« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الموت ولا المذلة ... هيهات منا الذلة (آخر رد :جوجوتاريخ)       :: ويلك آمن ....! (آخر رد :النسر)       :: تاريخ أكلة لحوم البشر،وعبدة الشيطان،ومصاصي الدماء اليهود لأبوهمام الأثبجي (آخر رد :النسر)       :: قوانين اقتصادية تسببت باندلاع ثورات وغيرت مجرى العالم (آخر رد :النسر)       :: الدرر الماسية في الأسماء الأندلسية الفاسية (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: ما أصعب أن يكون المرء مبصرا في مجتمع أعمى (آخر رد :النسر)       :: سارتر‏..‏ هل أصبح موضة قديمة ؟ (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> الكشكول




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 14-Feb-2006, 03:12 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو سليمان العسيلي

 




افتراضي المصطلحات الطبية العثمانية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كان أبي – رحمه الله – أحد تلامذة مدرسة الطب العثمانية، التي أنشئت في دمشق في السنة الثالثة من سنوات هَذا القرن. وتخرّج منها في أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم لم يلبث بعد الحرب أن انضمّ إِلَى رعيل الرُوّاد الذين أعادوا افتتاحها سنة تسع عشرة باسم المدرسة الطبية العربية، التي لم تلبث أن سُمِّيت المعهد الطبي العربي، وَهُوَ كلية الطب بجامعة دمشق الآن، وشرعوا في تدريس الطب باللغة العربية. وكان معظمهم ممن تخرّج من إحدى مدرستي الطب العثمانيتين في استانبول أو دمشق؛ و"المدرسة" في مصطلح العثمانيين تعني ما نسميه « الجامعة » أو « الكلية الجامعية » اليوم. وكانت دراستهم بالتركية قَدْ مهّدت أمامهم السبيل إِلَى التدريس بالعربية، لأن معظم المصطلحات الطبية في اللغة التركية كانت مصطلحات عربية.

ومَرَدُّ ذلك إِلَى أن الطب كان من أوائل العلوم التي عني أطباء الحضارة العربية الإسلامية بالكتابة فيها، ترجمةً في بادئ الأمر عن اليونانية والسريانية، ثم تأليفاً أصيلاً. وقَدْ ألجأتهم الترجمة إِلَى ابتكار كثير من الألفاظ وصَوْغ كثير من المصطلحات لمقابلة المفردات الأجنبية. وكان كثير من هذه الألفاظ يُستَعْرَب استعراباً لفظياً في البداية، ثم لا تلبث هذه المُسْتَعْرَبات أن تختفي لتحل محلّها كلمات عربية النِجار، نقَّب عنها الأطباء أو اجتهدوا في توليدها عَلَى قواعد الاشتقاق والمجاز المعروفة في اللغة العربية. وقَدْ بقيت هذه الكتب الطبية المخطوطة ثم المطبوعة باللغة العربية مرجعَ العالم كله، شرقِهِ وغربهِ حتى عهد قريب.

ومن أجل ذلك كان من الطبيعي عندما أراد الأساتذة الأتراك أن يؤلفوا في الطب، أن يستعملوا المصطلحات التي استعملها أطباء الحضارة العربية الإسلامية، فَقَد كانت مصطلحاتٍ شائعة وصالحة، ثم إنها ليست غريبة عَلَى اللغة التركية التي استوعبت كثيراً جداً من الألفاظ العربية في شتى المجالات.

* * *

واهتمامُ العثمانيين بالطب قَدْيم، لم يحدَّ منه انصرافهم للجهاد والفتوحات، بل إنا لنذكر بكل إكبار، الشيخَ الجليل محمد شمس الدين ابن حمزة المعروف بالشيخ آق شمس الدين، مؤدِّبَ السلطان العظيم محمد الفاتح ومربيه. هَذا المربي الجليل كان عالماً مشهوراً في الأدوية النباتية وفي الطب النفسي والبدني، وَهُوَ صاحب الفضل بالحديث عن الجراثيم أو المكروبات قبل أن يراها باستور وأضرابه من العلماء تحت المجهر بأربعة قرون، إذ قال في كتاب له بالتركية عنوانه « مادة الحياة" ما ترجمته: "من الخطأ تصوُّر أن الأمراض تظهر عَلَى الأشخاص تلقائياً، فالأمراض تنتقل من شخص إِلَى آخر بطريق العدوى. هذه العدوى صغيرة ودقيقة إِلَى درجة عدم القَدْرة عَلَى رؤيتها بالعين المجرّدة، لكن ذلك يحدث بواسطة بذور حيّة ».

وقَدْ أنشئت قبل عهد الفاتح بكثير، أول كلية طبية عند العثمانيين في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي باسم « دار الطب ». ثم أنشئ المجمع الطبي العثماني في القرن الخامس عشر الميلادي.

* * *

والناظرُ في المنهجية التي اتَّبعها الأطباء العثمانيون في اختيار المصطلحات الطبية وما يتعلق بها، تلفت نظره الملامح التالية:

المَلْمَح الأول: أنهم تبنّوا المفردات التي كانت معروفة لأول عهدهم باختيار المصطلحات. وهذه في غالب الأمر مما وضعه بادئَ الأمر الأطباء التراجمة، كيوحنا بن ماسَوَيْه وحُنَيْن بن إسحاق العِبادي، ثم ما وضعه الأطباء المؤلفون كالرازي (صاحب الحاوي والمنصوري وغيرهما)، وابن سينا (صاحب القانون)، وعلي بن العباس (صاحب الكتاب الملكي أو كامل الصناعة الطبية)، وغيرهم من أطباء المشرق؛ وابن رشد (صاحب الكليات في الطب)، وابن زهر (صاحب التيسير في المداواة والتدبير)، وأبي القاسم الزهراوي (صاحب التصريف لمن عجز عن التأليف)، وغيرهم من أطباء الأندلس.

وقَدْ كان الغالب أنهم يتخيَّرون لفظة واحدة إذا اختلفت الآراء، ولو أنهم كانوا في بعض الأحيان يذكرون أكثر من مصطلح واحد، مقَدِّمين المصطلح المحبَّذ. فتراهم مثلاً في مقابلة شريان الجسم الأعظم الذي يدعى aorta بالإنكليزية وaorte بالفرنسية، يستعملون لفظة
« الأبهر » التي استعملها علي ابن العباس، مفضّلين إياها عَلَى لفظة "الأوُرْطَى" التي استعملها ابن سينا. ولكنك تراهم في بعض معاجمهم يكتبون في المدخل الرئيسي: "أبهر، آوُرط"، ثم لا يكادون يستعملون في المداخل الفرعية إلا الأبهر، فيقولون مثلاً: توسع أبهر؛ تضيق أبهر؛ أم الدم أبهر؛ التهاب أبهر – التهاب آوورط؛ استرخاي أبهر؛ تصلّب أبهر؛ تعظم أبهر؛ وهكذا.

المَلْمَح الثاني: أنهم استعملوا الأسماء العربية لأعضاء جسم الإنسان إِلَى جانب الأسماء التركية الأصيلة، ثم اقتصروا عَلَى الألفاظ العربية في المصطلحات المركبة من هذه الأسماء. فلفظة liver بالإنكليزية وfoie بالفرنسية، تجد في مقابلها لفظتين هما: كبد (العربية) ثم قره جكر (التركية). أما المصطلحات المشتقة فلا تجد فيها إلا أمثال: وجع كبدي؛ انسداد كبد؛ شريان كبدي؛ صفراي كبدي؛ قنات كبدية؛ مجراي كبدي؛ فصّ وفصيص كبدي؛ ضفيرهء كبدية؛ قولنج كبدي؛ هجمة كبدية؛ سل كبدي؛ داء الافرنج كبدي؛ أدويهء كبدية؛ تكبُّد؛ التهاب كبد؛ فتق كبدي؛ تشمع كبد إِلَى آخر القائمة.

المَلْمَح الثالث: أنهم وضعوا لأنفسهم قائمة بالسوابق prefixes واللواحق suffixes التي تساعد في توليد الألفاظ، والتزموا بها ما سمح المعنى بذلك. وليس يخفى أن لهذه السوابق واللواحق شأناً كبيراً في الترجمة من اللغات التي تكتب بالأحرف اللاتينية، وتصوغ مصطلحاتها باستعمال هذه السوابق واللواحق الإغريقية أو اللاتينية. عَلَى أن مما يُذكَر للأطباء العثمانيين، أنهم لم يكونوا يلتزمون بذلك التزاماً أعمى، وإنما كان التزاماً عَلَى بصيرة، يعدِلون عنه إذا أخلَّ بالمعنى أو لم يؤدِّه بأمانة.

فمن الأمثلة عَلَى السوابق سابقة – anti اللاتينية فَقَد وضعوا مقابلها في المدخل الرئيسي لفظتَيْن اثنتَيْن هما: « مُضادّ » و« دافع »، والتزموا بهما في غالبية الكلمات فقالوا مثلاً: مضاد شهوت؛ دافع قَوْبا، دافع نزله؛ دافع قولرا؛ مضاد نقريس؛ مضاد داء بُهْر؛ مضاد إسهال؛ مضاد دوار؛ مضاد سم، بادزهر؛ مضادّ قَيْ؛ مضاد التهاب؛ دافع تعفّن؛ دافع تشيُّخ؛ مضاد تعرُّق؛ وهكذا.

ولكنهم قالوا: قاطع لبن antigalactique؛ وقاطع نزف antihémorragique؛ كما قالوا: مقابل حنطه antitragus ومقابل بروستات antiprostate؛ وقالوا: منعكس الاستقامة antitrope؛ وقالوا: عدم بول anurie؛ كما قالوا: ساعدي لتقابل antibrachial؛ وشامخهء إنسيّة لتقابل antithénar؛ وناحيه شرسوفية لتقابل anticardium؛ ومُتقَدِّم لتقابل anticipant؛ وهلمَّ جرّا.

وسابقة أخرى هي – peri, وضعوا مقابلها لفظة « محيط »، فقالوا: محيط ثمر péricarpe؛ ومحيط أدمه périderme؛ ومحيط تناسل périgone؛ والتهاب محيط رحم périmétrite؛ والتهاب محيط كلية perinéphrite؛ ومحيط قضيب péripénien؛ ومحيط لهات péristaphylien؛ وهكذا. ولكنهم قالوا كذلك: غلاف ثمر مرادفاً لمحيط ثمر؛ وغلاف غضروف périchondre؛ وغلاف عصب périnèvre؛ كما قالوا: حول المبيض périgyne؛ وحول الفم péristome؛ بل قالوا: شِغاف pericarde؛ وعِجان périnée؛ وسمحاق périoste؛ وبريطون péritoine.

ومن السوابق الأخرى: - dys ترجموها في الغالب بعسرة (عسرت) فقالوا: عسرت تلفُّظ dysarthrie؛ وعسرت حركت dyscynésie؛ وعسرت طمث ويا حيض dysmenorrhée؛ وعسرت هضم dyspepsie؛ وعسرت بلع dysphagie؛ وعسرت تصوّت dysphonie؛ وعسرت تنفس dyspnée؛ وعسرت دفق مني dysspermatisme؛ وعسرت ولاده dystocie؛ وعسرت تبوُّل dysurie... ولكنهم قالوا: غلط رؤيت ألوان dyschromatopsie؛ وقالوا: حمل معيوب dyskésie؛ وقالوا: سوء تلفظ dyslalie؛ وسوء هضم مرادفاً لعسرت هضم dyspepsie؛ وقالوا: ضعف شم dysosmie، وهكذا.

وقُلْ مثل ذلك في شأن اللواحق. فمنها اللاحقة itis- بالإنكليزية أو ite- بالفرنسية وقَدْ استعملوا لها إحدى لفظتَيْن: « ذات » و« التهاب ». فكما ورد في الحديث الشريف اسم
« ذات الجنب » pleurite أو pleurésie، قاسوا عَلَى ذلك ذات الرئة pneumonie أو pneumonite؛ وذات السحايا méningite؛ وذات المعدة gastrite؛ وذات الكبد hépatite؛ وذات الكلية néphrite؛ وذات العصب névrite؛ أو قالوا لهذه الكلمات عَلَى الترتيب: التهاب غشاي جنب، والتهاب الرئة أو آق جكر التهابي؛ والتهاب سحايا؛ والتهاب المعدة؛ والتهاب الكبد؛ والتهاب كلية؛ والتهاب عصب.

واستعملوا « ألم » و« وجع » وهما مترادفان، مقابل اللاحقتين algie- و dynie- وهما مترادفتان. فقالوا: ألم معدة gastralgie وgastrodynie؛ ووجع كبدي hépatalgie؛ وألم كلية néphralgie؛ وألم عصبي névralgie. ولكنهم قالوا: صُداع في مقابل céphalalgie.

واستعملوا « قِيلة » و« فتق » مقابل اللاحقة cèle-، فقالوا: فتق كلية néphrocèle؛ وفتق سحايائي méningocèle؛ وفتق سُرَّه وي ompalocèle؛ وفتق دماغ encéphalocèle؛ وقالوا : قِيلهء مائية hydrocèle؛ وقيلهء دوالية cirsocèle.

واستعملوا « قابليّت » لمقابلة اللاحقة able- أو ible-، و« مبحث » لمقابلة اللاحقة logie-.

المَلْمَح الرابع : أنهم ابتكروا عديداً من الألفاظ التي لم يستعملها أطباء الحضارة العربية الإسلامية من قبلهم. فاستعملوا « الالتهاب » مثلاً لما نقول له اليوم inflammation، وقَدْ كان الأطباء من قبل يستعملون لفظة « ورم » للدلالة في وقت واحد عَلَى الالتهاب وعَلَى ما نطلق عَلَيه اليوم اسم "الورم" لما يقابل tumeur. أما هم فَقَد ميّزوا بينهما كما ترى.

ومما ابتكروه من الكلمات مثلاً كلمة « الحويضة » للدلالة عَلَى حوض الكلية ولم تكن مستعملة من قبل؛ وكلمة « تقصّع » لما يقابل كلمة abcéder الفرنسية، وهي كلمة فصيحة. فَقَد جاء في اللسان: « تقصَّع الدمَّل بالصديد إذا امتلأ منه »، وَهَذا هُوَ المقصود من المصطلح بالضبط.

ومنها « السيساء » التي تقابل لفظة rachis الفرنسية ومعناها العمود الفقاري، وهي كلمة واحدة تسهل النسبة إليها كقولهم "بصلهء سيسائية" مقابل bulbe rachidien.

ومنها « النفخة » souffle؛ و« الخَرْخَرَة » râle؛ و« الزئير » bruit وكلها من أعراض أمراض القلب أو التنفس. وذكروا من أنواع الخراخر: الخراخر اليابسة، والفرقعية، والمخاطية، والكهفية، والحلقومية، والصفيرية... وذكروا من أنواع الزئير: الزئير الصفيقي، والتصادمي، والفرقعي، والاحتكاكي، والدلكي، والركضي، والحجيفي، والطبلي، وغير ذلك.

واستعملوا التصغير في توليد كثير من الكلمات، فقالوا « الغُدَيْدات »؛ و
« الفُصَيْصات »؛ « والقُنَيْوات »؛ و« الحُوَيْصلات »؛ و« الحُبَيْبات »؛ و
« الجُسَيْمات »؛ والقُرَيْبة »؛ و« الجُذَيْر ».

واستعملوا « المنعكس » مقابل réflexe و« الانكدام » مقابل enchymose و« الانخماص » مقابل affaissement؛ و« الانسكاب » مقابل affusion و « السَفك » مقابل effusion؛ و« الآفة » (آفت) مقابل lésion و« الاحتشاء » مقابل infarctus؛ و« الإنتان » أو « التعفّن » مقابل infection؛ و« الارتشاح » مقابل infiltration؛ و« النكس » أو « النكاس » مقابل rechute؛ و « المعاودة » (معاودت) مقابل récidivité.

المَلْمَح الخامس : أنهم لم يكثروا من الاستعراب أي التعريب اللفظي للألفاظ الأجنبية، بل عملوا عَلَى إيجاد مقابل عربي لها. وكانوا يعمدون أحياناً إِلَى وضع اللفظة المستعرَبة وإِلَى جانبها اللفظة العربية التي يقترحونها لتحلّ محلها. فقالوا مثلاً: « قوليرا » و« هيضة » مقابل cholera؛ وقالوا: « روماتزمه » و« رثية » مقابل rhumatisme. ولم يستعربوا من الألفاظ التشريحية إلا ما استعربه أطباء الحضارة العربية الإسلامية لعدم تمكنهم من العثور عَلَى مقابل له أو ابتكار ذلك المقابل، وذلك في مثل « بانقره آس » مقابل pancréas و
« بروستات » مقابل prostate.

أما الألفاظ الكيميائية فَقَد أكثروا فيها من الاستعراب، ولو أنهم كثيراً ما حاولوا أن يشتقوا لها مصطلحات من الألفاظ العربية، فقالوا مثلاً « ببسين »، هضمين » مقابل pepsine؛ وقالوا « حمّاضات، أوقسالات » مقابل oxalate. وتجلّى ذلك عَلَى الخصوص في أسماء الأحماض فقالوا مثلاً: « حامض سيننام، حامض قرفة » مقابل acide cinnamique؛ و
« حامض خل » مقابل acide acétique؛ و« حامض كبريت » مقابل acide sulfurique؛ و
« حامض قاربون، حامض فحم » مقابل acide carbonique.. وهكذا.

* * *

وبعد، فَقَد ذكرتُ في مطلع هَذا الحديث، أن أساتذة المعهد الطبي العربي بدمشق قَدْ وجدوا المصطلحات الطبية العثمانية تمهّد السبيل أمامهم إِلَى التدريس بالعربية. وقَدْ تبيَّن لي من مطالعة مؤلفاتهم، أنهم اعتمدوا هذه المصطلحات الطبية العثمانية اعتماداً كاملاً أو يكاد، اللهم إلا ما كان مثلاً من أمر مصطلحات علم الجراثيم Bactériologie التي كانت معظم أسمائها دخيلة معرّبة تعريباً لفظياً، وقَدْ رأى أبي - رحمه الله وأحسن إليه - أن ينقلها جميعاً إِلَى العربية، فقال « المكورات العنقودية » بدل « استافيلوقوق » و« المكورات البنّية » بدل « غونوقوق » وهكذا في عشرات بل مئات من مصطلحات هَذا العلم. وقل مثل ذلك في بعض مصطلحات علم النُسُج Histologie التي عُدِل فيها عن اللفظ المستعرَب في كثير من المصطلحات التي لم تكن عربية في الأصل، واستُعيض عنها بكلمات عربية.

عَلَى أن من المفيد أن أشير أيضاً إِلَى مدرستَيْن أُخْرَيَيْن، واكَبَتا القرن الأخير من المدرسة العثمانية. أُولى هاتين المدرستين هي مدرسة طب قصر العيني، التي أنشئت في مصر في عهد محمد علي باشا، سنة سبع وعشرين وثمانمئة وألف، وكان أوَّلَ ناظر لها هُوَ الطبيب الفرنسي العالم أنطوان كلوت، أو « كلوت بك » كما صار يُدعى بعد ذلك. وقَدْ كان رأي « كلوت بك » أن التعليم ينبغي أن يكون بالعربية، « لأن التعليم بلغة أجنبية – عَلَى حدِّ قوله – لا تحصل منه الفائدة المنشودة، كما لا ينتج عنه توطين العلم أو تعميم نفعِه ». وقَدْ كانت الكتب المدرسية التي بين يديه كلها فرنسية، والأساتذة أكثرهم فرنسيين. فكان الأساتذة يُلقون المحاضرات بالفرنسية، ويقوم تراجمةٌ بترجمتها ترجمة فورية إِلَى العربية. ثم تُرجِم كثير من الكتب إِلَى العربية وكُلِّف عالِم أزهري يعاونه آخرون بتهذيبها وصقلها.

وقَدْ بلغ عدد الكتب المترجمة إِلَى العربية ستة وثمانين كتاباً. وقام الأساتذة المصريون الرُّوّاد بترجمة معجم فرنسي في المصطلحات الطبية إِلَى العربية، يعاونهم عدد من المصححين المتعمّقين في العربية. ولاشك عندي في أنهم استفادوا كثيراً من المصطلحات الطبية العثمانية، فالمُطالع لكتبهم لا يكاد يجد فروقاً تذكر بين مصطلحاتهم وبين المصطلحات التي كانت تدرَّس في مدارس الطب العثمانية. والأمر الذي لا يكاد يَخْفى أنه كان ثَمَّةَ نوع من التآثر أي التأثير المتبادل بين المدرستين.

وأما المدرسة الثانية فهي الكلية الإنجيلية السورية التي أصبح اسمها في ما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت. وقَدْ جُعِل التعليم فيها عند إنشائها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، باللغة العربية.

وكان فيها ثلاثة من العلماء الأعلام، أتقنوا العربية، وانكبّوا عَلَى نقل الكتب المدرسية إليها، وهم الأساتذة فان دايك، وبوست، وورتبات. ولاشك عندي كذلك في أنهم اقتبسوا كثيراً من المصطلحات الطبية العثمانية ومن مصطلحات مدرسة طب قصر العيني عَلَى حد سواء.

والمؤسف أن التعليم في كلتا المدرستين لم يلبث أن أصبح باللغة الإنكليزية، بعد الاحتلال البريطاني لمصر في الأولى، وبعد تمكُّن الثانية ورسوخ قَدْمها.

* * *

وبعد، فهذه نظرة عَجْلَى عَلَى المصطلحات الطبية العثمانية، لم أشأ فيها أن أخوض في كثير من التفاصيل التي لا تهم غير الاختصاصيين، ولو أنني أرجو أن أكون قَدْ وُفِّقتُ إِلَى بيان الجهد الكبير الذي بذله الأطباء العثمانيون في جمع ووضع هذه المصطلحات، وكذلك إِلَى بيان أثر هذه المصطلحات في أعمال المدارس الثلاث التي علّمت الطب باللغة العربية وهي مدرسة طب قصر العيني، والكلية الإنجيلية السورية، والمعهد الطبي العربي بدمشق الذي واصل التدريس بها حتى اليوم.



المصدر : شبكة تعريب العلوم الصحية







 أبو سليمان العسيلي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-May-2007, 11:49 PM   رقم المشاركة : 2
لؤلؤة الأندلس
مصري قديم
 
الصورة الرمزية لؤلؤة الأندلس

 




افتراضي

كل الشكر لك على هذه المعلومات القيمة
فعلاً موضوع ظريف وممتع







 لؤلؤة الأندلس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Sep-2012, 10:00 AM   رقم المشاركة : 3
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: المصطلحات الطبية العثمانية

للرفع













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المصطلحات, العثمانية, الط

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 06:44 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع