منتديات حراس العقيدة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: لا تشغل بالك بالمناهج المطوره مع أكاديمية الرواد الالكترونيه اصبحت المناهج سهله:: (آخر رد :amaaar)       :: تاريخ كلمات غيرت التاريخ (آخر رد :أبو عبد الرحمن)       :: تواصل بالابيات الشعرية (آخر رد :هند)       :: امرأة تحب أقاربها أكثر من بنيها (آخر رد :الذهبي)       :: خريطة مواقع القبائل العربية والبربرية في الجزائر (القرن الثامن) (آخر رد :tasdat)       :: اكتشاف مخطوطة قديمة للقرآن في شمال غرب الصين (آخر رد :الغازي سيف)       :: من أحدث إصدارات دور النشر السورية (آخر رد :ماجد الروقي)       :: مقارنة بين الطقوس الدينية بين اليهود والنصارى (آخر رد :zina)       :: الطوائف اليهودية في الجزائر بنيتهم العرقية لماذا إنحازوا لجانب الاستعمار الفرنسي (آخر رد :خير الدين)       :: فضيلة الشيخ الرفيق الجنرال الدكتور سعيد (آخر رد :الذهبي)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-Sep-2005, 05:38 PM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو سليمان العسيلي

 




افتراضي أثر الحملات العثمانية المصرية على نفوذ الدولة السعودية الأولى في عمان 1/3

بلغ نفوذ الدولة السعودية الأولى في عمان قمته خلال عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز 1218-1229هـ/1803-1814م، لكن أواخر عهد ذلك الإمام شهد قيام محمد علي باشا والي مصر العثماني بشن الحملات ضد تلك الدولة والتي انتهت بالقضاء عليها. وهدف هذا البحث هو توضيح أثر الحملات العثمانية المصرية على النفوذ السعودي في عمان من ناحية، وعلى السياسة التي انتهجها السيد سعيد بن سلطان، حاكم مسقط وعمان تجاه ذلك الأثر من ناحية أخرى. نفوذ الدولة السعودية في عمان قبل عام 1226هـ/1811م: وصل نفوذ الدولة السعودية إلى شمال عمان حوالي عام 1212هـ/ 1797م، ثم أخذ يتزايد ويتوغل في عمق المناطق العمانية خلال السنوات التالية(1). وفي عام 1218هـ/1803م، خلف الإمام سعود بن عبدالعزيز أباه في حكم الدولة السعودية، ويعود الفضل إلى جهوده في امتداد نفوذ الدولة السعودية خارج وسط الجزيرة العربية، وفي العام التالي قتل السيد سلطان بن أحمد سلطان مسقط الذي يعود إليه الفضل في تطوير القوة البحرية والنشاط التجاري لحكومة مسقط، وتوسيع النفوذ السياسي لتلك الحكومة في نواحي الخليج وشرق أفريقيا(2). وقد استثمر الإمام سعود التنافس الذي أعقب مقتل السيد سلطان على الحكم بين أبنائه وإخوته وأبناء إخوته، لتوسيع نفوذ الدولة السعودية في عمان، وتمكن من إيصال مرشحه السيد بدر بن سيف إلى الحكم في مسقط، وأقام له حاميات في الباطنة(3). شعر الإمام سعود في عام 1221هـ/1806م بأن نفوذه قد ضعف كثيراً في عمان، حيث توصل سلطان بن صقر شيخ القواسم الموالي له إلى اتفاق مع حكومة الهند البريطانية في ذي القعدة 1220هـ/فبراير 1806م، دون الرجوع إليه(4)، كما قتل السيد بدر بن سيف حاكم مسقط الموالي له على يد السيد سعيد بن سلطان المعارض لتعاظم النفوذ السعودي في عمان في صيف عام 1221هـ/1806م(5). ولذلك عزم الإمام سعود في العام التالي على تقوية نفوذه في شمال عمان والباطنة ومسقط مفيدًا من الانقسامات القبلية داخل الاتحاد القاسمي، وصغر سن السيد سعيد بن سلطان وقلة خبرته وفقدانه ولاء كثير من الزعماء العمانيين بسبب عدم تقديره لهم، وبالتالي فقده السيطرة على بعض الأقاليم العمانية(6). أرسل الإمام سعود في خريف عام 1222هـ/ 1807م قائده المشهور مطلق المطيري على رأس حملة قوية إلى عمان، وزوده بصلاحيات واسعة لمساعدة الزعماء العمانيين المغاضبين للسيد سعيد والتعاون معهم لإعادة فرض النفوذ السعودي في عمان. وقد نجح المطيري في التحالف مع أبرز زعماء عمان، واجتاح بهم وبأتباعهم ساحل الباطنة، وأخذوا يستولون على بلدانها حتى اقتربوا من المصنعة، ودخلوا إلى وادي سمايل، مما اضطر السيد سعيد إلى طلب الصلح وإرسال وفد إلى الدرعية في نهاية عام 1223هـ/1808م(7). عزم المطيري أيضاً على تقوية سلطة الدولة السعودية في شمال عمان أو "عمان الصير" وإلغاء مفعول الاتفاق الذي توصل إليه الشيخ سلطان بن صقر مع البريطانيين عن طريق إضعاف سلطة الشيخ سلطان على الاتحاد القاسمي، فأخذ يعين على بلدان القواسم وموانئهم أمراء يرتبطون به، وليس بشيخ القواسم، فقد عيّن الشيخ حسين بن علي في الرمس، والشيخ محمد بن أحمد الطينجي في شناص، والشيخ راشد بن حميد النعيمي في عجمان(8). وفي أواخر عام 1223هـ/1808م عزل المطيري الشيخ سلطان بن صقر عن مشيخة القواسم، وعين الشيخ حسين بن علي شيخ الرمس وأحد زعماء الاتحاد القاسمي وكيلاً سعودياً في عمان الصير، وزاد في مقدار الزكاة التي يجب أن يرسلها الوكيل الجديد إلى الدرعية، وأمره بإقامة الجهاد في البحر(9). وفي العام التالي (1224هـ/1809م) استدعى الإمام سعود الشيخ سلطان بن صقر إلى الدرعية، وأمره بالإقامة فيها(10). أصبح زعيم القواسم الجديد أو الوكيل السعودي في عمان الصير أكثر انقياداً للحاكم السعودي، وأشد تحمساً لتنفيذ سياسته في المنطقة؛ لأن الفضل يعود إلى السعوديين في وصوله إلى السلطة، كما أن زعماء القواسم الآخريـن لا يدينــون له بمناصبهــم؛ لأن المطيري هو الذي ثبتهــم فيها. وفي حين كان مطلق المطيري وحلفاؤه العمانيون يهاجمون بلدان الباطنة ومناطق عمان الداخلية خلال عامي 1223-1224هـ/1808-1809م كان الشيخ حسين بن علي يرسل فرقاً من أسطوله البحري لمهاجمة المراكب العمانية والهندية والبريطانية في مياه الخليج وبحر العرب وسواحل الهند. بل إن الوكيل السعودي بلغ به أن طلب من حكومة بومبي دفع رسوم لقاء دخول مراكبها التجارية إلى الخليج العربي وحمايتها(11). وقد شجعت الحملات البرية والبحرية الناجحة التي كان يقوم بها قادة الإمام سعود في عمان والبحار ذلك الإمام لإخضاع جميع الأقاليم العمانية لحكمه المباشر، فأرسل إلى السيد سعيد يهدده بمهاجمة مدينة مسقط بنفسه، بعد عودته من حج عام 1224هـ/1809م إذا لم يقم بإرسال أسطوله لمهاجمة أعداء الدولة السعودية(12). عندما عاد الكابتن ديفد سيتون (David Seton) المقيم السياسي البريطاني في مسقط إلى مقر عمله في بداية عام 1224هـ/1809م ذهل من تعاظم النفوذ السعودي في عمان، فأخذ في كتابة التقارير إلى حكومة بومبي يشرح لها مدى ما وصلت إليه أوضاع عمان، وكيف أن حكومة مسقط وصلت إلى الغاية من عدم الاستقرار، وأن السيد سعيد فقد السيطرة على البلاد ما عدا المناطق الساحلية التي لم يتمكن من حمايتها من السعوديين إلا عن طريق الخضوع التام لهم، وأن أغلب سكان مسقط قد غادروها، وأن حكومة مسقط تطلب مساعدة البريطانيين، وأنه إذا لم تسارع حكومة الهند إلى التدخل، فإن السعوديين - حسب رأيه - سيستولون على مسقط، وسيقضون على تجارتها وتجارة الخليجين (الخليج العربي والبحر الأحمر)، وسيهاجمون تجارة سواحل الهند، وسيحولون العمانيين إلى قراصنة كما فعلوا مع القواسم(13). وكان الكابتن سيتون يرى أن حاكم مسقط لن يتمكن من الدفاع عن مناطقه إلا باستعادة موانئ شمال الباطنة، لكنه لن يتمكن من ذلك دون مساعدة عسكرية وبحرية من الهند(14). اقتنعت حكومة الهند البريطانية بآراء الكابتن سيتون، فكلفت حاكم بومبي بإعداد حملة بريطانية لضرب القواسم ومساعدة حاكم مسقط ضدهم، وعهدت بقيادة تلك الحملة إلى الكولونيل ليونيل سميث (Lionel Smith) والكابتن ج. وين رايت (J. Wain Wright). وحددت أهدافها بتدمير موانئ القواسم ومراكبهم، ومساعدة حاكم مسقط على طردهم من ساحل الشمالية، وفرض معاهدة على القواسم تلزمهم بوقف (القرصنة) وإقامة قاعدة في مدخل الخليج تكون مقراً لمقيمية بريطانية، يمكن منها مراقبة القواسم وغيرهم، وقد حذر حاكم عام الهند وحاكم بومبي قواد الحملة من القيام بأي عمليات عسكرية على البر، أو الاحتكاك بالسعوديين، أو استخدام الجنود والبحارة ضد أي قوات تابعة لهم(15). أبلغت حكومة بومبي السيد سعيد بأن الحملة قد أرسلت لتأديب القواسم ومساعدته ضدهم، وذلك بناء على طلبه، وطلبت منه الاشتراك معها في ذلك، وتقديم كل ما تحتاج من مساعدة ممكنة(16). وقد وصلت الحملة إلى مسقط في رمضان 1224هـ/ أكتوبر 1809م، وفي الشهر التالي بدأت في مهاجمة وتدمير مراكب وموانئ القواسم على الساحلين العربي والفارسي للخليج، ونجحت في ذلك، لكنها فشلت في طرد القواسم من ساحل الشمالية وحماية حاكم مسقط منهم، والتوصل إلى اتفاق معهم، وإقامة قاعدة بريطانية في مدخل الخليج، وتجنب استفزاز السعوديين(17). ظن الإمام سعود وقادته أن السيد سعيد هو الذي استدعى الحملة البريطانية وتعاون معها لضرب أتباعهم القواسم، فقرروا الانتقام منه بعد رحيل البريطانيين. تلقى المطيري قوات جديدة، وتقدم بحوالي ثمانية آلاف مقاتل في أواخر عام 1225هـ/1810م، وفرض حصاراً على بلدة صحار، ولما عجز عن اقتحامها تجاوزها، وشكل من جيشه ثلاث فرق، أسند قيادة إحداها لابنه، والثانية لحليفه العماني الشيخ محمد بن ناصر الجبري، وتولى هو قيادة الفرقة الثالثة، وتقدمت هذه الفرق باتجاه الباطنة ومسقط وداخل عمان. وقد سيطر الجبري على وادي سمايل، وتقدم من هناك إلى أزكى(18)، أما المطيري وابنه فقد استوليا على أغلب المناطق المحيطة بموانئ مطرح وبركة والسويق، وألحقا بالسيد سعيد هزيمة شديدة في وادي المعاول(19)، وأجبراه على الاحتماء بسور مدينة مسقط(20). وقد أكد لوريمر (Lorimer) أنه في عام 1810م (1225هـ) وبعد الحملة البريطانية على القواسم مباشرة أن قوة الدولة السعودية ونفوذها في الخليج وهيمنتها على شؤون المنطقة قد وصلت إلى أعلى درجاتها(21). أجبر هذا الامتداد السعودي لأقاليم عمان الداخلية السيد سعيد على الاستنجاد مرة أخرى بحاكم بومبي، جوناثان دنكن (Jonathan Duncan)، وطلب منه قوات لصد العدو المشترك، متذرعاً بأن تعاونه مع حلفائه البريطانيين في الحملة الأخيرة قد ورطه في حرب عنيدة مع السعوديين الذين كانوا في سلام معه قبل ذلك، وأنه رفض عروضًا عدة قدمها له السعوديون بسبب صداقته للبريطانيين(22). أغضبت هذه الحجج المسؤولين البريطانيين، واتضح لهم أن حاكم مسقط كان يرفض عروض السعوديين للسلام معتمداً على علاقته بحكومة الهند مظهراً أن تلك الحكومة القوية حليفة له في صراعه مع السعوديين، مما سيجرها إلى الصدام معهم، وهي لا تريد ذلك(23). فأصدر حاكم الهند العام تعليماته إلى حاكم بومبي بأن يبلغ السيد سعيد أنه ليس هناك أي داع لادعائه بأن الحكومة البريطانية طرف في حربه مع السعوديين، وأن تلك الحكومة لا يعنيها النـزاع بينه وبينهم، وأن على حاكم مسقط أن يجنح إلى السلم الذي طلبه السعوديون إذا لم تكن شروطه تتعارض مع شرف حكومته وأمنها، وأنه من الأفضل ألا يشير في رده على أي عرض من السعوديين إلى علاقته بالحكومة البريطانية التي تعد نفسها في حالة سلام معهم(24). لقد أدرك البريطانيون بعد حملة عام 1224هـ/1809م مدى قوة النفوذ السعودي على القواسم الذي حال دون تحقيق أهم أهداف تلك الحملة، كما أدركوا مدى ضعف قوة حاكم مسقط وعجزه عن خدمة أهدافهم في المنطقة، كالتصدي للقواسم والقضاء على (القرصنة) وحماية التجارة في الخليج، كما أدركوا أيضاً أن السيد سعيد يسعى إلى توسيع نفوذه في المنطقة معتمداً على حلفه مع حكومة الهند، وأنه يتفادى الوصول إلى تفاهم مع السعوديين والقواسم لإجبار تلك الحكومة على تقديم المساعدة العسكرية له ضدهم، مما سيورطها في حرب معهم. لذلك، قرر الحاكم العام الابتعاد بحكومته عن الارتباط بحكومة مسقط، فلم يعد فتح المقيمية البريطانية هناك، ورفضت حكومة بومبي بسرعة تقديم المساعدة ضد هجمات المطيري(25). اضطر السيد سعيد نتيجة لتخلي حلفائه البريطانيين عنه إلى طلب المساعدة العسكرية من حاكم بلاد فارس فتح علي شاه(26)، الذي بعث إليه من شيراز حملة مكونة من (1500) جندي تصحبهم أربع بطاريات مدفعية خفيفة في آخر عام 1225هـ/ بداية 1811م، أضاف إليهم السيد سعيد (0004) من قواته، وأرسلهم لحرب القوات السعودية وحلفائها العمانيين. وبعد أن أحرز الفرس عدداً من الانتصارات تمكن المطيري وحلفاؤه من هزيمتهم في بلدة أزكى والاستيلاء على مدفعيتهم وطردهم إلى بلدة بركة(27). ويبدو أن هذه الانتصارات قد شجعت بعض أبناء الإمام سعود على الخروج إلى عمان في بداية عام 1226هـ/ 1811م أثناء وجود والدهم في الحجاز، دون إذنه، فانضم المطيري وحلفاؤه من زعمـاء عمــان وقبائلهــا إلى أبناء سعود، وقاموا بغزوة واسعة وصلت إلى بلدان بركة ومطرح في الباطنة، كما توغلوا في بلاد جعلان والشرقية حتى وصلوا إلى صور ورأس الحد، عادوا بعدها إلى البريمي(28). بلغ نفوذ الدولة السعودية في عمان خلال الفترة 1222 - 1226هـ/1807-1811م مرحلة متقدمة جداً بفضل سياسة الإمام سعود وجهود قائده القدير مطلق المطيري. فقد أخضعت تلك الجهود القواسم وشمال عمان لسلطة الدولة السعودية، كما أضعفت الحملات السعودية المتتابعة مقاومة السيد سعيد، وتوغلت تلك الحملات في أقاليم الباطنة والداخل والظاهرة والشرقية حتى وصلت إلى جعلان ورأس الحد في أقصى شرق عمان. ولم يتمكن السيد سعيد من الاحتفاظ بمسقط وبعض المناطق الداخلية إلا بدفع الزكاة السنوية إلى الدرعية(29). ولم يخلِّص مسقط والباطنة والمناطق الداخلية من عمان من المصير الذي آل إليه الصير وشمال عمان إلا تعرض الدولة السعودية لخطر خارجي جاء من الغرب، وهو وصول الحملة العثمانية المصرية إلى الحجاز في عام 1226هـ/1811م. أثر الحملة العثمانية المصرية الأولى على نفوذ الدولة السعودية في عمان: سبقت الإشارة إلى الحملة الواسعة التي قام بها أبناء الإمام سعود في عمان دون إذنه في بداية عام 1226هـ/1811م. ولما علم الإمام سعود بما قام به أبناؤه غضب غضباً شديداً، وأرسل فرقة من الجند لقبض حصن البريمي، ومنع أبنائه وأتباعهم من اللجوء إليه، كما أرسل إلى مطلق المطيري ومن معه من الجنود وأمرهم بالخروج من عمان(30). ويبدو أن الذي أثار غضب الإمام سعود ليس فقط مخالفة أبنائه لأوامره وقيامهم بأعمال غير مسؤولة في عمان، وإنما أغضبه أيضاً توقيت تلك الحملة. لقد بدأت تظهر في هذا الوقت (بداية عام 1226هـ/1811م) استعدادات محمد علي باشا - والي مصر - لإرسال حملة عسكرية إلى الحجاز لإخراج السعوديين منه(31). ويظهر أن الإمام سعود الذي كان في مكة لأداء مناسك الحج في ذلك العام قد علم من الحجاج القادمين عن طريق مصر بتلك الاستعدادات، وتوقع وصول القوات العثمانية المصرية إلى الحجاز خلال تلك السنة. وفي هذه الحال لم يكن من صالحه إشعال الحرب على الجبهة الشرقية وإثارة حفيظة حكام مسقط والقبائل العمانية في هذا الوقت. ويشير لوريمر إلى أن تحرك قوات محمد علي باشا ضد الدولة السعودية في الحجاز في عام 1811م (1226هـ) قد أحدث أثراً سريعاً حتى على الساحل الشرقي للجزيرة العربية(32). ويبدو أن السيد سعيد علم هو أيضاً بتلك الاستعدادات العثمانية المصرية لمهاجمة السعوديين في الحجاز، فبادر بإرسال حملة عسكرية لمهاجمة قطر والبحرين في عام 1226هـ/1811م بصحبة بعض زعماء أسرة آل خليفة المعارضين للنفوذ السعودي في تلك المنطقة، والذين لجؤوا إليه في مسقط وطلبوا مساعدته في أواخر العام السابق. وقد أحرقت ودمرت تلك الحملة بلدة الزبارة، واستولت على جزيرة البحرين، وطردت الحامية السعودية منها، وأخذت قائدها؛ فهد بن عفيصان وعدداً من رجاله رهائن. كما أخذ حاكم مسقط يعد العدة لمهاجمة رأس الخيمة ظاناً أن السعوديين سينشغلون عنه بمواجهة الأخطار في غرب الجزيرة العربية(33). والواقع أن الإمام سعود - الذي أدرك عزم والي مصر على مهاجمته في الحجاز - أخذ بعد عودته من الحج في بداية عام 1226هـ/1811م في وضع الترتيبات لتهدئة الجبهة الشرقية وتأمينها، فأطلق رؤساء آل خليفة؛ شيوخ البحرين المحتجزين لديه في الدرعية، وسمح لهم بالعودة إلى بلادهم بعد أن أخذ عليهم العهد بالسمع والطاعة وعدم المخالفة(34). كذلك أرسل الإمام سعود مبعوثاً إلى شيراز لمقابلة حاكم إقليم فارس، لتحسين العلاقات معه وضمان عدم إرسال ذلك الحاكم قواته مرة أخرى إلى عمان وسواحل الخليج، واستغلال انشغال القوات السعودية في الصراع المتوقع في الحجاز(35). وقد كلف الإمام سعود مبعوثه أيضاً بالمرور في طريقه إلى شيراز بميناء بوشهر لمقابلة المقيم البريطاني هناك، بهدف توثيق علاقات الصداقة والتفاهم مع حكومة الهند البريطانية(36). وصلت طلائع الحملة العثمانية المصرية الأولى إلى ميناء ينبع في رمضان عام 1226هـ/أكتوبر 1811م، واستولت عليه(37). وكان لابد أن يؤثر ذلك على نفوذ الدولة السعودية في عمان وجنوب الخليج العربي، ويشجع حاكم مسقط وغيره من شيوخ قبائل المنطقة على محاولة التخلص من ذلك النفوذ، كذلك شعرت قبائل شمال عمان والصير بضعف قبضة السعوديين في المنطقة نتيجة لاستدعاء الإمام سعود لقائده المطيري وقواته من عمان، وسحبه للحاميات السعودية الموجودة في الزبارة وقطر وخور حسن والأحساء والقطيف لتركيز قواته ضد الغزاة في الحجاز(38). وقد استغل السيد سعيد وشيخ بني ياس هذه الظروف للتخلص من النفوذ السعودي. فعندما أرسل الإمام سعود حوالي منتصف عام 1226هـ/1811م أمير الأحساء؛ عبدالعزيز بن غردقة لقيادة القوات السعودية في شمال عمان بدلاً من المطيري وإعادة القوة للنفوذ السعودي في الداخل اعترضته قبيلة بني ياس في الظفرة، وغدرت به، وقتلته مع عدد كبير من القوة المرافقة له(39). تابع السيد سعيد الرسائل والمبعوثين إلى حكومة بومبي خلال النصف الأخير من عام 1226هـ/1811م يطلب إمداده بالعساكر والأسلحة للاستعانة بها في مواجهة السعوديين والقبائل العمانية المتحالفة معهم. فقد تلقى جوناثان دنكن - حاكم بومبي - من حاكم مسقط رسالة في الثاني والعشرين من أكتوبر 1811م (4 شوال 1226هـ) يذكر فيها أنه سبق له أن طلب من الحكومة عن طريق وكيله "سرور" راجمة قنابل، وهو الآن يعيد الطلب ويأسف لتأخيره، ويطلب أيضاً شخصاً مدرباً لتشغيل الراجمة على أن يعيده بعد انتهاء مهمته(40). وعندما تولى جورج براون (George Brouwn) رئاسة حكومة بومبي في نوفمبر 1811م (شوال 1226هـ) أعاد السيد ماجد مبعوث السيد سعيد إلى حاكم بومبي وحاجي سرور بن ياقوت وكيله في بومبي عرض طلبات سيدهم على مسامع ذلك الحاكم. كتب براون حاكم بومبي رسالة مطولة إلى السيد سعيد مؤرخة في العشرين من نوفمبر 1811م (4 ذو القعدة 1226هـ) شرح له فيها موقف حكومة الهند من الحرب التي يريد حاكم مسقط الدخول فيها مع السعوديين ومن إرسال القوات العسكرية التي طلبها ذلك الحاكم لمساعدته في "إخضاع الوهابيين في عمان"، فذكره بسياسة حكومة الهند تجاه السعوديين التي سبق أن أبلغه بها حاكم بومبي السابق، جوناثان دنكن في 13 سبتمبر 1810م الموافق 13 شعبان 1225هـ، والتي تحضه على الاتفاق مع السعوديين مما يمكنه من خدمة مصالحه دون ذكر للحكومة البريطانية التي لم تتعرض إلى الآن لأي عمل عدواني من طرفهم. ولذلك فإن الحكومة البريطانية ترى أنه من واجبها النـزوع إلى دواعي العدل التي تحكم علاقات الدول بإظهار التفاهم مع بعضها البعض والابتعاد عما يمكن أن يفسر بأنه نقض لمبادئ الحياد. وأضاف براون بأن حاكم عام الهند ما زال يسير على هذه السياسة، وأنه إذا حدث وأن قرر ذلك الحاكم تقديم المساعدة لحاكم مسقط، وأرسل إليه قوات عسكرية فإن جميع نفقاتهم يجب أن يتحملها السيد سعيد كاملة. وفيما يتعلق بطلب راجمة القنابل والخبير الذي يشغلها فقد اعتذر حاكم بومبي للسيد ماجد والحاجي سرور بأنه لم يجد من يقبل بمهمة العمل في مسقط بسبب سوء المناخ في تلك البلدة الذي أودى بحياة كثير من الأوربيين، وأنه لا يستطيع أن يجبر أحداً على ذلك لأنه كالموت الحتمي لهم(41). حين علم السيد سعيد بتعيين السير إيفان نبيان (Evan Nepean) حاكماً جديداً لبومبي في أواخر عام 1226هـ/1811م عاوده الأمل في الحصول على مساعدة حكومة الهند ضد الدولة السعودية. فأرسل مبعوثاً جديداً إلى بومبي يطلب من حاكمها إرسال ألفي جندي لمساعدته في وقف تقدم السعوديين والحيلولة دون وقوع مدينة مسقط ومينائها في أيديهم. وقد وصل هذا المبعوث إلى بومبي في شهر يونية 1812م/ جمادى الآخرة 1227هـ، لكنه لم يتمكن من إقناع نبيان بإرسال أي قوة عسكرية إلى عمان(42). ومن ناحية أخرى كان السيد سعيد يبعث رسائل إلى وكيله في بومبي؛ حاجي سرور يطلب منه التقدم إلى الشركة الإنجليزية بطلبات لشراء أسلحة وذخيرة مثل: المدافع والقنابل والبنادق والبارود وغيره من الذخيرة، ويطلب منه إرسال ذلك على وجه السرعة في مراكب إنجليزية أو عربية وذلك "لاستخدامه ضد رأس الخيمة خلال هذا الموسم". وقد تضمنت سجلات حكومة بومبي نصوص رسائل من هذا النوع مؤرخة في شهور: صفر وربيع الأول وشعبان من عام 1227هـ، الموافقة لشهور: فبراير وأبريل وسبتمبر من عام 1812م(43). وكان حاكم عام الهند - بعد عرض هذه الطلبات عليه - يوافق في العادة على تلبيتها في حالة وجود كميات منها في مخازن الشركة ويمكن الاستغناء عنها في ذلك الوقت على أن تباع بالسعر المعتاد(44). لم تكن الحاميات السعودية في عمان قوية في هذا الوقت، كما لم يتعرض حاكم مسقط لأي ضغط سعودي بعد استدعاء مطلق المطيري وقواته إلى نجد ومقتل ابن غردقة وجنوده حتى قبل أن يصلوا إلى شمال عمان بعد ذلك، مما يضطره إلى الإلحاح في طلب مساعدة عسكرية كبيرة من حكومة الهند. ويظهر أن السيد سعيد أراد أن يحصل على هذا الدعم العسكري من البريطانيين في هذا الوقت، لكي يتمكن بوساطته من القيام بهجوم شامل على موانئ القواسم مستغلاً ضعف وجود السعوديين في عمان وانشغالهم في مواجهة الجيوش العثمانية المصرية في الحجاز. تمكنت الحملة العثمانية المصرية من الاستيلاء على المدينة المنورة في شهر ذي القعدة عام 1227هـ/ نوفمبر 1812م. وفي بداية العام التالي دخل قسم من تلك الحملة مكة وجدة والطائف بتواطئ من الشريف غالب بن مساعد أمير مكة. وفي صيف ذلك العام (1228هـ/1813م) وصل محمد علي باشا إلى الحجاز للإشراف بنفسه على سير المعارك هناك(45). كان لهذه التطورات أثر بعيد على الموقف العسكري السعودي، حيث أرسل الإمام سعود في أواخر شهر رجب عام 1228هـ (يولية 1813م) مبعوثاً يدعى إبراهيم بن عبدالكريم لمقابلة حاكم إقليم فارس، الأمير حسين علي ميرزا والمقيم البريطاني في بوشهر، الملازم وليم بروس (William Bruce)؛ وذلك للتوصل إلى تفاهم واتفاق مع كل من المسؤولين الفارسي والبريطاني، وقد أبلغ المقيم بروس إيفان نبيان، حاكم بومبي في رسالة مؤرخة في الثاني عشر من أغسطس 1813م (14 شعبان 1228هـ)، بأن المبعوث السعودي كان يهدف إلى التوصل إلى معاهدة مع حاكم فارس الذي كان يشاع أنه سيرسل حملة إلى الخليج. كما أفاد المقيم حاكم بومبي أن هذه الإشاعة لا أساس لها، لعدم قدرة حاكم فارس على إرسال حملة عسكرية عبر البحر، ولأن بعضاً من سكان الساحل الفارسي للخليج يدين بالولاء لسعود. وقد ذكر المقيم أيضاً بأن ابن عبدالكريم عاد من شيراز بهدايا لسعود، وقابل المقيم نفسه في بوشهر مساء الحادي عشر من أغسطس (13 شعبان)، وأبلغه رغبة الإمام سعود في التوصل مع البريطانيين إلى تفاهم وصداقة واتفاق لفائدة الطرفين(46). تقدمت الإشارة إلى عزل الإمام سعود للشيخ سلطان بن صقر عن مشيخة القواسم واستدعائه إلى الدرعية واحتجازه فيها عام 1224هـ/1809م. وقد تمكن الشيخ سلطان في نهاية عام 1227هـ/2181م من الفرار من الدرعية مستغلاً موسم الحج، والاتصال بطوسون باشا وقادة الحملة العثمانية المصرية في الحجاز. وقد وجد فيه محمد علي باشا وسيلة للضغط على الدولة السعودية من الشرق، فبعثه إلى حاكم مسقط بعرض للتحالف بين الباشا وذلك الحاكم ضد السعوديين. وصل الشيخ سلطان إلى مسقط في بداية عام 1228هـ/1813م، ووضع نفسه تحت حماية السيد سعيد بن سلطان وطلب منه المساعدة للعودة إلى مشيخة القواسم في مقابل تحالفه مع حاكم مسقط وقبوله بسيادته وامتناعه هو وقبيلته عن مهاجمة المناطق والمراكب العمانية(47). وقد رحب السيد سعيد بالتحالف مع المصريين وبدأ يكاتب طوسون باشا في الحجاز ويعده بالمساعدة وتعهد له بأن يعيد شيخ القواسم المعزول إلى منصبه في قبيلته، وأرسل إلى جدة مركباً محملاً بالمؤن والعتاد(48). كان التنافس والخصومة بين القواسم وحكام مسقط من أهم العوامل التي أدت إلى امتداد النفوذ السعودي وتقويته في عمان(49). وقد أيقن محمد علي باشا أنه إذا ما تمكن الشيخ سلطان بن صقر من العودة إلى مشيخة القواسم، وعاد القواسم إلى مهادنة حكومة مسقط والتعاون معها، فإن ذلك سيشكل جبهة ضغط قوية ضد الدولة السعودية في الشرق، وبالتالي تخفيف المقاومة على جبهة الحجاز. لذلك طلب والي مصر من السيد سعيد مساعدة الشيخ سلطان للعودة إلى مشيخته

يتبع













التوقيع



رضي الله عن أم المؤمنين

عــائشة الصـدّيقة بـنت الصـدّيق
رضي الله عنهما


 أبو سليمان العسيلي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Sep-2005, 05:41 PM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية أبو سليمان العسيلي

 




افتراضي أثر الحملات العثمانية المصرية على نفوذ الدولة السعودية الأولى في عمان 2/3

لذلك طلب والي مصر من السيد سعيد مساعدة الشيخ سلطان للعودة إلى مشيخته. وقد وجد السيد سعيد في تحقيق طلب الباشا والتعاون معه وسيلة للخلاص من نفوذ السعوديين وهجماتهم وهجمات القواسم على بلاده ومراكبه. أراد السيد سعيد الاستعانة بحلفائه البريطانيين، فكتب إليهم يخبرهم بعودة الشيخ سلطان بن صقر، ورغبة ذلك الشيخ في التحالف معه ومعهم، وترك (القرصنة)، كما أبلغهم بعزمه على مهاجمة رأس الخيمة ومساعدة الشيخ سلطان بن صقر على العودة إلى مشيخة القواسم والتوصل إلى اتفاق معه بعد ذلك، يتعهد الشيخ سلطان بموجبه بالامتناع عمَّا أسمته بريطانيا بـ (القرصنة). وطلب حاكم مسقط من حكومة بومبي أن يصحبه مقيمها في الخليج العربي الملازم وليم بروس بطراد حربي أو اثنين لدعمه معنويا وعسكريا، وليشهد على توقيع الاتفاق(50). وقد أعاد السيد سعيد هذه المقترحات على مسامع المقيم بروس حين زار مسقط في آخر شهر مايو عام 1813م (جمادى الأولى 1228هـ). وذكر بروس في رسالة إلى فرانسيس واردن ((Francis Warden رئيس سكرتارية حكومة بومبي مؤرخة في الرابع من يونية 1813 (4 جمادى الثانية 1228هـ) أنه حين وصل إلى مسقط وجــد (الإمام) السيد سعيد يستعد لمهاجمة رأس الخيمة لمساعدة الشيخ سلطان بن صقر على العودة إلى مشيخة القواسم، وأضاف بروس أن حاكم مسقط أكد له أن الشيخ سلطان وعده بأنه سيكون تابعاً له وأنه سيمنع قومه من الحملات البحرية. وطلب السيد سعيد من المقيم أن يصحبه في هذه الحملة لكي يشهد على اتفاقه مع الشيخ سلطان، ولكي يعقد معاهدة بريطانية جديدة مع القواسم. وقد لحظ المقيم شدة حماس حاكم مسقط وثقته بنجاح حملته وما ستعود به على مسقط وعلى البريطانيين من مصالح. وقد أبلغ المقيم حكومة بومبي بأنه يؤيد هذه المقترحات وطلب توجيهاتها له بهذا الخصوص(51). رأت حكومة بومبي في عودة الشيخ سلطان بن صقر إلى مشيخة القواسم والتقارب العماني القاسمي المحتمل مصلحة كبيرة لها، وربما رأت في ذلك نهاية (للقرصنة) وخاصة أن القواسم عادوا خلال عام 1227هـ/1812م للتعرض للمراكب التجارية ونهبها. أمرت حكومة بومبي المقيم بروس الذي أصبح الآن مسؤولاً عن رعاية المصالح البريطانية في جميع نواحي الخليج العربي بما في ذلك مسقط بمرافقة السيد سعيد على طراد حربي واحد، وتقديم الدعم اللازم له، وتجديد اتفاق الكابتن سيتون مع القواسم لعام 1220هـ/1806م وعقد اتفاقيات مماثلة مع شيوخ الخليج الآخرين(52). اجتمع المقيم بروس بالسيد سعيد في جزيرة قشم عند مدخل الخليج، حيث كان حاكم مسقط يتواصل مع الشيخ سلطان بن صقر الذي كان يقيم على الساحل الفارسي. ومن هناك أبحر السيد سعيد والمقيم بروس إلى أبو ظبي التي وصلا إليها في التاسع والعشرين من يونية 1813م (30 جمادى الثانية 1228هـ)، حيث اجتمع السيد سعيد بشيخ بني ياس(53)، وتمكن من إقناعه بالاشتراك في الحملة ضد رأس الخيمة على رأس ألفي مقاتل من قبيلته. كذلك تلقى السيد سعيد تعهداً من شيخ البحرين عبدالله بن خليفة بالتعاون معه في تلك الحملة وتقديم ألفي مقاتل يحملهم ما بين (15-20) مركباً بحرياً. وقبل أن يغادر حاكم مسقط أبو ظبي تلقى خبراً من الشيخ سلطان بن صقر الذي كان يجمع المقاتلين على الساحل الفارسي، يبلغه فيه بأنه قد انضم إليه عدد من الزعماء العرب هناك، وأن قواته الآن تكفي لإنجاز المهمة؛ لأنها تتكون من حوالي خمسة آلاف رجل محمولين على ما يتراوح بين أربعين وثمانين مركباً. وقد أبلغ السيد سعيد المقيم البريطاني بأن هذه القوات ستنضم إليه في دبي شرق أبو ظبي(54). أبلغ المقيم بروس رؤساءه في بومبي بما عبر عنه كل من السيد سعيد والشيخ سلطان بن صقر من امتنان للمساعدة التي قدمها ذلك المقيم لهما، وأكد الزعيمان أن الشيوخ العرب لم يكونوا ليجتمعوا لولا وجوده، كما أكد الشيخ سلطان بشكل خاص بأنه سيكون مديناً بعودته إلى مشيخة القواسم للبريطانيين، أما المقيم بروس نفسه فقد أكد أنه إذا كانت الحكومة البريطانية تريد عقد معاهدة مع القواسم (أو تجديد المعاهدة القديمة)، فإنه ليس هناك وقت أفضل من هذا(55). لكن بروس تفادى حضور الهجوم على رأس الخيمة، وعاد إلى بوشهر. وليس في المصادر ما يؤكد حضور عتوب البحرين للاشتراك في ذلك الهجوم كما وعدوا. أما الشيخ سلطان بن صقر فقد التحق بالسيد سعيد في دبي على رأس مئة وخمسين مركباً، واستعد الجميع للهجوم على رأس الخيمة، لكن هذا الهجوم فشل بسبب تخلي شيخ بني ياس عن الاشتراك فيه، حيث اضطر السيد سعيد إلى العودة بغاية الإحباط إلى مسقط(56). لا تتضح الأسباب التي دفعت شيخ بني ياس إلى التخلي عن السيد سعيد في مثل هذا الوقت الحرج. وربما يكون أحد هذه الأسباب أو بعضها تخوف شيخ بني ياس من تزايد طموحات حاكم مسقط وقوته في حالة انتصاره على رأس الخيمة، وتخوفه من نتائج عودة زعيم قوي مثل الشيخ سلطان بن صقر إلى مشيخة القواسم المجاورة، أو تخوفه من انتقام محتمل من قبل الدولة السعودية التي ما تزال قوية في وسط جزيرة العرب وشرقها، وقد يكون شيخ بني ياس قد رضخ لضغوط من قبل شيخ رأس الخيمة والوكيل السعودي الموجود هناك في ذلك الوقت. والراجح أنه كان للانقسام الذي كانت تعاني منه قبيلة بني ياس في هذا الوقت أثره على مواقف شيوخها من كل من حاكم مسقط والسعوديين؛ فقد كانت القبيلة منقسمة قسمين: يتزعم أحدهما الشيخ شخبوط بن ذياب، في حين يتزعم القسم الآخر الشيخ هزاع بن زايد. وتذكر المصادر البريطانية أن مكان اجتماع القوات المتحالفة كان في "دبي ديرة عرب هزاع"، كما يذكر المقيم بروس بأن مفاوضات حاكم مسقط كانت مع الشيخ بطي الذي يسميه "شيخ بني ياس"(57). غضب الإمام سعود من محاولة السيد سعيد إعادة الشيخ سلطان بن صقر إلى مشيخة القواسم ورأس الخيمة، وطرد شيخها المعين من قبله، واستعانته بالبريطانيين وأهل البحرين وبني ياس لتحقيق ذلك. لهذا أعاد سعود قائده الشهير مطلق المطيري إلى عمان حوالي منتصف عام 1228هـ/1813م، وكلفه بمعاقبة السيد سعيد. جمع المطيري أعداداً كبيرة من قبائل الظاهرة والشمال الموالين للدولة السعودية، مثل: بني ياس والنعيم والظواهر وبني قتب وبني كعب وكليب والشوامس والشيخ حميد بن ناصر الغافري والشيخ محمد بن ناصر الجبري وقومهما وتوجه بهم لمهاجمة الباطنة(58). وقد اضطر السيد عزان بن قيس حاكم صحار وغيره من حكام بلدان الباطنة إلى مصالحته لعجزهم عن المقاومة. وأخذ المطيري يتقدم بجيشه في الباطنة حتى وصل إلى بلدة المصنعة، عندها أدرك السيد سعيد عدم مقدرته على المقاومة، فقرر مقابلة المطيري في المصنعة والتوصل معه إلى اتفاق، دفع السيد سعيد بموجبه للمطيري مبلغ أربعين ألف ريال(59)، مقابل إيقاف الهجوم - كما ينص ابن رزيق - على "رعيتي [رعية السيد سعيد] ورعية عمي؛ محمد ابن الإمام، ورعية ابن عمي عزان بن قيس، ورعية عمي؛ سعيد ابن الإمام"(60). لم يرض الإمام سعود عن إيقاف المطيري لحملته بتلك السرعة، كما لم ير المطيري نفسه أن اتفاقه مع السيد سعيد يشمل من المناطق العمانية غير الباطنة ومسقط وما جاورها. لذلك أعاد الإمام سعود المطيري إلى عمان مرة أخرى في أواخر عام 1228هـ/1813م لمواصلة الضغط على السيد سعيد، وقد وجد القائد السعودي هذه المرة صعوبة في جمع الأتباع والمقاتلين من أهل عمان، وخاصة قبائل الشمال. توجه المطيري بمن اجتمع معه من أهل الظاهرة إلى الشرقية. ولما وصل إلى بلاد الحجريين من بلاد الشرقية فرق جيشه للإغارة على بلدانهم. انتهز الحجريون قلة من بقي معه من أتباعه فهاجموه في قرية الواصل من بدية، وأرداه أحدهم برصاصة من بندقيته في شهر ذي القعدة عام 1228هـ (نوفمبر 1813م)، تفرق بعدها أتباعه، وعادوا إلى البريمي(61). لما علم الإمام سعود بمقتل المطيري أرسل إلى البريمي قائداً آخر يدعى عبدالله بن مزروع، لكنه لم يكن يتمتع بكفاءة وخبرة وهيبة المطيري، كما أن ظروف الدولة السعودية في ذلك الوقت لم تكن تساعد على تحقيق أهداف الحاكم السعودي في عمان. فلما علم السيد سعيد بخروج ابن مزروع بأتباعه من البريمي لمعاقبة الحجريين جمع المقاتلين من قبائل الشرقية، وتقدم إلى بلدة نزوى. وحين وصل ابن مزروع إلى بلدة بهلا، أخبره حلفاؤه العمانيون بموضع حشود حاكم مسقط، ونصحوه بعدم التقدم(62). تأثر نفوذ الدولة السعودية في عمان وجنوب الخليج العربي كثيراً مع بداية عام 1229هـ/1814م، فبالإضافة إلى فقد تلك الدولة لمدن الحجاز ومقتل قائدها الشهير مطلق المطيري، وضعف حامياتها في عمان، شكلت عودة الشيخ سلطان بن صقر وتحالفه مع حاكم مسقط ومحاولاتهما بالتعاون مع البريطانيين وبعض قبائل جنوب الخليج للاستيلاء على رأس الخيمة ومشيخة القواسم تهديداً خطيراً لنفوذها في المنطقة بصفة عامة، ونفوذها على القواسم بصفة خاصة. فقد كان الشيخ سلطان بن صقر ما يزال يتمتع بمكانة خاصة بين القواسم، ولابد أن يكون للدعم الذي حظي به من السيد سعيد والبريطانيين والمصريين والضغوط التي كانت تواجهها الدولة السعودية في غرب الجزيرة العربية أثر في ترجيح ودعم مطالبته بزعامة القواسم، وخاصة أن الشيخ حسين بن علي الوكيل السعودي في بلاد القواسم لا ينتمي إلى بيت المشيخة التقليدي في الاتحاد القاسمي، ولم يكن من أهل رأس الخيمة. وقد تمكن الشيخ سلطان بالفعل في هذه السنة بمساعدة أتباعه وحلفائه من السيطرة على بلدة الشارقة، ثاني أهم الموانئ القاسمية. كذلك، تلقى قواسم رأس الخيمة في هذا الوقت هزيمة على يد جيرانهم بني ياس بعد مناوشات حادة بين الطرفين، خسر فيها القواسم حوالي ثلاثمئة قتيل وحوالي أربعمئة من الإبل(63). عمد الإمام سعود إزاء هذه التطورات في عمان إلى إعادة زعامة القواسم إلى بيت المشيخة القديم، فعين الشيخ حسن بن رحمة ابن عم الشيخ سلطان بن صقر شيخاً للقواسم في بداية عام 1229هـ/1814م(64). وقد هدف الحاكم السعودي من وراء هذه الخطوة - على ما يبدو - إلى إفشال مخططات كل من السيد سعيد والشيخ سلطان بن صقر والبريطانيين للاستيلاء على رأس الخيمة، ومن ثم إخراج القواسم عن سلطة السعوديين وتوقيع معاهدة معهم. كذلك هدف الحاكم السعودي من وراء تعيين الشيخ حسن بن رحمة - سليل بيت المشيخة القاسمية - إلى إيجاد منافس قوي للشيخ سلطان على مشيخة القواسم وحكم رأس الخيمة من ناحية، والمحافظة على تماسك الاتحاد القاسمي وولائه للدولة السعودية من ناحية أخرى(65). أما في مسقط فقد أرسل الإمام سعود إلى هناك مبعوثاً يدعى محمد بن سلامة في مهمة للتوصل إلى تسوية مع السيد سعيد، كما كلف ذلك المبعوث أيضاً بالاتصال من هناك بحكومة بومبي للتوصل معها إلى تفاهم وصداقة. وقد وصل محمد بن سلامة إلى مسقط في الأول من شهر ربيع الأول 1229هـ/21 فبراير 1814م، وبدأ مفاوضات طويلة مع حاكم مسقط، كما بعث برسالة إلى السير إيفان نبيان، حاكم بومبي، أبلغه فيها بأنه وصل إلى مسقط "للمفاوضة مع السيد سعيد بن سلطان ابن الإمام أحمد، لتسوية الأمور بينه وبين الإمام سعود"(66). وقد كتب الوكيل المحلي لشركة الهند الشرقية في مسقط؛ كوسي غولاب (Cossee Gholab) رسالة إلى حاكم بومبي نفسه، مؤرخة في 13 ربيع الأول 1229هـ/5 مارس 1814م، يذكر فيها وصول محمد بن سلامة إلى مسقط لمفاوضات سلام مع السيد سعيد، وأن تلك المفاوضات استمرت لفترة طويلة ولكن الأمور ما تزال كما هي، ولم يتم التوصل إلى حل للمشكلات. وأضاف الوكيل غولاب أنه أثناء سير المفاوضات وصل خبر يفيد بأن سعود بن عبدالعزيز قد مات، وأن ابنه قد خلفه. وأكد غولاب بأن هذه الظروف قد حالت دون التوصل إلى سلام، لأن كلا من الطرفين كان ينتظر التأكد من صحة الخبر، وأنه إذا صح هذا الخبر فإنه لن يكون هناك اتفاق(67). أبلغ السيد سعيد المقيم البريطاني بروس بنتائج مفاوضاته مع مبعوث الإمام سعود، وأكد له أنه لم يتوصل معه إلى شيء. وقد نقل المقيم بروس مضمون رسالة السيد سعيد إلى السيد واردن رئيس سكرتارية حكومة بومبي في رسالة مؤرخة في 8 يونية 1814م (20 جمادى الآخرة 1229هـ) ذكر فيها أن حاكم مسقط لم يتوصل مع محمد بن سلامة، مبعوث سعود إلى أي شيء لأمور لم يمكنه قبولها، لكنه لم يذكر تلك الأمور، وأضاف المقيم بأن وكيل الشركة في مسقط بعث إليه برسالة يذكر فيها تلك الأمور، وهي أن محمد بن سلامة طلب تضمين الاتفاق شرطاً سرياً مفاده أن يزود السيد سعيد الوهابيين عند اللزوم بمراكب لمهاجمة ساحل مليبار، ولذلك اضطر السيد سعيد إلى طرد المبعوث السعودي من بلاده، وذلك ما حدث في الرابع والعشرين من أبريل (الرابع من جمادى الأولى)، وعلق المقيم على ذلك قائلاً: إن هذا العمل يصعب فهمه، وهو يوضح مدى افتقار الوهابيين للإخلاص، ومدى ضعف الاعتماد على تعهداتهم(68). يتضح مما تقدم أن الإمام سعود كان حريصاً - قبيل وفاته - على التوصل إلى سلام واتفاق مع حاكم مسقط. فلم يكتف بإرسال مبعوث خاص لهذه المهمة ظل يتفاوض مع ذلك الحاكم أكثر من شهر لكي يتوصل إلى اتفاق معه، بل كلف ذلك المبعوث أيضاً بالاتصال بحكومة الهند لإبلاغها برغبته في الوصول إلى تفاهم وصداقة معها وسلام واتفاق مع حاكم مسقط، لعلمه بأن تلك الحكومة حليفة لحاكم مسقط وحريصة على حمايته. لكن وفاة الإمام سعود أثناء سير المفاوضات، ومقتل قائده القدير مطلق المطيري قبل ذلك، وهما اللذان أوصلا النفوذ السعودي في عمان إلى قمته، أوقف تلك المفاوضات، وأحيا بقوة الآمال لدى السيد سعيد، ليس في التخلص من ذلك النفوذ فقط، وإنما في توسيع نفوذ مسقط في جنوب الخليج على حساب تراجع النفوذ السعودي. أوقف السيد سعيد المفاوضات مع محمد بن سلامة عند وصول الخبر بوفاة الإمام سعود، وحين تأكد من صحة ذلك الخبر طرده من مسقط، وأبلغ البريطانيين الذين كانوا يحضونه على التوصل إلى تفاهم وسلام مع السعوديين بأنه لم يستطع التوصل مع المبعوث السعودي إلى أي شيء؛ لأن الأخير كان يشترط عليه تقديم المراكب اللازمة لغزو سواحل الهند. ولا تخفى هنا محاولة السيد سعيد تبرير عدم توصله إلى سلام مع السعوديين من ناحية، والتزلف إلى البريطانيين من ناحية أخرى. إن من الملفت للنظر أن السيد سعيد لم يبلغ البريطانيين بالأسباب التي حالت دون توصله إلى اتفاق مع المبعوث السعودي محمد بن سلامة بنفسه بالرغم من شدة علاقة تلك الأسباب بالبريطانيين والهند. وبدلاً من ذلك ترك تلك المهمة للوكيل المحلي للشركة الإنجليزية في مسقط، لكي لا يظهر ذلك بأنه محاولة منه للتهرب من التوصل إلى تفاهم مع السعوديين - وهو ما كانوا يدفعونه إليه - أو محاولة منه للتزلف إليهم. وقد نجح السيد سعيد بهذه الطريقة في استثارة المقيم البريطاني بروس وحكومة بومبي ضد السعوديين، حيث وصفهم بروس والسيد واردن بعدم الإخلاص وعدم الوفاء بالعهود(69). إن الأسباب التي قيل: إنها حالت دون توصل حاكم مسقط إلى سلام مع المبعوث السعودي محمد بن سلامة، تتناقض مع الحرص الشديد الذي أبداه ذلك المبعوث على التوصل إلى تفاهم وصداقة مع البريطانيين في رسالته إلى حاكم بومبي(70). ومن هنا، فإنه من المستبعد أن يعمل الإمام سعود على تحسين علاقته مع حكومة الهند - كما هو واضح من رسالة مبعوثه إليها - وفي هذه الظروف الصعبة التي تواجهها دولته في الغرب، وفي الوقت نفسه يقوم بوضع الترتيبات لمهاجمة سواحل الهند. شعر السيد سعيد بعد مقتل المطيري وضعف الحاميات السعودية في عمان ووفاة الإمام سعود واشتداد ضغط القوات العثمانية المصرية على السعوديين في الحجاز، بأن الوقت أصبح مناسباً لإعادة الكرة على رأس الخيمة لإعادة الشيخ سلطان بن صقر إلى مشيختها ومشيخة القواسم. فكتب إلى المقيم بروس في منتصف شهر مايو 1814م (حوالي 24 جمادى الأولى 1229هـ) يخبره بأنه عازم على مهاجمة رأس الخيمة مرة أخرى وأن الشيخ سلطان بن صقر وشيخ بني ياس وشيوخ قبائل آخرين يتوسلون إليه؛ لينضم إليهم في مهاجمة رأس الخيمة، ويؤكدون له إخلاصهم، وبذل كل ما يستطيعون لنصرته، وعدم تكرار ما حدث في العام السابق(71). وقد حرص حاكم مسقط - كعادته - قبل القيام بحملته على رأس الخيمة على الحصول على مساعدة الحكومة البريطانية، فكلف وكيله في بومبي بأن يطلب من حاكمها تقديم سفينتين حربيتين وقوة من الجند عوناً له، مستنداً في طلبه على معاهدتي عام 1213هـ/ 1798م وعام 1214هـ/1800م بين حكومة مسقط وحكومة الهند. لكن البريطانيين لم يقبلوا بزعمه أن هاتين المعاهدتين تنصان على حلف دفاعي هجومي، أو أنهما تضعان أية التزامات على أي من الطرفين بالمعاونة في حروب الطرف الآخر. إلا أن المسؤولين في حكومة بومبي وافقوا على مرافقة المقيم بروس للحملة الثانية ضد رأس الخيمة بدعوى المطالبة هناك بالتعويض عن الاعتداءات الأخيرة التي ارتكبها القواسم، وأن يعقد المقيم إذا أمكنه ذلك اتفاقاً جديداً مع تلك القبيلة(72). كما حدث في العام السابق، كانت الثقة معدومة بين حاكم مسقط وحلفائه، حيث كان كل طرف يعتقد أن الأطراف الأخرى على اتصالات سرية مع رأس الخيمة، ولهذا تعذر القيام بالهجوم عليها. فقد ذكر المقيم بروس في رسالة إلى حكومة بومبي مؤرخة في 16 يولية 1814م (28 رجب 1229هـ)، أن السيد سعيد توصل إلى معاهدة سريعة مع القواسم، وعاد إلى هرمز، وأن هذه المعاهدة نصت على أن يكون هناك سلام بين سكان الموانئ الواقعة بين كانكون والبحرين في الشمال وبين رأس الحد وجوادر في الجنوب(73)، وأن يعيد القواسم الغنائم التي استولت عليها مراكبهم التي كانت في عرض البحر في ذلك الوقت، والاعتراف بالشيخ سلطان بن صقر شيخاً في الشارقة. وأضاف المقيم أن حاكم مسقط قد توصل إلى هذه المعاهدة العاجلة بسبب تخلي شيخ بني ياس عنه، حيث غيب بنو ياس مراكبهم، وحين طلب منهم السيد سعيد مهاجمة رأس الخيمة براً في حين يهاجمها هو بحراً رفضوا ذلك، وأكد المقيم أنه قد تلقى رسائل من بعض الشيوخ تفيد أن هذه المعاهدة لن تستمر؛ لأن الشيخ سلطان بن صقر والشيخ بطي شيخ بني ياس غير راضيين عنها، وأن بروداً أصبح يشوب علاقتهما بالسيد سعيد، وأن حاكم مسقط سارع إلى التوصل إلى اتفاق مع رأس الخيمة؛ لأنه كان يعتقد أن حلفاءه كانوا على اتفاق سري مع القواسم، وأن أولئك الحلفاء كانوا يعتقدون أن السيد سعيد لن ينتصر في هذه الحرب(74). ترتب على فشل الهجوم على رأس الخيمة فشل الاتفاق الهش الذي جاء نتيجة له. فقد حرص السيد سعيد على أن يكون أكبر المستفيدين من التسوية التي توصل إليها مع أهل رأس الخيمة، فعدل عن هدفه السابق الرامي إلى إعادة سلطان بن صقر إلى مشيخة رأس الخيمة، وقرر أن يبقى حسن بن رحمة في مشيخة تلك البلدة، على أن يحتفظ حاكم مسقط بنفوذ فيها، وأجبر الشيخ سلطان على القبول بذلك الوضع والاكتفاء بمشيخة الشارقة. وهكذا خرج الشيخ سلطان بن صقر وشيخ بني ياس من هذه الحملة وما أعقبها من تسوية ساخطين على السيد سعيد(75). كما أن المقيم البريطاني لم يتمكن من التدخل في المفاوضات أو عقد أي اتفاق مع القواسم بسبب ضعف التحالف والنتيجة غير الحاسمة للحملة والتدابير التي اتخذها السيد سعيد مع القواسم(76). لقد سارع حاكم مسقط إلى شق وحدة القواسم وإضعاف قوتهم والاحتفاظ بنفوذ له عليهم ومن ثم عزلهم عن السعوديين بمجرد أن سنحت له الفرصة، متجاهلاً بذلك مصالح جميع حلفائه الذين اشتركوا معه في الحملة. لكن قواسم رأس الخيمة نقضوا اتفاقهم معه بمجرد أن ابتعد أسطوله عن بلدتهم، وأخذوا يهاجمون مراكبه والمراكب التي تتردد على موانئه(77). يبدو واضحاً أن الشيخ حسن بن رحمة وكثيراً من أتباعه وممثلي الدولة السعودية في رأس الخيمة لم يكونوا حريصين على تنفيذ ذلك الاتفاق، أو راضين بشروط السيد سعيد التي تقيد نشاطهم البحري. وقد قبلوا بالاتفاق معه لتصديع الحلف العسكري المحاصر لهم وضمان ابتعاد الأسطول المسقطي عن بلدتهم فقط. كما يبدو أيضاً أن عدم تمكن حاكم مسقط من النجاح في تكوين حلف قوي ومتماسك ضد قواسم رأس الخيمة في المرتين، الأولى والثانية، ونقض شيوخ تلك البلدة السريع لاتفاقهم معه يعود إلى عدم وضوح الوضع الحقيقي الذي كانت تمر به الدولة السعودية في نظر قبائل عمان وجنوب الخليج العربي في هذا الوقت؛ ففي حين كان السيد سعيد والشيخ سلطان بن صقر والبريطانيون واثقين من تحرج وضع السعوديين في الحجاز ومن إمكانية استغلال ذلك لصالحهم لم يكن كثير من قبائل عمان وجنوب الخليج، بما في ذلك القواسم متأكدين من ذلك. سياسة الإمام عبدالله بن سعود تجاه القواسم وحكومة مسقط: توفي الإمام سعود - الذي كان له الفضل في فرض النفوذ السعودي في عمان - في جمادى الأولى عام 1229هـ/مايو 1814م، وتولى بعده ابنه الإمام عبدالله. وبالإضافة إلى هذه الخسارة الفادحة للسعوديين تمكن محمد علي باشا الذي قدم إلى الحجاز لإدارة المعارك هناك بنفسه ضد الدولة السعودية من إلحاق هزيمة حاسمة بالقوات السعودية في بِسل شرقي الطائف في المحرم عام 1230هـ/ يناير 1815م، استطاع بعدها السيطرة على شرقي الحجاز وجنوبه وبيشة وعسير، وحرمان السعوديين من بعض أهم أقاليمهم وأشد أتباعهم ولاء لهم. وخلال الفترة نفسها أخذ ابنه طوسون باشا يتقدم بجيشه من المدينة المنورة في اتجاه نجد حتى وصل بعد منتصف ذلك العام إلى بلدة الرس الواقعة على بعد أكثر من (005 كم) إلى الشرق من المدينة(78). لقد كان لحاكم مسقط إسهام في إحراز الباشا لتلك الانتصارات فقد واجه محمد علي باشا حينما وصل إلى الحجاز في أواخر عام 1228هـ/1813م مشكلة كبيرة في نقل جنوده وعتاده ومؤنه من الموانئ المصرية إلى جدة وينبع، ومن هذين الميناءين إلى معسكراته في داخل البلاد. وقد تمكن الباشا من التغلب على مشكلة النقل هذه بين الموانئ المصرية والموانئ الحجازية عن طريق التعاقد مع حاكم مسقط على تقديم عشرين سفينة في العام؛ لتقوم بالمساعدة في نقل الجند والعتاد والمؤن واستيعاب حركة النقل الكبيرة في ميناءي جدة وينبع(79). وفي المقابل لم ينجح الباشا في التغلب على مشكلة النقل هذه بين مدن جدة ومكة والطائف حيث فقد جيشه منذ وصوله إلى الحجاز (1811م) حتى وصول محمد علي نفسه إلى هناك حوالي ثلاثين ألف بعير، ولم يستطع الباشا إقناع قبائل الحجاز بالتعاون معه للتغلب على هذه المشكلة التي شلت حركة جيشه(80). لقد أظهر الإمام عبدالله بن سعود خلال هذه الفترة تردداً شديداً في مواجهة القوات العثمانية المصرية، حيث ترك محمد علي باشا يجتاح شرق الحجاز وجنوبه وعسير دون أن يدعم أتباعه هناك، كما أنه لم يقدم على مواجهة قوات طوسون باشا في القصيم بالرغم من تفوقه على عدوه من الناحية العددية والإستراتيجية. وفي النهاية قبل الدخول في مشروع صلح غير مضمون مع طوسون باشا مكن الأخير من الانسحاب بسلام والتخلص من الوضع الخطير الذي تورط فيه في قلب الصحراء(81). وكان ضمن جيش الإمام عبدالله أثناء منازلته لقوات طوسون باشا في القصيم مقاتلون من أهل عمان(82). ولابد أنهم لحظوا الموقف الضعيف الذي آلت إليه الدولة السعودية في مواجهة القوات العثمانية المصرية في ذلك الوقت. لم يكن بإمكان الإمام عبدالله القيام بأعمال تأديبية ضد حاكم مسقط لمهاجمته رأس الخيمة للمرة الثانية في عام 1229هـ/1814م - كما فعل أبوه في العام السابق - وبدلاً من ذلك اتخذ الحاكم السعودي الجديد موقفاً توفيقياً أكثر من ذي قبل تجاه السيد سعيد، فبعث إلى مسقط وكيلاً جديداً، وزوده بتعليمات تهدف إلى استمالة الحاكم العماني والتوصل معه إلى سلام دائم(83)

يتبع













التوقيع



رضي الله عن أم المؤمنين

عــائشة الصـدّيقة بـنت الصـدّيق
رضي الله عنهما


 أبو سليمان العسيلي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Sep-2005, 05:44 PM   رقم المشاركة : 3
 
الصورة الرمزية أبو سليمان العسيلي

 




افتراضي أثر الحملات العثمانية المصرية على نفوذ الدولة السعودية الأولى في عمان 3/3

لكن ذلك الوكيل لم ينجح في مهمته بسبب استعصاء مشكلة رأس الخيمة. لقد كان السيد سعيد على علم بالانتصارات التي أحرزها محمد علي باشا وابنه في الحجاز وعسير والقصيم، ولذلك أصر على التخلص مما تبقى من مظاهر النفوذ السعودي في مسقط ومد نفوذه إلى رأس الخيمة. وقد كتب إلى حاكم بومبي يخبره بعدم توصله إلى أي اتفاق مع السعوديين؛ لأن الوكيل السعودي الجديد ظل يبحث عن وسائل للتقدم بدعاوى جديدة، وفرض عددا من المطالب التي لا يمكن قبولها فحسب، بل تتعارض أيضاً مع السلام، وأن السعوديين عادوا للنزاع معه عندما لم يوافق على مطالبهم، وأنه لم يعد لديه خيار سوى بذل قصارى جهده للاستيلاء على رأس الخيمة؛ لأنه إذا ما استمر وضع هذه البلدة كما هو فإن السعوديين لن يميلوا إلى السلام أبداً. وقد ختم السيد سعيد رسالته إلى حاكم بومبي بطلب دعمه بعدد من السفن الحربية(84). يظهر أن طموحات السيد سعيد التي أحيتها الضغوط العسكرية العثمانية المصرية على السعوديين لم تقتصر على مد سيطرته على رأس الخيمة وغيرها من موانئ سواحل عمان الشمالية، بل تعدت تلك الطموحات إلى جزر البحرين، فعندما سمع حاكم مسقط برغبة الفرس في طلب سفن من البريطانيين لاستخدامها في الاستيلاء على البحرين كتب إلى حاكم بومبي في 6 شوال 1228هـ/ 2 أكتوبر 1813م يستفسر منه عن ذلك، ويبلغه أن البحرين تابعة له، وأنه قد أخذها من السعوديين، وأن أهلها رعية له، وأن أملاكهم أملاك له، ثم ذكره بالصداقة والتحالف الذي يربط بينهما، وطلب منه عدم مساعدة الفرس(85). وفي صيف عام 1229هـ/1814م شكا شيخ البحرين للمقيم بروس من أطماع حاكم مسقط في الاستيلاء على البحرين بمساعدة خصمه؛ رحمة بن جابر الجلاهمة، كما أبلغه أيضاً أن السيد سعيد كتب رسالة إلى الحاكم السعودي سراً يطلب منه المساعدة على مهاجمة البحرين، وأن ذلك الحاكم أطلعه على تلك الرسالة(86). إن من الملفت للنظر هنا أن ادعاء شيخ البحرين بأن حاكم مسقط يراسل الحاكم السعودي ويطلب منه التعاون معه لمهاجمة البحرين - وأن ذلك الحاكم رفض العرض - يناقض مزاعم حاكم مسقط التي ظل يرددها على مسامع البريطانيين مدعياً بأنه لم يستطع التوصل إلى اتفاق مع السعوديين بسبب مطالبهم التي تتعارض مع السلام. عمد الإمام عبدالله أيضاً إلى متابعة سياسة الاستمالة والتقارب التي بدأها أبوه تجاه البريطانيين، فعندما أرسل المقيم بروس في جمادى الأولى عام 1229هـ/ مايو 1814م احتجاجاً إلى كل من حسن بن رحمة شيخ القواسم والحاكم السعودي على مهاجمة القواسم لبعض المراكب بالقرب من سواحل الهند استدعى الإمام عبدالله الشيخ حسن بن رحمة إلى الدرعية، وحذره من استثارة البريطانيين والتعدي على المراكب والسفن التابعة لهم(87). كذلك كتب الحاكم السعودي رسالة إلى المقيم البريطاني في رمضان 1229هـ/ أغسطس 1814م، أكد فيها أنه لم يأمر القواسم ولا غيرهم باعتراض المراكب البريطانية، وأنه أمر شيخ القواسم بإعادة أي ممتلكات يثبت أن القواسم أخذوها من البريطانيين، وأنه إذا وجد أنهم قد أخذوا شيئاً من ذلك فسيجبرهم على إعادته(88). لقد هدف الحاكم السعودي من وراء هذه التعهدات للبريطانيين إلى إقناعهم بصدق نواياه السلمية تجاههم وعدم رغبة السعوديين والقواسم في إلحاق الأذى بهم، وبالتالي دفعهم إلى عدم ضرب أتباعه القواسم أو تقديم المساعدة العسكرية لحاكم مسقط ضدهم أو ضد مناطقه. حين يئس الإمام عبدالله من التوصل إلى اتفاق مع السيد سعيد وتزايدت ضده ضغوط القوات العثمانية المصرية في الحجاز وعسير والقصيم، وانشغل هو بمواجهة الأخطار في الغرب، في الوقت الذي لم تعد هناك أي حامية سعودية في عمان، ولم يعد بمقدوره إرسال حملة للضغط على السيد سعيد(89) أصبح قواسم رأس الخيمة هم أداة الضغط الوحيدة على حاكم مسقط لإجباره على ترك تصلبه والتوصل إلى سلام مع السعوديين. لذلك ترك الحاكم السعودي - على ما يبدو - أمر معالجة شؤون عمان والعلاقات مع البريطانيين لأتباعه القواسم. ومن هنا أرسل الشيخ حسن بن رحمة في شوال 1229هـ/ أكتوبر 1814م مبعوثاً يدعى حسن بن محمد بن غيث إلى بوشهر يحمل رسالتين؛ إحداهما من شيخ القواسم نفسه، والأخرى من الحاكم السعودي إلى المقيم البريطاني السيد بروس، وكلفه بمهمة التفاوض مع المقيم والتوصل إلى معاهدة بين القواسم وحكومة الهند. وقد نجح ابن غيث في التوصل إلى اتفاق مبدئي مع المقيم البريطاني. لكن هذا الاتفاق لم يلبث أن انهار بسبب شدة التناقض بين البريطانيين من جهة والقواسم والسعوديين من جهة أخرى(90). أما بخصوص السيد سعيد وعمان فقد بادر القواسم إلى نقض اتفاق صيف عام 1229هـ/1814م مع حاكم مسقط فوراً - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك - واستأنفوا هجماتهم على مراكب عمان وسواحلها. وكان أشد تلك الهجمات محاولتهم الهجوم على بلدة مطرح القريبة من مسقط في صيف عام 1230هـ/1815م، ثم اشتباكهم مع أسطول عماني كان يقوده السيد سعيد بنفسه، حيث كادوا أن يستولوا على سفينة القيادة كارولاين (Caroline) ذات الأربعين مدفعاً بالقرب من رأس قريات، وأجبروه على الانسحاب إلى مسقط بعد إصابته برصاصة من بندقية(91). أثر الحملة العثمانية المصرية الثانية على نفوذ الدولة السعودية في عمان: لم يكتف محمد علي باشا باسترداد الحرمين الشريفين والحجاز وعسير من يد الدولة السعودية، بل قرر القضاء على تلك الدولة نفسها في نجد، فأعد حملة جديدة أسند قيادتها إلى ابنه وأشهر قواده إبراهيم باشا الذي وصل إلى ينبع في ذي القعدة 1231هـ/ سبتمبر 1816م(92). أخذ إبراهيم باشا يتقدم بحذر من المدينة المنورة في اتجاه القصيم. وقد ألحقت فرقة من جيشه بالإمام عبدالله هزيمة شديدة في ماوية، على بعد حوالي (002 كم) إلى الشرق من المدينة في جمادى الآخرة 1232هـ/ مايو 1817م(93). تقدم الباشا بقواته بعد ذلك إلى القصيم، وفرض حصاراً طويلاً على بلدة الرس. كان الإمام عبدالله قد أمر بأن يجتمع المقاتلون من مناطق شمال نجد ويتمركزوا في القصيم منذ بداية عام 1232هـ/ أواخر 1816م، ثم توجه بنفسه مع بقية قواته إلى هناك، وأخذ يتجول بقواته بين غرب القصيم وعالية نجد دون أن يشتبك مع القوات الغازية. وخلال الفترة التي كان الباشا يحاصر فيها بلدة الرس كان الإمام عبدالله يقيم في بلدة عنيزة القريبة(94). ولما تصالح الباشا مع أهل الرس وتوجه منها إلى عنيزة في منتصف ذي الحجة 1232هـ/ آخر أكتوبر 1817م رحل الإمام عبدالله بقواته إلى بلدة بريدة ومنها إلى الدرعية. وقد سهل ذلك لإبراهيم باشا الاستيلاء على بلدان القصيم والوشم وسدير والتقدم إلى الدرعية وفرض الحصار عليها في جمادى الأولى 1233هـ/ أبريل 1818م(95). لقد أدرك السيد سعيد ما يمكن أن يحدثه توغل حملة إبراهيم باشا في نجد من أثر على الدولة السعودية وعلى نفوذها في عمان ونواحي الخليج الأخرى، حيث سيوجه السعوديون جميع جهودهم وقواتهم ضد القوات الغازية لهم في عقر دارهم، مما سيتيح له العمل من جديد على تحقيق طموحاته المتعثرة في المنطقة. وليس من المستبعد أن تكون هناك اتصالات بين محمد علي باشا أو ابنه إبراهيم وحاكم مسقط خلال هذه الفترة التي قرر فيها الباشا القضاء على الدولة السعودية في نجد وشرق جزيرة العرب كما حدث خلال الحملة الأولى في الحجاز. والواقع أن التعاون بين والي مصر وحاكم مسقط في هذه المرحلة أصبح أشد ضرورة من المرحلة السابقة، لصعوبة هذه المرحلة واقتراب ميادين معاركها إلى عمان والخليج. لم يكن الإمام عبدالله في هذه المرحلة في حاجة إلى كل مقاتل من أهل الأقاليم التابعة له في نجد والأحساء فحسب، بل كان أيضاً في حاجة حلفائه وأتباعه في جنوب الخليج وخاصة القواسم. لقد اضطر الحاكم السعودي إلى سحب جميع من تبقى من جنوده في عمان وجنوب الخليج، كما طلب مساعدة الموالين والمخلصين له من أهل تلك البلاد، فتقاطر إلى نجد أعداد من المنتمين إلى القبائل العدنانية من أهل الظاهرة للاشتراك في المعارك ضد القوات العثمانية المصرية(96). وقد أخبر الإمام عبدالله المقيم البريطاني وليم بروس الذي كتب إليه بخصوص تعويضات يطالب بها القواسم، في ربيع الأول 1232هـ/ فبراير 1817م، بأن أتباعه (القواسم) كانوا غائبين عن البحر بسبب انشغالهم في حرب الأتراك(97). وفي أواخر عام 1233هـ/1818م وصلت قوات كبيرة من ساحل عمان إلى ساحل الأحساء محمولة على سبعة عشر مركباً لإنجاد السعوديين ضد القوات الغازية المحاصرة للدرعية، لكن وصولها كان متأخراً فعادت إلى بلادها عن طريق البحرين(98). وحين وصلت قوات إبراهيم باشا إلى القطيف في نهاية تلك السنة وجدت في تلك البلدة حامية من القواسم سمح لها الأتراك بمغادرة الميناء إلى البحرين التي كان فيها سبع مراكب أخرى للقواسم(99). بادر السيد سعيد إلى انتهاز توغل قوات إبراهيم باشا في نجد وانشغال السعوديين في مواجهتها وتوجه بعض أتباعهم العمانيين إلى نجد لمساعدتهم إلى ضرب قواسم رأس الخيمة وإخضاعهم لسلطته ومد نفوذه إلى مناطق أخرى في الخليج على حساب انحسار النفوذ السعودي. ففي بداية عام 1231هـ/1816م طلب حاكم مسقط مساعدة حكومة بومبي للعمل معه ضد القواسم. وبالرغم من أنه لم يحصل على تلك المساعدة، فقد قرر فرض حصار على رأس الخيمة استمر حوالي أربعة أشهر، لكن ذلك الحصار انتهى دون نتيجة(100). وخلال صيف ذلك العام قاد السيد سعيد حملة بحرية رافقه فيها جماعات من عرب الموانئ الفارسية للاستيلاء على جزر البحرين، ولكنه مني بهزيمة قاسية على يد العتوب. وحين أراد حاكم مسقط إعادة الكرة ضد البحرين بمساعدة ألف وأربعمئة من رماة البنادق والخيالة الذين تعهد بإرسالهم له أمير إقليم فارس، اكتشف أن الحكومة الفارسية تخطط للقبض عليه وأخذه أسيراً إلى شيراز، مما اضطره إلى إلغاء الهجوم على البحرين(101). لم تقتصر النكسات التي واجهها حاكم مسقط على ذلك فقط، بل إن القواسم تمكنوا في عام 1232هـ/1817م من الاستيلاء على ميناء خورفكان على ساحل الشمالية. وعندما قاد السيد سعيد قواته لاسترداد ذلك الميناء منهـم مني بهزيمة أخرى على أيديهم(102). وحتى حينما أصبحت قوات إبراهيم باشا تضغط بشدة على الدولة السعودية في أواخر عام 1232هـ/1817م، ونجحت في فرض حصار طويل على الدرعية خلال العام التالي، كان قواسم رأس الخيمة ما يزالون يمارسون هجماتهم ضد الموانئ والسواحل التابعة لحكومة مسقط أو المتحالفــة معهــا، والمراكب والسفن المملوكة لها، أو تلك التي تتردد علــى موانئهــا ســواء كانت مــراكـب محلــية أو هنديــة أو أوربية(103). وقد ظهر بوضوح للمقيم البريطاني بروس أن حاكم مسقط كان عاجزاً عن التصدي لقوة القواسم، أو وضع حد لهجماتهم على مراكبه وسواحله دون مساعدة البريطانيين، وأنه متلهف جداً للحصـول على تلك المساعدة، وسيكون سعيداً بالتنازل عن أي ميناء أو جزيرة تابعة له في جنوب الخليج في مقابل الحصول عليها(104). وبذلك حال القواسم دون تحقيق السيد سعيد لطموحاته العريضة الرامية إلى فرض سلطته على شمال عمان وموانئ القواسم وبلاد الصير ومد نفوذه إلى جزر البحرين، وهي الطموحات التي ظل يبذل في سبيل تحقيقها جهوداً مضنية منذ أن وصلت الحملة العثمانية المصرية الأولى إلى الحجاز. لقد رحب حاكم مسقط بوصول الحملات العثمانية المصرية إلى الحجاز واستيلائها عليه، ثم توغلها بعد ذلك في نجد، وأبدى استعداده للتعاون مع والي مصر ضد الدولة السعودية؛ لأن تلك الحملات قد خففت من الضغوط العسكرية السعودية على عمان، وأدت إلى انسحاب القوات السعودية من هناك في النهاية وإضعاف قوة القواسم تبعاً لذلك، لكن استيلاء القوات العثمانية المصرية على الدرعية وقضائها على الدولة السعودية ووصول تلك القوات إلى الأحساء والقطيف قد أثار مخاوف السيد سعيد على نفوذه في جنوب الخليج وطموحاته في جزر البحرين، فحين وصل الكابتن سادلير (Captain G. F. Sadlier) إلى مسقط في ربيع عام 1819م (1234هـ) مبعوثاً من حكومة الهند البريطانية لتهنئة إبراهيم باشا على انتصاراته على السعوديين، وعرض على السيد سعيد تعاون كل من البريطانيين والعمانيين مع قوات إبراهيم باشا ضد أعدائه القواسم عبر حاكم مسقط عن استعداده للتعاون مع البريطانيين، لكنه أبدى ارتيابه بنوايا الباشا، ورفض أن تشترك قواته في الحرب ضد القواسم(105). ويبدو أن الذي غير موقف السيد سعيد من القوات العثمانية المصرية في المرحلة الأخيرة من حربها للسعوديين هو ما أوضحه هو نفسه للكابتن سادلير من قسوة إبراهيم باشا في معاملته للعرب بعد سقوط الدرعية وعدم إجابته على استفسارات السيد سعيد بخصوص نواياه تجاه جزر البحرين(106). لقد أدرك كل من والي مصر العثماني وحاكم مسقط ما يمكن أن تفعله القوات العثمانية المصرية في الحجاز ضد السعوديين لتخفيف الضغوط العسكرية على حدود عمان، وما يمكن أن يفعله حاكم مسقط على الجبهة الشرقية للدولة السعودية لإشغال القوات السعودية عن الحجاز، ولذلك حاول الطرفان التعاون ضد العدو المشترك. لكن النجاح الذي أحرزته القوات العثمانية المصرية - والذي لم يتوقعه السيد سعيد على ما يبدو - ووصولها إلى سواحل الخليج العربي واقترابها من حدوده ومنافستها له على جزر البحرين أثار مخاوفه، فرفض التعاون معها ضد أعدائه التقليديين (القواسم). الخاتمــة وصل نفوذ الدولة السعودية الأولى في عمان وجنوب الخليج العربي إلى قمته خلال عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز، حيث فرض ذلك الإمام سلطته على القواسم في شمال عمان، ومد نفوذه إلى أقاليم الظاهرة والباطنة ومسقط، وأقام حاميات له في الباطنة. وقد عزم الإمام سعود على فرض سلطته في مسقط والأقاليم العمانية الأخرى كما فعل في شمال عمان، لكن السنوات الأخيرة من عهده شهدت أيضاً وصول أولى الحملات العثمانية المصرية التي شنها محمد علي باشا والي مصر العثماني لاسترداد الحجاز من السعوديين، التي لم تتمخض عن انحسار النفوذ السعودي من عمان فحسب، بل أدت إلى القضاء على الدولة السعودية نفسها. كان السيد سعيد بن سلطان - حاكم مسقط - رجلاً طموحاً بالرغم من صغر سنه وقلة خبرته، فأدرك مدى ما يمكن أن تحدثه تلك الحملات من أثر على الدولة السعودية وعلى نفوذها في عمان وجنوب الخليج، ومدى ما يمكن أن يساعده ذلك في التخلص من ذلك النفوذ وفي توسيع نفوذ حكومة مسقط على حساب السعوديين. ولذلك بدأ أعماله العسكرية ضد أتباع الدولة السعودية في الخليج منذ أن سمع بعزم والي مصر على حرب تلك الدولة في بداية عام 1226هـ/1811م. وقد حرص السيد سعيد على الحصول على الدعم العسكري والسياسي من البريطانيين في الهند ومن حاكم إقليم فارس ومن بعض الشيوخ العرب في الخليج، وتراسل مع محمد علي باشا وقواده في الحجاز، وقدم لهم بعض المساعدة. وقد ألح في طلب ذلك الدعم من البريطانيين بحجة ارتباطه معهم بمعاهدة تحالف، وبدعوى القضاء على ما يسمى بـ (القرصنة) التي كان يمارسها القواسم في ظل سيادة السعوديين ضد تجارة الهند. لكن البريطانيين حرصوا من جانبهم على عدم إظهار دعمهم العسكري لحاكم مسقط؛ لئلا يستثيروا القواسم والسعوديين ضدهم، ولأنهم أدركوا أن السيد سعيد كان يهدف إلى استخدام الدعم البريطاني في تحقيق طموحاته التوسعية. شن حاكم مسقط عدداً من الحملات العسكرية على القواسم وغيرهم من أتباع الدولة السعودية، وكان يقوم بتلك الحملات كلما شعر بتعرض السعوديين لهزيمة أو تراجع أو ضغوط شديدة على يد القوات العثمانية المصرية، لكن أغلب تلك الحملات فشلت في تحقيق أهدافها، ولم يتمكن السيد سعيد إلا من استعادة سلطته في الباطنة والظاهرة حين اضطر السعوديون إلى سحب حامياتهم ومقاتليهم من هناك لمواجهة القوات العثمانية المصرية في الغرب. لا يعود فشل السيد سعيد في تحقيق طموحاته العريضة في جنوب الخليج إلى بقاء النفوذ السعودي قوياً هناك حتى توغل حملة إبراهيم باشا في نجد فحسب، وإنما يعود ذلك أيضاً إلى الغيرة والحذر وانعدام الثقة بين حاكم مسقط وحلفائه، وتعارض مصالحه مع مصالح أولئك الحلفاء، ورفض القواسم والعتوب بشكل خاص لهيمنة حكومة مسقط عليهم ومنافستها التجارية لهم، وكان السعوديون يدركون هذه الأمور، ولذلك فإنهم لما وجدوا أنهم قد انشغلوا عن التصدي لحملات حاكم مسقط، لجؤوا إلى منح أتباعهم في الخليج سلطات واسعة، وأوكلوا إليهم مهمة التصدي لحملات حاكم مسقط وأعماله التوسعية، وقد نجح القواسم في وقف توسع ذلك الحاكم وإحباط طموحاته، واستمروا في التصدي لحملاته العسكرية ومهاجمة سواحله ومراكبه ومراكب حلفائه حتى بعد سقوط الدرعية. والواقع أنه في حين كانت القوات العثمانية المصرية تسدد الضربات الأخيرة للدولة السعودية وتدمر عاصمتها، كان قواسم رأس الخيمة يرفعون لواءها عالياً في شمال عمان ومياه الخليج والبحار الشرقية. لقد اضطر الحكام السعوديون منذ عام 1226هـ/1811م، إلى إرسال مبعوثين إلى شيراز وبوشهر للتفاوض مع الفرس والبريطانيين من أجل تحسين العلاقات معهم والتوصل إلى اتفاقات تجارية وسياسية وإقناعهم بعدم تقديم المساعدة العسكرية لحاكم مسقط حيث انشغلوا بمواجهة الجيوش العثمانية. ويبدو أن السعوديين أرادوا الاستفادة من التنافس بين الفرس والبريطانيين من جهة والعثمانيين من جهة أخرى في حوض الخليج والعراق. كذلك حرص السعوديون على التوصل إلى اتفاق سلام مع حاكم مسقط، لكي يتفرغوا للتصدي لحملات والي مصر، فأرسلوا مبعوثين إلى مسقط للتفاوض مع السيد سعيد والتوصل معه إلى سلام، لكن حاكم مسقط كان متأكداً من تحرج الموقف العسكري السعودي ومن إمكانية استغلاله لصالحه، فاستمر في تفادي التوصل إلى أي اتفاق مع السعوديين بالرغم من نصائح حلفائه البريطانيين التي تحثه على التوصل إلى سلام معهم. لقد دأبت الدولة السعودية على تحقيق أهدافها وحماية مصالحها قبل وصول الحملات العثمانية المصرية لحربها منذ عام 1226هـ/1181م عن طريق القوة العسكرية، لكن وصول تلك الحملات أجبر تلك الدولة على اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية والمفاوضات لحماية تلك المصالح؛ مما يدل على حدوث تطور في السياسة السعودية خلال تلك الفترة وشعور بالحاجة إلى توثيق العلاقات مع القوى المجاورة.


المصدر : دارة الملك عبد العزيز













التوقيع



رضي الله عن أم المؤمنين

عــائشة الصـدّيقة بـنت الصـدّيق
رضي الله عنهما


 أبو سليمان العسيلي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
متر, المصرية, الأولى, الح

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 01:42 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع