منتديات حراس العقيدة
الصراع العربي الصهيوني من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني و إنهم يعرفون قيمة التاريخ

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: إسرائيل.. مصير محتوم بالزوال (آخر رد :النسر)       :: موضوع حذف ولماذا (آخر رد :قطر الندى)       :: مكوّنات الأمة.. الثقافة والهوية والدولة (آخر رد :النسر)       :: أيام في قازان /1 (آخر رد :الذهبي)       :: الرد بمسؤلية وجدارة على ،المنتدى في خطر ياأدارة...لتاج حححححول (آخر رد :اسد الرافدين)       :: المنتدى في خطر يا ادارة (آخر رد :الذهبي)       :: الاصل التاريخي لقبائل الحياينة المغربية. (آخر رد :guevara)       :: السومريون (آخر رد :النسر)       :: الامير خالد بن يزيد الأموي .. رائد علم الكيمياء --تاريخ منسي (آخر رد :النسر)       :: أحمد حسن الزيات (آخر رد :قطر الندى)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام العامة
> المشاركات المتميزة



كيف جمع القرآن

المشاركات المتميزة


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 19-Nov-2006, 03:57 AM   رقم المشاركة : 16
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
منهج ومزايا جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن
الْمبحث الأول:منهج أبي بكر رضي الله عنه في جمع القرآن الكريم الْمبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه المبحث الأول: منهج أبي بكر في جمع القرآن
بلغ اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بالْمحافظة على القرآن الغايةَ القصوى، فمع أنَّهم شاهدوا تلاوة القرآن من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، ومع أن القرآن كان بالفعل مكتوبًا على عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه كان مفرَّقًا، ومع أن تزوير ما ليس منه كان مأمونًا، ومع أن زيد بن ثابت (الذي قام بالجمع) كان هو وغيره من الصحابة يَحفظون القرآن -فقد اتَّبعُوا في جمع القرآن على عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه منهجًا دقيقًا حريصًا، أعان على وقاية القرآن من كل ما لَحق النصوص الأخرى من مظنة الوضع والانتحال.
ويُمكن تلخيص ذلك المنهج في النقاط الآتية:
1 - أن يأتي كلُّ من تلَقَّى شيئًا من القرآن من رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم به إلى زيد بن ثابت ومن معه.
ويدل لذلك ما رواه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب قام في الناس فقال: من كان تلقى من رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأتنا به وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح و العُسُب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان.(1)
2 - أن لا يُقبل من أحدٍ شيءٌ حتى يشهد عليه شهيدان، أي أنه لم يكن يكتفي بِمجرد وجدان الشيء مكتوبًا حتى يشهد عليه شهيدان.
ويدل على ذلك أثر عمر السابق، وكذلك قول أبي بكرٍ لعمر بن الخطاب ولزيد ابن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.(2)
وقد اختلف في المراد بالشهادة هنا:
فقال السخاوي3) المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتِب بين يدي رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، أو المراد أنَّهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بِها القرآن.
وقال ابن حجر: وكأن الْمراد بالشاهدين الحفظ والكتاب.(4) ثم ذكر احتمال الوجهين الأولين.
قال السيوطي: أو المراد أنَّهما يشهدان على أن ذلك مِمَّا عُرض على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عام وفاته.(5)
والذي يظهر -والله أعلم- أن المراد الشهادة على كتابته بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وأنه مِمَّا عُرض على جبريل في العام الذي توفي فيه رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إذ القرآن كان مَحفوظًا في صدور كثير من الصحابة رضي الله عنهم ، فلو أرادوا الإشهاد على حفظه لوجدوا العشرات.
3 - أن يكتب ما يؤتى به في الصحف.
ويدلُّ عليه قول زيدٍ في حديث جمع القرآن السابق: وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.(6)
وما في موطَّأ ابن وهب عن ابن عمر قال: جمع أبو بكر القرآن في قراطيس.
وفي مغازي موسى بن عقبة عن الزهري قال: لَمّا أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناسُ بما كان معهم وعندهم، حتى جُمِع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في الصحف.(7)
4 - أن لا يُقبل مِمَّا يُؤتى به إلا ما تحقق فيه الشروط الآتية:
أ- أن يكون مكتوبًا بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، لا من مُجرد الحفظ، مع المبالغة في الاستظهار والوقوف عند هذا الشرط.
قال أبو شامة8) وكان غرضهم ألا يُكتب إلا من عين ما كُتب بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، لا من مجرد الحفظ.(9)
ب- أن يكون مما ثبت عرضه على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عام وفاته، أي في العرضة الأخيرة.
وذلك أن ما لم يثبت عرضه في العرضة الأخيرة لم تثبت قرآنيته، وقد مرَّ قريبًا احتمال كون الإشهاد على أن المكتوب كان مِمَّا عرض في العرضة الأخيرة.
وعن محمد بن سيرين عن كَثِير بن أفلَحَ قال: لَمَّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أُبَيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الرَّبعَةِ التي في بيت عُمَرَ، فجِيء بِها، قال: وكان عثمانُ يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخَّروه، قال محمد: فقلت لكَثِيرٍ -وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يُؤَخِّرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت أنَّهم إنَّما كانوا يُؤَخِّرونه لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة، فيكتبونَها على قوله.(10)
5 - أن تكتب الآيات في سورها على الترتيب والضبط اللذين تلقاهما المسلمون عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .(11)
وقد التُزم في هذا الجمع كل الضوابط السابقة بدقة صارمة، حتى إنه روي أَنَّ عمر بن الخطاب أتى بآية الرجم، فلم تُقْبل منه؛ لأنه كان وحده.
فقد أخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف عن الليث بن سعد، قال: أوَّل من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيدٌ، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيْمة بن ثابت، فقال: اكتبوها؛ فإن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب. وإن عمر أتى بآية الرجم، فلم يكتبها؛ لأنه كان وحده.(12)
المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه
كان لِجمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه منزلة عظيمة بين المسلمين، فلم يَحصل خلاف على شيء مِمَّا فيه، وامتاز بِمزايا عديدة، منها13)
1. أنه جمع القرآن على أدقِّ وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي، كما مرَّ بنا في منهج أبي بكر في جمع القرآن.
2. حصول إجماع الأمة على قبوله، ورضى جميع المسلمين به.
3. بلوغ ما جُمِع في هذا الجمع حدّ التواتر، إذ حضره وشهد عليه ما يزيد على عدد التواتر من الصحابة رضي الله عنهم .
4. أنه اقتصر في جمع القرآن على ما ثبت قرآنيته من الأحرف السبعة، بثبوت عرضه في العرضة الأخيرة، فكان شاملاً لما بقي من الأحرف السبعة، ولم يكن فيه شيء مِمَّا نُسِخَت تلاوته.
5. أنه كان مرتب الآيات دون السور.
ولقد حظي هذا الجمع المبارك برضى المسلمين، وحصل عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، ولقي منهم العناية الفائقة.
فقد حفظت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر رضي الله عنه حتى وفاته، ثم انتقلت إلى عمر رضي الله عنه حتى تُوُفِّي، ثم كانت بعد ذلك عند ابنته حفصة زوج رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فطلبها منها عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فنسخ منها المصاحف إلى الأمصار ثم أرجعها إليها، فكانت الصحف المجموعة في عهد أبي بكر رضي الله عنه هي الأساس لنسخ المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه ، وهذا مِمَّا يدل على مكانة هذا الجمع عند الصحابة رضي الله عنهم .
قال زيد بن ثابت رضي الله عنه : وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.(6)
وعن علِيٍّ رضي الله عنه قال: رحمةُ اللهِ على أبي بكرٍ؛ كانَ أعظمَ الناسِ أجرًا في جمع المصاحفِ، وهو أوَّل من جمع بين اللَّوْحَيْنِ.(14)
قال ابن حجر: وإذا تأمَّل المنصف ما فعله أبو بكرٍ من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله، ويُنوِّه بعظيم منقبته؛ لثبوت قوله صلى الله عليه وسلم : من سنَّ سنة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بِها.(15)
ثم قال: فما جمع القرآن أحدٌ بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة.(16)

(1) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه القرآن ص 17.
(2) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع أبي بكر القرآن في المصاحف ص 12، قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات مع انقطاعه. فتح الباري (8/630).
(3) هو الشيخ الإمام العلامة، شيخ القراء والأدباء، علم الدين أبو الحسن علي بن محمد، أقرأ الناس دهرًا، وكان إمامًا في العربية، بصيرًا باللغة، عالمًا بالقراءات وعللها، مجودًا لها، بارعًا في التفسير، وكان مع سعة علومه وفضائله دينًا حسن الأخلاق محببًا إلى الناس، وافر الحرمة، ليس له شغل إلا العلم ونشره. توفي سنة 643هـ. سير أعلام النبلاء (23/122)، وشذرات الذهب (5/222)، والأعلام للزركلي (4/332).
(4) فتح الباري (8/630).
(5) الإتقان في علوم القرآن (1/167)، وانظر أيضًا نفس المرجع (1/142).
(6) سبق تخريجه قريبًا.
(7) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/169)، وذكر هذين الأثرين ابن حجر في فتح الباري (8/631)، وأشار إلى أنهما أصح ما نقل فيما جمع فيه القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه .
(8) عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الدمشقي، أبو القاسم شهاب الدين، المؤرخ المحدث، ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، له تصانيف غزيرة، وقد وقفها جميعًا. توفي سنة 665هـ. الأعلام للزركلي (3/299).
(9) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/167)، وفتح الباري (8/630).
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33.
(11) انظر فتح الباري (8/634).
(12) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/167-168).
(13) وانظر مناهل العرفان في علوم القرآن (1/253).
(14) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب جمع القرآن. ص 11-12.
(15) رواه مسلم عن جرير بن عبد الله: باب العلم، باب من سن سنة حسنة. صحيح مسلم مع شرح النووي (16/225-226).
(16) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/628).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:58 AM   رقم المشاركة : 17
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الباب الثالث
جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
الفصل الأول: الأسباب الباعثة على جمع القرآن الكريم في عهد عثمان رضي الله عنه
الفصل الثاني: من قام بالجمع في عهد عثمان رضي الله عنه
الفصل الثالث: منهج جمع القرآن في عهد عثمان ومزاياه
الفصل الرابع: المصاحف العثمانية
الفصل الخامس: دفع الاعتراض على عثمان في جمع القرآن ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
الفصل الأول
الأسباب الباعثة على جمع القرآن الكريم
في عهد عثمان رضي الله عنه
1 - اتساع بلاد المسلمين وتفرق الصحابة فيها 2 - غزو أرمينية وأذربيجان
تَوَلَّى عمرُ بن الخطاب الخلافة بعد وفاة أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه ، وامتدّت خلافته عشر سنين، اتسعت فيها بلاد المسلمين، ودان الشرق والغرب لحكمهم، ولَمّا طُعِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين من الهجرة النبوية، وأيقن بدنو الأجل، جعل أمر المسلمين شورى بين ستةٍ من الصحابة، هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وانتهى أمر الشورى بين هؤلاء الستة إلى اختيار عثمان رضي الله عنه ، فتَوَلَّى عثمان بن عفان رضي الله عنه خلافة المسلمين في الأيام الأخيرة من سنة ثلاثٍ وعشرين من الهجرة النبوية(1)
وحدثت في زمنه رضي الله عنه أحداثٌ أدّت إلى التفكير في جمع القرآن مرة ثانية، وإرسال نسخٍ منه إلى الأمصار، وكانت أهم أسباب هذا الجمع:
1 - اتساع بلاد المسلمين وتفرق الصحابة فيها
كانت رقعة بلاد المسلمين قد اتسعت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حتى وصلت إلى بلاد ما وراء النهر شرقًا، وإلى طرابُلُس غربًا.
وامتدت الفتوحات التي ابتدأها عمر بن الخطاب في أيام عثمان بن عفان، فاستمرت طيلة فترة خلافته، تفتح بلادًا جديدة، وتوطِّد للمسلمين فيما فتح من قبل من البلدان.(2)
وباتساع دولة الإسلام كثُر المسلمون، وتفرق الصحابة في الأمصار، يدعون إلى الله، ويعلِّمون العلم، ويُقرِئون القرآن.
وكان الناس يقرؤون كما عُلِّموا، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة يقرؤون بقراءة أبي موسى الأشعري، وهكذا.(3)
فعن حذيفة قال: أهل البصرة يقرؤون قراءة أبي موسى، وأهل الكوفة يقرؤون قراءة عبد الله.(4)
وكان هؤلاء القراء من الصحابة رضي الله عنهم قد شهدوا نزول القرآن، وسمعوه من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وعلموا وجوه قراءته، ولم يكن شيءٌ من ذلك لِمن تعلَّم منهم في الأمصار، فكانوا إذا اجتمع الواحد منهم مع من قرأ على غير الوجه الذي قرأ عليه يعجبون من ذلك، وينكر بعضهم على بعض، وقد يصل الأمر إلى تأثيم أو تكفير بعضهم البعض.
عن يزيد بن معاوية النخعي قال: إني لفي المسجد زمنَ الوليد بن عقبة في حلْقةٍ فيها حذيفة، إذ هَتَفَ هاتفٌ : مَن كانَ يقرأ على قراءة أبي موسى فليأتِ الزاويةَ التي عند أبواب كِنْدةَ، ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعودٍ فليأتِ هذه الزاويةَ التي عند دار عبد الله، واختلفا في آية من سورة البقرة، قرأ هذا: ( وأتِمُّوا الحج والعمرة للبيت)، وقرأ هذا: } وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ {،(5) فغضب حذيفةُ واحمرَّت عيناه، ثم قام ففرز قميصَهُ في حُجْزَتِهِ(6) وهو في المسجد، وذاك في زمن عثمان، فقال: إمَّا أن يَرْكبَ إلىَّ أميرُ المؤمنين، وإمَّا أن أرْكبَ، فهكذا كان مَن قبلَكم …(7)
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنَّ عثمان قال: فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كُفْرًا.(8) قلنا: فماذا ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقةٌ، ولا يكون اختلافٌ. قلنا: فنعم ما رأيت.(9)
وانتشرت حلقات تعليم القرآن، فانتقل الخلاف إلى الغلمان والمعلمين، فخطَّأ بعضهم بعضًا، وأنكر بعضهم قراءة بعض.
فعن أبي قلابة قال: لَمَّا كان في خلافة عثمان، جعل الْمعلِّم يُعلِّم قراءةَ الرَّجل، والمعلِّم يُعلِّم قراءةَ الرَّجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلِّمين، قال: حتى كَفَر بعضهم بقراءة بعضٍ، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشدُّ فيه اختلافًا ولحنًا. اجتمعوا يا أصحاب محمدٍ، فاكتبوا للناس إمامًا.(10)
والظاهر أن هذه الأحداث كانت قبل غزو أرمينية وأذربيجان، ولَمَّا وقع ما وقع من الخلاف الشديد والفتنة العظيمة بين المسلمين في غزو أرمينية وأذربيجان، تأكدت الحاجة إلى جمع جديد للقرآن، يُلَمُّ به شمل المسلمين، وتجتثُّ به جذور تلك الفتنة.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة لحذيفة يظهر لي أنَّها كانت متقدمة على القصة التي وقعت له في القراءة،(11) فكأنه لَمَّا رأى الاختلاف أيضًا بين أهل الشام والعراق، اشتدَّ خوفه، فركب إلى عثمان، وصادف أن عثمان أيضًا وقع له نحو ذلك.(12)
2 - غزو أرمينية(13) وأذربيجان(14)
في عام خمس وعشرين من الهجرة النبوية اجتمع أهل الشام وأهل العراق في غزو أرمينية وأذربيجان.
قال الذهبي: جاشت الروم، حتى استمدَّ أمراء الشام من عثمان مددًا، فأمدَّهم بثمانية آلافٍ من العراق.(15)
وكان أمير جند الشام في ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان أمير جند العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان حذيفةُ بن اليمان من جملة من غزا معهم، وكان على أهل المدائن من أعمال العراق.(16)
وكان أهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وكان أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، فتنازع أهل الشام وأهل العراق في القراءة، حتى خطَّأ بعضهم بعضًا، وأظهر بعضهم إكفار بعضٍ، والبراءة منه، وكادت تكون فتنة عظيمة.
وكان السبب وراء هذا الخلاف عدم مشاهدة هؤلاء نزولَ القرآن، وبُعْدهم عن معاينة إباحة قراءته بأوجه مختلفة، فظنَّ كلٌّ منهم أن ما يقرأ به غيره خطأ لا يَجوز في كتاب الله، فكادت تكون تلك الفتنة.
قال مكي بن أبي طالب: وكان قد تعارف بين الصحابة على عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن ينكر أحدٌ ذلك على أحدٍ، لمشاهدتهم من أباح ذلك، وهو النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا انتهى ذلك الاختلاف إلى ما لم يعاين صاحبَ الشرع، ولا علِم بِما أباح من ذلك، أنكر كلُّ قومٍ على الآخرين قراءتَهم، واشتد الْخصام بينهم.(17)
رأى هذا الخلاف العظيم حذيفة بن اليمان، إضافةً إلى ما رآه من الاختلاف بين الناس في القراءة في العراق، ففزع إلى عثمان بن عفان، وأنذره بالخطر الداهم، وانضم ذلك إلى ما عاينه عثمان رضي الله عنه من الخلاف بين المعلمين وكذلك بين الغلمان، فصدّق ذلك ما كان استنبطه من أن من كان أبعد من دار الخلافة بالمدينة فهو أشدُّ اختلافًا.
عن ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.(18)
وعن زيد بن ثابت أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ النَّاسَ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ : غَزَوْت فَرْجَ أَرْمِينِيَةَ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الشَّامِ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يقرؤون بِقِرَاءةِ أُبَيٍّ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَيُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يقرؤون بِقِرَاءةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَيُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الشَّامِ. قَالَ زَيْدٌ: فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَكْتُبَ لَهُ مُصْحَفًا.(19)
فكانت هذه الْحادثة هي أهم الأسباب التي بعثت على جمع القرآن في زمن عثمان، فقد أكدت ما ظنه رضي الله عنه من أن أهل الأمصار أشد اختلافًا مِمَّن كان بدار الخلافة بالْمدينة وما حولَها.

(1) انظر: التاريخ الإسلامي (الخلفاء الراشدون) (3/190)، (3/234).
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (الخلفاء الراشدون) (3/190)، (3/234).
(3) انظر تأويل مشكل الآثار (4/193)، وفتح الباري (8/633-634)، ومناهل العرفان (1/255).
(4) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف. باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك. ص 20.
(5) سورة البقرة من الآية 196.
(6) الحُجْزة موضع شدّ الإزار، وهو الوسط.. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/344).
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص 18.
(8) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، عَلَى أَيِّ حَرْفٍ قَرَأْتُمْ فَقَدْ أَصَبْتُمْ، فَلاَ تَتَمَارَوْا فِيهِ فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ.رواه أحمد في مسنده: مسند الشاميين (5/232) ح17364.
(9) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30. قال الحافظ ابن حجر: بإسناد صحيح. فتح الباري (8/634).
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 28-29.
(11) يعني في غزو أرمينية وأذربيجان.
(12) فتح الباري (8/634).
(13) قال ابن حجر: وأرمينية بفتح الهمزة عند ابن السمعاني، وبكسرها عند غيره … وبسكون الراء، وكسر الميم، بعدها تحتانية ساكنة، ثم نون مكسورة، ثم تحتانية مفتوحة خفيفة، وقد تثقل، قاله ياقوت. فتح الباري (8/632). وهي صقع عظيم في جهة الشمال، ومن مدائنها تفليس. معجم البلدان (1/191).
(14) بالفتح ثم السكون، وفتح الراء، وكسر الباء الموحدة، وياء ساكنة، وجيم. إقليم مشهورٌ بنواحي جبال العراق، غربي أرمينية. معجم البلدان (1/155-156).
(15) تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين ص 309.
(16) انظر فتح الباري (8/632)، والبداية والنهاية (7/150).
(17) انظر الإبانة عن معاني القراءات ص 48-49.
(18) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(19) رواه الطحاوي في تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193). وذكره الحافظ في الفتح (8/633).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 03:59 AM   رقم المشاركة : 18
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثاني
من قام بجمع القرآن الكريم
في عهد عثمان رضي الله عنه
انعقد عزم الصحابة رضي الله عنهم -بعد ما رأوا من اختلاف الناس في القراءة- على أن يجمعوا القرآن، ويرسلوا منه نُسَخًا إلى الأمصار، لتكون مرجعًا للناس يرجعون إليه عند الاختلاف.
فانتدب عثمان بن عفان رضي الله عنه لذلك اثني عشر رجلاً، وأمرهم بأن يكتبوا القرآن في الْمصاحف، وأن يرجعوا عند الاختلاف إلى لغة قريش.
عن محمد بن سيرين عن كَثِير بن أفلَحَ قال: لَمَّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أُبَيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابت.(1)
والذي يظهر أن عثمان رضي الله عنه انتدب رجلين فقط أول الأمر، هما زيد بن ثابت وسعيد بن العاص.
كما جاء عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ -في قصة جمع القرآن زمن عثمان- أنه قال: فقيل: أيُّ الناس أفصح؟ وأي الناس أقرأُ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرؤهم زيد بن ثابت. فقال عثمان: ليكتبْ أحدهُما ويُملي الآخر، ففعلا، وُجمِع الناسُ على مصحفٍ.(2)
قال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح.(3)
فالظاهر أنَّهم اقتصروا عليهما أول الأمر للمعنى المذكور في هذا الأثر، ثم لَمَّا احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بِحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي تُرسل إلى الآفاق أضافوا إلى زيدٍ وسعيدٍ عبدَ الله بنَ الزبير وعبدَ الرحمن بنَ الحارث بن هشام.
فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا(4) فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.(5)
ثم أضافوا بعد ذلك آخَرِينَ بحسب ما كانوا يحتاجون إليه من الإملاء والكتابة، وكان منهم أبيُّ بن كعب الذي احتاجوا إليه للاستظهار، كما ورد في رواية محمد بن سيرين السابقة.
وقد وقع في الروايات الواردة تسمية تسعةٍ من هؤلاء الاثني عشر رجلاً، وهم:
1 - زَيْد بْن ثَابِتٍ.
2 - عَبْد اللهِ بْن الزُّبَيْرِ.
3 - سَعِيد بْن الْعَاصِ.(6)
4 - عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ.(7)
وهؤلاء هم الأربعة المذكورون في حديث أنسبن مالك السابق قريبًا.
5 - أبي بن كعب، كما في حديث كثير المتقدم أيضًا.
6 - أنس بن مالك.
7 - عبد الله بن عباس.(8)
8 - مالك بن أبي عامر،(9) جد مالك بن أنس، ثبت ذلك من روايته.(10)
وقال الإمام مالك بن أنس: كان جدِّي مالك بن أبي عامرٍ مِمَّن قرأ في زمان عثمان، وكان يُكتبه المصاحفَ.(11)
9 - كثير بن أفلح،(12) كما في حديث ابن سيرين المتقدم.
وفيه قول محمد بن سيرين: فقلت لكَثِيرٍ -وكان فيهم (فيمن يكتب): هل تدرون لم كانوا يُؤَخِّرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت أنَّهم إنَّما كانوا يُؤَخِّرونه لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة، فيكتبونَها على قوله.(13)
وقد روي عن أبي المليح عن عثمان رضي الله عنه أنه حين أراد أن يكتب المصحف قال: تُمِلُّ(14) هُذيلٌ، وتكتبُ ثَقِيفٌ.(15)
وعن عمر بن الخطاب أنه قال: لا يُمْلِيَنَّ في مصَاحِفِنا إلاَّ غِلمانُ قُرَيشٍ وثَقِيفٍ.(16)
أما الأثر الوارد عن عمر بن الخطاب، فلا مدخل له هنا، إذ عمر قد مات قبل أن تكتب المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه .
وأما الأثر الوارد عن عثمان، فإنه منقطعٌ؛ لأن أبا المليح لم يلق عثمان،(17) كما أن فيه نَكارةٌ، لأنه مخالف للواقع، فليس فيمن ورد تسميتهم في الروايات أحدٌ من ثَقِيفٍ أو هُذَيْلٍ، بل كلهم إما قُرَشِيٌّ، وإمَّا أنصاريٌّ.(18)
ومِمَّن ورد تسميتهم أيضًا فيمن شارك في هذا الجمع بالكتابة أو الإملاء:
عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبان بن سعيد بن العاص.(19)
وأبان بن سعيد بن العاص، هو عمُّ سعيد بن العاص - أحد الأربعة الذين اختيروا للجمع، وقد ورد أنه شارك في هذا الجمع:
فعن عُمارة بن غَزِيَّة عن ابن شهابٍ عن خارجة بن زيدٍ عن زيد بن ثابت أنَّهُ قَالَ: فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَكْتُبَ لَهُ مُصْحَفًا. وَقَالَ إنِّي جَاعِلٌ مَعَك رَجُلاً لَبِيبًا فَصِيحًا، فَمَا اجْتَمَعْتُمَا عَلَيْهِ فَاكْتُبَاهُ، وَمَا اخْتَلَفْتُمَا فِيهِ فَارْفَعَاهُ إلَيَّ، فَجَعَلَ مَعَهُ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.(20)
وأبان بن سعيد بن العاص قتل في سنة اثنتي عشرة يوم أجنادين، قبل وفاة أبي بكر بقليل، أو سنة أربع عشرة يوم مرْج الصُّفْر، في صدر خلافة عمر، وقيل إنه توفي سنة تسع وعشرين، والأول قول أكثر أهل النسب.(21)
قال الحافظ: ووقع في رواية عُمارة بن غَزِيَّة "أبان بن سعيد بن العاص" بدل "سعيد"، قال الخطيب: ووهِم عُمارة في ذلك؛ لأن أبان قُتِل بالشام في خلافة عمر، ولا مدخل له في هذه القصة، والذي أقامه عثمان في ذلك هو سعيد بن العاص - ابن أخي أبان المذكور اهـ.(22)

(1) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33، وأورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن ص 45.
(2) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30.
(3) فتح الباري (8/634).
(4) يعني الصحف التي كتبت في عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه .
(5) رواه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب باب نزل القرآن بلسان قريشٍ (6/621)ح 3506.
(6) هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، له صحبة، توفي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وله تسع سنين، وكان أميرًا شريفًا، ذا حلم وعقل يصلح للخلافة، ولي إمرة المدينة لمعاوية رضي الله عنه ثم ولي إمرة الكوفة، وغزا طبرستان ففتحها، وكان أحد من ندبهم عثمان رضي الله عنه لكتابة المصاحف؛ لفصاحته وشبه لهجته بلهجة رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، مات سنة سبع أو ثمان وخمسين. سير أعلام النبلاء للذهبي (3/444)، وطبقات ابن سعد (5/30)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة (2/391).
(7) من أشراف بني مخزوم، توفي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين، وكان من نبلاء الرجال، ومن فضلاء المسلمين وخيارهم علمًا ودينًا وعلو قدرٍ، شهد الجمل مع عائشة، وكان صهرًا لعثمان. توفي في خلافة معاوية. أسد الغابة (3/327)، وسير أعلام النبلاء (3/484).
(8) قال الحافظ ابن حجر عن مشاركة ابن عباس وأنس بن مالك في الكتابة: وقع ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب. فتح الباري (8/635).
(9) من كبار التابعين وعلمائهم، وأبوه أبو عامر بن عمرو بن الحارث، صحابي شهد المغازي كلها ما خلا بدرًا، وهو أحد الذين حملوا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ليلاً إلى قبره. تهذيب التهذيب (10/19).
(10) انظر المصاحف لابن أبي داود ص 29.
(11) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 34.
(12) مولى أبي أيوب الأنصاري، قُتِل في وقعة الحرة سنة 63هـ. شذرات الذهب (1/71).
(13) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33، وأورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن ص 45.
(14) أي تُملي، قال تعالى: } فليكتب وليُمْلِلِ الذي عليه الحقُّ { . البقرة 282. قال الجوهري في الصحاح: وأملَّ عليه أيضًا، بمعنى أملى. يُقال: أمللتُ عليه الكتابَ. الصحاح (ملل) (5/1821).
(15) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 34.
(16) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف: باب جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه القرآن في المصحف ص 17.
(17) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (34/316-317).
(18) انظر فتح الباري (8/635).
(19) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 258، شيخ القراء محمد بن علي بن خلف الحسيني الشهير بالحداد في كتابه: الكواكب الدرية ص 21.
(20) رواه الطحاوي في تأويل مشكل الآثار. (4/193).
(21) أسد الغابة في معرفة الصحابة (1/47).
(22) فتح الباري (8/635)، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/39).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:00 AM   رقم المشاركة : 19
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثالث
منهج جمع القرآن
في عهد عثمان رضي الله عنه ومزاياه
المبحث الأول: منهج عثمان في جمع القرآن 1 - عمل عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
2 - خطة العمل
المبحث الأول: منهج عثمان في جمع القرآن
1 - عمل عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
كان المقصود من جمع القرآن زمن عثمان قطع دابر الفتنة التي طرأت على المسلمين من الاختلاف في كتاب الله، بجمع وتحديد الأوجه المتواترة المجمع عليها في تلاوة القرآن، وإبعاد كل ما لم تثبت قرآنيته، سواء بنسخ، أو بأن لم يكن قرآنًا أصلاً.
قال القاضي الباقلاني: لم يقصد عثمانُ قَصْدَ أبي بكرٍ في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخْذَهُم بِمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبِت مع تنزيلٍ، ولا منسوخ تلاوته كُتِبَ مع مُثْبَت رسمه ومفروضٍ قراءتُه وحفظُه؛ خشية وقوع الفساد والشبهة على من يأتي بعد.(1)
فأراد عثمان رضي الله عنه أن ينسخ من الصحف التي جمعها أبو بكر رضي الله عنه مصاحف مجمعًا عليها تكون أئمة للناس في تلاوة القرآن.
قال ابن حزم: خشي عثمان رضي الله عنه أن يأتي فاسقٌ يسعى في كيد الدين، أو أن يهِمَ واهمٌ من أهل الخير، فيبدِّل شيئًا من المصحف، فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجمعًا عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفًا، لكي -إن وهم واهمٌ، أو بدَّل مبدِّل- رُجِع إلى المصحف المجمع عليه، فانكشف الحق، وبطل الكيد والوهم.(2)
فلم يكن قصد عثمان جمع ما ليس مجموعًا، فقد كان القرآن زمن الصديق قد جُمِع، وإنما قصَدَ نسخَ ما كان مجموعًا منه زمن الصديق في مصاحف يقتدي بِها المسلمون.
قال النووي: خاف عثمان رضي الله عنه وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن، أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة، الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحفَ، وبعث بِها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب، وسائر الصحابة، وغيرهم رضي الله عنهم .ـ(3)
قال البيهقي: ثم نسخ (زيدٌ) ما جمعه في الصحف (في عهد أبي بكر) في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان رضي الله عنه على ما رسم المصطفى صلى الله عليه وسلم .ـ(4)
2 - خطة العمل
شرع الصحابة الموكلون بجمع القرآن في كتابة المصحف الإمام، الذي نسخوا منه بعد ذلك المصاحف المرسلة إلى الأمصار، وكان الخليفة عثمان رضي الله عنه يتعاهدهم ويشرف عليهم، وكان الموجودون من الصحابة جميعًا يشاركون في هذا العمل.
ويُمكن أن يلخص منهج الجمع العثماني فيما يأتي:
1 - الاعتماد على جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ويظهر هذا جليًّا في طلب عثمان رضي الله عنه الصحف التي جمع فيها أبو بكرٍ القرآن من حفصة -رضي الله عنها، وقد كانت هذه الصحف -كما مرَّ- مستندةً إلى الأصل المكتوب بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .
وبذلك ينسد باب القالة، فلا يزعم زاعم أن في الصحف المكتوبة في زمن أبي بكر ما لم يُكتب في المصحف العثماني، أو أنه قد كتب في مصاحف عثمان ما لم يكن في صحف أبي بكر.(5)
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: … فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ.(6)
2 - أن يتعاهد لجنة الجمع ويشرف عليها خليفة المسلمين بنفسه:
فعن كَثِير بن أفلَحَ قال: لَمَّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار ، فيهم أُبَيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الرَّبـْـعَةِ(7) التي في بيت عُمَرَ، فجِيء بِها، قال: وكان عثمانُ يتعاهدهم.(8)
3 - أن يأتي كلُّ مَن عنده شيءٌ من القرآن سمعه من الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بِما عنده، وأن يشترك الجميع في علم ما جُمِع، فلا يغيب عن جمع القرآن أحدٌ عنده شيء منه، ولا يرتاب أحدٌ فيما يودَع المصحف، ولا يُشَكُّ في أنه جمِع عن ملأٍ منهم.(9)
ويدل على ذلك ما صحَّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قال: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كُفْرًا. قلنا: فماذا ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقةٌ، ولا يكون اختلافٌ. قلنا: فنعم ما رأيت.(10)
وورد كذلك أن عثمان رضي الله عنه دعا الناس إلى أن يأتوا بِما عندهم من القرآن المكتوب بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان يستوثق لذلك أشد الاستيثاق.
فعن مصعب بن سعد قال: قام عثمان رضي الله عنه فخطب الناس فقال: أيها الناس! عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة سنةً، وأنتم تَمترون في القرآن… فأَعْزِم على كل رجل منكم ما كان معه من القرآن شيءٌ لَمَا جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرةً، ثم دخل عثمان، فدعاهم رجلاً رجلاً، فناشدهم: لَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم.(11)
4 - الاقتصار عند الاختلاف على لغة قريش.
كما جاء في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا.(12)
والمقصود من الجمع على لغة واحدة: الجمع على القراءة المتواترة المعلوم عند الجميع ثبوتُها عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وإن اختلفت وجوهها، حتى لا تكون فرقةٌ ولا اختلاف، فإن ما يعلم الجميع أنه قراءة ثابتة عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم لا يختلفون فيها، ولا ينكر أحدٌ منهم القراءة بِها.
قال أبو شامة: يحتمل أن يكون قوله: نزل بلسان قريش، أي: ابتداء نزوله، ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم.(13)
فلعلَّ عثمان رضي الله عنه عندما جمع القرآن رأى الحرف الذي نزل القرآن أولاً بلسانه أولى الأحرف، فحمل الناس عليه عند الاختلاف.(14)
وقد اختلف الصحابة في كلمة (التابوت) هل هي بالتاء أم بالهاء.
كما قال الزهري: واختلفوا يومئذٍ في (التابوت) و(التابوه)، فقال النفر القرشيون: (التابوت)، وقال زيدٌ: (التابوه)، فرُفِع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه (التابوت)، فإنه بلسان قريشٍ.(15)
على أنه قد ورد أن الذي رأى أنَّها بالتاء هو زيدٌ، كما روى الطحاوي عن زيد ابن ثابت أنَّه لَمَّا بَلَغَ: } إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ{،(16) قَالَ زَيْدٌ: فَقُلْت أَنَا: (التَّابُوتُ)، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ (التَّابُوتُ).(17)
5 - أن يُمنع كتابة ما نُسخت تلاوته، وما لم يكن في العرضة الأخيرة، وما كانت روايته آحادًا، وما لم تُعلم قرآنيته، أو ما ليس بقرآن، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، شرحًا لمعنىً، أو بيانًا لناسخ أو منسوخٍ، أو نحو ذلك.(18)
ومِمَّا يدل لذلك ما ورد عن محمد بن سيرين عن كَثِير بن أفلَحَ قال: فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخَّروه، قال محمد: فقلت لكَثِيرٍ -وكان فيهم (فيمن يكتب): هل تدرون لم كانوا يُؤَخِّرونه؟ قال: لا. قال محمد: فظننت أنَّهم إنَّما كانوا يُؤَخِّرونه لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة، فيكتبونَها على قوله.(19)
6 - أن يشتمل الجمع على الأحرف التي نزل بِها القرآن، والتي ثبت عرضها في العرضة الأخيرة(20) مع مراعاة ما يأتي:
أ- عند كتابة اللفظ الذي تواتر النطق به على أوجهٍ مختلفةٍ عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، يبقيه الكَتَبَةُ خاليًا عن أية علامة تقصِر النطق به على وجه واحد؛ لتكون دلالة المكتوب على كلا اللفظين المنقولين المسموعين متساوية،(21) فتكتب هذه الكلمات برسم واحدٍ في جميع المصاحف، محتمل لما فيها من الأوجه المتواترة، ومن أمثلة ذلك:
1 - قوله تعالى: } كَيْفَ نُنْشِزُهَا{،(22) بالزاي المنقوطة، فقد قرأها أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب } نُنْشِرُهَا {، بالراء المهملة.(23)
2 - وقوله تعالى : } هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ {،(24) بالباء الموحدة من البلوى، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف: } هُنَالِكَ تَتْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ {، بالتاء المثناة من التلاوة، مكان الباء الموحدة.(25)
3 - وقوله تعالى: } فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ {،(26) بفتح العين والميم، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف وشعبة: } فِي عُمُدٍ مُمَدَّدَةٍ {، بضم العين والميم.(27)
ب- ما لا يحتمله الرسم الواحد، كالكلمات التي تضمنت قراءتين أو أكثر، ولم تنسخ في العرضة الأخيرة، ورسمُها على صورة واحدة لا يكون محتملاً لما فيها من أوجه القراء، فمثل هذه الكلمات ترسم في بعض المصاحف على صورة تدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على القراءة الأخرى.(28)
ولم يكتب الصحابة تلك الكلمات برسمين أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية؛ لئلا يُتَوَهَّم أن الثاني تصحيحٌ للأول، وأن الأول خطأ، وكذلك لأن جعل إحدى القراءات في الأصل والقراءات الأخرى في الحاشية تحكُّمٌ، وترجيحٌ بلا مرجِّح؛ إذ إنَّهم تلقَّوْا جميع تلك الأوجه عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وليست إحداها بأولى من غيرها.(29)
ومن الأمثلة على ذلك:
1 - قوله تعالى: } وقالوا اتخذ الله ولدًا {،(30) فقد قرأها عبد الله بن عامرٍ الشامي: } قالوا اتخذ الله ولدًا { بغير واو. وهي كذلك في مصاحف أهل الشام.(31)
2 - قوله تعالى : } وَوَصَّى بِها إِبْرَاهِيمُ {،(32) فقد قرأها أبو جعفرٍ، ونافعٌ، وابن عامرٍ: } وَأَوْصَى بِها إِبْرَاهِيمُ { من الإيصاء. وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة والشام بإثبات ألف بين الواوين. قال أبو عبيد: وكذلك رأيتها في الإمام مصحف عثمان رضي الله عنه ، ورسمت في بقية المصاحف بواوين قبل الصاد، من غير ألفٍ بينهما.(33)
3 - وقوله تعالى: } وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ {،(34) فقد قرأها عبد الله بن كثير المكي: } وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ {، بزيادة ( مِنْ) قبل (تَحْتِهَا). وهي كذلك في المصحف المكي، وفي بقية المصاحف بحذفها.(35)
4 - وقوله تعالى: } وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ‎{،(36) في قراءة أبي جعفر، ونافع، ورواية حفص عن عاصم بِهاء بعد الياء في (تَشْتَهِيهِ)، وقد قرأها بقية القراء: } وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ‎{، دون الهاء الأخيرة.(37)
قال أبو عمرو الداني: في مصاحف أهل المدينة والشام ( تَشْتَهِيهِ ) بِهاءين، ورأيت بعض شيوخنا يقول: إن ذلك كذلك في مصاحف أهل الكوفة، وغلط.
وقال أبو عبيد: وبِهاءين رأيته في الإمام. وفي سائر المصاحف (تَشْتَهِي) بِهاء واحدة اهـ.(38)
7 - بعد الفراغ من كتابة المصحف الإمام يراجعه زيد بن ثابت ، ثم يراجعه عثمان رضي الله عنه بنفسه.
عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِها، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ } مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ {،(39) فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ.(40)
كانت هذه هي المراجعة الأولى لزيدٍ رضي الله عنه ، ويظهر من الروايات أنه عرضه مرتين أخريين، فأظهرت الثانية الاختلاف في لفظ (التابوت)، ولم تكشف الثالثة عن شيء.
فعن زيد بن ثابت أنَّه لَمَّا بَلَغَ: } إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ{ قَالَ زَيْدٌ: فَقُلْت أَنَا: التَّابُوتُ، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ التَّابُوتَ، ثُمَّ عَرَضَهُ -يَعْنِي الْمُصْحَفَ- عَرْضَةً أُخْرَى، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلَى حَفْصَةَ أَنْ تُعْطِيَهُ الصَّحِيفَةَ، وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّ الصَّحِيفَةَ إلَيْهَا، فَأَعْطَتْهُ فَعَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي شَيْءٍ، فَرَدَّهَا إلَيْهَا وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ يَكْتُبُونَ مَصَاحِفَ.(41)
وفي هذا الأثر ما يدل على أن المعارضة بِما جمعه الصديق كانت بعد الانتهاء من كتابة المصحف الإمام، لِمزيد الاطمئنان، وفي هذا ما يدل على بقاء الأوجه الثابتة من القراءة بغير اختلافٍ بين الحفَّاظ والعلماء.
وقد نفَّذ الصحابة رضي الله عنهم هذه الضوابط أدقَّ تنفيذٍ، فكانوا ربَّما انتظروا الغائب الذي عنده الشيء من القرآن زمانًا، حتى يستثبتوا مِمَّا عنده، على الرغم من أن القائمين بالكتابة والإملاء كانوا من الحفاظ القراء.
عن مالك بن أبي عامر، قال: كنتُ فيمن أملى عليهم، فربَّما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقَّاها من رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ولعله أن يكون غائبًا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيء، أو يُرسَل إليه.(42)
ثم أمر عثمان رضي الله عنه بعد ذلك بنسخ المصاحف عن المصحف الإمام، وإرسالها إلى الأمصار، وهي التي عرفت فيما بعدُ بالمصاحف العثمانية، وحولها يدور الحديث في الفصل الآتي -إن شاء الله.

(1) البرهان في علوم القرآن (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن (1/171).
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212-213).
(3) التبيان في آداب حملة القرآن ص 96.
(4) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/148).
(5) الكواكب الدرية ص 21.
(6) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(7) الرَّبْعَة: جُونة العطَّار، وصندوق أجزاء المصحف. القاموس المحيط (ربع) ص 929.
(8) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33، وأورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن ص 45.
(9) انظر البرهان في علوم القرآن (1/238-239).
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30. وقال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري (8/634).
(11) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رضي الله عنه القرآن في المصاحف. ص 31.
(12) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(13) فتح الباري (8/625).
(14) فتح الباري (8/625).
(15) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رضي الله عنه القرآن في المصاحف ص 26، وانظر فتح الباري (8/635).
(16) سورة البقرة من الآية 248.
(17) رواه الطحاوي في تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193).
(18) انظر البرهان في علوم القرآن (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن (1/171).
(19) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رحمة الله عليه المصاحف ص 33، وأورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي داود، وقال: إسناده صحيح. فضائل القرآن ص 45.
(20) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 387-388.
(21) النشر في القراءات العشر (1/33).
(22) سورة البقرة من الآية 259.
(23) النشر في القراءات العشر (2/231).
(24) سورة يونس عليه السلام ، من الآية 30.
(25) النشر في القراءت العشر (2/283).
(26) سورة الهمزة، آية 9.
(27) النشر في القراءات العشر (2/403).
(28) سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين، للشيخ على محمد الضباع. ص 101-106،وانظر أيضًا شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن لإبراهيم المارغني التونسي ص 436 وما بعدها.
(29) مناهل العرفان (1/259)، والكواكب الدرية ص 22-23.
(30) سورة البقرة، من الآية 116.
(31) كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 54، والنشر في القراءات العشر (1/11)، وشرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن ص 442.
(32) سورة البقرة، من الآية 132.
(33) كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 49، 51، 54، وشرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن ص 442.
(34) سورة التوبة من الآية 100.
(35) النشر في القراءات العشر (1/11)، و(2/280)، وشرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن ص 448، وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص 57.
(36) من الآية 71 من سورة الزخرف.
(37) النشر في القراءات العشر (2/370)، وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص 49، 53، 56.
(38) شرح الإعلان بتكميل مورد الظمآن ص 455-456.
(39) سورة الأحزاب، من الآية 23.
(40) رواه البخاري في الصحيح كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4988.
(41) رواه الطحاوي في تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193).
(42) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان رضي الله عنه القرآن في المصاحف. ص 29.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:01 AM   رقم المشاركة : 20
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الثالث
منهج جمع القرآن
في عهد عثمان رضي الله عنه ومزاياه
المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث المبحث الثاني: مزايا جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه
كان نسخ القرآن في المصاحف في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه تحقيقًا لوعد الله تعالى بحفظ كتابه العزيز، قال تعالى: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {،(1) فقد وحَّد هذا الجمع صف المسلمين وكلمتهم، وردَّ عنهم ما كان محدقًا بِهم من الفتنة العظيمة، واجتث بذور الشقاق من بينهم.
ومِمَّا سبق ذكره من خطة عمل الصحابة في جمع القرآن زمن عثمان يتبين لنا مزايا ذلك الجمع المبارك،(2) ويمكن تلخيص بعضها فيما يأتي:
1. مشاركة جميع من شهد الجمع من الصحابة فيه، وإشراف الخليفة عليه بنفسه.
2. بلوغ من شهد هذا الجمع وأقرّه عدد التواتر.
3. الاقتصار على ما ثبت بالتواتر، دون ما كانت روايته آحادًا.
4. إهمال ما نسخت تلاوته، وما لم يستقرَّ في العرضة الأخيرة.(3)
5. ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن، بخلاف صحف أبي بكر رضي الله عنه ، فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.
6. كتابة عدد من المصاحف يجمع وجوه القراءات المختلفة التي نزل بِها القرآن الكريم.
7. تجريد هذه المصاحف من كل ما ليس من القرآن، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة من تفسير للفظ، أو بيان لناسخ أو منسوخ، أو نحو ذلك.
ولقد حظي الجمع العثماني برضى من شهده من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والتابعين، وقطع الله به دابر الفتنة التي كادت تشتعل في بلاد المسلمين، إذ جمعهم رضي الله عنه على ما ثبتت قرآنيته، فانتهى بذلك ما كان حاصلاً من الاختلاف بين المسلمين.
عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان رضي الله عنه المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(4)
وقد عُدَّ جمعُ القرآن في المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه من أعظم مناقبه.
فعن عبد الرحمن بن مهديٍّ(5) قال: خصلتان لعثمان بن عفَّانَ ليستا لأبي بكر، ولا لِعُمَرَ: صبرُهُ نفسَه حتَّى قُتِل مظلومًا، وجمعُهُ الناسَ على المصحف.(6)
وقد دافع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن عثمان في جمع القرآن وإحراق المصاحف؛ لئلا يتهمه من لا فقه له بتضييع القرآن، أو الجرأة عليه، وأخبر أنه فعل ذلك عن رضى من شهده من الصحابة، وأنه لو كان واليًا إذ ذاك لفعل مثل الذي فعل عثمان رضي الله عنه .
عن سويد بن غفلة قال: سمعت عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقول: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا … قال: قال عليُّ: والله لو وليت لفعَلْتُ مثلَ الذي فَعَلَ.(7)
المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث
نستطيع بعد هذا العرض أن نتبين الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث، فقد كان لكل مرة من مرات جمع القرآن أسباب خاصة، وكان لكل مرة أيضًا كيفية خاصة، فالفرق بين المراحل الثلاث كان من حيث الأسباب والكيفيات:
الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الأسباب:
1. أسباب جمع القرآن في عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم : زيادة التوثق للقرآن، والتحري في ضبط ألفاظه، وحفظ كلماته، وإن كان التعويل في ذلك الوقت إنما كان على الحفظ والاستظهار، وتبليغ الوحي على الوجه الأكمل.
2. سبب جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه : الخوف على ضياع شيء من القرآن بِهلاك حفَّاظه، وضياع ما عندهم مِمَّا كُتِب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .
3. سبب جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه : خوف الفتنة التي وقع فيها المسلمون بسبب اختلافهم في القراءة بحسب ما تعلموه من الأحرف التي نزل بِها القرآن، والمحافظة على كتاب الله من التبديل والتغيير.
الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الكيفية:
1. كيفية جمع القرآن في عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم : ترتيب الآيات في سورها، وكتابة الآيات فيما تيسر من مواد الكتابة، مع بعثرة ذلك المكتوب، وعدم جمعه في مكان واحد.
2. كيفية جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه : جمع المكتوب في عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ونقله في صحفٍ، وهي أوراق مجردة، مرتب الآيات أيضًا، وبحيث تجتمع كل سورة متتابعة في تلك الصحف، لكن من غير أن تجمع تلك الصحف في مجلد أو مصحفٍ واحد.
3. كيفية جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه : نقل ما في صحف أبي بكر في مصحف إمامٍ، ونسخ مصاحف منه، وإرسالها إلى الآفاق، لتكون مرجعًا للناس عند الاختلاف.(8)
قال البيهقي (بعد حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاع)ِ(9): وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحفٍ بإشارة أبي بكرٍ وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف(10) في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان رضي الله عنه على ما رسم المصطفى صلى الله عليه وسلم .ـ(11)
قال القاضي الباقلاني: لم يقصد عثمانُ قَصْدَ أبي بكرٍ في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخْذَهُم بِمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبِت مع تنْزِيلٍ، ولا منسوخ تلاوته كُتِبَ مع مُثْبَت رسمه ومفروضٍ قراءتُه وحفظُه؛ خشية وقوع الفساد والشبهة على من يأتي بعد.(12)
وقال ابن حزم: خشي عثمان رضي الله عنه أن يأتي فاسقٌ يسعى في كيد الدين، أو أن يهِمَ واهمٌ من أهل الخير، فيبدِّل شيئًا من المصحف، فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال، فكتب مصاحف مجمعًا عليها، وبعث إلى كل أفق مصحفًا، لكي -إن وهم واهمٌ، أو بدَّل مبدِّل رُجِع إلى المصحف المجمع عليه، فانكشف الحق، وبطل الكيد والوهم.(13)

(1) سورة الحجر آية 9.
(2) انظر مناهل العرفان (1/260-261).
(3) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 383.
(4) رواه الداني في المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.
(5) هو الإمام الكبير، والحافظ العلم: أبو سعيد العنبري، قال على بن المديني: ما رأيت أعلم منه. توفي سنة 198 هـ. انظر تقريب التهذيب (1/499)، وتذكرة الحفاظ (1/329).
(6) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19.
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30، قال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري (8/634).
(8) انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/171/172)، ومناهل العرفان في علوم القرآن (1/262-263)، والكواكب الدرية ص 26-27.
(9) رواه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب في فضل الشام واليمن (5/734) ح 3954 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، والبيهقي في دلائل النبوة (7/147).
(10) يعني في عهد أبي بكر.
(11) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة (7/147-148).
(12) البرهان في علوم القرآن (1/235-236)، والإتقان في علوم القرآن (1/171).
(13) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212-213).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:02 AM   رقم المشاركة : 21
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
المصاحف العثمانية
المبحث الأول: عدد المصاحف العثمانية فيما مرَّ علينا في الفصل السابق من نسخ المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه ، علمنا أنه رضي الله عنه نسخ عددًا من المصاحف وأرسل بِها إلى الأمصار، وعرفت هذه المصاحف فيما بعدُ بالمصاحف العثمانية، نسبة إلى من أمر بنسخها، وهو الخليفة الراشد عثمان ابن عفّان رضي الله عنه .
وفي هذا الفصل نتناول بالبحث عدد المصاحف التي نسخها عثمان رضي الله عنه ، والتعريف بالرسم العثماني، وحكم اتباع ذلك الرسم.
المبحث الأول: عدد المصاحف العثمانية
لَمَّا انتهى زيد بن ثابت ومن معه من نسخ المصاحف، أرسل عثمان رضي الله عنه إلى كل أفقٍ بِمصحف، وأمر الناس بإتلاف ما خالف هذه المصاحف.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا.(1)
قال النووي: خاف عثمان رضي الله عنه وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن، أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة، الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحفَ، وبعث بِها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب، وسائر الصحابة، وغيرهم رضي الله عنهم .ـ(2)
ولَمَّا كان الاعتماد في نقل القرآن على المشافهة والتلقِّي من صدور الرجال، ولم تكن المصاحف كافية في نقل القرآن وتعلُّمه، فقد أرسل عثمان رضي الله عنه مع كل مصحف من المصاحف قارئًا يعلِّم الناس على ما يوافق المصحف الذي أرسل به، وكان يتخير لكل قارئٍ المصحف الذي يوافق قراءته في الأكثر.(3)
فقد روي أن عثمان رضي الله عنه أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكيّ، وبعث المغيرة بن أبي شهاب مع الشاميّ، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفيّ، وعامر بن عبد قيسٍ مع البصري.(4)
وقد اختلف العلماء في عدد المصاحف التي بعث بِها عثمان إلى البلدان، فالذي عليه الأكثر أنَّها أربعةٌ، أرسل منها عثمان رضي الله عنه مصحفًا إلى الشام، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة، وأبقى الرابع بالمدينة.
وقيل كتب خمسة مصاحف، الأربعة المذكورة، وأرسل الخامس إلى مكة.
وقيل ستةٌ، الخمسة المذكورة، وأرسل السادس إلى البحرين.
وقيل سبعة، الستة السابقة، وأرسل السابع إلى اليمن.
وقيل ثَمانية، والثامن هو الذي جمع القرآن فيه أولاً، ثم نسخ منه المصاحف، وهو المسمى بالإمام، وكان يقرأ فيه، وكان في حجره حين قُتِل.(5)
وقيل إنه رضي الله عنه أنفذ مصحفًا إلى مصر.(6)
عن حمزة الزيات قال: كتب عثمان أربعة مصاحف، فبعث بِمصحفٍ منها إلى الكوفة، فوُضِع عند رجل من مُرادٍ، فبقي حتى كتبتُ مصحفي عليه.(7)
وقال أبو حاتم السجستاني: لَمَّا كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن، كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.(8)
قال الإمام أبو عمرو الداني: أكثر العلماء على أن عثمان رضي الله عنه لَمَّا كتب المصاحف، جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدةٍ منهن: فوجّه إلى الكوفة إحداهنَّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدةً، وقد قيل إنه جعله سبع نسخٍ، ووجَّه من ذلك أيضًا نسخةً إلى مكةَ، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأول أصحُّ، وعليه الأئمة.(9)
وقال الحافظ ابن حجر والسيوطي: فالْمشهور أنَّها خمسة.(10)
وقال الْجعبري: حبس مصحفًا بالْمدينة للناس، وآخر لنفسه، وسيَّر باقيَها إلى أمرائه.(11)
والْمتعارف عند علماء رسم القرآن ستة مصاحف:
الأول: الْمصحف الإمام، وهو الْمصحف الذي احتبسه عثمان رضي الله عنه لنفسه، وينقل عنه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم.
الثاني: الْمصحف الْمدني، وهو الْمصحف الذي كان بأيدي أهل المدينة، وعنه ينقل الإمام نافع.
الثالث: الْمصحف الْمكي.
ويطلق على الإمام والمدني والمكي: الْمصاحف الحجازية، أو الحرمية.(12)
الرابع: الْمصحف الشامي.
الخامس: الْمصحف الكوفي.
السادس: الْمصحف البصري.
والكوفي والبصري عراقيان، وهما الْمرادان بِمصاحف أهل العراق.(13)
ولعل الصواب في ذلك هو الْمتعارف عند علماء القراءات، إذ قد كثر نقلهم عن هذه المصاحف الستة.(14)
قال الحدَّاد15) واختلف في عدد الْمصاحف التي كتبها عثمان، فقيل -وهو الذي صوَّبه ابن عاشرٍ في شرح الإعلان: أنَّها ستةٌ: الْمكي والشامي والبصري والكوفي، والْمدني العامُّ، الذي سيَّره عثمان من محلِّ نسْخِه إلى مقرِّه، والْمدني الخاصُّ به، الذي حبسه لنفسه، وهو الْمسمَّى بالإمام.(16)

(1) رواه البخاري في الصحيح كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) 4987.
(2) التبيان في آداب حملة القرآن ص 96.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/40).
(4) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 18-19، والكواكب الدرية ص 24، ومناهل العرفان (1/403-404).
(5) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 11.
(6) الكواكب الدرية ص 26، ومناهل العرفان (1/403).
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما كتب عثمان رضي الله عنه من المصاحف ص 43.
(8) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما كتب عثمان رضي الله عنه من المصاحف ص 43، وانظر التبيان في آداب حملة القرآن ص 97.
(9) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 19، وانظر: البرهان في علوم القرآن (1/240)، والتبيان في آداب حملة القرآن ص 96-97.
(10) فتح الباري (8/636)، والإتقان في علوم القرآن (1/172).
(11) انظر: الكواكب الدرية ص 2.
(12) نسبة إلى الحرم.
(13) انظر شرح الإعلان بتكملة مورد الظمآن. ص 437.
(14) انظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 197، ومناهل العرفان (1/403).
(15) هو الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني، المعروف بالحدَّاد، من فقهاء المالكية بِمصر، ولد بالصعيد سنة 1282 هـ، وتعلم بالأزهر، ثم عيِّن شيخًا للمقارئ المصرية سنة 1323 هـ، وتوفي سنة 1357 هـ. الأعلام (6/304).
(16) الكواكب الدرية ص 26.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:03 AM   رقم المشاركة : 22
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
المصاحف العثمانية
المبحث الثاني: الرسم العثماني الرسم في اللغة والاصطلاح أوجه الاختلاف بين الرسم العثماني والرسم القياسي المبحث الثاني: الرسم العثماني
الرسم في اللغة والاصطلاح
الرسم في اللغة: هو الأَثَرُ، وقيل: بقيَّةُ الأَثَرِ، وقيل: ما ليس له شخصٌ من الآثار.(1)
والرسم في الاصطلاح: قسمان: قياسي وتوقيفيّ.
فالرسم القياسيُّ: هو تصوير الكلمة بِحروف هجائها، على تقدير الابتداء بِها، والوقف عليها.
ولِهذا أثبتوا صورة همزة الوصل؛ لأنَّها ملفوظةٌ عند الابتداء، وحذفوا صورة التنوين؛ لأنه غير ملفوظٍ عند الوقف على أواخر الكلم.
والرسم التوقيفيُّ2) هو علمٌ تُعْرَفُ به مخالفاتُ خطِّ المصاحفِ العثمانية لأصول الرسم القياسي.(3)
وهذا الرسم التوقيفي هو الذي يعرف بـ (الرسم العثماني)، نسبة إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه ، إذ هو الرسم الْمُدَوَّنُ في المصاحف العثمانية التي سبق الكلام عليها في الْمبحث السابق.
وقد صنَّف العلماء كُتُبًا في معرفة كيفية كتابة الْمصاحف العثمانية، نقلوا فيها صورةً دقيقة لهذه المصاحف، وكانوا ينقلون عن الْمصاحف العثمانية مباشرةً، أو عن الْمصاحف المنقولة عنها في الأمصار، إذ الْمظنون بِمصاحف الأمصار متابعةُ كلِّ واحدٍ منها مصحف مِصْرِهِ العثمانيَّ، وبيَّن هؤلاء الأئمة المرسوم في الْمصاحف العثمانية مِمَّا خالف قواعد الرسم القياسي.
ومن أهم ما صُنِّف في الرسم العثماني4)
1. الْمقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار، للإمام أبي عمرو الداني. المتوفى سنة 444 هـ.
2. التنْزيل، للإمام أبي داود سليمان بن نجاح. المتوفى سنة 496 هـ.
3. عقيلة أتراب القصائد في أسنى الْمقاصد، للإمام أبي محمد القاسم بن فِيرّه الشاطبي، صاحب حرز الأماني، المتوفى سنة 590 هـ. وهي نظم لكتاب الْمقنع الْمذكور، ولها شروح كثيرة.
4. مورد الظمآن، للإمام محمد بن إبراهيم الأموي الشهير بالخراز، المتوفى في أوائل القرن الثامن الهجري، وهو نظم بديع مشتمل على جل المسائل المذكورة في الكتب السابقة، وله شروحٌ، منها: دليل الحيران، للشيخ إبراهيم بن أحمد الْمارغني التونسي، المتوفى سنة 1349 هـ.
أوجه الاختلاف بين الرسم العثماني والرسم القياسي
موضوع الرسم التوقيفي (العثماني) -كما يفهم مِمَّا سبق- حروفُ الْمصاحف العثمانية، وقد كان نَسْخ المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه بإشرافه، وبِمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ، وأكثر الرسم العثماني موافق لقواعد الرسم القياسي، وقد خرجت عنها أشياء، وقد دوَّنَها العلماء في الْمصنفات الخاصة بالرسم العثماني.
وأذكر هنا أنواعَ مخالفةِ الرسم العثماني للرسم الإملائي الحديث بإيجازٍ، وهي منحصرة في خمسة أنواع:
1 - الحــذف(5)
ويكون كثيرًا في الألفات والواوات والياءات.
فمن أمثلة حذف الألفات: حذف الألف التي بعد العين في: قوله: } الْعَـلَمِينَ {،(6) والتي بعد الميم من قوله تعالى : } مَـلِكِ {.(7) ومن أمثلة حذف الواوات: حذف إحدى الواوين من قوله تعالى: } الْغَاوُونَ {،(8) وقوله: } يَسْتَوُونَ {.(9)
ومن أمثلة حذف الياءات: حـذف إحدى الياءين من قوله تعالى: } النَّبِيِّـنَ {،(10) وقوله: } يُحْيِ {.(11) ويوجد الحذف أيضًا في اللام والنون:
فمن أمثلة حذف اللام: حذف إحدى اللامين من ألفاظ مخصوصة، منها : الَّـيْل .(12)
وحذفت النون الثانية من لفظ (ننجي) في قوله تعالى: وَكَذَ لِكَ نُـْجِي الْمُؤْمِنِينَ .(13) 2 - الزيــادة(14)
وقد وردت زيادة الألف والواو والياء في الرسم العثماني:
فمن أمثلة زيادة الألف: زيادة الألف التي بعد الشين في قوله تعالى : } لِشَايْءٍ {،(15) والتي بعد الجيم من قوله تعالى : } وَجِايءَ {.(16)
ومن أمثلة زيادة الواو: زيادة الواو في قوله تعالى : } سَأُورِيكُمْ {.(17) ومن أمثلة زيادة الياء: زيادة الياء في قوله تعالى: } بِأَييْدٍ {.(18) 3 - الهمــز(19)
وقد ورد رسم الهمزات في مواضع من الْمصاحف العثمانية على غير الصورة القياسية، فمن ذلك:
تصوير الْهمزة ألفًا كقوله تعالى: } لَتَنُوأُ {.(20)
وتصويرها واوًا كقوله تعالى : } يَبْدَؤُا {،(21) حيث وقع من القرآن الكريم.(22)
وتصويرها ياءً كقوله: } وَإِيتَائ {.(23)
وعدم تصويرها في نحو قوله تعالى: } الرُّءْ يا {.(24)
4 - البــدل(25)
ويكون في الألف بتصويرها واوًا أو ياءً:
فتصوَّر واوًا في ألفاظ، منها: } الصَّلـَوةَ {،(26) و} الزَّكـَوةَ {،(27) و} كَمِشْكَوةٍ {.(28)
وتُصوَّر ياءً في الألف الْمنقلبة عن ياء، مثـل: } يَـأَسَفَى {،(29) و} يَتَوَفَّنـكُمْ {.(30)
وتُصوَّر الألف ياءً في بعض ألفات الثلاثيِّ المنقلبة عن واو، مثـل: } وَالضُّحَى {،(31) و} مَا زَكَى {.(32)
وتُصوَّر الألف ياءً في كلماتٍ جُهِل أصلها، وهي: (إلى) و(على) و(أنَّى)، و(متى)، و(بلى)، و(حتَّى)، واختُلف في (لدى) فرسمت في غافر بالياء ترجيحًا، ورسمت في يوسف(33) بالألف اتفاقًا.(34)
5 - الفصل والوصل(35)
فرُسمت بعض الكلمات متصلة ببعضها، والقياس أن تكون منفصلة، لكونِها كلماتٍ مستقلة.
ومن أمثلة ذلك:
(عن) مع (ما)، فقد رسمتا متصلتين في مواضع، منها قول الله تعالى : } سُبْحَـنَ اللهِ وَتَعَـلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {.(36)
(بئس) مع (ما)، فقد رسمتا متصلتين في مواضع، منها: } بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ {.(37)
(كي) مع (لا)، فقد رسمتا متصلتين في مواضع، منها: } لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ {.(38)
(1) لسان العرب (رسم) (3/1646).
(2) يُسَمَّى توقيفيًّا على القول بأن خط المصاحف توقيف من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ويُطلق عليه البعض الرسم الاصطلاحي، نسبة لاصطلاح الصحابة رضي الله عنهم ، وسيأتي الخلاف في رسم المصاحف، وهل هو توقيفي أو اصطلاحي، في المبحث الآتي -إن شاء الله تعالى.
(3) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 40.
(4) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 25-29.
(5) انظر البرهان في علوم القرآن (1/388-408)، والإتقان في علوم القرآن (4/147-150).
(6) من مواضع هذا اللفظ: سورة الفاتحة 2.
(7) سورة الفاتحة، من الآية 4، انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 46 وما بعدها.
(8) سورة الشعراء، من الآية 224.
(9) من مواضعه الآية 18 من سورة السجدة، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 202-203.
(10) من مواضعه الآية 61 من سورة البقرة.
(11) من مواضعه الآية 258 من سورة البقرة، انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 197-199.
(12) من مواضعه الآية 164 من سورة البقرة، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 205-207.
(13) سورة الأنبياء، من الآية 88، وانظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 150-151.
(14) انظر البرهان في علوم القرآن (1/381-388)، والإتقان في علوم القرآن (4/151-152).
(15) في سورة الكهف، آية 23.
(16) في سورة الزمر، من الآية 69، وسورة الفجر، آية 23. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 242،245.
(17) في سورة الأعراف، آية 145، وسورة الأنبياء، آية 37. وفي رسمها خلاف، والعمل على زيادة الواو في الموضعين. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 259.
(18) في سورة الذاريات، آية 47. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 256.
(19) انظر الإتقان في علوم القرآن (4/152-153).
(20) من الآية 76 من سورة القصص. والقياس تصويرها واوًا، ثم حذف الواو الثانية لتكررها، فتترك الهمزة بلا صورة، فتوضع رأس العين على السطر هكذا (لتنوء). انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 215.
(21) والقياس فيها أن تكون على ألف هكذا (يبدأ)، ومن مواضع هذا اللفظ الآية 64 من سورة النمل.
(22) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 222-223.
(23) من الآية 90 من سورة النحل، والقياس ترك الهمزة بلا صورة، فتوضع رأس العين على السطر هكذا (وإيتاء). انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 253.
(24) وهو متعدد، ومن مواضعه الآية 60 من سورة الإسراء، والقياس تصوير الهمزة فيه واوًا هكذا (الرؤيا). انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 221.
(25) انظر البرهان في علوم القرآن (1/409-410)، والإتقان في علوم القرآن (4/154).
(26) من مواضعه الآية 3 من سورة البقرة.
(27) من مواضعه الآية 43 من سورة البقرة.
(28) من الآية 35 من سورة النور. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 282-283.
(29) من الآية 84 من سورة يوسف عليه السلام .
(30) من مواضعه الآية 11 من سورة السجدة. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 261.
(31) الآية 1 من سورة الضحى.
(32) من الآية 21 من سورة النور. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 279-281.
(33) في سورة غافر، الآية 18، وفي سورة يوسف عليه السلام ، الآية 25.
(34) انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 276-278.
(35) انظر البرهان في علوم القرآن (1/417-429)، والإتقان في علوم القرآن (4/155-156).
(36) سورة القصص، آية 68. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 290.
(37) سورة البقرة، آية 90. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 300-301.
(38) سورة آل عمران، آية 153. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 301.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:05 AM   رقم المشاركة : 23
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
المصاحف العثمانية
المبحث الثالث: حكم اتباع الرسم العثماني
اختلف العلماء هل رسم المصاحف توقيفي من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، أم اجتهادي؟ فأما الذين ذهبوا إلى أن الرسم توقيفيٌّ، فلم يجيزوا مخالفته، وأما القائلون بأنه اجتهاد واصطلاح من الصحابة، فاختلفوا، فمنهم من أوجب اتباع اصطلاحهم، ومنهم من جوَّز مخالفته، وجوز كتابة القرآن على غيره، ومنهم من أوجب كتابةالمصاحف على الرسم القياسي منعًا للَّبْس.
فتلخص أن العلماء في الرسم العثماني على مذهبين: مذهب يوجب اتباعه (سواء من قال بالتوقيف ومن قال بأنه اصطلاح واجب الاتباع)، ومذهب يرى جواز رسم المصاحف على غير الرسم العثماني، وبعضهم يوجب ذلك.
المذهب الأول: أن رسم القرآن توقيفي، فلا تجوز مخالفته، ولا تجوز كتابة المصحف إلا على الكتبة الأولى، وهو مذهب الجمهور.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
1. إقرار النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم هذه الكتبة، فقد كان للنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كُتَّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن على هذا الرسم بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وأقرهم على تلك الكتابة، ومضى عهده صلى الله عليه وسلم والقرآن على هذه الكتبة، لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل.
2. ما ورد من أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان يوقف كُتَّابه على قواعد رسم القرآن، ويوجههم في رسم القرآن وكتابته.
أ- فعن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال له: أَلِق الدواةَ،(1) وحرِّف القلمَ، وأقِم الباء، وفرِّق السينَ، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن (الله)، ومدّ (الرحمن)، وجوِّد (الرحيم).(2)
ب- وعن أنس رضي الله عنه أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا كتب أحدكم (بسم الله الرحمن الرحيم)، فليمدَّ الرحمن.(3)
3. إجماع الصحابة على ما رسمه عثمان في المصاحف، وعلى منع ما سواه.
4. إجماع الأمة المعصوم من الخطأ بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين على تلقِّي ما نُقِل في المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار بالقبول، وعلى ترك ما سوى ذلك.(4)
فهذا إجماعٌ من الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وعلى ترك ما خالفها من زيادة ونقص، وإبدال كلمةٍ بأخرى، أو حرف بآخر.
ولذلك جعل الأئمة موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً شرطًا لقبول القراءة، فقالوا: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع صحة النقل، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهي المعتبرة.(5)
ومِمَّن حكى إجماع الأمة على ما كتب عثمان رضي الله عنه الإمام أبو عمرو الداني، وروى بإسناده عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان رضي الله عنه المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(6)
وقال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن من نقص حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرفٍ مكانه، أو زاد فيه حرفًا مِمَّا لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأُجمع على أنه ليس من القرآن -عامدًا لكل هذا، فهو كافر.(7)
قال البيهقي: مَن كَتَب مصحفًا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بِها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مِمَّا كتبوه شيئًا؛ فإنَّهم كانوا أكثرَ علمًا، وأصدقَ قلبًا ولسانًا، وأعظمَ أمانةً منَّا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم، ولا تسَـقُّطًا لَهم.(8)
وعن زيد بن ثابت قال: القراءة سنةٌ، قال سليمان بن داود الهاشمي: يعني ألا تخالف الناس برأيك في الاتباع.(9)
قال البيهقي: إنما أراد -والله أعلم- أن اتباع مَن قبلنا في الحروف وفي القراءات سنةٌ متبعةٌ، ولا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمامٌ، ولا مخالفة القراءة التي هي مشهورةٌ، وإن كان غيرُ ذلك سائغًا في اللغة، أو أظهرَ منها.(10)
وقال أيضًا: وبِمعناه بلغني عن أبي عبيد في تفسير ذلك، قال: وترى القرَّاء لم يلتفتوا إلى مذاهب العربية في القراءة، إذا خالف ذلك خطَّ المصحف، وزاد: واتِّباعُ حروف المصاحف عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحدٍ أن يتعدَّاها.(11)
ونقل أحمد بن المبارك(12) عن شيخه عبد العزيز الدباغ(13) أنه قال: ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرةٌ واحدةٌ، وإنما هو توقيفٌ من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة، بزيادة الألف ونقصانِها، لأسرارٍ لا تَهتدي إليها العقول،… وهو سرٌّ من أسراره خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية،… وكما أن نظم القرآن معجزٌ، فرسمه أيضًا معجزٌ.(14)
قال ابن درستويه: خطان لا يُقاس عليهما: خط المصحف، وخط تقطيع العروض… ووجدنا كتاب الله -جلَّ ذكره- لا يُقاس هجاؤه، ولا يُخالَف خطُّه، ولكنه يُتَلقَّى بالقبول على ما أُودع المصحفَ.(15)
والقول بعدم جواز كتابة المصحف على غير الرسم العثماني هو قول أهل المذاهب الفقهية الأربعة.
قال العلامة محمد بن العاقب الشنقيطي16)
رسمُ الكِتابِ سنَّـةٌ متَّبـعهْ كما نحَا أهلُ المناحي الأربعهْ
وقد نقل الإمام الجعبري، وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتِّباع رسم المصحف العثماني.(17)
وفيما يأتي أقوال بعض فقهاء المذاهب الأربعة في هذه المسألة:
- الأحناف:
قال في المحيط البرهاني: إنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني.(18)
- المالكية:
سئل مالك رحمه الله: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.(19)
قال السخاوي: والذي ذهب إليه مالكٌ هو الحقُّ، إذ فيه بقاء الحالة الأولى، إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأَحرى بعد الأُخرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى.(20)
قال أبو عمرو الداني: ولا مُخالف لِمالكٍ من علماء الأمة في ذلك.(21)
وقال أبو عمرو الداني أيضًا: سئل مالك عن الحروف تكون في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن تُغَيَّر من المصحف إذا وُجدت فيه كذلك؟ قال: لا.(22)
قال أبو عمرو: يعني الواو والألف الزائدتين في الرسم، المعدومتين في اللفظ، نحو الـواو في: } أولئك {، و} أولات {، و} الربوا {، ونحو الألف في: } لن ندعوَا { و} لأَاوْضَعُوا {.(23)
- الشافعية:
قال الشيخ سليمان الجمل: (الربا) تكتب بِهما، أي: الواو والألف معًا، فتكتب الواو أولاً في الباء، والألف بعدها، وهذه طريقة المصحف العثماني، وقوله: "وبالياء"، أي: في غير القرآن؛ لأن رسمه سنةٌ متبعة.(24)
- الحنابلة:
قال الإمام أحمد بن حنبل: يحرم مخالفة مصحف الإمام في واوٍ أو ألفٍ أو ياء، أو غير ذلك.(25)
المذهب الثاني: أن رسم المصاحف اصطلاحي لا توقيفي، وعليه فتجوز مخالفته.
ومِمَّن جنح إلى هذا الرأي وأيده ابن خلدون في مقدمته، والقاضي أبو بكر في الانتصار، وشيخ الإسلام ابن تيمية.(26)
واستدل القائلون بِهذا الرأي بأدلة منها:
1. أن الرسوم والخطوط ما هي إلا علامات وأمارات، فكل رسمٍ يدل على الكلمة، ويفيد وجه قراءتِها، فهو رسم صحيح.
2. أن كتابة المصحف على الرسم العثماني قد توقع الناس في الحيرة والخطأ، والمشقة والحرج، ولا تمكنهم من القراءة الصحيحة السليمة.
3. أنه ليس في الكتاب العزيز، ولا السنة المطهرة، ولا في إجماع الأمة، ولا في قياس شرعي - ما يدل على وجوب كتابة المصحف برسم معين، وكيفية مخصوصة، ولَم يروَ عن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحدًا من كتاب الوحي حين كتابة الآيات القرآنية أن يكتبها برسم خاصٍّ، ولا نَهى أحدًا أن يكتبها بِهيئة معينة.
قال ابن خلدون: فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغٍ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسُّط، لمكان العرب من البداوة والتوحُّش، وبُعْدِهم عن الصنائع، وانظر ما وقع من أجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثيرُ من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبرُّكًا بما رسمه أصحاب الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ، وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله تعالى وكلامه، كما يُقتَفى لهذا العهد خطُّ وليٍّ أو عالمٍ تبرُّكًا، ويُتَّبع رسمه خطأً أو صوابًا، وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه؟ فاتُّبع ذلك، وأُثْبِت رسمًا، ونبَّه العلماء بالرسم إلى مواضعه.
قال: ولا تلتفتنَّ في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنَّهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يُتخيَّل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يُتخيَّل، بل لكل وجه، يقولون في زيادة الألف في } لاأذبحنَّه { إنه تنبيهٌ على أن الذبح لم يقع، وفي مثل زيادة الياء } بأييد { إنه تنبيهٌ على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مِمَّا لا أصل له إلا التحكم المحض، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيهًا للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمالٌ فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وليس ذلك بصحيح. اهـ.(27)
وقال القاضي أبو بكر: وأما الكتابة، فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئًا، إذ لم يأخذ على كتَّاب القرآن وخطَّاط المصاحف رسمًا بعينه دون غيره، أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يُدْرَك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية.
بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهُل، لأن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجهًا معينًا، ولا نَهى أحدًا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاحٌ، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. اهـ.(28)
بل ذهب عز الدين بن عبد السلام(29) إلى تحريم الكتابة على الرسم العثماني الأول، ووجوب كتابة القرآن على الاصطلاحات المعروفة عند عامة الناس.
قال الزركشي بعد ذكر قول الإمام أحمد في تحريم مخالفة مصحف عثمان: وكان هذا في الصدر الأول، والعلم غضٌّ حيٌّ، وأما الآن، فقد يخشى الإلباس، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة؛ لئلا يوقع في تغيير الجهال.(30)
قال البنا الدمياطي: وهذا كما قال بعضهم: لا ينبغي إجراؤه على إطلاقه؛ لئلا يؤدي إلى درس العلم، ولا يترك شيء قد أحكمه السلف مراعاة لجهل الجاهلين، لا سيما، وهو أحد الأركان التي عليها مدار القراءات.(31)

(1) ألاق الدواة فلاقت: لزق المداد بصوفها. لسان العرب (ليق) (5/4115).
(2) ذكره القاضي عياضٌ في الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/357-358)، والحافظ في فتح الباري (7/575).
(3) رواه الديلمي في مسنده، انظر فردوس الأخبار (1/364) ح 1174.
(4) الكواكب الدرية ص 34.
(5) الكواكب الدرية ص 34.
(6) رواه الداني في المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.
(7) الشفا بتعريق حقوق المصطفى (2/647).
(8) الجامع لشعب الإيمان (5/600).
(9) رواه البيهقي في الجامع لشعب الإيمان (5/600)، وفي السنن الكبرى (2/385)، والحاكم في المستدرك (2/224)، وصححه ووافقه الذهبي.
(10) السنن الكبرى للبيهقي (2/385).
(11) الجامع لشعب الإيمان (5/601)، وانظر البرهان في علوم القرآن (1/380).
(12) أحمد بن المبارك السَّلْجِماسي اللَّمَطِي، فقيه مالكي، عارف بالحديث، ولد في سَلْجِماسة سنة 1090 هـ، 1679م ونشأ فيها، ثم انتقل إلى فاس، فقرأ وأقرأ، حتى صرَّح لنفسه بالاجتهاد المطلق، وتوفي بفاس سنة 1156 هـ، 1743م. الأعلام (1/201-202).
(13) عبد العزيز بن مسعود الدباغ الإدريسي الحسني، متصوفٌ من الأشراف الحسنيين، ولد بفاس سنة 1095 هـ، 1684م، كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولأتباعه مبالغة في الثناء عليه، ونقل الخوارق عنه، توفي بفاس سنة 1132 هـ، 1720م. الأعلام (4/28).
(14) أحمد بن المبارك السلجماسي في كتابه: الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز ص 101.
(15) البرهان في علوم القرآن (1/376)، نقلاً عن الكتاب لابن درستويه ص 7.
(16) انظر التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية للدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ ص 27.
(17) بحث في المصاحف العثمانية للدكتور محمود سيبويه البدوي، مجلة كلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة، العدد الأول ص 345، نقلاً عن خميلة أرباب المقاصد شرح عقيلة أتراب القصائد للإمام الجعبري.
(18) مناهل العرفان (1/379).
(19) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 19، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 9.
(20) مناهل العرفان (1/379).
(21) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 19.
(22) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 36، والبرهان في علوم القرآن (1/379)، ومناهل العرفان (1/379).
(23) المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 36، والبرهان في علوم القرآن (1/379)، ومناهل العرفان (1/379)، وقد اختلفت المصاحف في هذه الكلمة، ففي بعضها بألف بعد الهمزة، وفي بعضها بغير ألف، والعمل على إسقاط الألف. انظر دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 245.
(24) حاشية الجمل على شرح المنهج، للشيخ سليمان الجمل (3/44).
(25) البرهان في علوم القرآن (1/379)، و الإتقان (4/146).
(26) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 129، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/420-421).
(27) مقدمة ابن خلدون (مقدمة تاريخ بن خلدون) ص 419.
(28) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 129، وانظر: الإبريز ص 99-101، ومناهل العرفان (1/380-381).
(29) هو الإمام العلامة، وحيد عصره، سلطان العلماء، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، برع في الفقه والأصول والعربية والتفسير والحديث، رحـل إليه الطلبة من سـائر البلدان، هذا مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. توفي سنة 660?. شذرات الذهب (3/301).
(30) البرهان في علوم القرآن (1/379)، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 9.
(31) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 9-10.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:06 AM   رقم المشاركة : 24
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
المصاحف العثمانية
تابع المبحث الثالث: حكم اتباع الرسم العثماني
الرأي الراجح
والرأي الذي تطمئن إليه النفس هو رأي الجمهور الذين ذهبوا إلى أن خط المصاحف توقيف، ولا تجوز مخالفته.
ويترجح هذا الرأي بإجماع الصحابة ومن بعدهم على كتابة المصاحف على هذه الهيئة المعلومة، وعلى رفض ما سواها، فلا يُعتبَر بعد إجماع أهل القرون الأولى خلاف من خالف بعد ذلك، ولا يجوز خرق إجماعهم؛ لأن الإجماع لا يُنْسَخُ.
ويؤيد ذلك أن الرسم الإملائي اصطلاح، والاصطلاح قد يتغير مع تغير الزمان، كما أن قواعد الإملاء تختلف فيها وجهات النظر، فيؤدي ذلك إلى التحريف والتبديل في كلام الله تعالى .
فلو أن أهل كل زمانٍ اصطلحوا في كتابة المصاحف على اصطلاح يناسب ما يألفونه من قواعد الإملاء، ثم أتى جيلٌ بعدهم فاصطلح على اصطلاح آخر يناسب ما استجدَّ من القواعد، وانقطعت صلة الأجيال المتتابعة بالمصاحف التي كتبها الصحابة، لو حدث ذلك لوصلنا خلال عقود قليلة إلى نصٍّ مشوَّهٍ من القرآن، وحينئذ لن يستطيع الناس تَمييز القراءة الصحيحة من غيرها، ويؤدي ذلك إلى تحريف كتاب الله، ويحصل الشكُّ في جميعه.
فهذا الرسم العثماني هو أقوى ضمان لصيانة القرآن من التغيير والتبديل.(1)
ومِمَّا يؤيد كون خط المصاحف توقيف: أن الصحابة رضي الله عنهم كتبوا الكلمة الواحدة في بعض المواضع بِهيئة، وفي مواضع أخرى بهيئة أخرى، ولا يظن بعاقلٍ -فضلاً عن الصحابة العلماء النبلاء- أن يسمع الكلمة الواحدة فيكتبها مرة بهيئة ومرة بأخرى إلا أن يكون لذلك علة، ولا علةَ هنا إلا التوقيف.
فقد رسم الصحابة (سعوا) في سورة الحج بزيادة الألف، ولم يزيدوا الألف من نفس اللفظ في سورة سبأ، فرسموها هكذا: (سعو).
وكذلك فعلوا في (عتَوْا) حيث كان فقد رسموه بزيادة الألف، ما عدا موضع الفرقان، فرسموه (عتو) هكذا دون ألف.
وزادوا الألف بعد الواو في قوله تعالى : (يعفوا الذي) في سورة البقرة، ولم يزيدوها في قوله تعالى: (يعفو عنهم) في سورة النساء.
وكذلك حذفوا بعض أحرف من كلمات متشابِهة دون بعضٍ، كحذف الألف من (قرء نا) بيوسف والزخرف، وإثباتِها في سائر المواضع.
وحذفوا الألف من (سموت) و(السموت) حيث وقع في القرآن، وأثبتوا الألف التي بعد واو (سموات) في فصلت فقط.
وأثبتوا الألف من (الميعاد) مطلقًا، وحذفوها من الموضع الذي في الأنفال.
وأثبتوا الألف في (سراجًا) حيثما وقع، وحذفوه من موضع الفرقان.
وزادوا الألف بعد واو الجماعة في الأفعال حيث وقع في القرآن كقوله: (آمنوا)، واستثنوا من ذلك: (باءو)، (جاءو)، (تبوءو)، (فاءو).
وزادوا الألف في (مائة) دون (فئة)، وزادوا الواو في (سأوريكم) في سورتي الأعراف والأنبياء، وزادوا الياء في (بأييدٍ)، و(بأييكم)، ولا فرق بين هذه الكلمات وغيرها مِمَّا لم يزيدوا فيه الألف أو الواو أو الياء.
فادعاء أن الصحابة اصطلحوا على هذا الرسم اتِّهامٌ لَهم بِمخالفة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ووصمٌ بالجهل والتفريق بين المتماثلات، وهذا مِمَّا لا يظن بآحاد العقلاء -فضلاً عن صحابة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم .
قال الدباغ: وأما قول من قال: إن الصحابة اصطلحوا على أمر الرسم المذكور، فلا يخفى ما فيه من البطلان؛ لأن القرآن كُتِب في زمان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وبين يديه، وحينئذ فلا يخلو ما اصطلح عليه الصحابة، إما أن يكون هو عين الهيئة التي كُتِبَت بين يدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أو غيرها، فإن كانت عينها بطل الاصطلاح؛ لأن أسبقية النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم تنافي ذلك، وتوجب الاتباع.
وإن كان غير ذلك، فكيف يكون النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كتب على هيئة، كهيئة الرسم القياسي مثلاً، والصحابة خالفوا وكتبوا على هيئة أخرى؟
فلا يصحُّ ذلك لوجهين:
أحدهما: نسبة الصحابة إلى المخالفة، وذلك مُحالٌ.
ثانيهما: أن سائر الأمة من الصحابة وغيرهم أجمعوا على أنه لا يجوز زيادة حرف في القرآن، ولا نقصان حرفٍ منه، وما بين الدفتين كلام الله تعالى ، فإذا كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أثبت ألف (الرحمن) و(العالمين) مثلاً، ولم يزد الألف في (مائة)، ولا في (لأاوضعوا)، ولا الياء في (بأييدٍ) ونحو ذلك، والصحابة عاكسوه في ذلك وخالفوه، لزم أنهم -وحاشاهم من ذلك- تصرفوا في القرآن بالزيادة والنقصان، ووقعوا فيما أجمعوا هم وغيرهم على ما لا يحلُّ لأحدٍ فعلهُ، ولزم تطرُّق الشكِّ إلى جميع ما بين الدفتين؛ لأنا مهما جوزنا أن تكون فيه حروف ناقصة أو زائدة على ما في علم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وعلى ما عنده، وأنها ليست بوحيٍ، ولا من عند الله، ولا نعلمها بعينها -شككنا في الجميع.
ولئن جوزنا لصحابيٍ أن يزيد في كتابته حرفًا ليس بوحيٍ، لزمنا أن نجوز لصحابي آخر نقصان حرف من الوحي؛ إذ لا فرق بينهما، وحينئذٍ تنحل عروة الإسلام بالكلية.(2)
وأما دعوى ابن خلدون -رحمه الله- أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يحكمون الخط، فمبنيٌّ على آثار غير ثابتة أن أهل مكة إنَّما تعلموا الخط من أهل الحيرة، وأن ذلك كان قبيل بعثة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ولا يثبت ذلك من حيث السند.(3)
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخط توقيفيٌّ،(4) وعليه فلم يكن العرب حديثي عهدٍ بالخط زمن بعثة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وبِهذا يتبين عدم ثبوت ما ادعاه العلامة ابن خلدون.
قال ابن فارس: الذي نقوله فيه: إن الخطَّ توقيفٌ، وذلك لظاهر قوله تعالى : } اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ! الَّذِي علَّم بالقَلَمِ ! علَّم الإنسانَ ما لَم يعلم {،(5) وقال -جلَّ ثناؤه: } ن والقلم وما يسطرون {،(6) وإذا كان كذا، فليس ببعيدٍ أن يوقف آدم عليه السلام ، أو غيره من الأنبياء -عليهم السلام- على الكتاب.(7)
وذهب بعضٌ آخر إلى أن الكتاب العربي وضع زمن إسماعيل عليه السلام ‎، فقد أخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل.(8)
كما أن دعواه اضطرابَ الصحابة في كتابة المصاحف، ومخالفتهم ما اقتضته صناعة الخط بغير مسوغٍ، فهي اتِّهام لهم بالبلادة وعدم الفهم، كما أسلفنا.
ودعواه -رحمه الله- أن السلف من التابعين ومن بعدهم إنَّما اقتفوا أثر الصحابة في كتابة المصاحف لِمجرد التبرك اتِّهامٌ للأمة جميعها بالتقليد الأعمى، وعدم النظر لِما يصلح دينها.
ومن الواضح البيِّن عدم إصابته -رحمه الله- في ادعاء أن عدم إجادة الخط ليس نقصًا، كيف ذلك، والعقلاء متفقون على أن الأمية نقصٌ يتنَزه عنه عوام الناس، فضلاً عن علمائهم.
وإنَّما لم تكن الأمية نقصًا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم لِما أنَّها كانت آية صدقه، إذ مع كونه أميًّا، كان قد حاز من العلوم ما لم يصل إليه غيره من البشر، فكان النقص في حق غيره علامة كمالٍ في حقه صلى الله عليه وسلم ،ـ(9) وتبقى الأمية في حق بقية البشر نقصًا يتنَزه عنه عقلاؤهم.
قال العلامة المارغني معرِّضًا بابن خلدون في رأيه هذا: وقد بلغ التهوُّر ببعض المؤرخين إلى أن قال في مرسوم الصحابة ما لا يليق بعظيم علمهم الراسخ، وشريف مقامهم الباذخ، فإياك أن تغترَّ به.(10)
وأما كلام القاضي الباقلاني فيناقش أيضًا بأن أدلة الجمهور القائلين بوجوب اتباع الرسم العثماني بعضها من السنة، وبعضها من إجماع الصحابة، وهذا يردُّ دعواه عدمَ الدليل على وجوب اتباع رسم المصاحف العثمانية.
وأما قوله: "ولذلك اختلفت خطوط المصاحف … الخ" فغير مسلَّمٍ، لأن الإجماع قد انعقد، وعلم الناس الرسم التوقيفي، كما أن ما ذكره من صور اختلاف الخطوط لا يعدو التغير في صورة الحرف، لا في رسم نفس الكلمة بزيادة حرف، أو نقصان حرف.
ومِمَّا يؤيد الرأي القائل بالتوقيف العلاقة الواضحة بين هذا الرسم العثماني، وبين القراءات القرآنية المتواترة، يدرك هذا من كان له أدنى معرفة بعلم القراءات، إذ يلاحظ بوضوح أن الصحابة رضي الله عنهم عندما خالفوا القياس في الخط، إنَّما كان ذلك لِمقاصد تتعلق بِما ثبتت روايته عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من أوجه القراءة في العرضة الأخيرة، فكتبوا في الفاتحة: } ملك يوم الدين {،(11) دون ألف في (ملك) لتحتمل الوجهين من القراءة بالألف (مالِكِ)، وبدونِها (مَلِكِ).
ومن أمثلة ذلك أيضًا كتابتهم قوله تعالى: } إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ {،(12) دون الألفات، ودون النقط والشكل هكذا (ان هـدن لسحرن) فاحتملت جميع أوجه القراءة فيها:
1. فقد قرأ أبو عمرو: } إِنَّ هَـذَينِ لَسَحِرَانِ { بتشديد نون (إن)، وبالياء في (هذين)، وتخفيف النون فيها.
2. وقرأ ابن كثير: } إِنْ هـذَانِّ لَسَحِرَانِ { بتخفيف نون (إنْ)، وبالألف في (هذان)، وتشديد النون منها.
3. وقرأ حفصٌ: } إِنْ هَـذَانِ لَسَحِرَانِ { بتخفيف نون (إنْ)، وبالألف في (هذان)، وتخفيف النون منها.
4. وقرأ بقية القراء العشرة } إِنَّ هَـذَانِ لَسَحِرَانِ { بتشديد نون (إنَّ)، وبالألف في (هذان)، وتخفيف النون منها.(13)
فهل يُعَدُّ مثل هذا الرسم مُخالفًا لقياس أهل صناعة الخط؟!
وكذلك كتابتهم تاء التأنيث بالتاء المفتوحة في بعض المواضع نحو (امرأت)، و(رحمت)، و(نعمت)، فيقف عليها جمهور القراء بالتاء، ولو كتبت بالهاء المربوطة، لَتَغَيَّرَ حكمُ الوقف عليها.(14)
قال السيوطي: أجمعوا على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالاً وإثباتًا وحذفًا، ووصلاً وقطعًا، إلا أنه ورد عنهم اختلافٌ في أشياء بأعيانِها، كالوقف بالهاء على ما كتب بالتاء، وبإلحاق الهاء فيما تقدم وغيره، وبإثبات الياء في مواضع لم تُرسَم بِها … ثم قال: ومن القراء من يتبع الرسم في الجميع.(15)
قال الزركشي: ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك - كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمز والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا، نحو: } الْخَبْءَ { و} دِفْءٌ {، فصار ذلك كله حجةً.(16)
كما أنه قد يُعترَض على القول بالتوقيف باعتراضين:
أحدهما: كيف كان للنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أن يوقف الصحابة على ما يكتب في المصاحف مع كونه أميًّا؟
ويجاب عن ذلك بأن الأمية لم تكن عيبًا فيه صلى الله عليه وسلم ، وقد كان من الذكاء والفطنة بحيث يستطيع أن يوجههم إلى مثل ذلك.
فقد كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مع أميته يعرف أسماء الحروف، وهذا مِمَّا يَجهله الأمي.
فعن عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ.(17)
على أنه قد صح الخبر بِما يدل دلالة قوية على أنه صلى الله عليه وسلم قد علم الخط والكتاب بعدما بُعِثَ.
فَعَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه في خبر صلح الحديبية قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ… الحديث.(18)
قال القاضي عياض: وقوله في الرواية التي ذكرناها: "ولا يحسن أن يكتب، فكتب" كالنصِّ أنه كتب بنفسه، قال: والعدول إلى غيره مجازٌ، ولا ضرورةَ إليه.(19)
فلا يَبْعُدُ مع هذا أن يكون من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم التوقيف على ما يُكتب من الحروف وما لا يكتب عند كتابة القرآن بين يديه صلى الله عليه وسلم .
وأما الاعتراض الثاني، فهو: أن يقال: إن كان الرسم توقيفيًّا بوحيٍ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فَلِمَ لم يُنقل تواترًا كما نقلت ألفاظ القرآن، حتى ترتفع عنه الريبة، وتطمئن به القلوب؟
والجواب عن هذا أن رسم المصاحف قد نقل ألفاظًا ورسمًا على الوجه الذي تقوم به الحجة، يدرك ذلك أهل العلم، الذين حفظوا ألفاظه ورسمه، ولم يضيعوا منها شيئًا.
ولا يقدح في ذلك اختلاف علماء الرسم بعض الحروف، إذ إن عثمان رضي الله عنه قد كتب عددًا من المصاحف، وقد كان بينها بعض الاختلاف لتحتمل ما ثبت من أوجه القراءة، ولا يَضُرُّ جهل مَن جهل دقة هذا النقل، كما لا يَضُرُّ جهل العوامِّ بالقرآن وعدم حفظهم لألفاظه.(20)
وفي ختام هذه المسألة أنوِّه على أنه ليس هناك صعوبة تذكر على قارئ القرآن الكريم، بعد ما أضيف إلى صورة الرسم من رموز النقط والشكل، التي أوضحت مشكله، وأعانت على سلامة النطق به.
وقد مرت القرون على المسلمين، وهم يكتبون المصاحف على ما رسم الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يؤدِّ ذلك إلى خطأ في تلاوة القرآن، أو وقوع تحريف، فلله الحمد والمنَّة.

(1) انظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 149.
(2) الإبريز لأحمد بن المبارك السلجماسي ص 101-103.
(3) انظر الآثار الواردة في ذلك في كتاب المصاحف لابن أبي داود باب خطوط المصاحف ص 9-10.
(4) المقصود بِهذا القول جميع الخطوط، أي خطوط المصاحف وغيرها مِمَّا يكتبه البشر.
(5) سورة العلق، الآيات 3-5.
(6) سورة القلم آية 1.
(7) الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس ص 39.
(8) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/145).
(9) انظر تفسير أبي السعود (3/279).
(10) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 42.
(11) سورة الفاتحة الآية 4.
(12) سورة طه من الآية 63.
(13) انظر النشر في القراءات العشر (2/320-321).
(14) انظر التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية ص 27-29.
(15) الإتقان في علوم القرآن (1/250-251).
(16) البرهان في علوم القرآن (1/378).
(17) رواه الترمذي في جامعه، كتاب فضائل القرآن بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ مَالَهُ مِنَ الأَجْرِ (5/175) ح 2910.
(18) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي بَاب عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، صحيح البخاري مع فتح الباري (7/570-571) ح 4251.
(19) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (12/138).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:08 AM   رقم المشاركة : 25
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الرابع
المصاحف العثمانية
المبحث الرابع: حرق المصاحف المخالفة حكم ما بلي من الصحف التي فيها قرآن
المبحث الرابع: حرق المصاحف المخالفة
بعد أن أتم عثمان رضي الله عنه نسخ المصاحف، وأمضاها إلى الأمصار، كان لا بد من منع كل ما خالفها، فأمر من كان عنده شيء مِمَّا عداها من الصحف التي كانوا يكتبون فيها القرآن أن يحرقه، حتى لا يأخذ أحدٌ إلا بتلك المصاحف التي حصل عليها إجماع الصحابة.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في جمع عُثْمَانَ المصاحف، قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.(1)
وقد اختلفت الروايات بالذي فعله عثمان رضي الله عنه بالمصاحف التي كانت عند الناس، فرواية البخاري السابقة: وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
قال الحافظ: في رواية الأكثر (أن يُخرق) بالخاء المعجمة… وفي رواية الإسماعيلي: (أن تمحى أو تحرق).(2)
وعند ابن أبي داود من حديث أنس بن مالك: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، فذلك زمان حُرِّقَت المصاحف بالعراق بالنار.(3)
وهذه الرواية صريحة في أن ما فعلوه إنَّما هو إحراق تلك الصحف بالنار، إذهابًا لَها، وصونًا عن الوطء بالأقدام.
وعنده أيضًا من طريق أبي قلابة: فلما فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار، أني قد صنعت كذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم.(4)
قال ابن حجر: والْمحو أعمُّ من أن يكون بالغسل أو التحريق، وأكثر الروايات صريحٌ في التحريق، فهو الذي وقع، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك.
وقد جزم القاضي عياضٌ بأنَّهم غسلوها بالماء، ثم أحرقوها مبالغة في إذهابِها.(5)
وقد روى ابن أبي داود بسنده عن بعض أهل طلحة بن مصرِّف، أنه قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.(6)
وهذا الأثر ضعيفٌ، ففيه مجهول، وهو الراوي عن طلحة بن مصرِّف، ومع ذلك فهو مناقض لِمَا صحَّ من الآثار السابقة في الصحيح وغيره، أن عثمان رضي الله عنه أحرق المصاحف، وأنه لم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم مع عثمان على ما أراد من تحريق المصاحف التي كانوا يكتبونَها، فاستجابوا له وحرقوا مصاحفهم.
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قال: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله، ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا، قال: واللهِ، لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثلَ الذي فعلَ.(7)
وعن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان رضي الله عنه المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(8)
وأما الصحف التي كتبت في زمن أبي بكر رضي الله عنه ، فقد ردَّها عثمان رضي الله عنه إلى حفصة بعد كتابة المصاحف، كما في حديث أنس بن مالك أنه قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ.(9)
وقد أبقى عثمان رضي الله عنه الصحف التي كان كتبها أبو بكر، لأنه كان قد وعد حفصة -رضي الله عنها- أن يردَّها إليها، كما في الحديث المذكور آنفًا، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ.
وعند ابن أبي داود من طريق ابن شهاب عن سالم قال: فأرسل إليها عثمان، فأبت أن تدفعها إليه، حتى عاهدها ليَرُدَّنَّها إليها، فبعثت بِها إليه.(10)
ويحتمل أنه أبقاها أيضًا لاحتمال الرجوع إليها؛ لأنَّها كانت أصلاً لمصاحفه، وانعقد عليها إجماع الصحابة، وأما غيرها، فقد تكون مخالفةً لمصاحفه؛ فتكون سببًا للاختلاف.
قال الجعبري: ونزل تحريقه ما سواها(11) على مصاحف الصحابة رضي الله عنهم ؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيها التفسير الذي يسمعونه من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل ذلك نحو الرقاع؛ لئلا ينقلها من لا يعرف ترتيبها، فيختلَّ، لا الصحف، لاحتمال الرجوع إليها.(12)
ولَما تولى مروان بن الحكم(13) إمرة المدينة في خلافة معاوية رضي الله عنه ، طلب الصحف من حفصة -رضي الله عنها- ليحرقها؛ حتى لا يرتاب في شأنِها أحدٌ، فيظن أن فيها ما يُخالف المصحف الذي استقرَّ عليه الأمر، أو يظن أنَّ فيها ما لم يكتبه عثمان في المصاحف، فأبت حفصة أن تعطيها إياها، فبقيت تلك الصحف عندها إلى وفاتِها، فلمَّا توفيت حضر مروان جنازتَها، ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر بالعزيـمة أن يرسل الصحف إليه، فنشرها بين الناس وأحرقها، ليعلم الجميع بذلك، ولا تتشوَّف نفس أحد إلى ما فيها ظنًّا أنَّها تَختلف عن مصاحف عثمان رضي الله عنه .
عن سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كُتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلمَّا تُوفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيـمة إلى عبد الله بن عمر ليُرسِلنَّ إليه بتلك الصحف، فأرسل بِها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بِها مروان فشُقِّقت، فقال مروان: إنَّما فعلت هذا لأن ما فيها قد كُتِب وحُفِظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمانٌ أن يرتاب في شأن هذه الصحف مُرتابٌ، أو يقول: قد كان شيءٌ منها لم يُكْتب.(14)
وفي رواية: ففشاها وحرَّقها، مَخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلافٌ لَمَّا نسخ عثمان -رحمة الله عليه.(15)
وفي رواية فغسلها غسلاً.(16)
ولا يبعد أن يكون مروان قد فعل بالصحف جميع ما ذكر من التمزيق والغسل والتحريق.
قال ابن حجر: ويجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق، ثم غسل، ثم تحريق.(17)
حكم ما بلي من الصحف التي فيها قرآن
وقد اختلف العلماء في الصحف التي فيها كلام الله إذا بليت، فاحتيج إلى تعطيلها.
فذهب كثيرٌ من العلماء إلى جواز تحريقها صيانة لها من الوطء أو الامتهان، وذهب البعض إلى غسلها بالماء، وبعضهم إلى دفنها في الأرض.
عن ابن طاووس عن أبيه، أنه لم يكن يرى بأسًا أن يحرق الكتب، وقال: إنما الماء والنار خلقان من خلق الله تعالى.(18)
قال ابن بطال معلقًا على قول أنس بن مالك السابق: (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ)، قال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وأن ذلك إكرامٌ لَها وصونٌ عن وطئها بالأقدام.(19)
قال السيوطي: لا يجوز وضعها في شقٍّ أو غيره، لأنه قد يسقط ويُوطأ، ولا يجوز تَمزيقها، لِما فيه من تقطيع الحروف، وتفرقة الكلم، وفي ذلك إزراءٌ بالمكتوب.(20)
وقال الحليمي21) وله غسلهابالماء، وإن أحرقها بالنار فلا بأس.
قال الزركشي: وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل؛ لأن الغُسالة قد تقع على الأرض.(22)
وجزم القاضي حسين(23) من الشافعية بامتناع الإحراق؛ لأنه خلاف الاحترام، وجزم النووي بالكراهة.(24)
عن أبي موسى الأشعري أنه أُتي بكتاب، فقال: لولا أني أخاف أن يكون فيه ذكر الله تعالى لأحرقته.(25)
وفي بعض كتب الحنفية أن المصحف إذا بلي لا يُحرق، بل يُحفر له في الأرض، ويدفن.
قال الزركشي: ونُقل عن أحمد أيضًا، وقد يتوقف فيه؛ لتعرضه للوطء بالأقدام.(26)
والذي يظهر رجحانه من هذه الأقوال قول من رأى إحراقها بالنار؛ لأنه فعل الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يخالف في ذلك أحدٌ منهم، ولو أن بعضهم كره الإحراق لنُقل إلينا.
وقد مرَّ بنا قريبًا الآثار التي فيها تحريق الصحف في زمن عثمان رضي الله عنه ، والتي فيها رضى الصحابة جميعًا بِما صنع.

(1) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(3) كتاب المصاحف ص 27.
(4) كتاب المصاحف ص 29.
(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(6) كتاب المصاحف لابن أبي داود، باب انتزاع عثمان رضي الله عنه المصاحف، ص 43.
(7) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 30. وقال الحافظ ابن حجر: بإسنادٍ صحيح. فتح الباري (8/634).
(8) رواه الداني في المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار ص 18، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف، ص 19، ولفظه: ولم ينكر ذلك منهم أحدٌ.
(9) رواه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن (8/626) ح 4987.
(10) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب جمع أبي بكر الصديق القرآن ص 16، وعند الطحاوي: وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّ الصَّحِيفَةَ إلَيْهَا. تأويل مشكل الآثار، باب بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْلِهِ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (4/193).
(11) يعني الصحف التي كتبها أبو بكر.
(12) انظر الكواكب الدرية ص 25.
(13) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص، ولد سنة اثنتين من الهجرة، ولم ير النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، استعمله معاوية رضي الله عنه على مكة والمدينة والطائف، وبويع له بالخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد بن معاوية، وكانت مدة ولايته تسعة أو عشرة أشهرٍ. أسد الغابة في معرفة الصحابة (5/144،145).
(14) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 32، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (7/159)، وقال ابن كثير: إسنادٌ صحيح. فضائل القرآن ص 46.
(15) كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 28.
(16) ذكرها الحافظ في الفتح (8/636).
(17) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/636).
(18) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب حرق المصحف إذا استغني عنه. ص 224.
(19) انظر فتح الباري (8/637).
(20) الإتقان في علوم القرآن (4/165).
(21) هو الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي البخاري، شيخ الشافيعة، ورئيس المحدثين والمتكلمين بِما رواء النهر، صاحب المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة 403 هـ. انظر شذرات الذهب (3/167-168)، وسير أعلام النبلاء (17/231-232).
(22) البرهان في علوم القرآن (1/477).
(23) هو القاضي أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي، شيخ الشافعية في زمانه، وصاحب الفتاوى المشهورة، توفي سنة 462 هـ. انظر شذرات الذهب (3/310).
(24) التبيان في آداب حملة القرآن ص 89، والإتقان في علوم القرآن (4/165).
(25) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب حرق المصحف إذا استغني عنه. ص 224.
(26) البرهان في علوم القرآن (1/477).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:10 AM   رقم المشاركة : 26
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الخامس
دفع الاعتراض على عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
المبحث الأول: اعتراض ابن مسعود رضي الله عنه على عدم توليه الجمع مصحف ابن مسعود رضي الله عنه يوافق مصاحف الجماعة
المبحث الأول: اعتراض ابن مسعود رضي الله عنه على عدم توليه الجمع
كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أحد أئمة القراءة من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ،ـ(1) وكان أول من جهر بالقرآن بين المشركين في مكة،(2) وكان أحد الأربعة الذين أمر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم.
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أنه ذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لاَ أَزَالُ أُحبُّهُ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.(3)
فلمَّا جمع عثمان رضي الله عنه القرآن، ونسخه في المصاحف، وأرسلها إلى الأمصار، كَرِه ذلك ابن مسعودٍ رضي الله عنه ، فقد كان يكره أن يُمنع أحدٌ من قراءة شيء سمعه من رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم .
عن أبي الشعثاء قال: كنا جلوسًا في المسجد، وعبد الله يقرأ، فجاء حذيفة، فقال: قراءة ابن أم عبدٍ، وقراءة أبي موسى الأشعري! والله إن بقِيتُ حتى آتِيَ أمير المؤمنين (يعني عثمان) لأمرتُهُ أن يجعلها قراءةً واحدةً. قال: فغضب عبد الله، فقال لحذيفة كلمةً شديدةً. قال: فسكت حذيفة.(4)
ولَمَّا أرسل عثمان رضي الله عنه المصحف إلى الكوفة مع حذيفة بن اليمان كره ذلك ابن مسعود،(5) وكان يرى أنه أحق بأن يقوم بجمع القرآن، لِما له من المكانة في القراءة، والتلقِّي عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم .
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنه قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِّي أَقْرَأُ؟ لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَإِنَّ زَيْدًا لَصَاحِبُ ذُؤَابَتَيْنِ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ.(6)
ولَمَّا أمر عثمان رضي الله عنه بانتزاع المصاحف المخالفة وإحراقها، رفض ذلك ابن مسعودٍ رضي الله عنه ، وأمر الناس بأن يغلُّوا المصاحف.
فعَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: } وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {،(7) ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.(8) وقَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَيَتَوَلاَّهَا رَجُلٌ، وَاللهِ، لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ:} وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {، فَالْقُوا اللهَ بِالْمَصَاحِفِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .ـ(9)
كان هذا هو مجمل اعتراض عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه على عثمان في تولية زيدٍ نسخ المصاحف.
ولا شك أن اختيار عثمان رضي الله عنه زيدًا لنسخ المصاحف كان نظرًا منه لمصلحة الإسلام والمسلمين، لِما يرى من أهليته دون غيره لذلك العمل الجليل، ولو أنه رضي الله عنه ظنَّ بعبد الله بن مسعودٍ مثل ذلك وعلمه منه، لترتَّب عليه فَرْضُ توليته دون غيره.
ولو حدث ذلك لساغ لآخر أن يقول: ولم اختار ابن مسعود دون غيره؟ ولمَ عدل عن أبيِّ بن كعبٍ مع ما فيه من الفضائل؟ ولمَ ترك زيد بن ثابت، وهو كاتب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ؟ وهذا باب لا طريق إلى سدِّه.(10)
فاختيار زيد لِهَذِهِ المهمة كان اجتهادًا من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه ، وكان نظرًا منه لِمصلحة الأمة، وقد وافقه على هذا الاجتهاد كل من شهده، إلا ما ورد عن ابن مسعود من كراهية ذلك.
ولقد صوَّب العلماء اختيار عثمان زيدَ بن ثابتٍ لِهذا العمل، وعللوا ذلك بأمور، منها:
الأول: أن زيدًا كان هو الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر، لكونه كاتبَ الوحي، ولَمَّا كانت المهمة الجديدة، وهي نسخ المصاحف، مرتبطة بالمهمة الأولى -كان اختار زيد أولى من اختيار ابن مسعودٍ، فقد كان لزيد في ذلك أوليةً ليست لغيره.(11)
وقد روى ثعلبة بن مالك عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: من يعْذِرُني من ابن مسعودٍ، يدعو الناس إلى الخلاف والشبهة والتعصب عليَّ إذ لم أوَلِّه نسخ القرآن، فهلاَّ عتب على أبي بكر وعمر، هما عزلاه عن نسخ القرآن وولياه زيدَ بن ثابت، واتَّبعت أثرهما فيما بقيَ من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .ـ(12)
الثاني: أن جمع القرآن في زمن عثمان كان بالمدينة، وكان ابن مسعودٍ إذ ذاك بالكوفة، ولم يؤخر عثمان ما عزم إليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، فقد كانت الفتنة تدق الأبواب بعنفٍ، وكان لا بد من معاجلتها قبل أن تستشري.(13)
الثالث: أن فضل ابن مسعود على زيد بن ثابت لا يسوِّغ تقديـمه عليه في نسخ المصاحف، فقد كان ابن مسعود إمامًا في الأداء، وكان زيدٌ إمامًا في الخط والكتابة، مع كونه في المحل الشريف في حفظ القرآن، وحسن الخط والضبط، وكان من خواص كتبة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فكان اختيار الأعلم بالكتابة والخط والضبط أولى من اختيار الأقدم في التلقي والحفظ.
فلو أن أحدنا أراد أن يكتب اليوم مصحفًا، فلن يلتمس له أقدم أهل عصره حفظًا، أو أقواهم أو أشجعهم، وإنَّما يلتمس أحسنهم ضبطًا وخطًّا، وأحضرهم فهمًا.(14)
وقد ورد أن عبد الله بن مسعود لم يكن قد حفظ كل القرآن في حياة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، بل ورد أيضًا أنه مات ولم يختمه، فكان زيدٌ بذلك أولى منه، إذ قد كان حفظ القرآن كله في حياة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .
قال القرطبي: فالشائع الذائع الْمتَعالَم عند أهل الرواية والنقل أن عبد الله بن مسعود تعلَّم بقية القرآن بعد وفاة رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن.(15)
ويضاف إلى هذا ما كان لزيد بن ثابت من الخصال التي أهلته لجمع القرآن على عهد الصدِّيق، كما مرَّ بنا.(16)
وقد كان يكفي لاختياره لِهذا العمل ثقة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فيه، إذ أمره أن يتعلم كتاب يهودٍ، فتعلمه في سبعةَ عشرَ يومًا، فضرب بذلك أروع مثلٍ في الفطنة والذكاء، مع حداثة سِنِّه رضي الله عنه .
عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، فَتَعَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَمُرَّ بِي إِلاَّ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ.(17)
وفي رواية أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ إِنَّهَا تَأْتِينِي كُتُبٌ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَتَعَلَّمْهَا. فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.(18)
وقد أنكر الصحابة على ابن مسعود ما فعله من منافرة الجماعة فيما رأوا من نسخ المصاحف واختيار زيد لذلك العمل، ومن تحريضه الناس على عدم تحريق مصاحفهم، كما مرَّ قريبًا في حديث الزهري، وفيه:
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .ـ(19)
على أن ما جاء عن ابن مسعود من كراهة ذلك إنما كان ظنًّا منه أنه يَمنع من قراءة القرآن على وجه مما صحَّ عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرآن منَزل، مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، فلمَّا تبين له عدم المنع مِمَّا صح من القراءة رجع عن رأيه إلى رأي الجماعة.
قال الباقلاني: وقد وردت الروايات أن عثمان وعظه، وحذَّره الفُرقة، فرجع واستجاب إلى الجماعة، وحثَّ أصحابه على ذلك، فروي عنه في حديث طويل، أنه قال: … فمن قرأ على قراءتي، فلا يدعها رغبةً عنها، ومن قرأ عليَّ شيئًا من هذه الحروف، فلا يدعَنْه رغبةً عنه؛ فإنه من جحد بحرف منه فقد جحده كله.(20)
مصحف ابن مسعود يوافق مصاحف الجماعة
ومِمَّا يدل على أن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قد رجع إلى رأي الجماعة أن قراءته قد رواها عاصم وحمزة والكسائي، وغيرهم، كما مرَّ بنا،(21) وقراءة هؤلاء الأئمة موافقة للمصاحف العثمانية -بلا شكٍّ.
ولا شك أيضًا أن قراءة ابن مسعود كانت موافقة لِمصحفه، فدل ذلك على أنه رجع إلى ما اتفقت عليه جماعة المسلمين، بعد أن ظهر له صوابُهم في ذلك.
قال أبو محمد بن حزم: وأما قولُهم إن مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلاف مصحفنا فباطلٌ وكذبٌ وإفكٌ. مصحف عبد الله بن مسعود إنَّما فيه قراءته بلا شكٍّ، وقراءتُه هي قراءة عاصمٍ المشهورة عند جميع أهل الإسلام في شرق الأرض وغربِها، نقرأ بِها كما ذكرنا، كما نقرأ بغيرها مما صحَّ أنه كل منَزلٌ من عند الله تعالى.(22)
قال البلاقلاني: ولو كان في قراءة ابن مسعود ما يُخالف مصحف عثمان لظهر ذلك في قراءة حمزة خاصةً … إلى أن قال: ولو لقي أحدٌ من أصحاب عبد الله أحدًا مِمَّن قرأ عليه خلاف قراءة الجماعة، لوجب أن ينقل ذلك نقلاً ظاهرًا مشهورًا، وفي عدم ذلك دليلٌ على فساد هذا.(23)

(1) مرَّ ذكره في المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول (الحفاظ من الصحابة).
(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/275).
(3) رواه البخاري في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح 4999.انظر الصحيح مع فتح الباري (8/662).
(4) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 20.
(5) انظر المصاحف لابن أبي داود ص 44.
(6) رواه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب الذؤابة (8/134) ح 5063، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 21،22.
(7) سورة آل عمران، من الآية 161.
(8) رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، بَاب مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (16/16) ح 2462، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 23.
(9) رواه الترمذي في جامعه،كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة (4/348-349) ح 3104، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 24-25.
(10) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 369-370.
(11) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 363، و ص 368، وفتح الباري (8/635).
(12) ذكر هذا الخبر القاضي الباقلاني في الانتصار، انظر: نكت الانتصار لنقل القرآن ص 363.
(13) فتح الباري (8/635)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 372.
(14) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 368-369.
(15) الجامع لأحكام القرآن (1/39).
(16) انظر : من قام بالجمع في عهد أبي بكر، وهو الفصل الثالث من الباب الثاني.
(17) رواه أبو داود في سننه، كتاب العلم باب رواية حديث أهل الكتاب (3/318) ح 3645.
(18) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/223) ح 21077.
(19) رواه الترمذي في جامعه،كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة (4/348-349) ح 3104، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 24-25.
(20) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 264، وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده: مسند المكثرين من الصحابة، (1/669) ح 3835.
(21) انظر مبحث الحفاظ من الصحابة، وهو المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول.
(22) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/212).
(23) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 380-382.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:11 AM   رقم المشاركة : 27
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الخامس
دفع الاعتراض على عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني
الشبهة الأولى: الطعن باستنكار ابن مسعود رضي الله عنه تولي زيد الجمع
وقد طعن بعض الطاعنين على كتاب الله في جمع القرآن في زمن عثمان رضي الله عنه بِما ورد عن ابن مسعودٍ من استنكار تولي زيدٍ هذا الجمع، وعدم توليه إياه، مع كونه أعلم أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بكتاب الله، واستدلوا على ذلك بالأحاديث السابقة في اعتراض ابن مسعود على عثمان، ومنها:
عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: } وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {،(1) ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.(2)
وقالوا: إن استنكار ابن مسعودٍ طعنٌ في جمع القرآن، وهو دليلٌ على أن القرآن الذي بين أيدينا ليس موثوقًا، وهو أيضًا طعنٌ في تواتر القرآن، إذ لو كان ما كتبه عثمان متواترًا لَما وسع ابن مسعود استنكاره.(3)
والجواب عن هذه الشبهة:
أولاً: أن الاستنكار المروي عن ابن مسعودٍ لم يكن طعنًا في جمع القرآن، ولا استنكارًا لفعل الصحابة، وإنَّما كان استنكارًا لاختيار من يقوم بِهذا الجمع، إذ كان يرى في نفسه أنه الأولى أن يسند إليه هذا الجمع، مع كمال ثقته في زيدٍ وأهليتِه للنهوض بِما أسند إليه.
ومسألة اختيار من يقوم بجمع القرآن تقديرية، ولا شكَّ أن تقدير عثمان، ومن قبله أبو بكر وعمر أن زيدًا أكفأ من غيره للقيام بِهذا العمل -أصدق من تقدير ابن مسعودٍ له، كما مرَّ بنا قريبًا في تصويب اختيار عثمان زيدًا على غيره لجمع القرآن.(4)
وأما حداثة سِنِّ زيدٍ رضي الله عنه ، فليست مطعنًا، فكم من صغيرٍ فاق من هو أكبر منه، وقد كان في ثقة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بزيد -كما مرَّ قريبًا- ما يدل على أهليته وكفايته، وقد قدَّم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بعض صغار السِنِّ على من هم أكبر منهم لَمَّا رأى من كفايتهم وأهليتهم فيما قدَّمهم فيه، كما قدَّم أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه كبار المهاجرين والأنصار، وهو ابن ست عشرة سنة، رغم طعن بعض الناس في إمارته، وأنفذ هذا الجيش أبو بكر رضي الله عنه ، ولم يأبه لاستنكار بعض ذوي السن من الصحابة، محتجًّا في ذلك بتقديم الرَّسُول صلى الله عليه وسلم إياه.
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ.(5)
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِي الله عَنْهمَا، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.(6)
ولما طلب الناس تأمير من هو أسنُّ من أسامة بعد وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، قال أبو بكر رضي الله عنه لعمر لما كلمه في ذلك: ثكلتك أمُّك يا ابن الخطاب! استعمله رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وتأمرني أن أنزعه.(7)
ثانيًا: أن استنكار ابن مسعود أن يترك حرفه، هو شهادة لحرفه بالصحة، لأنه أخذه عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وليس في ذلك طعنٌ على حرف زيد من حيث هو، وإنَّما غاية ما هنالك أنه لا يرى ترك حرفه لحرف أحدٍ غيره.
قال الباقلاني: ليست شهادة عبد الله لحرفه وأنه أخذه من فم رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم طعنًا على حرف غيره، ولكنه عنده حجةٌ في أنه لا يَجِب عليه تركه، وتحريق مصحف هو فيه.(8)
ثالثًا: أنه على فرض كون استنكار ابن مسعودٍ طعنًا في صحة جمع القرآن وتواتره، فقد ثبت بِما لا مجال للشك معه أنه قد رجع عن ذلك -كما مرَّ قريبًا.(9)
رابعًا: أننا لو سلَّمنا أن ابن مسعود استمرَّ على استنكاره، وأن استنكاره كان طعنًا في تواتر القرآن وصحة جمعه في زمن عثمان، فإننا نجيب بأن طعن ابن مسعود في التواتر لا يقدح فيه، فإن التواتر حجة قاطعة بصحة ما روي متواترًا، وإذا كان الجماعة الذين اتفقوا على صحة جمع القرآن في زمن عثمان قد بلغوا حدَّ التواتر وأكثر، فإن إنكار الواحد أو الاثنين لا يقدح في ذلك التواتر، فإن من شهد حجةٌ على من لم يشهد.
خامسًا: أن قول ابن مسعود: وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. ليس قطعًا على أنه ليس فيهم من هو أعلم منه بكتاب الله، وإنما هو اعتقاد ابن مسعود، وهو غير معصوم في هذا الاعتقاد.(10)

(1) سورة آل عمران، من الآية 161.
(2) رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، بَاب مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (16/16) ح 2462، وابن أبي داود في كتاب المصاحف باب كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ص 23.
(3) مناهل العرفان (1/283).
(4) انظر مناهل العرفان (1/283).
(5) رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب بعث النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أسامة إلى الحرقات (7/590) ح 4271.
(6) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة باب مناقب زيد بن حارثة (7/108-109) ح 3730.
(7) تاريخ الطبري (2/246)، وانظر فتح الباري (7/759).
(8) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 364.
(9) انظر المبحث السابق، ومناهل العرفان (1/284).
(10) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 364.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:14 AM   رقم المشاركة : 28
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

size=4]الفصل الخامس
دفع الاعتراض على عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
تابع المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني
الشبهة الثانية: الفاتحة والمعوذتان عند ابن مسعود رضي الله عنه .
طعن بعض الطاعنين على جمع القرآن بأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنكر أن المعوذتين من القرآن، وكان يَمحوهما من المصحف، وأنه لم يكتب فاتحة الكتاب في مصحفه، وزعموا أن في ذلك قدحًا في تواتر القرآن.(1)
وقد ثبت أن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وروي عنه أنه كان لا يكتب فاتحة الكتاب كذلك.
فعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا،(2) فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ لِي: قِيلَ لِي فَقُلْتُ. قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم .ـ(3)
وَعَنْه أيضًا أنه قَالَ: قُلْتُ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لاَ يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام قَالَ لَهُ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فَقُلْتُهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم .ـ(4)
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى.(5)
وروى الأعمش عن إبراهيم قال: قيل لابن مسعودٍ لِمَ لَمْ تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة.(6)
وعن ابن سيرين أن أُبَيَّ بن كعبٍ وعثمانَ كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعودٍ شيئًا منهن.(7)
الجواب عن هذه الشبهة:
أمَّا فاتحة الكتاب، فإن عدم كتابتها في مصحف ابن مسعود مشكوكٌ فيه، غير مسلم بصحته.
والخبر الذي تعلَّق به أصحاب هذه الشبهة ليس فيه إنكار قرآنية الفاتحة، وإنَّما قصارى ما فيه أن ابن مسعود لم يكن يكتبها، وليس في ذلك جحدٌ بأنَّها من القرآن.
ولو صحَّ عن ابن مسعود هذا الخبر، فإنه لا يجوز لمسلمٍ أن يَظُن خفاء قرآنية الفاتحة على ابن مسعود، فضلاً عن أن يَظُنَّ به إنكار قرآنيتها، وكيف يُظَن به ذلك، وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وقد أوصى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن على قراءته.(8)
فَعَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَشَّرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ.(9)
كما أن ابن مسعود رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام، ولم يزل يسمع النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ بالفاتحة في الصلاة، ويقول: لا صَلاَةَ إِلاَّ بِقِرَاءةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.(10)
فلو صحَّ عنه هذا النقل، وجب أن يُحمل على أكمل أحواله رضي الله عنه ، وذلك بأن يُقال: إنه كان يرى أن القرآن كتب في المصاحف مخافة الشك والنسيان، أو الزيادة والنقصان، فلمَّا رأى ذلك مأمونًا في فاتحة الكتاب؛ لأنَّها تثنى في الصلاة، ولأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلمها -ترك كتابتها، وهو يعلم أنَّها من القرآن، وذلك لانتفاء علة الكتابة -وهي خوف النسيان- في شأنِها.
فكان سبب عدم كتابتها في مصحفه وضوح أنَّها من القرآن، وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان، والزيادة والنقصان.(11)
قال أبو بكر الأنباري تعليقًا على قول ابن مسعود: "لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة" قال: يعني أن كلَّ ركعةٍ سبيلُها أن تفتتح بأم القرآن، قبل السورة المتلوَّة بعدها، فقال: اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ المسلمين لَهَا، ولم أثبتها في موضعٍ فيلزمني أن أكتبها مع كل سورةٍ، إذ كانت تتقدمها في الصلاة.(12)
ويدل على ذلك أيضًا أنه قد صحَّ عن ابن مسعود قراءة عاصم وغيره، وفيها الفاتحة، وهذا نقلٌ متواتر يوجب العلم.
وأما المعوذتان، فقد ثبت بِما لا مجال للشك معه أنَّهما قرآنٌ منَزَّلٌ.
فقد ورد التصريح بقرآنيتهما عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .
كما جاء عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَتَانِ، فَتَعَوَّذُوا بِهِنَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ، يَعْنِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ.(13)
وعَنْه أيضًا أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، الْمُعَوِّذَتَيْنِ.(14)
كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى بِهما صلاة الصبح، وفي قراءتِهما في الصلاة دليلٌ صريح على كونِهما من القرآن العظيم.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: بَيْنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي نَقَبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ: أَلاَ تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ فَأَجْلَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَرْكَبْ مَرْكَبَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَنَزَلَ وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً، وَنَزَلْتُ وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ فَأَقْرَأَنِي: } قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ {، وَ} قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ {، فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَتَقَدَّمَ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ؟ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ.(15)
وقد أنكر كثيرٌ من أهل العلم صحة النقل عن ابن مسعود في إنكاره قرآنية المعوذتين، وفي عدم إثباتِهما في مصحفه.
قال الباقلاني: وأما المعوذتان، فكل من ادَّعى أن عبد الله بن مسعودٍ أنكر أن تكونا من القرآن، فقد جهل، وبعُد عن التحصيل.(16)
وقال ابن حزم: وكل ما روي عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه فكذبٌ موضوع، لا يصح، وإنَّما صحَّت عنه قراءة عاصمٍ عن زِرِّ ابن حبيش عن ابن مسعود، وفيها أم القرآن والمعوذتان.(17)
وقال النووي: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نُقِل عن ابن مسعودٍ في الفاتحة والمعوذتين باطلٌ، ليس بصحيح عنه.(18)
وقد فنَّد هؤلاء العلماء ما ورد عن ابن مسعود من الإنكار أو الْمَحْوِ من المصاحف، وتطلبوا لذلك وجوهًا كثيرةً في الردِّ، منها:
1. أن سبيلَ نقل المعوذتين سبيلُ نقل القرآن، وهو ظاهرٌ مشهورٌ، وأن فيهما من الإعجاز الذي لا خفاء لذي فهمٍ عنه، فكيف يحمل على ابن مسعودٍ إنكار كونِهما قرآنًا، مع ما ذكر من النقل والإعجاز؟
2. أن ابن مسعودٍ لو أنكر أن المعوذتين من القرآن لأنكر عليه الصحابة، ولنقل إلينا نقلاً مستفيضًا، كما أنكروا عليه ما هو أقل من ذلك، وهو اعتراضه على اختيار زيد لجمع القرآن.(19)
3. أن ابن مسعود كان مشهورًا بإتقان القراءة، منتصبًا للإقراء، وقد صحَّ عنه قراءة عاصم وغيره، وفيها المعوذتان، ولو كان أقرأ تلاميذه القرآن دون المعوذتين لنُقل إلينا، فلمَّا لم يروَ عنه، ولا نُقل مع جريان العادة، دلَّ على بطلانه وفساده.(20)
4. أنه لو صحَّ أنه أسقط المعوذتين من مصحفه، فإن ذلك لا يدل على إنكاره كونَهما من القرآن، بل لعله أن يكون أسقطهما لعدم خوف النسيان عليهما، وظن من رأى ذلك مِمن لم يعرف ما دعاه إليه أنه أسقطهما لأنَّهما ليستا عنده بقرآن.(21)
5. ويحتمل أن يكون سمع جواب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لأُبيٍّ لما سأله عنها، وأنه قال: قيل لي، فقلت، فلما سمع هذا أو أخبر به اعتقد أنَّهما من كلام الله تعالى ، غير أنه لا يجب أن تسميا قرآنًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسمهما بذلك، أو أنه سمع جواب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لعقبة لما سأله: أقرآنٌ هما؟ فلم يجبه، وأصبح فصلَّى الصبح بِهما، فاعتقد أنَّهما كلام الله تعالى، ولم يسمهما قرآنًا لما لم يسمهما النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بذلك.
6. ويحتمل أن يكون لم ير النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ بِهما في الصلاة قطُّ، فظن به لأجل ذلك أنه يعتقد أنَّهما ليستا من القرآن.(22)
7. وأنه يُمكن أن يكون سئل عن عوذة من العوذ رواها عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وظن السائل عنها أنَّها من القرآن، فقال عبد الله: إن تلك العوذة ليست من القرآن، وظن سامع ذلك أو راويه أنه أراد المعوذتين، ويُمكن أن يحمل على ذلك أيضًا جوابه لِمن قال له في المعوذتين: أهي من القرآن؟ فقال بأنها ليست من القرآن، فإنه يحتمل أن يكون سأله عن معوذتين أخريين غير سورة الفلق وسورة الناس.(23)
8. وأما ما روي من حكِّه إياهما من المصحف فذلك بعيدٌ، لأنه لا يَخلو أن يكون حكَّهما من مصحفه، أو من مصاحف أصحابه الذين أخذوا عنه، أو من مصحف عثمان، وما كُتِب منه.
فمحالٌ أن يكون حكَّهما من مصحفه؛ لأنَّهما لم يكونا فيه، لأنه لم يكتبهما.
وكذلك مصاحف من أخذ عنه من أصحابه، فهي بالضرورة موافقة لمصحفه، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون فيها المعوذتان.
وإن كان من مصحف عثمان رضي الله عنه ، فذلك بعيدٌ، لأنه شقُّ العصا، وخلافٌ شديدٌ يطول فيه الخطب بينهما، ولو حصل ذلك لنقل إلينا، وفي عدم العلم بذلك دليلٌ على بطلانه.
9. وأما قول الراوي: إنه كان يَحكهما، ويقول: لا تخلطوا به ما ليس منه. يعني المعوذتين، فهذا تفسير من الراوي، ويحتمل أنه كان يَحكُّ الفواتح والفواصل.(24)
ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي داود عن أبي جمرة قال: أتيت إبراهيم بمصحفٍ لي مكتوبٍ فيه: سورة كذا، وكذا آية، قال إبراهيم: امحُ هذا، فإن ابن مسعودٍ كان يكره هذا، ويقول: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس منه.(25)
10. ولو ثبت عنه بنصٍّ لا يحتمل الرد أنه حكَّهما، فإن ذلك يَحتمل وجوهًا من التأويل، منها:
أ- أن يكون رآها مكتوبةً في غير موضعها الذي يجب أن تكتب فيه، وأراد بقوله: لا تخلطوا به ما ليس منه: التأليف الفاسد.
ب- أو أنه رآها كتبت مغيَّرةً بضرْبٍ من التغيير، فحكَّها، وقال: لا تخلطوا به ما ليس منه. يعني فساد النظم.(26)
وهذه التأويلات التي ذكروها حسنةٌ، ولكن الرواية بإنكار ابن مسعودٍ قرآنية المعوذتين ومحوهما من المصاحف صحيحة، فلا ينبغي أن تُرَدَّ بغير مستندٍ، ولا محظور حينئذٍ، فتأويل فعل ابن مسعود مُمكن مع صحة هذه الروايات عنه.
قال الحافظ: وأما قول النووي: أجمع المسلمون… ففيه نظر، وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم… ثم قال: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستندٍ لا يقبل، بل الرواية صحيحة، والتأويل مُحتملٌ، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر، فهو مخدوش، وإن أراد استقراره، فهو مقبول.(27)
وقال ابن كثير: وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنَّة.(28)
وعلى صحة هذا النقل يكون الجواب عن هذه الشبهة بوجوه، منها -إضافةً إلى ما سبق:
1- أن ترك كتابة ابن مسعودٍ المعوذتين في مصحفه ليس بالضرورة إنكارًا لقرآنيتهما، إذ ليس يجب على الإنسان أن يكتب جميع القرآن، فلو أنه كتب بعضًا وترك بعضًا، فليس عليه عيب ولا إثم.(29)
2- أنه يحتمل أن يكون ابن مسعودٍ رضي الله عنه لم يسمع المعوذتين من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ولم تتواترا عنده، فتوقف في أمرهما.
فإن قيل: ولِمَ لَمْ ينكر عليه الصحابة، يجاب بأنَّهم لم ينكروا عليه لأنه كان بصدد البحث والتثبت في هذا الأمر.(30)
3- أنه يَحتمل أنه كان يسمعهما من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وكان يراه صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين بِهما، فظن أنَّهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعًا، ثم لَمَّا تيقن قرآنيتهما رجع إلى قول الجماعة.(31)
عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: … وَلَيْسَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ،(32) كَانَ يَرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ يَقْرَؤُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاَتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا عُوذَتَانِ، وَأَصَرَّ عَلَى ظَنِّهِ، وَتَحَقَّقَ الْبَاقُونَ كَوْنَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَوْدَعُوهُمَا إِيَّاهُ.(33)
ومِمَّا يؤيد أنه رجع إلى قول الجماعة، ما ذكرناه آنفًا من صحة قراءة عاصم وغيره عنه، وأن فيها المعوذتين.
4- أنه على فرض استمرار عبد الله بن مسعودٍ على إنكار قرآنية المعوذتين، ومَحوهما من المصاحف، يُجاب بأنه رضي الله عنه انفرد بِهذا الإنكار، ولم يتابعه عليه أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، وانفراده على فرض استمراره عليه لا يطعن في تواتر القرآن، فإنه ليس من شرط التواتر ألاَّ يُخالف فيه مخالفٌ، وإلا لأمكن هدم كل تواتر، وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يُخالف فيه مخالفٌ.
فلو أنه ثبت أن ابن مسعود رضي الله عنه أنكر المعوذتين، بل أنكر القرآن كله، واستمر على ذلك، فإن إنكاره لا يقدح في تواتر القرآن.
قال البزار: لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة.(34)
ولا شكَّ أن إجماع الصحابة على قرآنيتهما كافٍ في الردِّ على هذا الطعن، ولا يضرُّ ذلك الإجماع مخالفة ابن مسعود، فإنه لا يُعقل تصويب رأي ابن مسعودٍ وتخطئة الصحابة كلهم، بل الأمة كلها.(35)
وقد استشكل الفخر الرازي على فرض صحة النقل عن ابن مسعودٍ في إنكاره قرآنية المعوذتين أنه إن قيل إن قرآنية المعوذتين كانت متواترةً في عصر ابن مسعودٍ، لزم تكفير من أنكرهما، وإن قيل إن قرآنيتهما لم تكن متواترةً في عصره، لزم أن بعض القرآن لم يتواتر في بعض الزمان، قال: وهذه عقدة صعبة.(36)
ويجاب عن هذا الاستشكال بأن تواتر قرآنية المعوذتين في عصر ابن مسعودٍ لا شكَّ فيه، ولا يلزم من ذلك تكفيره رضي الله عنه ، إذ إن التواتر -وإن كان يفيد العلم الضروري- فإنه نفسه ليس علمًا ضروريًّا -أي أنه قد يخفى على بعض الناس، فليس من الضروري أن يعلم كلُّ واحدٍ من أهل العصر بتواتر الشيء، فإن خفي عليه هذا التواتر كان معذورًا، فلا يُكَفَّر.
قال ابن حجر: وأجيب باحتمال أنه كان متواترًا في عصر ابن مسعودٍ، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود، فانحلَّت العقدة بعون الله تعالى.(37)

(1) مناهل العرفان (1/275).
(2) قال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع هذا اللفظ مبهمًا، وكأن بعض الرواة أبْهمه استعظامًا له، وأظن ذلك سفيان، فإن الإسماعيلي أخرجه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن سفيان كذلك على الإبْهام. فتح الباري (8/615).
(3) رواه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب سورة (قل أعوذ برب الناس) (8/614) ح 4977.
(4) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/154) ح 20682.
(5) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/154) ح 20683. قال الهيثمي: رواه عبد الله بن أحمد والطبراني، ورجال عبد الله رجال الصحيح، ورجال الطبراني ثقات. مجمع الزوائد (7/152).
(6) رواه عبد بن حميد في مسنده، انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/9)، وفتح القدير للشوكاني (1/62)، ورواه أبو بكر الأنباري، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي(1/81).
(7) رواه عبد بن حميد في مسنده، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة، انظر فتح القدير (1/62).
(8) انظر مناهل العرفان (1/276).
(9) رواه ابن ماجه في سننه كتاب المقدمة، باب فضل عبد الله بن مسعود (1/49) ح 138، وابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب كتابة المصاحف حفظًا ص 152-153.
(10) رواه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (1/216) ح 820.
(11) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 47-49، ومناهل العرفان (1/276).
(12) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي(1/81)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/9).
(13) رواه أحمد في مسنده، مسند الشاميين (5/137) ح 16848.
(14) رواه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين باب فضل قراءة المعوذتين (6/96) ح 814.
(15) رواه النسائي في سننه، كتاب الاستعاذة، (8/253) ح 5437، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب في المعوذتين (2/73) ح 1462.
(16) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 90.
(17) المحلى (1/13).
(18) المجموع شرح المهذب (3/363).
(19) كما مرَّ في المبحث السابق.
(20) انظر المحلى (1/13)، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 90-91، والفصل في الملل والأهواء و النحل (2/212).
(21) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 91.
(22) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 92، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 43.
(23) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 92-93.
(24) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 93.
(25) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب كتابة الفواتح والعدد في المصاحف ص 154.
(26) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 93-94.
(27) فتح الباري (8/615).
(28) تفسير القرآن العظيم للحافظ عماد الدين بن كثير (4/571).
(29) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 49.
(30) انظر مناهل العرفان (1/276)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/571).
(31) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 43.
(32) يعني المعوذتين.
(33) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/154) ح 20684.
(34) مجمع الزوائد (7/152)، وفتح الباري (8/615).
(35) مناهل العرفان (1/276-277).
(36) فتح الباري (8/616).
(37) فتح الباري (8/616).
[/size][/size]













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:17 AM   رقم المشاركة : 29
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الخامس
دفع الاعتراض على عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
الشبهة الثالثة: سورتا الخلع والحفد عند أبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه الشبهة الرابعة: دعوى تصرف مروان في قراءة الفاتحة دعوى أن الصحابة تصرفوا واختاروا ما شاءوا في كتابة القرآن تابع المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني
الشبهة الثالثة: سورتا الخلع والحفد عند أُبَيِّ بنِ كعبٍ
وردت بعض الآثار التي توحي بأن أُبَيَّ بنَ كعبٍ كان يقرأ دعاء القنوت المعروف بسورتي أُبَيِّ بن كعبٍ على أنه من القرآن:
فعن الأعمش أنه قال: في قراءة أُبَيِّ بن كعبٍ: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك.(1) اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك بالكفار ملحِق.(2)
كما ورد أنه كان يكتبهما في مصحفه:
فعن ابن سيرين قال: كتب أُبَيُّ بن كعبٍ في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعودٍ، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين.(3)
وعن أُبَيِّ بن كعبٍ أنه كان يقنت بالسورتين، فذكرهما، وأنه كان يكتبهما في مصحفه.(4)
وعن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: في مصحف ابن عباس قراءةُ أُبَيِّ بن كعبٍ وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك الخير ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. وفيه: اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفِد. نخشى عذابك ونرجو رحمتك . إن عذابك بالكفار ملحِق.(5)
كما ورد أن بعض الصحابة كان يقنت بِهاتين السورتين:
فعن عمر بن الخطاب أنه قنت بعد الركوع، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجد بالكافرين ملحِق.(6)
قال ابن جريج: حكمة البسملة أنَّهما سورتان في مصحف بعض الصحابة.(7)
فزعم بعض الطاعنين أن ما روي من إثبات أُبَيٍّ القنوت في مصحفه يطعن على جمع الصحابة للقرآن، ويدل على أنَّهم نقصوا منه، وزعموا أن اشتباه القنوت بالقرآن عند أُبَيٍّ دليلٌ على عدم اشتهار أمر القرآن وعدم انتشاره، وإمكانية التباسه بغيره من الكلام، إذ قد التبس على أُبَيِّ بن كعبٍ، مع كونه من أعلم الناس به، وأحفظهم له.(8)
ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه:
الأول: أن الروايات التي وردت عن أُبَيٍّ في أمر القنوت غير مسلَّم بصحتها، وهي معارَضة بِما عُرِف من فضل أُبَيٍّ، وعقله، وحسن هديه، وكثرة علمه، ومعرفته بنظم القرآن.(9)
الثاني: أن القنوت ليس من القرآن، لأنه لو كان منه لأثبته الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وأظهره. ولأن نظمه قاصر عن نظم القرآن، يعلم ذلك أهل البلاغة والفصاحة، فلعل أبيًّا إن كان قال ذلك أو كتبه في مصحفه، إنَّما قاله أو كتبه سهوًا، ثم استدرك وأثبت أنه ليس من القرآن.
وقد يعترض على هذا بأن يقال كيف يُشْكِل على أُبَيٍّ أمر هذا الدعاء، وبأنه يلزم من ذلك أنه رضي الله عنه لم يكن على معرفةٍ بوزن القرآن من غيره من الكلام.
ويجاب عن ذلك بأنه قد يكون قد ظنَّ أن القنوت -وإن قصر عن رتبة باقي السور في الجزالة والفصاحة، إلا أنه يجوز أن يكون قرآنًا، وأنه يبعد أن يُؤتى بمثله، وإن كان غيره من القرآن أبلغ منه، كما قيل: قد يكون بعض القرآن أفصح من بعضٍ.(10)
الثالث: أنه مِمَّا يدل على ضعف هذا الخبر عن أُبَيٍّ ما عُلِم من أن عثمان رضي الله عنه تشدد في قبض المصاحف المخالفة لمصحفه، وتحريقها، والعادة توجب أن مصحف أُبَيٍّ كان من أول ما يُقبض، وأن تكون سرعة عثمان إلى مطالبته به أشدَّ من سرعته إلى مطالبة غيره بِمصحفه؛لأنه كان مِمَّن شارك في ذلك الجمع.(11)
وقد صحت الرواية بِما يدل على أن عثمان قد قبض مصحف أُبَيٍّ رضي الله عنه .
فعن محمد بن أُبَيٍّ أن ناسًا من أهل العراق قدموا إليه، فقالوا: إنَّما تحمَّلْنا إليك من العراق، فأخْرِجْ لنا مصحفَ أُبَيٍّ. قال محمدٌ: قد قبضَه عثمان. قالوا: سبحان الله! أخْرِجْه لنا. قال: قد قبضَه عثمان.(12)
الرابع: أن ما روي عن أُبَيٍّ ليس فيه أن دعاء القنوت قرآنٌ منَزَّل، وإنَّما غاية ما فيه أنه أثبته في مصحفه.
فإن صحَّ أنه أثبته في مصحفه، فلعله أثبته لأنه دعاءٌ لا استغناء عنه، وهو سنة مؤكدة يجب المواظبة عليه، وأثبته في آخر مصحفه أو تضاعيفه لأجل ذلك، لا على أنه قرآن منَزل قامت به الحجة، وقد كان الصحابة يثبتون في مصاحفهم ما ليس بقرآن من التأويل والمعاني والأدعية، اعتمادًا على أنه لا يُشكل عليهم أنَّها ليست بقرآن.(13)
الخامس: أنه يحتمل أن يكون بعض هذا الدعاء كان قرآنًا منَزلاً، ثم نُسخ، وأُبيح الدعاء به، وخُلط به ما ليس بقرآنٍ، فكان إثبات أُبَيٍّ هذا الدعاء أولاً فنُقِل عنه.(14)
السادس: أنه على فرض التسليم بأن أُبَيًّا كان يرى أن القنوت من القرآن، وأنه استمر على ذلك الرأي، فليس ذلك بِمطعنٍ في صحة نقل القرآن، فإنه على هذا الفرض كان منفردًا بذلك الرأي، ويدل على ذلك عدم إثباته في صحف أبي بكر رضي الله عنه ، ولا في مصاحف عثمان، إذ كانت كتابة القرآن في عهد أبي بكر في غاية الدقة والالتزام، بحيث لم تقبل قراءة إلا بشاهدين، فلما كانت قراءته رضي الله عنه فردية لم تقبلْ، كما رُدَّت قراءة عمر في آية الرجم.(15)
فلو سلَّمنا أن أُبَيًّا ظنَّ دعاء القنوت قرآنًا، فأثبته في مصحفه، فإن ذلك لا يطعن في تواتر القرآن، لأنه انفرد به، وقد حصل الإجماع على ما بين الدفتين وتواتره، فلا يضر بعد ذلك مخالفة من خالف.
السابع: أننا لو سلَّمنا أن أُبَيًّا كان يعتقد أن القنوت من القرآن، فقد ثبت أنه رجع إلى حرف الجماعة، واتفق معهم، والدليل على ذلك قراءته التي رواها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وغيرهم، وليس فيها سورتا الحفد والخلع -كما هو معلوم،(16) كما أن مصحفه كان موافقًا لمصحف الجماعة.
قال أبو الحسن الأشعري: قد رأيت أنا مصحف أنسٍ بالبصرة، عند قومٍ من ولدِه، فوجدتُه مساويًا لمصحف الجماعة، وكان ولد أنسٍ يروي أنه خطُّ أنسٍ وإملاء أُبَيٍّ.(17)
الشبهة الرابعة: دعوى تصرف مروان في قراءة الفاتحة(18)
جاء في بعض الآثار أن مروان بن الحكم(19) كان أول من قرأ قوله تعالى: } مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ { بدون ألف.(20)
فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَقْرَؤُونَ: } مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ { وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَهَا: } مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ { مَرْوَانُ.(21)
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أيضًا أنه بلغه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ومعاوية وابنه يزيد كانوا يَقْرَؤُونَ: } مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ { قال الزُّهْرِيُّ: وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ: } مَلِكِ { مَرْوَانُ.(22)
فزعم بعض الطاعنين على نقل القرآن أن مروان قد فعل ذلك من تلقاء نفسه، وأنه حذف الألف دون أن يَرِدَ ذلك عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فضلاً عن أن يتواتر عنه.
ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه:
الأول : أن هذا كذب فاضح، لا حجة عليه، فإن الآثار الواردة في هذا ليس فيها أن مروان قد فعل من تلقاء نفسه دون ورود القراءة به عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وإنما غاية ما فيها أنه كان يقرأ دون ألفٍ.
الثاني: أن قول الزهري إن مروان كان أول من قرأ } مَلِكِ {، لا يعدو أن يكون خبرًا شخصيًّا لم يسنده إلى من قبله من الصحابة رضي الله عنهم ، وعدم علم الزهري بِهذه القراءة -على فرض التسليم به- لا يجعلها غير متواترة.
قال ابن كثير: مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب، والله أعلم.(23)
الثالث: أنه قد انعقد الإجماع على صحة نقل القرآن، وتم له التواتر، ومنه هذه القراءة، حيث قد قرأ بِها أبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وهؤلاء قرؤوا ونقلت عنهم تلك القراءة(24) قبل أن يقرأ مروان، وإخبار الزهري أن مروان أول من قرأ بِها لا يُردُّ به الثابت القطعي من القرآن الكريم.(25)
الرابع: أن المراد أن مروان كان أول من قرأ بِهذه القراءة من الأمراء في الصلاة بجماعة، وليس في ذلك أن الزهري لم يعلم قراءة: } ملك يوم الدين { قبل مروان مطلقًا، فمن البعيد عن الزهري مع جلالته أن تخفى عنه تلك القراءة المتواترة.(26)
الخامس: أنه قد وردت الروايات أيضًا عند من أخرج خبر الزهري بأن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: } مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ { بدون ألف:
فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ قِرَاءةَ رَسُولِ اللهِ: } بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ! الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ! الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ! مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ { ، يُقَطِّعُ قِرَاءتَهُ آيَةً آيَةً.(27)
وعَنْها أيضًا أنَّها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَطِّعُ قِرَاءتَهُ، يَقُولُ: } الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {، ثُمَّ يَقِفُ، } الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {، ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا: } مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ {.(28)
السادس: أن المصاحف العثمانية اتفقت جميعها على رسم (ملك) هكذا دون ألف، وهذا الرسم محتمل للقراءتين بالمد والقصر جميعًا.(29)
دعوى أن الصحابة تصرفوا واختاروا ما شاءوا في كتابة القرآن.
وقريب من الشبهة السابقة ما تُوُهِّم من تصرف بعض الصحابة في اختيار وجه القراءة.
وتعلقوا في ذلك بما روي عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه قال: قالوا لزيدٍ: يا أبا سعيد أوْهَمْتَ! إنَّما هي (ثمانية أزواجٍ من الضأن اثنين اثنين ومن المعز اثنين اثنين ومن الإبل اثنين اثنين ومن البقر اثنين اثنين)، فقال: لا، إن الله تعالى يقول: } فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى{، فهما زوجان، كل واحدٍ منهما زوج: الذكر زوجٌ، والأنثى زوجٌ.(30)
قيل: فهذه الرواية تدل على تصرُّف النُّسَّاخ في المصاحف، واختيارهم ما شاءوا في تلاوة القرآن وكتابته.
والجواب أن كلام زيدٍ في هذا الأثر لا يدل على تصرُّفٍ في اختيار القراءة، وإنَّما بيانٌ لوجه القراءة التي قرأ بِها بعد سماعها من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وكتابتها بين يديه.(31)

(1) قال ابن الأثير: أي: يعصيكَ ويُخالِفكَ. النهاية في غريب الحديث والأثر (3/414).
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، باب ما يدعو به في قنوت الفجر (2/106) ح 7030.
(3) رواه أبو عبيد، انظر الإتقان في علوم القرآن (1/184).
(4) أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، انظر الإتقان في علوم القرآن (1/185).
(5) رواه ابن الضريس، انظر الإتقان في علوم القرآن (1/185).
(6) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب دعاء القنوت (2/211)، وابن أبي شيبة في المصنف باب ما يدعو به في قنوت الفجر (2/106) ح 7031، وفيه أيضًا عن عبد الملك بن سويد الكاهلي أن عليًّا رضي الله عنه قنت في الفجر بِهاتين السورتين، فذكرهما، ح 7029.
(7) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/185).
(8) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 79، ومناهل العرفان (1/264).
(9) انظر: نكت الانتصار لنقل القرآن ص 80.
(10) تأويل مشكل القرآن ص 47، ونكت الانتصار لنقل القرآن ص 79-81، ومناهل العرفان (1/271).
(11) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 80.
(12) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب جمع عثمان المصاحف ص 32-33.
(13) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 80، مناهل العرفان (1/271)، وتأويل مشكل القرآن ص 47، والبرهان في علوم القرآن (1/251).
(14) مناهل العرفان (1/271)، ومعجم القراءات القرآنية (1/25).
(15) انظر الإتقان في علوم القرآن (1/167-168)، ومعجم القراءات القرآنية (1/25).
(16) انظر مبحث الحفاظ من الصحابة، وهو المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول.
(17) نكت الانتصار لنقل القرآن ص 81.
(18) هذه الشبهة، وإن لم تكن متعلقة مباشرة بجمع القرآن، إلا أنَّها تتعلق بنقل القرآن، وهو مقصود الجمع، فرأيت أنه من الحسن إثباتها هنا؛ لأن في الرد عليها ردًّا على من زعم أن القرآن لم ينقل إلينا على الوجه الذي جمع الصحابة، وقرأ به النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من قبلهم.
(19) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص، مرت ترجمته في (حرق المصاحف المخالفة).
(20) اختلف القراء في هذا اللفظ، فقرأه نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة (ملك) بدون ألف، وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف في اختياره (مالك) بالألف. انظر النشر في القراءات العشر (1/271).
(21) رواه أبو داود في سننه، كتاب الحروف والقراءات (4/37) ح 4000، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما روي عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم من القرآن فهو كمصحفه ص 103، وانظر الدر المنثور في التفسير المأثور (1/35-36).
(22) رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما روي عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم من القرآن فهو كمصحفه ص 104، وانظر الدر المنثور في التفسير المأثور (1/36).
(23) تفسير القرآن العظيم (1/24).
(24) وقد قرأ بِها جمهور القراء، كما مر، انظر النشر في القراءات العشر (1/271).
(25) مناهل العرفان (1/396).
(26) بذل المجهود في حل سنن أبي داود (16/328).
(27) رواه أبو داود في سننه، كتاب الحروف والقراءات (4/37) ح 4001، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب ما روي عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم من القرآن فهو كمصحفه ص 105.
(28) رواه الترمذي في جامعه، كتاب القراءات باب في فاتحة الكتاب (5/185) ح 2927.
(29) انظر: كتاب المصاحف لابن أبي داود باب ما اجتمع عليه كُتَّاب المصاحف، ص 117-118، ومناهل العرفان (1/396).
(30) رواه ابن أشتة في كتاب المصاحف، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/277).
(31) مناهل العرفان (1/395).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-Nov-2006, 04:19 AM   رقم المشاركة : 30
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الفصل الخامس
دفع الاعتراض على عثمان رضي الله عنه في جمع القرآن
ورد الشبهات المثارة حول هذا الجمع
تابع المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني
الشبهة الخامسة: دعوى أن في المصاحف العثمانية لحنًا
وردت آثار عن بعض الصحابة والتابعين فيها أن القرآن العظيم قد وقع فيه لحنٌ عند جمعه في زمن عثمان رضي الله عنه .
فعن عكرمة الطائي قال: لَمَّا كتبت المصاحف عُرِضَتْ على عثمانَ، فوجدَ فيها حروفًا من اللَّحْن، فقال: لا تُغَيِّرُوها؛ فإن العرب ستُغَيِّرُها- أو قال ستعربُها- بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيفٍ، والمملي من هذيلٍ لم توجد فيه هذه الحروف.(1)
وعن سعيد بن جبيرٍ، قال: في القرآن أربعة أحـرفٍ لحـنٌ: } وَالصَّابِئُونَ {،(2) } وَالْمُقِيمِينَ {،(3) } فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ {،(4) و} إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ {.(5)
قال السيوطي: وهذه الآثار مشكلة جدًّا.(6)
وقد تعلَّق بِها بعض الطاعنين على القرآن ونقله، وزعموا أنَّها تدل على أن جمع الصحابة للقرآن لا يوثق به.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع.(7)
الثاني: مِمَّا يدل على ضعف هذه الآثار أن وقوع اللحن في القرآن وسكوت الصحابة عنه مِمَّا يستحيل عقلاً وشرعًا وعادةً، لوجوه:
1. أنه لا يُظَنُّ بالصحابة أنَّهم يلحنون في الكلام، فضلاً عن القرآن، فقد كانوا أهل الفصاحة والبيان.
2. أنه لا يُظَنُّ بِهم اللحن في القرآن الذي تلقوه من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كما أنزل، وحفظوه وضبطوه وأتقنوه.
3. أن افتراض صحة هذا النقل يعني أن الصحابة اجتمعوا على الخطأ وكتابته، وهذا مما لا يُظَنُّ بِهم.
4. أنه لا يُظَنُّ بِهم عدم تنبههم للخطأ ورجوعهم عنه، مع كثرتهم، وحرصهم، وتوافر الدواعي إلى حفظ الكتاب الكريم.
5. أنه لا يُظَنُّ بعثمان أنه ينهى عن تغيير الخطأ، ولو فعل ذلك لَما سكت عنه الصحابة رضي الله عنهم .
6. أنه لا يُظَنُّ أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهي مروية بالتواتر خلفًا عن سلفٍ.(8)
فقد جَعَلَ عثمانُ للناسِ إمامًا يقتدون به، فكيف يرى فيه لحنًا ويتركه تقيمه العرب بألسنتها؟ فإذا كان الذين تولَّوا جمعه لم يقيموا ذلك -وهم الخيار- فكيف يقيمه غيرهم؟ فهذه الأوجه مِما يدل على أن هذه الآثار غير صحيحة.
قال ابن الأنباري(9) في الأحاديث المروية في ذلك عن عثمان رضي الله عنه : لا تقوم بِها حجةٌ؛ لأنَّها منقطعةٌ غير متصلة، وما يشهد عقلٌ بأن عثمان -وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته، وقدوتُهم- يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام، فيتبينُ فيه خللاً، ويشاهد في خطه زللاً، فلا يصلحه، كلاَّ والله، ما يَتَوَهَّم عليه هذا ذو إنصافٍ وتمييزٍ، ولا يعتقد أنه أخَّر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه، والوقوف عند حكمه.
ومن زعم أن عثمان أراد بقوله: "أرى فيه لحنًا": أرى في خطه لحنًا، إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسدٍ ولا محرِّفٍ، من جهة تحريف الألفاظ وفساد الإعراب -فقد أبطل ولم يُصِبْ؛ لأن الخط منبئ عن النطق، فمن لحن في كتبه، فهو لاحنٌ في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخر فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتبٍ ولا نطقٍ، ومعلومٌ أنه كان مواصلاً لدرس القرآن، متقنًا لألفاظه، موافقًا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي.(10)
ثم أيد ذلك بما أخرجه أبو عبيد عن هانئ البربري مولى عثمان، قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاةٍ إلى أُبَيِّ بن كعبٍ، فيها: (لَمْ يَتَسَنَّ)، وفيها: (لاَتَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ)، وفيها: (فَأَمْهٍلِ الْكَافِرِينَ)، قال: فدعا بالدواة، فمحا أحد اللامين، فكتب: } لِخَلْقِ اللهِ {،(11) ومحا (فَأَمْهٍلِ) وكتب: } فَمَهِّلِ {،(12) وكتب: } لَمْ يَتَسَنَّهْ {،(13) ألحق فيها الهاء.(14)
قال ابن الأنباري: فكيف يُدَّعى عليه أنه رأى فسادًا فأمضاه، وهو يوقَف على ما كُتِب، ويُرْفع الخلافُ إليه الواقع من الناسخين، ليحكم بالحق، ويُلزمهم إثبات الصواب وتخليده.(15)
قال السيوطي: ويؤيد ذلك أيضًا ما رواه ابن أشتة في كتاب المصاحف عن عبد الله بن الزبير أنه قال: فجمع عثمان المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة، فجئت بالصحف، فعرضناها عليها، حتى قوَّمناها، ثم أمر بسائرها فشققت.
فهذا يدل على أنَّهم ضبطوها وأتقنوها، ولم يتركوا فيها ما يحتاج إلى إصلاح ولا تقويم.(16)
الثالث: أن عثمان لَم يكتب مصحفًا واحدًا، بل كتب عدة مصاحف، فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها، فبعيد اتفاقها على ذلك، أو في بعضها، فهو اعترافٌ بصحة البعض، ولم يذكر أحدٌ من الناس أن اللحن كان في مصحفٍ دون مصحفٍ، ولم تأت المصاحف قطُّ مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة، وليس ذلك بلحنٍ.(17)
الرابع: على تقدير صحة الرواية أن ذلك محمولٌ على الرَّمْز والإشارة، ومواضع الحذف، نحو (الصـبرين)، و(الكتـب) وما أشبه ذلك.
الخامس: أن المراد به أن فيه لحنًا عند من تَوَهَّم ذلك، وخفي عليه وجه إعرابه، وأنه أراد بقوله: "وستقيمه العرب بألسنتها"، أي: محتجين عليه، مظهرين لوجهه.(18)
السادس: أن المراد باللحن ليس الخطأ، بل هو مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها، كما كتبوا: } لاأذبحنه {،(19) بألفٍ بعد (لا)، و} جزاؤا الظالمين {،(20) بواو وألف، و} بأييدٍ {،(21) بيائين، فلو قرئ بظاهر الخط كان لحنًا، وبِهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشتة في كتاب المصاحف.(22)
السابع: أن المراد باللحن القراءة واللغة، وليس المراد به الخطأ، فيكون المراد بكلمة (لحن) في الروايات المذكورة: قراءة، ولغة، كقوله تعالى: } وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ {.(23)
والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجهًا في القراءة لا تلين به ألسنة جميع العرب، ولكنها لا تلبث أن تلين بالمران وكثرة تلاوة القرآن بِهذا الوجه.
ويكون قول سعيد ابن جبير: "لحن"، بمعنى أنَّها لغة الذي كتبها وقراءته، وأن فيها قراءةً أخرى.(24)
ويدل على ذلك الوجه قول عمر رضي الله عنه في الحديث عن قراءة أُبَيٍّ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ كَثِيرًا مِنْ لَحْنِ أُبَيٍّ … الحديث.(25)
وقد روى أثر عثمان هذا ابن أشتة في كتاب المصاحف بلفظ خالٍ من هذا الإشكال.
فعن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: لَمَّا فُرِغ من المصحف، أُتِي به عثمانُ، فنظر فيه، فقال: أحسنتم وأجملتم! أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا.
قال السيوطي: فهذا الأثر لا إشكال فيه، وبه يتضح معنى ما تقدم، فكأنه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته ، فرأى فيه شيئًا كُتِب على غير لسان قريشٍ، كما وقع لهم في (التابوة) و(التابوت)، فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريشٍ، ثم وفَّى بذلك عند العرض والتقويم، ولم يترك فيه شيئًا، ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرَّفها، ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك، ولله الحمد.(26)

(1) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن، وابن الأنباري في كتاب الردِّ على من خالف عثمان وابن أشتة في كتاب المصاحف، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/269-270)، ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، باب اختلاف ألحان العرب في المصاحف، عن يحيى ابن يعمر وقتادة وعكرمة. ص 41-42.
(2) من الآية 69 من سورة المائدة.
(3) من الآية 162 من سورة النساء.
(4) من الآية 10 من سورة المنافقون.
(5) من الآية 63 من سورة طه. أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب اختلاف ألحان العرب في المصاحف ص 42، ورواه ابن الأنباري أيضًا، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/270).
(6) الإتقان في علوم القرآن (2/270).
(7) فقد رواه قتادة عن عثمان مرسلاً، ورواه نصر بن عاصم عنه مسندًا، ولكن فيه عبد الله بن فطيمة، وهو مجهول، لا يُقبل خبره. انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 125، والإتقان في علوم القرآن (2/270).
(8) الإتقان في علوم القرآن (2/270).
(9) في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان.
(10) انظر الإتقان في علوم القرآن (2/271).
(11) من الآية 30 من سورة الروم.
(12) من الآية 17 من سورة الطارق.
(13) من الآية 209 من سورة البقرة.
(14) رواه أبو عبيد، انظر الإتقان في علوم القرآن (2/271).
(15) انظر الإتقان في علوم القرآن (2/272).
(16) انظر الإتقان في علوم القرآن (2/272).
(17) الإتقان في علوم القرآن (2/270)، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) (6/26-27).
(18) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 128.
(19) سورة النمل من الآية 21.
(20) سورة المائدة من الآية 29.
(21) سورة الذاريات من الآية 47.
(22) نكت الانتصار لنق القرآن ص 128-129، والإتقان في علوم القرآن (2/270)، وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 51.
(23) من الآية 30 من سورة محمد صلى الله عليه وسلم .
(24) انظر نكت الانتصار لنقل القرآن ص 125، ومناهل العرفان (1/387-388)، والإتقان في علوم القرآن (2/273).
(25) رواه أحمد في مسنده، مسند الأنصار (6/131) ح 20581.
(26) انظر الإتقان في علوم القرآن (2/272).













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
القرآن, جمع, كيف

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 11:09 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع