك‏.‏ حتي إذا دانت له بلاد العرب وصارت كلمته في البحر الأحمر هي العليا اتجهت جهوده بطبيعة الحال جنوبا نحو السودان ليصبح البحر الأحمر بحيرة عربية مصرية‏,‏ وإذا كانت الدولة العثمانية لم يمتد نفوذها في هذه البلاد الجنوبية الواسعة إلا علي بعض الثغور مثل سواكن ومصوع‏,‏ فإن محمد علي لم يتوان عن إدراك ما تقاعست عنه همة تركيا‏,‏ فكان أن تم له فتح بلاد السودان في قلب إفريقية حتي الحدود المعروفة في ذلك الوقت واستأجر الثغور العثمانية علي البحر الأحمر فأتاح بذلك صيتا بعيدا لمصر وللنفوذ العربي إذ كان أهل البلاد من النيل الأبيض إلي دنقلة جلهم من المسلمين الذين ينتسبون إلي العرب وكان من الطبيعي أن يعمل محمد علي علي وصل هذه البلاد بمصر ووضعها داخل المجموعة العربية الناشئة‏.‏

وكما كان لجيش محمد علي أثره العظيم في بعث الروح القومية بين الشعوب العربية كذلك كان إنشاء الأسطول المصري بمثابة إيذان للعالم بأن القوة التي خلقها محمد علي في الشرق قد تهيأت لأن تقتحم ميدان النشاط الدولي في السياسة والتجارة‏,‏ وأن السيادة في شرق البحر المتوسط توشك أن تنتقل من أيدي بحارة اليونان الثائرين المدربين الذين دوخوا الأتراك وأججوا ضدهم لهيب الثورة من جوف جزر بحر ايجه عدة سنوات‏.‏

وفعلا ما كاد أسطول مصر الأول يبرح الإسكندرية بقيادة إبراهيم الفاتح ومعه صهره القائد البحري محرم بك حتي أنفذوا خطتهم في احتلال جزيرة كريت والسيطرة علي بحر ايجه ونزلت الحملة المصرية بأرض المورة فأسقط في يد الثوار وأخذت حصونهم وقلاعهم تسقط واحدة تلو الأخري حتي خيف أن يقضي العرب علي سلالة الإغريق القدماء في أرض هيلاس صاحبة الفضل الأول علي مدنية أوربا الحديثة‏.‏ لذلك تدخلت الدول إلي جانب اليونان وانسحبت قوات محمد علي من المورة وهو جد ناقم علي السلطان ساخط علي رجاله أشد السخط‏.‏ ولأول مرة في تاريخه أملت عليه حكمته السياسية أن يلتزم الحيدة ويأبي معاونة السلطان في حربه ضد روسيا‏,‏ فكان هذا مقدمة للصراع الذي نشب بينه وبين السلطان واستمر نحو ثمانية أعوام‏.‏

وكان صراعا بين جنسين وفكرتين‏,‏ وبين أسرتين وعاصمتين‏,‏ بين الشعوب العربية المغلوبة المتحفزة وبين السلطان العثماني المتعجرف‏.‏ بين استنبول عاصمة الأتراك العثمانية وبين القاهرة حاضرة الشرق العربي ومنبر الأزهر ومثوي الخلفاء وعاصمة الخديويين‏,‏ بين فكرة القومية العربية الناهضة وبين فكرة التتريك والركود داخل البناء التركي المتخاذل المتداعي الذي يوشك أن ينهار في أي وقت علي أصحابه واللائذين به‏,‏ وقد زاد من عنف الصراع وقوته أن المتنافسين كانا يقاتلان من أجل السيطرة في الشرق كله‏.‏

هل يبقي الترك في الشرق حاكمين مسيطرين أم ينهض العرب من سباتهم ويمتشقون الحسام ضد سادتهم حتي إذا كتب لهم النصر حطموا أغلال تبعيتهم العثمانية وقرروا مصائرهم بأنفسهم‏.‏ وقاد إبراهيم حركة التحرر القومية برا وبحرا في صميم بلاد المشرق‏,‏ فما لبثت أن سقطت غزة ويافا وبدئ حصار عكا وفي أثناء ذلك استولت القوات المصرية علي القدس وطرابلس وبيروت ثم سقط حصن عكا في مايو سنة‏1832,‏ وكان لسقوطه دوي نبه العقول من غفوتها فقام الناس من كل حدب يرحبون بالجنود المصريين أينما حلوا‏,‏ وجعلت المدن والقلاع تنافس بعضها في فتح أبوابها واستقبال كتائب التحرير القومية علي حين كان القواد الأتراك يهرعون خارج المدن والحصون فرارا من غضب الشعب ونقمته‏.‏ وعند ذلك تدخلت الدول رغم انشغالها بثورة سنة‏1830‏ في أوربا فناصرت الدول محمد علي خشية انفراد روسيا بالتدخل لحماية السلطان‏.‏

وعلي ذلك امتد حكم محمد علي حتي شمل سوريا ولبنان وفلسطين وأصبح هو الحاكم المتصرف في دولة عربية واسعة النطاق يحدها الخليج الفارسي شرقا وكريت غربا وجبال الطوروس شمالا إلي أعالي النيل الأبيض جنوبا‏,‏ وسنحت بذلك فرصة دعم فيها محمد علي حركة النهضة العربية في جميع هذه الأرجاء‏.‏ولكن الدول ما لبثت أن فرغت من آثار ثورة سنة‏1830‏ وعاد سلطان تركيا يبغي الانتقام‏.‏ فقام الصراع مرة ثانية بين الترك والعرب وعادت آلهة النصر تتوج هامات إبراهيم وجنده بأكاليل الظفر‏.‏ ولكن بريطانيا ومعها سائر الدول عدا فرنسا كانت لمحمد علي بالمرصاد فلم يكن يرضيها أن تقف مصر عقبة في طريقيها إلي الهند‏-‏ أعني طريق السويس وطريق الفرات وخليج العجم‏-‏ فصممت علي أن ترتد قوات محمد علي داخل مصر والسودان‏.‏ وبذلك عاد العالم العربي إلي غطيطه القديم تحت الحكم العثماني قرابة قرن آخر من الزمان‏.‏

دكتور عبد الحميد البطريق‏:‏ من تاريخ مصر المجهول‏-‏ محمد علي وغزو العراق‏:‏
كان العراق آخر حلقة من سلسلة البلاد العربية التي كان محمد علي يرنو إلي إدماجها في ملكه العربي الكبير‏.‏ ومنذ أن استتب له الأمر في الحجاز ولم يأل جهدا في تتبع أخبار العراق والاهتمام بشئونها إذ كان يعلم مبلغ ما تردت فيه ولاية بغداد من سوء الحكم وضعف الإدارة وبؤس السكان وطغيان الحكام في عهد واليها علي باشا‏.‏

ففي الوقت الذي كانت الجيوش المصرية تتقدم في السودان شرقا وغربا نحو جنوب الوادي‏,‏ كان محمد علي لا يغفل لحظة عن تتبع أخبار الشرق العربي‏,‏ حتي أنه أرسل في أواخر عام‏1821‏ إلي محافظ المدينة المنورة في الحجاز أن يوافيه أولا بأول بأنباء العراق ويطلب إليه‏'‏ أن يكون دائما علي بينة من أحوال بغداد فيرسل إليها الجواسيس من المدينة أو من عنيزة أو من جبل شمر من ذوي العلاقات هناك‏,‏ فكلما وصلته أنباء يوافيه في الحال‏'.‏

أما سبب اهتمام محمد علي الكبير بأنباء العراق في ذلك العام‏,‏ فهو العلاقات السيئة التي كانت بين تركيا وإيران‏,‏ واحتمال غزو شاه إيران لبغداد في الوقت الذي كان الدفاع العثماني عن بغداد تافها ضعيفا لا يستطيع أن يقاوم أو يصمد للغزاة‏.‏


وفي العام التالي لاحت لمحمد علي فرصة غزو العراق بأمر السلطان عندما اشتد اعتداء الإيرانيين العجم علي الحدود وقويت رغبتهم في احتلال بغداد‏,‏ فقد كتب الصدر الأعظم باسم الباب العالي إلي محمد علي بتاريخ‏(15‏ شعبان‏1238‏ هـ‏)‏ يقول له أن والي بغداد قد أقر بعجزه عن رد اعتداء العجم وصدهم عن بغداد وطلب إليه المعونة بإرسال حملة كبيرة علي رأسها البطل إبراهيم باشا إلي بغداد ليقوم بمهمة الدفاع عنها‏,‏ ورأي محمد علي إذ ذاك أن الوقت غير ملائم‏,‏ وأن حملة السودان لم تنته بعد‏,‏ وكان عليه أن يرد هذا الطلب في حكمة وتلطف‏,‏ فاحتج أنه مشغول بمراقبة المطامع الإنجليزية في موانئ البحر الأحمر الجنوبية‏,‏ إذ كان الإنجليز قد ضربوا ميناء‏(‏ مخا‏)‏ علي ساحل اليمن بالقنابل تمهيدا لاحتلالها‏,‏ وأخيرا أبدي الباشا استعداده للقيام بنفسه إلي العراق علي رأس جيش كبير يتم إعداده كاملا ليزحف في العام المقبل إلي العراق للدفاع عنها وإقامة حكومة قوية فيها‏.‏

هدأت الأحوال بعد ذلك في الشرق بين إيران وتركيا‏,‏ وجدت أحداث في الغرب عندما اشتعلت الثورة اليونانية‏,‏ فلم يعد السلطان إلي الاستنجاد بمحمد علي لحماية بغداد‏,‏ بل عاد إليه ليستنجده لحماية كيان الإمبراطورية العثمانية التي تهددها ثورة اليونانيين الجارفة‏.‏

وظلت العراق علي ما هي عليه من سوء الحكم وضعفه حتي حدث النزاع بين محمد علي والسلطان وراجت الإشاعات عن عدة مشروعات يقوم بها محمد علي لغزو العراق وإدماجها في الإمبراطورية العربية التي كانت في طريق التكوين‏.‏ وقد هزت تلك الإشاعات في عامي‏1833‏ و‏1834‏ مشاعر الإمبراطورية البريطانية وتوالت المخابرات بين حكومة الهند ووزارة الخارجية البريطانية‏,‏ وتدافعت التقارير السرية بين بومباي وبغداد ودمشق والقاهرة ولندن كلها تنذر بقرب هبوب العاصفة المصرية علي بغداد‏,‏ وتصف سوء الحال في العراق وتطلع السكان في أمل وغبطة إلي قرب اندماجهم في الكتلة العربية الجديدة التي يحكمها محمد علي‏.‏

ففي ديسمبر سنة‏1833‏ كتب القنصل الإنجليزي في بغداد إلي وزارة الخارجية البريطانية يقول‏:'‏ ترزح ولاية بغداد في الوقت الحاضر تحت أسوأ حكم عرفته في تاريخها وهاهم الأهالي الذين يضجون من سوء تصرف واليها علي باشا يتطلعون إلي إبراهيم باشا‏'‏ وجاء في رسالة أخري له بتاريخ‏10‏ مارس سنة‏1834:'‏ وصل أحد الضباط المصريين إلي بغداد متنكرا وبعد أن اتصل ببعض الأوساط أثناء إقامته التي استغرقت عدة أيام زار الحدود الفارسية‏,‏ مما يدل علي أن الباشا يفكر جديا في هذه البقعة من العالم‏.‏

أما رسول محمد علي واسمه سيد خالد أفندي فيحمل رسائل من محمد علي إلي إمام مسقط وأمير شيراز وشيوخ شعيب والمنتفق وينتظر أن يحمل ردودا من هؤلاء إلي سيده‏,‏ وقد قال هذا الرسول لأحد التجار الأتراك في بغداد أنه غادر مصر منذ أربعة أشهر وأن العراق وسواحل الخليج الفارسي سوف تنضم إلي محمد علي ابتداء من سنة‏1250‏ هـ‏'‏ وأضاف القنصل الإنجليزي قائلا‏:'‏ إن الأهالي هنا يفضلون حكم والي مصر‏,‏ وليس في العراق من يستطيع أن يقاوم أية محاولة يقوم بها الباشا لغزو البلاد‏'‏ ولم يكد بلمرستون وزير الخارجية البريطانية والعدو التقليدي لمحمد علي يعلم باحتمال الغزو المصري للعراق حتي ثارت ثائرته وكتب إلي الكولونل كامبل سفير إنجلترا في مصر يطلب إليه أن يقابل الباشا ليستشف منه مدي تفكيره في هذا المشروع‏,‏ ولم يتوان كامبل عن الذهاب إلي محمد علي في قصره بشبرا‏,‏ ثم كتب بعد ذلك إلي بلمرستون يقول أن الباشا لا يفكر في الوقت الحاضر في غزو بغداد إذ أن جيوشه في سوريا لا تكاد تكفي لتوزيعها علي الحاميات هناك‏.‏

ولكن هل كان محمد علي يرغب حقا في أن تتقدم جيوشه لغزو العراق؟ نستطيع الإجابة علي هذا السؤال أنه لولا تدخل إنجلترا ومحاربة بلمرستون له لكانت الجيوش المصرية قد غزت أرض العراق‏.‏ فقد استتب له الأمر في بلاد العرب ونجحت جيوشه في الشام نجاحا منقطع النظير‏,‏ فتطلع إلي العراق‏.‏ وقد بذلت محاولتان في هذا السبيل‏.‏

أولاهما‏:‏ عندما استولت الجيوش المصرية علي حلب‏,‏ أراد محمد علي أن تتقدم جيوشه إلي اورفه والدير‏,‏ وذلك بين عامي‏1834‏ و‏1835‏ ولم يمنعه من إتمام هذه الخطوة إلا إنذار بلمرستون له بأن إنجلترا لا يسعها أن تقبل أي اعتداء علي العراق‏.‏

أما المحاولة الثانية فكانت في عام‏1839,‏ ولكنها هذه المرة لم تأت من وحي الباشا نفسه‏,‏ بل كانت فكرة جالت في خاطر قائده العظيم خورشيد باشا وتحمس لها أشد التحمس عندما استولت جيوشه علي سواحل الخليج الفارسي‏,‏ وعقد الاتفاق مع أمير البحرين علي الانضواء تحت الحكم المصري‏.‏

مضي علي خورشيد باشا قرابة عامين في نجد والاحساء وهو يجمع المعلومات التي تفيده في القيام بحملة علي العراق‏.‏ وكان له أعوان وعيون هناك يمدونه بالأخبار ويهيئون له الجو وينشرون الدعاية للحكم المصري بين السكان الناقمين علي الحكم العثماني‏.‏وكان أكبر القائمين له بهذه الدعوة عالما نجديا كان يشتعل قاضيا في الزبير من أعمال العراق‏,‏ هو الشيخ‏'‏ حموده بن جسار‏',‏ فكان يكتب إليه تقارير وافية عن أخبار العراق وحركات واليها علي باشا‏,‏ وفي الوقت ذاته كان يتصل بالأعيان وكبار التجار ورجال الإفتاء لكي يستميلهم إلي الحكم المصري‏,‏ بل اتصل أيضا ببعض رجال الجيش من الوطنيين العرب ليهيئ السبيل لخورشيد باشا بانضمام أكبر عدد ممكن من الجند العرب إلي صفه واستطاع فعلا أن يقنع عددا كبيرا من رؤسائهم‏.‏

ولم يكن أهل البصرة أقل اهتماما بما قيل عن قرب غزو المصريين للعراق‏,‏ فقد اجتمع الشيخ حمودة بنقيب الأشراف هناك‏(‏ عبد الرحمن أفندي‏)‏ واثنين من رجال الإفتاء وبعض أعيان البصرة ووجد منهم جميعا استعدادا كبيرا للمعونة والانضواء تحت لواء الحكم المصري‏.‏ ولما شاعت الأخبار في البصرة بانتصارات خورشيد باشا في نجد وسواحل الخليج الفارسي وقرب وصول الجيش المصري إلي البصرة حاول بعض ضباط الجيش العراقي وجنوده الفرار إلي خورشيد باشا‏,‏ وفعلا تمكن فريق منهم عدده سبعون أن يفر إلي نجد وطلبوا إلي خورشيد باشا أن يسمح لهم باستدعاء بقية الجنود المرابطين في البصرة وعددهم خمسمائة لكي ينضموا إلي الجيش المصري في الحملة التي ستقوم إلي العراق‏.‏

بعد واقعة نزيب‏(‏ نصيبين‏)‏ رأي خورشيد باشا أن الفرصة جد سانحة لفتح العراق فكتب إلي ولي النعم يستأذنه في فتحها‏,‏ ويلح في ذلك إلحاحا شديدا‏,‏ مطمئنا الباشا إلي أنه منذ عام وهو يعد العدة لتلك الحملة‏,‏ وختم التماسه قائلا‏:'‏إن العراق ملك عظيم يضاهي ملك مصر‏,‏ وهو الآن كالحسام الجوهر الذي سقط في حيره‏,‏ فالتقاطه الآن واجب‏.‏ والشيء إذا صار وقته فلا ينبغي تركه‏'.‏

ولكن فات خورشيد مدي اهتمام الإنجليز ببلاد العراق نفسها لا بالخليج الفارسي فحسب‏,‏ وأنهم يربطون مسألة الخليج الفارسي بالعراق ربطا وثيقا‏,‏ ويعتقدون اعتقادا جازما بأن محمد علي يريد تأسيس مملكة عربية تضم جميع البلاد التي تتكلم العربية‏,‏ وأن خطوته التالية ستكون الانقضاض علي العراق‏,‏ إما من ناحية الجزيرة العربية حيث ترابط قوات خورشيد باشا‏,‏ وإما من سوريا حيث ترابط جيوش إبراهيم‏,‏ أو من الجهتين معا في نفس الوقت‏,‏ فأخذت إنجلترا تبذل قصاري جهدها في العمل علي حراسة العراق حتي لا تقع في قبضة محمد علي فيتحكم لا في الخليج الفارسي فقط بل في نهري الدجلة والفرات‏.‏ وطريق الخليج الفارسي في نظر بلمرستون‏,‏ فضلا عن أهميته الجغرافية طريق المستقبل الذي يهتم به‏,‏ وتعلق عليه شركة الهند آمالا كبارا‏,‏ إذ لم يكن في ذهنهم أي احتمال لإنشاء قناة السويس‏,‏ بل كان يشغل بالهم مشروع الملاحة من الخليج الفارسي عبر الفرات‏,‏ ولم يكن طريق السويس إلي الهند يستهوي الإنجليز بقدر ما كان يستهويهم طريق الفرات إلي الإسكندرونة‏.‏

لذلك بدأ التدخل الإنجليزي في حدته منذ أواخر عام‏1838‏ حين كثرت مقابلات القنصل الإنجليزي لمحمد علي منذرا إياه بالحد من نشاطه في منطقة الخليج الفارسي والعراق‏.‏ فوقف المشروع عند هذا الحد‏,‏ ولكنه كان من الأسباب التي أذكت نار العداوة في صدر وزير الخارجية البريطاني الذي كرس كل جهده لتأليب الدول علي عاهل مصر الكبير ولولا ذلك لتحققت الوحدة العربية تحت زعامة قوية رشيدة‏.‏

http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8477












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 12-May-2005, 01:18 PM   رقم المشاركة : 14
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

محمد علي الكبير‏(‏ ملف وثائقي‏)‏ الحلقة‏(9‏ والأخيرة‏)‏
أسئلة تبحث عن إجابات
هل كان محمد عـلي يميـل لمحاكاة الغرب مهما كلفه الأمر‏!‏؟
بقلم : د‏.‏ يونان لبيب رزق


تحت عنوان‏'‏ محمد علي الرجل ونفسيته‏,‏ الحاكم وسياسته‏'‏ نشرت الأهرام الدراسة التي وضعها الدكتور جاك تاجر‏,‏ وهو سوري تولي إدارة المكتبة الخاصة بقصر عابدين‏,‏ واشترك في تأليف كتاب‏'‏ إسماعيل كما تصوره الوثائق الرسمية‏',‏ كما ألف‏'‏ حركة الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر‏'‏ و‏'‏ أقباط ومسلمون‏',‏ بيد أن علاقة الرجل بالقصر لم تجرفه إلي مستنقع النفاق‏,‏ وباستثناء العبارة التي أنهي بها مقاله والتي غلب عليها طابع المجاملة فقد كان موضوعيا علي وجه العموم‏,‏ واتبع منهجا قائما علي طرح الأسئلة دون تقديم إجابات قطعية‏,‏ وهي الأسئلة التي نظن أنها ظلت بدون إجابة إلي ما شاء الله‏..‏

أصدر التاريخ أحكاما متباينة علي عصر محمد علي‏,‏ وأبدي المؤرخون آراء متناقضة في الرجل وحكمه‏,‏ فأثني عليه بعض الكتاب وذمه البعض الآخر بل هاجمه بشدة وعنف‏ انتقدوا محمد علي لأسباب شتي لا سيما عدم أخذه بجميع أسباب المدنية الغربية‏,‏ وعدم تطبيقه حرفيا المبادئ السياسية والاجتماعية التي كانت منتشرة حينذاك في البلاد الراقية المتمدنة‏.‏

ولكن هل كان محمد علي يميل لمحاكاة الغرب مهما كلفه الأمر؟ وهل كان ينوي‏'‏ أن يقلب نظام الحكم ويبدل المبادئ الشرقية بمبادئ أخري خلال‏20‏ أو‏30‏ سنة دون أن يمهد الشعب لهذا الانقلاب؟

إننا إذا اطلعنا علي الوثائق والمذكرات الشخصية التي قام بنشرها المغفور له الملك فؤاد‏,‏ وجلالة الملك المعظم فاروق الأول‏,‏ وإذا درسنا الوثائق التاريخية المحفوظة بقصر عابدين العامر‏,‏ نستطيع أن نجلو بصراحة ما هنالك من النقط المبهمة‏,‏ وأن نرسم صورة صادقة لمحمد علي الرجل والحاكم في آن‏.‏

أما الآن فسنوضح النقط الثلاث الآتية وهي اندماج محمد علي في الأمة المصرية‏,‏ وأطماعه السياسية‏,‏ والمبادئ الإدارية الرئيسية‏.‏ فإذا وضحنا تلك النقط تيسر لنا فهم الرجل ونفسيته‏,‏ والحاكم وسياسته

اندماج محمد علي في الأمة المصرية
ولد محمد علي في مقدونيا‏,‏ وتوفي مصريا‏,‏ ولكنه ظل طول حياته يواجه المسائل السياسية الكبري كفرد من أفراد العائلة العثمانية‏.‏

هذا الموقف منه لا يثير الدهشة‏,‏ ففي أوائل القرن التاسع عشر‏,‏ كانت الشعوب الخاضعة للباب العالي تتمتع بحكم القانون الدولي بجنسية واحدة هي الجنسية العثمانية‏.‏

نعم إن بعض الشعوب الأوروبية المسيحية رفعت لواء العصيان متأثرة بمبادئ الثورة الفرنسية وجاهدت في سبيل الوصول إلي استقلالها‏,‏ وهؤلاء غير الشعوب الإسلامية التي لم تنهض في سبيل الاستقلال‏,‏ اللهم إلا بعض البلاد المتاخمة لحدود الإمبراطورية‏,‏ كإفريقيا الشمالية وبلاد النوبة‏,‏ فقد كانت هذه البلاد تستغل ضعف الحكام‏,‏ أو انشغالهم في أمور هامة لتمتنع عن دفع الجزية حتي يسترد السلطان قوته فيجرد حملة تأديبية علي الزعماء العاصين‏.‏ فإذا انتصر الجيش العثماني انفض الشعب من حول زعمائه‏,‏ وعادت الحياة إلي مجاريها في ظل الحكم السلطاني‏.‏

ولقد كان الولاة في ذلك العهد كثيري التنقل‏,‏ فمن دمشق إلي جزيرة كريد‏(‏ كريت‏),‏ ومن كريد إلي بغداد أو بيروت أو مصر حسبما يصدر الفرمان الشاهاني بتعيينهم‏,‏ دون أن يبدو منهم أي اهتمام بالانتقال من جهة إلي أخري ودون أن يحاول الوالي في مدة ولايته إشراك الشعب في شئونه‏.‏

جاء محمد علي إلي مصر علي رأس فرقة من الجنود الأرناءوط لطرد الفرنسيين وقمع الحركات الثورية‏,‏ فلم يشعر أنه قدم إلي بلاد أجنبية‏,‏ إذ وجد الحكام العثمانيين يقومون بإدارة الشئون المدنية‏,‏ والقواد يحافظون علي النظام ويتولون الدفاع عن البلاد‏.‏

لقد شبه بعض الكتاب محمد علي بعلي بك الكبير‏,‏ وقالوا أن علي بك أراد‏-‏ قبل محمد علي‏-‏ أن يحكم البلاد حكما مطلقا‏,‏ ولكن هؤلاء نسوا أن هناك فروقا شاسعة بين هذا وذاك‏,‏ فقد أراد علي بك أن يدير الشئون الداخلية بواسطة المماليك فقط‏,‏ بينما اعتمد محمد علي علي الشعب المصري‏,‏ والتمس معونته للقضاء علي المماليك‏.‏

كذلك قيل أن موقف محمد علي بعد توليته الحكم يتعارض مع موقفه قبل التولية وقيل أنه أنشأ جيشا من الفلاحين ولكنه لم يفكر في تجنيد الشعب المصري إلا بعد أن فشل في تنظيم قوات الأرناءوط علي الأساليب الجديدة‏,‏ وبعد أن تعذر عليه تكوين أورط من النوبيين‏.‏

وقيل أيضا أنه عين المصريين في الوظائف الإدارية الكبري ولكنه فكر في ذلك بعد أن تولي الحكم بثلاثين عاما‏,‏ وأنه نفذ هذه الفكرة لأسباب تتعلق بمصالحه الشخصية‏,‏ كما أنه لم يراع المساواة بينهم وبين المديرين الأتراك‏.‏

وقيل كذلك أنه استعان بالأرمن والمقدونيين في الشئون السياسية ولم يدرب المصريين علي المسائل الدبلوماسية‏,‏ وقيل أخيرا أن حاشيته الخاصة كانت مكونة من الأتراك والأرمن والأجانب‏,‏ ما عدا المصريين‏,‏ اللهم إلا طبيبا واحدا هو النبراوي الذي ظهر بين رجال الحاشية في أواخر عهد محمد علي‏.‏

قيل هذا كله بعد انتشار مبدأ القوميات في الشرق‏,‏ غير أن مبدأ القوميات كان مبدأ منبوذا في أوربا‏,‏ وكانت دول‏'‏ التحالف المقدس‏'‏ تحاربه كمحاربة الدول الغربية اليوم للمبادئ الشيوعية‏.‏ زد علي ذلك أن الحاكم التركي كان يزدري الشعوب العربية ولا يشركهم في الحكم‏.‏ أما إبراهيم باشا فقد صرف النظر عن مشروعه الخاص بإنشاء الإمبراطورية العربية‏,‏ بعد اندلاع نيران الثورة في سوريا وجزيرة العرب‏.‏

أمن العدل إذن أن يكال اللوم لمحمد علي الذي كان ينطق باللغة التركية دون سواها‏,‏ والذي كان يجهل عندما قدم إلي مصر كل شيء عن تاريخ مصر والشعب المصري‏!‏؟ أمن العدل أن نلومه لأنه لم يدع الشعب المصري من أول لحظة إلي الاشتراك في إنهاض مصر؟

إن محمد علي هو الذي تجاهل رأي حاشيته ووطد العزم علي تكوين جيش جديد من الفلاحين‏,‏ وهو الذي أصم أذنيه عن سماع انتقادات القواد الأتراك وعمل علي ترقية رتب الجنود المصريين رويدا رويدا إلي رتب أعلي‏,‏ وبين للأتراك أن الرتب العسكرية وفن الحروب ليس احتكارا لهم‏.‏

أفعمل محمد علي كل ذلك علي الرغم من فرار الشعب المصري من الجندية وهروبه من المدارس‏.‏ ثم استعمل محمد علي الشدة في إلحاق هؤلاء الطلبة بالمدارس فكان يعلمهم ويطعمهم ويكسوهم ويؤويهم علي حساب الدولة‏,‏ وبمعني آخر علي حسابه الخاص‏.‏

قد يدعي بعض المفكرين أن محمد علي جمع المصريين في الجيش والمدارس لحاجته القصوي إلي الجنود والضباط والمهندسين والأطباء وغيرهم من الموظفين‏,‏ ولكنا نرد علي ذلك بأنه كان في مقدور محمد علي أن يعلم مماليكه الأتراك في المدارس التي أنشأها‏.‏ ألم يرسل هؤلاء المماليك مرتين إلي فرنسا وإيطاليا في سنة‏1813‏ وسنة‏1818‏ لدراسة العلوم الحديثة؟ ولما أنشأ مدرسة المهندسين بالقلعة أمر غلمانه بالانتساب إليها فكانت النتيجة مرضية‏.‏ ألم ينبغ منهم عثمان نور الدين ونقولا مسابكي وغيرهم من المبعوثين الأولين في شتي الوظائف الفنية التي شغلوها؟

لقد أراد محمد علي أن يعني بثقافة المصريين فأرسل بعثة مكونة من مصريين نشئوا في الأزهر أو في المدارس الأولية‏,‏ ولما أنشأ مدارس الطب والهندسة والإدارة ضم إليها عددا كبيرا من الطلبة المصريين‏,‏ كما أمر أن تكون اللغة العربية لغة التعليم الأصلية بها‏.‏ وتحمل من جراء ذلك مصاعب جمة‏,‏ فاستقدم المترجمين من سوريا لترجمة الكتب الإيطالية والفرنسية إلي العربية كما أنشأ مطبعة بولاق لطبع الكتب المدرسية العربية‏.‏

ألم يكن في استطاعته تذليل تلك الصعاب لتعليم التلاميذ اللغة التركية‏,‏ واستحضار الكتب والأساتذة من استنبول؟ ولكنه لم يفعل وقرر أن يعطي الجيل الناشئ ثقافة عربية دون سواها‏.‏

وقد التجأ محمد علي بعد ذلك إلي إجراء هام في سبيل إنهاض الشعب المصري‏,‏ حيث أخذ يختار رجال الإدارة من بين المصريين المثقفين‏,‏ ويعينهم في وظائف المديرين‏.‏

نعم إن الأوامر كانت تصدر إلي المدير بتنفيذ سياسة معينة ولكن سلطته كانت واسعة بل تكاد تكون مطلقة في حدود مديريته‏,‏ وكان يضطر أن يظهر نفوذه في كل لحظة وأن يتخذ إجراءات سريعة وحاسمة للقضاء علي الخلافات الشخصية والسهر علي الأمن العام وجمع الضرائب وغير ذلك من الشئون‏,‏ ومع ذلك ظل الفلاح المصري لعدة قرون بعيدا عن الحكم‏,‏ بل تعود أن يحكمه الأجنبي بالشدة والقسوة مما أدي إلي انحطاط معنوية الشعب في ذلك الحين فكيف كان يستطيع محمد علي الاستعانة بالفلاح المسكين المتواضع الخاضع الذي كان يخشي حكامه‏,‏ فيضع عصا السلطة بين يديه ويأمره باستعمالها ضد الذين كانوا يفزعونه بقسوتهم؟

لقد علق المراقبون السياسيون بتهكم علي هذا الابتكار الجريء فكانوا يصورون موقف المدير المصري أمام سائر الموظفين الأتراك كما صوروا ازدراء الأتراك برجال السلطة المحليين وقالوا أن محمد علي استعان بالمصريين عندما خيب الأتراك آماله‏,‏ وقد أراد خفض المرتبات الباهظة التي كان يتقاضاها الحكام الأتراك‏,‏ ويكفينا أن نرجع للنتائج لنقول أن تعيين الجنود في الجيش وترقيتهم إلي أسمي الرتب هي التي أدت إلي اندلاع ثورة سنة‏1882,‏ وقيام الحركة الاستقلالية في مصر‏.‏

أما فيما يختص بالحاشية الخاصة فإن لنا أن نذكر أن محمد علي جاء إلي مصر وهو رجل كهل لم يتعلم القراءة والكتابة إلا بعد الخامسة والأربعين من عمره‏,‏ أضف إلي ذلك أنه كان غريبا عن البلاد وأنه لا ينطق بلغتها الأصلية ومن هنا وجد نفسه في بادئ الأمر في عزلة‏,‏ فاستقدم أولاده من قولة وأسند إليهم بعض الوظائف العامة‏,‏ ثم استدعي بعض الأصدقاء المثقفين وأسند إليهم أيضا بعض الوظائف العامة‏,‏ ولم يحتج وقتئذ أي شخص علي هذا الإجراء إذ كان الحائز علي الجنسية العثمانية يستطيع أن يقيم في أية بقعة من الإمبراطورية ويعمل فيها ويستغل ثروته دون أي اعتراض من السلطة المحلية‏,‏ وعلاوة علي ذلك كان السلطان يعين بنفسه قاضي القضاة والدفتردار ويختارهما من بين رجال الأستانة‏,‏ وكان هذان الشخصان‏-‏ ولا سيما قاضي القضاة‏-‏ محل احترام المصريين جميعا‏.‏

ثم أراد محمد علي أن يقيم علاقات مع الأجانب فعين بمعيته بعض الأرمن الذين يجيدون اللغات التركية والفرنسية وربما الإنجليزية أيضا مثل بوغوس‏(‏ برغوص‏)‏ بك وأرتين بك‏,‏ وهذا أمر طبيعي إذ كان المصريون يجهلون تلك اللغات‏.‏

غير أن محمد علي كان ينتهز جميع الفرص ليقرب إليه المصريين‏,‏ وقد ظهروا في أواخر عصره في البلاط الخديوي‏.‏ يضاف إلي هذا أن محمد علي بعد توليته الحكم أبي أن يقيم كسائر الولاة السابقين خلف أسوار القلعة فبني قصورا في القاهرة والإسكندرية وبني سويف وإسنا والفيوم وغيرها من أنحاء البلاد وأظهر رغبته في الاختلاط بشعبه‏.‏

ويجب ألا ننسي أن محمد علي لم يغادر مصر إلا خمس مرات ولآجال قصيرة أولاها رحلته إلي الحجاز للإشراف علي الأعمال الحربية والحج‏,‏ والثانية سفره سنة‏1834‏ إلي سوريا عندما تفاقمت الحالة فيها‏,‏ والثالثة رحلته إلي كريد في سنة‏1838‏ لتفقد شئونها‏,‏ والرابعة سفره سنة‏1845‏ إلي استانبول لزيارة السلطان‏,‏ والخامسة رحلته في سنة‏1848‏ للاستشفاء في إيطاليا تنفيذا لمشورة أطبائه‏.‏

وقد كان يصرح دائما لضيوفه وحاشيته بأنه يؤثر حب مصر علي أية بقعة في العالم‏,‏ ولا يريد أبدا مغادرتها‏,‏ ولما احتدم الخلاف بينه وبين السلطان والدول الأوربية سنة‏1840‏ كان في استطاعته أن يجرب حظه ويقاوم طغيان الدول إلي النهاية ولكنه فضل أن يتنازل عن ممتلكاته ويتأكد أن أولاده سيخلفونه علي عرش مصر حتي يطمئن علي مستقبل تلك البلاد‏.‏


صفحة من الاهرام نوفمبر 1949

مطامعه السياسية‏:‏
نقف هنا برهة من الوقت لنتساءل عما إذا كان محمد علي يسعي للاستقلال التام كما صرح بذلك للقناصل مرارا عندما اشتد الخلاف بينه وبين السلطان‏,‏ أم أنه كان معنيا بالوراثة والاستقلال الداخلي في ظل السلطنة؟ نجيب علي ذلك بأن محمد علي لم يحدد بالضبط موقفه‏,‏ بل كان يعمل حسب الظروف‏.‏ وكان السلطان محمود يستطيع أن يستميل إليه محمد علي ويجعل منه أقوي دعامة للإمبراطورية العثمانية‏.‏ وفعلا عندما طلب إليه أن يقاتل الوهابيين في الحجاز واليونانيين في المورة‏,‏ تلقي أوامر السلطان بالخضوع والطاعة‏.‏

وكان السلطان ينوي مكافأته‏,‏ غير أن خسرو باشا السر عسكر وألد أعداء محمد علي تدخل في الأمر وعكر صفو العلاقات بين السلطان فقرر محمد علي أن يستولي بالقوة علي الشام باعتبارها مكافأة له علي الخدمات التي أداها في سبيل إنقاذ الدولة العثمانية وشرع في إنشاء أسطول ضخم‏.‏ ثم استأذن بعد ذلك من السلطان في مهاجمة عكا بحجة أن عبد الله باشا لم يسلم إليه الفارين من الجيش‏.‏ وكانت هذه الحجة ستارا يخفي نوايا محمد علي الحقيقية‏.‏ وكان الباب العالي يعلم أن محمد علي يريد أن يوسع حدوده من جهة سوريا للدفاع عن حدوده الشمالية الشرقية‏.‏

ولكنه بدلا من أن ينصح محمد علي بالعدول عن هذا المشروع شجعه بصفة شبه رسمية وأفهمه أن السلطان قد يسره التخلص من عبد الله باشا‏.‏

خاض محمد علي غمار الحرب‏,‏ وكان الباب العالي يعتقد اعتقادا راسخا أن معركة عكا ستقضي علي الجيوش النظامية المصرية‏.‏ وفعلا قاومت عكا مدة طويلة علي الرغم من ضربها برا وبحرا‏,‏ واستنجد عبد الله باشا بالباب العالي غير أن السلطان اكتفي بالوعد ولم يرسل إليه المعونة العسكرية إلا بعد أن شعر بأن والي عكا علي وشك التسليم‏.‏

قد أفسد إبراهيم باشا خطة الباب العالي عندما تحركت الجيوش التركية‏,‏ وقابل الجيش التركي وفتك به فتكا ذريعا‏,‏ ثم عاد إلي عكا وفتحها وحول القوات المصرية كلها وقوات الأمير بشير نحو الشمال حيث التقي مرة أخري بالجيش التركي وكبده خسائر فادحة إلي أن نال فوزا باهرا في معركة قونية التي أخلت له الطريق نحو الأستانة وعندئذ تدخلت الدول فأمر محمد علي جنوده بالكف عن التقدم‏,‏ كما وافق علي توقيع معاهدة الصلح التي وضعت سوريا تحت الحكم المصري‏.‏

ويقول بعض المؤرخين أن محمد علي ارتكب خطأ عظيما عندما أمر إبراهيم باشا بالكف عن القتال معتمدا علي الدول الأجنبية لفض الخلاف بينه وبين السلطان‏.‏

وهنا نتساءل مرة أخري‏:‏ هل كان يريد محمد علي الاستقلال‏,‏ وفي هذه الحالة لماذا امتنع عن احتلال استانبول وإملاء إرادته علي رجال الدولة؟ نجيب علي ذلك بأن محمد علي‏-‏ بالرغم من موقف السلطان محمود العدائي‏-‏ كان يعتقد أن التعاون بين مصر وتركيا ممكن بشرط إبعاد خسرو عن الحكم‏,‏ ومن جهة أخري كان محمد علي يخشي قوة روسيا البرية أكثر من قوة بريطانيا البحرية‏.‏ وكان يعتقد أن الأسطول المصري علي استعداد للدفاع عن سواحل البحر الأبيض‏.‏ وفي نفس الوقت كان يخشي خذلان الجيوش المصرية التي أجهدتها المعارك المتتالية التي خاضتها في سوريا والأناضول بحيث لا تقوي علي منع الجيوش الروسية من احتلال الأستانة أو تنزع منها عاصمة الإمبراطورية العثمانية‏.‏

نضيف إلي ذلك أن محمد علي كان يفتقر إلي الوسائل الحربية لخوض غمار الحرب ضد الدول الأوربية التي أنذرته بالوقوف في وجهه‏,‏ فخشي أن يفقد مصر بعد أن يفقد ممتلكاته‏.‏

المبادئ الإدارية الرئيسية‏:‏
قلنا أن الكتاب المعاصرين لمحمد علي نقموا عليه لأنه لم يطبق حرفيا المبادئ السياسية والاجتماعية التي كانت منتشرة في البلاد الراقية المتمدينة‏,‏ ولكن محمد علي كان من أنصار الحكم المطلق لأنه كان مقتنعا أن الشعب المصري الذي عاش طوال السنين في الجهل والفاقة يحتاج إلي يد حديدية لتوجيهه‏,‏ ثم أن محمد علي كان يكره الوعود الجوفاء‏.‏ فلما أعلن السلطان عبد المجيد‏'‏ خط كلخانة السلطاني‏'‏

*‏ سئل محمد علي عن الفائدة التي تعود علي الإمبراطورية من جراء تطبيق هذا الخط السلطاني فأجاب بدون تردد أن مصر التي أدخلت الإصلاحات فيها منذ أربعين سنة لا تستطيع تطبيق هذا الخط فما بالك بتركيا المتأخرة عن مصر‏'.‏

*‏ كان هذا الخط بداية الإصلاحات العثمانية التي عرفت بحركة التنظيمات والتي تمت تحت الضغوط الأوربية‏,‏ صدر في نوفمبر عام‏1839,‏ وقرئ في حفل رسمي كبير في قصر الكلخانة وتنازل بمقتضاه السلطان عن جانب من سلطته لمجلس الأحكام القضائية الذي أصبح من حقه سن القوانين علي أن يصدق عليها السلطان‏,‏ وألا يعاقب أحد دون محاكمة علنية وأن يعامل المسلمون وغير المسلمين معاملة متساوية أمام القانون‏.‏ كما نص علي ضرورة وضع تشريع لإبطال المتاجرة في المحسوبية والوظائف‏,‏ واعترف أخيرا بالتجنيد الإجباري للخدمة العسكرية‏.‏

لقد كان محمد علي رجلا عمليا قبل كل شيء آخر‏.‏ نعم أنه لم يدرس في حياته القانون والاقتصاد‏,‏ ولكنه كان يدرك حاجة بلاده وسكانها وكان يعمل لإنهاضها‏.‏

يقول بعض المفكرين أن محمد علي ارتكب عدة أخطاء في سياسته إذ أجهد البلاد من الوجهة الاقتصادية وفشل في إعداد جيل يتمتع بثقافة عالية كما فعل في إنشاء مصانع رابحة وغير ذلك‏,‏ ويقولون أنه لولا الحروب التي خاضها لاستطاع أن يتجنب عدة أخطاء‏.‏

ونحن نقول أن العداء الذي كان يضمره الباب العالي والحروب العديدة التي اضطر لأن يخوضها قد عرقلت جهوده حقا‏,‏ ولكنها ساعدته علي بذل تلك الجهود‏,‏ بل كانت السبب الأول في بذل تلك الجهود الجبارة‏.‏ إن الخطأ لا يرجع إلي حالة الحرب‏,‏ ولكن السرعة في تنفيذ البرامج‏,‏ وقد كان محمد علي رجلا مسنا‏,‏ فكان يريد أن يخلده عصره ولذلك أراد أن ينجز كل شيء في زمن قليل‏,‏ كان أهم شيء في نظره أن يتم كل مشروع في الميعاد المحدد له‏.‏

ولم يتذمر محمد علي عندما قيل له في أثناء الحملة أن الضباط والمهندسين والأطباء يرتكبون بعض الأخطاء‏,‏ أو أن بعض قطع من الأسطول عادت إلي قواعدها بعد ضرب عكا لظهور بعض العيوب فيها‏.‏ فقد كان يقول بنفسه إلي سيريزي

*‏ عندما لفت هذا المهندس نظره إلي أن الخشب الذي يستعمله في بناء أسطوله قد يحتاج إلي بعض الوقت ليجف‏,‏ كان يقول له‏(‏ ما فائدة السفن المتقنة إذا لم استعملها في حينها؟ إن السفن التي أنشأتها قد أدت لي أجل الخدمات بالرغم من عيوبها‏).‏

*‏ سيريزي بك‏:‏ منشئ الترسانة والأسطول المصري كان محمد علي يعتز به كثيرا فيقول عندما يتكلم عنه‏'‏ لقد أرسلت فرنسا إلي مصر الرجل العبقري الذي أنشأ في بحر ثلاث سنوات أسطولا عظيما وترسانة واسعة الأرجاء‏'.‏

وصل إلي مصر سنة‏1829‏ وكان مهتما قبل ذلك التاريخ ببناء بعض القطع البحرية التي أوصي بها محمد علي في ميناء طولون‏.‏ فاختارته الحكومة الفرنسية لإنشاء ترسانة الإسكندرية‏.‏ وخوله محمد علي سلطة مطلقة لإنجاز العمل في أقرب وقت وكان يقدم إليه كل معونة لإتمام مهمته‏.‏ وفي سنة‏1835‏ دب خلاف بينه وبين أحد الضباط الفرنسيين العاملين في الأسطول المصري فصمم علي تقديم استقالته التي لم ينجح محمد علي في إثنائه عنها‏.‏

ولما كان محمد علي يعلم تماما أن مصر في حاجة إلي سنوات عديدة لاكتمال نهضتها فقد اعتني شخصيا بتربية أنجاله لأنه كان سيعتمد عليهم بعد وفاته ليواصلوا تنفيذ برنامج الإصلاحات وتذليل العيوب‏.‏

وكان محمد علي يعتقد اعتقادا راسخا أن مصر في حاجة إلي المدنية الأوربية وأنها في حاجة إلي المدرسين والفنيين الأوربيين لتكوين جيش جدير بأسلافه العظام‏.‏ ولذلك بالغ في إكرام هؤلاء الأجانب‏.‏ غير أنه كان يتمني دائما أن يحل المصريون محل الأجانب في أسرع وقت‏.‏

ومن العجيب حقا أن أعضاء الأسرة العلوية الجليلة نفذوا جميعا الوصية التي تركها لهم مؤسس العائلة العظيم فسارت مصر بفضل حكمتها نحو الاستقلال التام‏.‏ والآن وقد نالت هذا الاستقلال وتحررت من جميع القيود في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك العظيم فهي تصبو إلي استعادة مكانتها بين الدول الكبيرة مستمدة الإيحاء من موقف هذا الحاكم المجيد الذي تحتفل مصر اليوم بذكراه الطيبة‏.‏


http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...1.htm&DID=8484




بارك الله بكم - إنتهى












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-May-2005, 09:48 PM   رقم المشاركة : 15
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

[blink]رسالة محمد علي إلي التلاميذ
بقلم : ألفريد فرج[/blink]


المؤرخ المصري الشيخ عبدالرحمن الجبرتي سجل وقائع تاريخ مصر كما عاصره باسلوب أقرب إلي اليوميات في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار‏.‏ ففي حوادث أو وقائع عام‏1814‏ كتب‏:‏ حدث ان شخصا من أبناء البلد‏,‏ يسمي حسين شلبي عجوة ابتكر بفكره‏(‏ يعني اخترع بابداعه‏)‏ صورة دائرة وهي التي يدقون بها الارز‏(‏ يعني مضرب أرز‏)‏ وعمل لها مثالا‏(‏ يعني نموذجا‏)‏ من الصفيح تدور بأسهل طريقة‏,‏ بحيث أن الآلة المعتادة اذا كانت تدور بأربعة ثيران فهذه يديرها ثوران‏,‏ وقدم ذلك المثال‏(‏ النموذج‏)‏ للباشا‏(‏ محمد علي‏)‏ فأعجبه‏,‏ وانعم عليه بدراهم‏,‏ وأمره بالمسير إلي دمياط يبني فيها دائرة ويهندسها برأيه ومعرفته‏,‏ وأعطاه مرسوما بما يحتاجه من الأخشاب والحديد والمصروف‏,‏ ففعل وصح قوله‏,‏ ثم صنع أخري برشيد‏,‏ وراج أمره بسبب ذلك‏.‏

واستطرد الجبرتي يكتب‏:‏ ولما رأي الباشا‏(‏ محمد علي‏)‏ هذه النكتة‏(‏ يعني الاختراع‏)‏ من حسين شلبي هذا قال ان في أولاد مصر نجابة وقابلية للمعرفة‏,‏ فأمر ببناء مكتب‏(‏ يعني مدرسة‏)‏ في حوش السراية‏,‏ ورتب فيها جملة من أولاد البلد يتعلمون قواعد الحساب والهندسة‏,‏ وعلم المقادير والقياسات والارتفاعات واستخراج المجهولات وعين أساتذة لها حسين أفندي درويش وشخصا روميا‏(‏ يعني تركي‏)‏ وأشخاصا من الأفرنج‏,‏ وأحضر لهم الآلات الهندسية المتنوعة من اشغال الانجليز يأخذون بها الأبعاد والارتفاعات والمساحة‏,‏ ورتب لهم‏(‏ التلاميذ‏)‏ شهريات‏(‏ مرتبات شهرية‏),‏ وكساوي في السنة‏,‏ واستمروا في الاجتماع بهذا المكتب‏(‏ يعني المدرسة‏)‏ في كل يوم من الصبح إلي بعد الظهيرة‏,‏ وسموه مهندس خانة‏!(!)‏

انتهي حديث الجبرتي‏..‏ الذي ربما لم يكن قد أتم الاحاطة بمشروع محمد علي الكبير وموقع مدرسة المهندس خانة فيه‏,‏ مشروع محمد علي‏.‏

كانت اركانه الاستقلال عن السلطنة العثمانية‏,‏ والتنمية الاقتصادية والبشرية بالصناعة وتحديث الري والزراعة وتكوين المحاصيل والعمران‏.‏

وأساس ذلك كله كان التعليم‏.‏
أنشأ محمد علي مدرسة الهندسة سنة‏1816‏ ثم مدرسة أخري للهندسة‏1834‏ في بولاق‏,‏ ومدرسة الطب‏1827‏ في ابي زعبل ثم انتقلت إلي قصر العيني‏1837‏ ومدرسة للصيدلة وأخري للولادة ثم مدرسة الألسن‏1836,‏ لترجمة الكتب العلمية والآداب والفنون للمدارس‏,‏ ومدرسة للمعادن بمصر القديمة سنة‏1834,‏ ومدارس للمحاسبة‏1837‏ وللفنون والصنائع سنة‏1839,‏ وللزراعة سنة‏1836,‏ والطب البيطري بشبرا والحربية والبحرية‏.‏

ثم انشأ محمد علي المدارس التجهيزية‏(‏ الثانوية‏)‏ في القاهرة والاسكندرية والاقاليم‏,‏ والمدارس الابتدائية وكل منها يتسع لمائة إلي مائتي تلميذ‏.‏ وقد أنشيء ديوان المدارس سنة‏1837,‏ لتنظيم التعليم‏.‏

بدأ محمد علي بإرسال البعثات التعليمية لاول مرة في الشرق إلي ايطاليا وفرنسا وانجلترا والنمسا من سنة‏1813‏ وتطور نظام البعثات حتي وصلت بعثة‏1826‏ إلي أربعة وأربعين تلميذا‏,‏ وبعثة‏1844‏ إلي سبعين تلميذا‏.‏

وقد ارسل محمد علي في عهده ثلثمائة وعشرين طالبا إلي الخارج انفق عليهم بتقدير المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي اكثر من ثلثمائة ألف جنيه بنقود ذلك الزمان‏.‏ وقد كان لهؤلاء المبعوثين الفضل في بناء النهضة المصرية‏,‏ وتحديث الحياة‏,‏ وبناء الثقافة الجديدة‏,‏ وفتح النوافذ للتنوير وايقاظ العقل وعمران المدن‏.‏ وكنت قد ذكرت في مقال سابق أن بعضا من المراجع التاريخية عن عصر محمد علي انجليزية‏,‏ وان هذه المراجع دأبت علي هز صورة الرجل‏,‏ وأحد مزاعمها في ذلك أن محمد علي لم ينشيء صناعة أو تعليما إلا لخدمة الجيش الذي سيره إلي الحروب تحقيقا لمطامحه أو مطامعه‏,‏ وانه فيما عدا خدمة الجيش لم يؤسس صناعة أو تعليما‏(‏ كذا‏).‏

والواقع يدحض هذا الادعاء‏,‏ فبعثة الطلبة لسنة‏1829‏ كانت تضم أربعة وثلاثين مبعوثا إلي فرنسا في تخصصات مدنية مثل صباغة الأقمشة‏,‏ والري وصناعة الصباغة والجواهر ونسيج الحرير‏,‏ وصناعة الأجواخ وبناء السفن وصناعة الالات الجراحية‏,‏ وصناعة الساعات وشمع العسل‏,‏ والسراجة‏,‏ وصناعة الشيلان والأحذية والاختام‏.‏

وإلي جانب هذا كانت الصناعات العسكرية حاضرة أيضا‏..‏ حيث تخصص بعض المبعوثين في صناعة السيوف والبنادق والطبنجات‏.‏

فلم يكن محمد علي ينشيء جيشا فقط‏,‏ وانما كان ينشيء نهضة شاملة وجيشا يحميها من الأطماع‏.‏

أو هكذا أتصور أن يكون واقع النهضة في عهد محمد علي الذي استمر حكمه من‏1805‏ إلي‏1848.‏

فان الجيش لاينجح في مهمة ان لم يستند إلي اقتصاد قوي وادارة مستنيرة وعمران مزدهر‏.‏

وفي حياة محمد علي لحظة مثيرة للجدل أتمني أن يزنها رجال السياسة وعلماء الحضارة‏.‏

بالقياس المطلق أو بالقياس إلي العصر‏..‏ تلك اللحظة هي مذبحة القلعة‏,‏ حيث دعا محمد علي مئات الأمراء المماليك إلي وليمة في قصر الجوهرة بالقلعة‏,‏ وفي طريق عودتهم أغلق بابا أمامهم وبابا وراءهم‏,‏ فتم حصارهم في ممر ضيق علي جانبيه جداران مرتفعان‏,‏ وأطلق عليهم الجند النار حتي قتلوا جميعا إلا واحدا استطاع القفز فوق الجدار وفر هاربا‏(!).‏

ساعة مظلمة في حياة أي حاكم حتي إن كان من حكام القرن التاسع عشر‏,‏ إلا أنني لا أريد أن أتوقف عندها طويلا‏,‏ وأحيل قضيتها إلي من هم أولي مني وأقدر مني علي القياس في هذا الأمر‏.‏

وأعود إلي مشروع محمد علي في مجال التعليم‏,‏ ومع ما لهذا المشروع من أهمية حضارية وتاريخية بحد ذاته‏..‏ إلا أنه يلفت نظري في هذا المشروع متابعة محمد علي للطلبة متابعة شخصية‏,‏ واهتمامه بالاتصال بهم وباتصالهم به‏..‏ كأنهم من أبنائه أو من أفراد أسرته أو أنهم عماد مشروعه وأساس خطته لبناء دولته‏.‏

وقد نشر رفاعة بك رافع الطهطاوي‏..‏ هو أشهر أعضاء بعثة‏1829‏ إلي فرنسا كتابا بعنوان تخليص الأبريز في وصف باريز يصف الرحلة والدراسة وأحوال فرنسا‏,‏ وأفرد فصلا في الكتاب بعنوان في ترغيب ولي النعم‏(‏ يقصد محمد علي‏)‏ لنا في الشغل والاجتهاد وفيه أنه جرت عادته من مدة خروجنا من مصر بأنه كان يتفضل علينا بأن يبعث لنا فرمانا‏(‏ يعني رسالة ممهورة بامضائه‏)‏ كل عدة أشهر يحثنا فيه علي تحصيل الفنون والصنائع‏,‏ فمن هذه الفرمانات ما كان من باب مايسمي عند العثمانية إحياء القلوب‏(!)..‏ مثل الفرمان الآتي بعد‏,‏ ومنها ما كان يصله منا ويبلغه عنا من بعض الناس حقا أو غير ذلك‏(!)‏ كفرمان آخر وصلنا قبل رجوعنا إلي مصر القاهرة‏.‏ ولنذكر لك هنا فرمانا‏..(‏ أي خطابا ممهورا بامضاء الحاكم وهو مثل الأمر أو التوجيه أو التعليمات الواجبة الاتباع‏)‏ وهو فرمان من النوع الأول الذي هو إحياء القلوب‏(‏ أو اقرأ استنهاض الهمم‏),‏وان كان في الفرمان شائبة توبيخ‏,‏ لتعلم كيف كان‏(‏ محمد علي‏)‏ حفظه الله يحثنا علي التعليم‏,‏ وهذه صورة ترجمته‏(‏ ومعناها أنه كان مكتوبا باللغة التركية‏):‏

قدوة الأماثل الكرام‏,‏ الافندية المقيمين في باريس لتحصيل العلوم والفنون‏,‏ زيد قدرهم‏..‏ ينهي إليكم أنه قد وصلنا أخباركم الشهرية‏,‏ والجداول المكتوب فيها مدة تحصيلكم‏,‏ وكانت هذه الجداول المشتملة علي شغلكم ثلاثة أشهر مبهمة لم يفهم منها ماحصلتموه في هذه المدة‏,‏ وما فهمنا منها شيئا‏,‏ وأنتم في مدينة باريس‏,‏ التي هي منبع العلوم والفنون‏,‏ فقياسا علي قلة شغلكم في هذه المدة عرفنا عدم غيرتكم وتحصيلكم‏,‏ وهذا الأمر غمنا غما كثيرا‏,‏ فياأفندية‏,‏ ماهو مأمولنا منكم‏(!)‏ فكان ينبغي لهذا الوقت أن كل واحد منكم يرسل لنا شيئا من أثمار شغله وآثار مهارته‏,‏ فإذا لم تغيروا هذه البطالة بشدة الشغل والاجتهاد والغيرة‏,‏ وجئتم إلي مصر بعد قراءة بعض كتب وظننتم أنكم تعلمتم العلوم والفنون‏,‏ فان ظنكم باطل‏,‏ فعندنا ولله الحمد والمنة رفقاؤكم المتعلمون يشتغلون ويحصلون الشهرة‏,‏ فكيف تقابلونهم إذا جئتم بهذه الكيفية وتظهرون عليهم كمال العلوم والفنون‏,‏ فينبغي للإنسان أن يتبصر في عاقبة أمره‏,‏ وعلي العاقل ألا يفوت الفرصة‏,‏ وأن يجني ثمرة تعبه‏,‏ فبناء علي ذلك أنكم غفلتم عن اغتنام الفرصة‏,‏ وتركتم أنفسكم للسفاهة‏,‏ ولم تتفكروا في المشقة

والعذاب الذي يحصل لكم من ذلك‏,‏ ولم تجتهدوا في كسب نظرنا وتوجهنا إليكم لتتميزوا بين أمثالكم‏,‏ فان أردتم أن تكسبوا رضاءنا فكل واحد منكم لايفوت دقيقة واحدة من غير تحصيل العلوم والفنون‏,‏ وبعد ذلك كل واحد منكم يذكر ابتداءه وانتهاءه كل شهر‏,‏ ويبين زيادة علي ذلك درجته في الهندسة والحساب والرسم‏,‏ ومابقي عليه في خلاص هذه العلوم‏,‏ ويكتب في كل شهر ماتعلمه في هذا الشهر زيادة علي الشهر السابق‏,‏ وأن قصرتم في الاجتهاد والغيرة فاكتبوا لنا سببه‏,‏

وهو اما من عدم اعتنائكم أو من تشويشكم‏,‏ وأي تشويس‏,‏ لكم هل هو طبيعي أو عارض‏,‏ وحاصل الكلام انكم تكتبون حالتكم كما هي عليه‏,‏ حتي نفهم ما عندكم‏,‏ وهذا مطلوبنا منكم‏,‏ فاقرأوا هذا الأمر مجتمعين‏,‏ وافهموا مقصود هذه الإرادة‏,‏ قد كتب هذا الأمر في ديوان مصر‏,‏ في مجلسنا في إسكندرية‏,‏ بمنه تعالي‏,‏ فمتي وصلكم أمرنا هذا فاعملوا بموجبه‏,‏ وتجنبوا وتحاشوا عن خلافه ـ خمسة في ربيع الأول سنة‏1245(1829‏ م‏)‏ انتهت صورة الرسالة طبق الأصل‏,‏ بلغتها أو بترجمتها الحرفية وبامضاء الوالي محمد علي باشا‏,‏ وقعها بنفسه‏.‏ وهذا نوع الرسالات التي ذكر رفاعة الطهطاوي أنها مما يسمي عند العثمانية رسائل احياء القلوب‏,‏ أي ما نسميه اليوم استنهاض الهمم‏.‏

وأول ما ألاحظه في الرسالة تكرار اتصال محمد علي بنفسه بالمبعوثين من الطلبة في الخارج‏,‏ وألاحظ بعد ذلك مخاطبتهم قبل الزجر والحث علي العمل بوصفهم بقدوة الاماثل الكرام وبالافندية‏.‏

وألاحظ حرص الباشا علي اثارة الغيرة والحمية في التلاميذ وترغيبهم في مستقبل تنعقد لهم فيه الشهرة‏,‏ وتخويفهم من الفشل‏.‏

ومهما كان عتابه ولومه وزجره‏..‏ لاتخفي أبدا رعايته المباشرة لهؤلاء الشباب واهتمامه بالعلوم والفنون وبالشباب من المصريين والمتمصرين من أهله وأسرته‏.‏

http://www.ahram.org.eg/Index.asp?Cu...3.htm&DID=8487













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ألف, أحمد, الكبير‏‏, على

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 02:22 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع