:: العرب في شمال إفريقيا لا يمثلون سوى 0.01% (آخر رد :mohamade)       :: جامع صاحب الطابع (آخر رد :الجزائرية)       :: ابن حجر العسقلاني ... أحد اكابر علماء مصر و العالم الإسلامي (آخر رد :الذهبي)       :: جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى ... عالم قطر اهل مصر (آخر رد :الذهبي)       :: شخصيات ماسونية عربية و اسلامية. (آخر رد :guevara)       :: أبو يوسف.. المفتي الاقتصادي (آخر رد :aliwan)       :: ثابت بن قرة.. إقليدس العرب (آخر رد :aliwan)       :: البارودي.. رب السيف والقلم (آخر رد :aliwan)       :: مسجد حسان. (آخر رد :guevara)       :: صديقون حقا (آخر رد :aliwan)      



العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ القديم
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
22-Nov-2006, 03:23 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
نزعة المركزة الأوربية والتدوين التاريخي للحضارة السودانية

التحول من رؤية مصروية - أبيضية متوسطية الى رؤية سودانوية"

د. أسامة عبدالرحمن النور*

(1)

عندما طلبت مني الأخت نجاة، والشكر والتقدير لها، الكتابة في قضايا تاريخ الحضارة السودانية إسهاماً في هذا الموقع الثقافي، دار في خلدي السؤال المنطقي: من أين أبدأ؟ وما هى الإشكاليات التى يتوجب طرحها على القارئ غير المتخصص؟ وما هو المنهج الذى يكون الأفضل من حيث تقديم أحدث المعطيات المتوفرة لنا نحن أهل التخصص في مجال علم الآثار السودانوي للقراء من غير المتخصصين؟

أخيراً قررت أن الطريقة الأفضل هى تقديم عرض نقدي لما تمت كتابته في الفترات المختلفة حول تاريخنا الحضاري. مثل هذا التناول يساعد القارئ على تكوين فكرة عامة عن أهم محطات التاريخ الثقافي للسودان.

ارتأيت أن أتناول الموضوع في خمس حلقات:

(1) كتابات الرواد الأوائل

(2) كتابات الجيل الثاني من الرواد

(3) التركيب الريزنري

(4) نقد التركيب الريزنري

(5) مولد علم الآثار السودانوية

(1)

كتابات الرواد الأوائل

يحتل السودان مكاناً متميزاً في التدوين التاريخي الأفريقي. ففي الوقت الذى لازالت فيه دراسات التاريخ القديم لقارتنا الى الجنوب من الصحراء في طورها الجنيني، فإن السودان القديم يمثل موضوعاً ثرياً فيما يتعلق بالتدوين التاريخي وذلك لأسباب وجيهة. فالسودان هو الوحيد من بين بلدان أفريقيا السمراء ما وراء الصحراء الذى توجد به مصادر وثائقية نصية وآثارية من النوع المعروف بالنسبة لدارسي التاريخ القديم. أيضاً، خلافاً للبلدان الأفريقية السمراء الأخرى، تحتوى النصوص اليونانية - الرومانية والكنسية على معلومات ثرة عن السودان القديم، ومؤسساته، وثقافاته، وعلاقاته بمصر الفرعونية واليونانية - الرومانية. ليس مستغرباً، إذن، أن جذب السودان القديم علماء الآثار ودارسي التاريخ القديم، منذ تعرُف جيمس بروس في عام 1772 على موقع عاصمة السودان مروي (كبوشية).

على مدى القرنين الماضيين مثلت الدراسات السودانوية فرعاً جانبياً لعلم الدراسات المصريولوجية. جعلت الجغرافيا وتأثير مصر القديمة على حضارة السودان القديم هذا التوجه أمراً حتمياً. تلك الأسباب ذاتها ضمنت لعلماء المصريولوجيا أن يضحوا مؤسسين لدراسة تاريخ السودان القديم وثقافاته. انجازات أولئك المؤسسين الرواد كانت هائلة، وستظل أساسية بالنسبة للدراسة العلمية لتاريخ السودان القديم. بفضل أعمال ريتشارد لبسيوس في منتصف القرن التاسع عشر، وجورج ريزنر في بدايات القرن العشرين، تم تجميع البينة النصية والآثارية لدراسة تاريخ السودان القديم وتنظيمها، وتم وضع اطار كرونولوجي أساسي لتاريخه.

في السنوات الختامية للقرن التاسع عشر أكمل العلامة الفرنسي ماسبيرو عمله المؤلف من ثلاثة مجلدات والموسوم بـ التاريخ القديم لشعوب الشرق الكلاسيكي (1) ، وهو العمل الذى يجوز وصفه بأنه الأول من نوعه من حيث اعتماده على كل المصادر، التاريخية الوثائقية منها والآثارية المادية، المعروفة في تلك الفترة، ومن حيث تتبعه للسيرورة التاريخية لشعوب الشرق الأدنى على مدى أربع ألفيات. لكن تاريخ السودان القديم في هذه الدراسة الضخمة لم يجد له مكاناً أكبر مما غطته خمس أو ست صفحات (168-171، 665-666). قطعاً فإن عنوان كتاب ماسبيرو في حد ذاته يوفر المبرر لمثل هذا الموقف من تاريخ السودان القديم الذى كان السمة العامة لا لعمل ماسبيرو فحسب. فالحقيقة، كما يشير الى ذلك كاتسنلسون، "أنه حتى وقت قريب عُدت كلاسيكية وتستحق الدراسة فقط تلك الشعوب التى تركت تأثيراتها الحضارية المباشرة على الحضارة الكلاسيكية الأوربية (اليونانية - الرومانية)، بالتالي، وعن طريق هذه الأخيرة، تركت بصماتها على تطور الحضارة الأوربية عموماً" (2). من هنا كان أمر طبيعي ألا تجد حضارات السودان القديم وغيرها من الحضارات الأفريقية، مثل أكسوم على سبيل المثال، والتى وجدت على هامش العالم القديم وتأثرت بالحضارات العظيمة للشرق الأدنى والأوسط، اهتماماً من قبل العلماء الذين هيمنت على دراساتهم نزعة المركزة الأوربية، وأولئك كانوا هم الكثرة بل ولازالوا حتى بداية حملة انقاذ آثار النوبة في الستينات من القرن العشرين المنصرم.

لهذا السبب، فى تقديري، لم يجد تاريخ السودان القديم مكاناً له في أي من المؤلفات التى عالجت عموم "تاريخ العالم القديم"، والتى ظهرت في البلدان المختلفة في القرن العشرين المنصرم. فقط من خلال ملاحظات عابرة في الفصول المكرسة لتاريخ مصر في تلك المؤلفات نجد صدىً لبعض الأحداث الجارية في السودان (*). ولهذا السبب لم يجذب السودان حتى العقد الأول من القرن العشرين اهتمام علماء الآثار. فوق ذلك فإن اندلاع ثورة التحرير المهدوية التى عمت كل أرجاء السودان في نهاية القرن التاسع عشر، جعلت منه أرضاً مغلقة أمام علماء الآثار الأوربيين. بسبب كل ذلك أصبحت دائرة الوثائق التاريخية والآثار المادية محدودة الى حد بعيد. قام شح الوثائق بدوره، بالطبع، في عدم تحفيز العلماء للالتفات الى تاريخ السودان الذى لم يكن معروفاً عنه شئ، والذى باستثناء بعض الآثار المعروفة حينها لم يوفر لهم جديداً يكتبونه.

الحق يقال، أننا نجد في بعض كتب الرحلات الوصفية للسودان، بخاصة في النصف الأول للقرن التاسع عشر، محاولات لتقديم موجز لتاريخ السودان بالاعتماد على المصادر المتوفرة حينها - الكتاب المقدس وكتابات المؤرخين والجغرافيين اليونان والرومان وأسماء متفرقة لبعض ملوك نبتة ومروى. من بين تلك الكتب حري بنا أن نذكر في المقام الأول عمل كل من لبسيوس (3)، وبركهاردت (4)، وكايو (5)، وهوسكنس (6)، وشامبليون (7).

يبدو ليّ أنه من غير المفيد هنا أن نبدأ في عرض كل ما تناولته تلك الأعمال، ذلك أنها متوفرة ويمكن الرجوع إليها (**). يكفي أن أتوقف عند نموذج واحد من بينها، تحديداً عمل هوسكنس الرائع من حيث الملاحق المرفقة به والرسوم. كان هوسكنس الأول من بين أولئك في تسليط الاهتمام على مكانة مروي، مظهراً معرفة واسعة بالنسبة لعصره وكاشفاً عن قدرة على تحليل الوقائع. من بين الثلاثة فصول المكرسة لمملكة مروي، خصص فصل منها لدراسة العلاقات التجارية للمملكة. يشير هوسكنس محقاً، في تقديري، الى أن السبب الرئيس في ازدهار مروي ارتبط بخصوبة تربة أراضيها وبفضل اسهامها الفاعل في التجارة بين أواسط أفريقيا ومصر. يلاحظ هوسكنس المستوى العالي للثقافة والى أصالتها، ملتزماً في ذلك بقدر كبير من قوة الملاحظة والموضوعية، خلافاً للكثيرين من العلماء الذين كتبوا في أزمان تلت مع أنهم امتلكوا قدرات مهنية وتدريباً أفضل. يبدأ هوسكنس الفصل المكرس لتاريخ السودان بالقول "جزيرة مروي - منطقة كلاسيكية، معروفة تقريباً لكل قارئ بوصفها مهد الفنون والمدنية". هنا تتضح المبالغة التى تعود جذورها الى التقاليد اليونانية - الرومانية القديمة. في رأي هوسكنس، ترجع أسباب انهيار مملكة مروي الى حقيقة أن النيل غسل الأراضي الخصبة مما دفع الى هجرة السكان؛ كما وترجع الى نضوب مناجم الذهب التى اعتمدت عليها رفاهية البلاد. هكذا نجد أن هوسكنس لم يك بعيداً عن الحقيقة، في تقديري. فكما نعرف الآن، فإن أحد أسباب الأزمة التى عانت منها مملكة مروي تمثل في تآكل التربة الناتج عن زوال الغطاء النباتي بفعل القطعان.

يحاول هوسكنس في فصلين تتبع تاريخ نبتة ومروي. استغل الى جانب الكتاب المقدس سرود هيرودوت، وسترابو، وديدور وغيرهم. كان يعرف أسماء تهارقا، وشبتاكا، وشباكا، وبيَّا، والذين يوردهم تحديداً وفق هذا الترتيب؛ كذلك عرف اسم أركامانى وآخرين من ملوك مروي. يتتبع بتفصيل وقائع صراع السودانيين مع الآشوريين، وفيما بعد صراع السودانيين مع روما. ومع أن هوسكنس لم يكن مؤرخاً متخصصاً إلا أنه استطاع الى حد معلوم في أن يُركب كل ما كان معروفاً في عصره عن السودان القديم.

أثار اكتشاف مارييت في عام 1862 لحوليات ملوك السودان القديم في جبل البركل اهتماماً بتاريخ البلاد التى حكموا فيها. في ستينات القرن التاسع عشر وسبعيناته نُشرت سلسلة من تلك الحوليات المثيرة، كما ونُِشرت مقالات متفرقة تتناولها بالتعليق: مقالات مارييت نفسه، وروجيه، وماسبيرو وآخرين (×).

تأسيساً على ملاحظات مستقاة من مسلات ملوك نبتة الأوائل ومن معطيات أخرى (بخاصة، تطابق اسم بيَّا مع اسم ابن حريحور، وعبادة آمون الخاصة في السودان، وادعاء حكام نبتة ومروي بحقهم الشرعي للتاج المصري)، طرح ماسبيرو فرضية تقول بأن مؤسسي الأسرة الخامسة والعشرين كانوا أحفاداً لكهنة طيبة المصريين من الذين اتخذوا من معابد جبل البركل مقراً لهم في أعقاب سيطرة الليبيين على السلطة في مصر (8). فيما بعد تم تكرار هذه الفرضية، بحسبانها حقيقة موثوقة نهائية، في التاريخ القديم لشعوب الشرق الكلاسيكية (9) ولم يتم الإقلاع عنها حتى اليوم في بعض الكتابات رغم اثبات عدم صحتها بصورة قاطعة. تقود مثل هذه الرؤية الى نفي إمكانية السودانيين القدماء على تأسيس دولة بقدراتهم الذاتية على الرغم من أن تأسيسها هناك يرجع الى أزمان سابقة لنهوض نبتة، كما سوف أبين ذلك في مقال لاحق. يصعب القاء اللوم على ماسبيرو لجهله بالحقائق التى استبانت فقط في وقت لاحق، لكنه في الوقت نفسه لا يجب أن نرفض تقييمه الايجابي للعديد من الحقائق. يقيم ماسبيرو مملكة نبتة مروي بحسبانها دولة ثيوقراطية. ينطلق في ذلك، أولاً، من نظريته القائلة بأن ملوك نبتة الأوائل تأصلوا من أسرة كهنوتية، وثانياً، بأن الملك "كان إنساناً إلهاً ولذلك يختاره الإله"، وثالثاً، أن الكهنة هم الذين يحددون موعد موت الحاكم غير المناسب.

التطور الثقافي اللاحق للحضارة المرَّوية يوصف بأنه إعادة إحياء متوحشة بربرية للمدنية المصرية، وهو ما أفضى إليه انحطاط التركيبة الاثنية بفعل الاختلاط بعناصر زنجية. تتدنى اللغة، وتفسد الكتابة والفنون، وينحط مستوى الأخلاق والعادات. فإذا كانت التقاليد الشرقية واليونانية – الرومانية ترسم صورة مثالية لـ تهارقا وشباكا، فإنما يفسر ذلك ببعد السودان وعزلته. كل مقولات ماسبيرو تلك تركت تأثيرها على الكتابات اللاحقة، حيث يتم تكرارها واجترارها بصيغ وتعديلات مختلفة.

غالباً ما يكون ميوللر قد وقع تحت تأثير كتابات ماسبيرو. المثير للدهشة حقاً أن ميوللر وضع الكتيب الأول الوحيد الكامل المكرس فقط لتاريخ السودان القديم (10). الكتيب نُشر في عام 1904 وأصبح حالياً عتيقاً وغير جدير بعده مفيداً. لكنه حتى في وقت صدوره لم يواكب مستوى تطور العلم التاريخي. انطلاقاً من تشابه بعض الأسماء المتفرقة لملوك السودان الأوائل مع أسماء بعض كبار كهنة طيبة في نهاية الدولة الحديثة، يفترض ميوللر، مجارة لـ ماسبيرو، أن أحفاد الأخيرين، الذين استقروا في نبتة، وضعوا أساس ازدهار السودان القديم. هؤلاء السود التعساء misera contribuens plebs لا علاقة لهم البتة بهذا الازدهار (ص.17). لهذا السبب تحديداً، كونهم أحفاداً لكهنة آمون، ادعي ملوك نبتة شرعيتهم وضع التاج المصري على رؤوسهم. هنا، يبدو ليّ، أن ميوللر لم يضع في حسبانه حقيقة أن ادعاء الملوك السودانيين للتاج المزدوج أمر لم يتم إلا بعد أن استتبت سيطرتهم الكاملة على كل مصر بعد بيَّا، ولم يكن الادعاء بحال منذ بداية تأسيس مملكة نبتة.

في رأي ميوللر، فإن التأثير المصري فقط هو الذى أبقى على حضارة نبتة، وأن موجات المهاجرين من مصر حافظت على عدم "الانصهار الكامل مع الزنوج (Vernegerung) والانحطاط (Verblödung)" (ص. 18). هنا يظهر بوضوح الوجه العنصري لـ ميوللر. تأسيساً على ما أورده هيرودوت عن استقرار السمبريين القادمين من الشمال للاستقرار في جزيرة مروي، يحاول ميوللر ارجاع أصول هؤلاء الى الجنس القوقازي (الحاميين). بالتالي اختلطت هنا مجموعتان اثنيتان متباينتان : النوبيون السود والحاميون "الحمر- البنيون". ثم يورد ميوللر افادة هيرودوت عن مملكتين إثيوبيتين - المروية والنبتية، خضعت فيهما الأولى للثانية. فقط "التفكك غير المسبوق لمصر" وفر، في رأي ميوللر، انتصار بيَّا وسمح له ولخلفائه أن يسيطروا على مصر.

معترفاً بالطاقة الحركية التى ميزت تهارقا، يؤكد ميوللر على التنظيم الأفضل للدولة الآشورية، مشيراً الى أن ذلك تحديداً ما جلب الانتصار الى جانب الآشوريين. رغم أن ميوللر كان قد تعرف على النصوص المرَّوية وعلى منتجات مروي الفنية، فإنه يسلم بأن "الإثيوبيين اعتمدوا دوماً على المصريين"، فيما يتعلق بالفنانين أو بالموظفين المتعلمين. التقليد الإغريقي بشأن الإثيوبيين المستقيمين المحبوبين من قبل الآلهة إنما يرجع، في رأيه، الى كهنة نبتة المحافظين على الاستقامة القديمة والذين تمتعوا بسلطات لا حدود لها. تحديداً هؤلاء الكهنة هم الذين حددوا انتخاب الملك. هكذا تتم قراءة مسلة أسبالتا ورواية ديدور عن أركامانى. ادخال الكتابة الألف بائية (الأبجدية)، رغم أصالتها، يرجعها ميوللر الى تأثيرات خارجية (ص. 30). ضعف مملكة مروي يرجعه في الأساس الى الحرب مع روما في نهاية القرن الأول ق.م.

الى جانب الطرح العنصري المباشر، فإن ميوللر يهمل كلياً كل السمات الأصيلة لحضارة مروي، ويتجنب التعرض للعوامل الاقتصادية التى كتب عنها قبل سبعين عام قبله هوسكنس، بخاصة تلك التى أدت الى ازدهار مملكة مروي.

بعد ثلاث سنوات من صدور كتيب ميوللر ظهر كتاب بدج "السودان المصري" في جزأين (11). وُضع الكتاب بطريقة غير منظمة (××)، لكنه احتوى في الوقت نفسه على كم هائل من المعلومات. منهج بدج غير معقد: انه يعيد تسجيل المعلومات الموجودة في مصادر مختلفة - كتابات المؤرخين والجغرافيين اليونان - الرومان القدماء، حوليات ملوك نبتة ومروي، ومن ثم ترجمة هذه الأخيرة الى الإنجليزية، وهى ترجمات لا يعتمد عليها كثيراً. كذلك ينقل عن الأعمال الوصفية التى كتبها الرحالة المعاصرون، الذين كان من بينهم من بحث عن الآثار القديمة، مثل فرليني. فيما يخص رؤية بدج فإنها تمثل نموذجاً مأخوذاً عن آراء ماسبيرو.

ويقول بدج أنه وبعد التحرر من السيطرة المصرية، قام حكام نبتة بتوسيع سلطاتهم على كل البلاد حتى منطقة النيل الأزرق، ومن بعد ذلك بدأوا، بفعل تأثير كهنة طيبة المستقرين في السودان، في ادعاء تبعية طيبة لهم. وفي الوقت الذى دار فيه الصراع بين الأسر المصرية العديدة، قام أسلاف بيَّا (انطلاقاً من اسم ابن حريحور) () ومن ثم هو نفسه بتدعيم قوته واستولى على سلطات الفرعون. تأسيساً على حوليات بيَّا ونقوش خلفائه ومصادر مختلفة أخرى، كما أشرت، يتتبع بدج نشاطاتهم السياسية الخارجية، أي في الأساس صراعهم مع الآشوريين. وينتقل بدج الى وصف معابد نبتة، ومروي، وقصر ود بانقا، وموقع سوبا. ويتتبع في فصلين مستخدماً المنهج نفسه تاريخ العلاقات السودانية مع البطالسة والرومان. هكذا لا يرتقي عمل بدج الى أعلى من تركيب إمبيريقي، لكنه يتجاوز القصور في عمل كل من ماسبيرو وميوللر المنطلقة من نزعة عنصرية لا شك فيها.


هوامش

* أنظر على سبيل المثال "تاريخ كمبردج القديم" [الصفحات 241؛ 242؛ 243]؛ وأيضاً "تاريخ القدم" لـ ادوارد ميير؛ (Meyer 1931) و"تاريخ العالم"(Historia Mundi, Bern 1953) وغيرها.

** كل تلك الأعمال متوفرة للقراء السودانيين بمكتبة الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية، هذا إن ظلت باقية بعيداً عن الدمار والتخريب الذى طال كل ما يمت للآثار، ولمرافق البحث العلمي (مكتبة السودان بجامعة الخرطوم) في سنوات الإنقاذ.

× لببليوغرافيا شاملة للحوليات انظر (Porter and Moss 1952: 217-218).

×× أنظر على سبيل المثال توصيف هذا العمل في العرض الذى كتبه بيتر شيني لكتاب آركل "تاريخ السودان حتى 1821" (Sudan Notes and Records, vol. 36: 198): "كتاب بدج من جزأين المركب بطريقة سيئة، والذى أكل عليه الدهر".

 بعد سنوات من صدور كتابه عدل بدج رؤيته حول الأصل العائلي لملوك الأسرة الخامسة والعشرين وكتب بأن كاشتا - من أصل محلي (انظر المراجع Budge 1912) وأن بيَّا، احتمالاً، أرجع نسبه الى ابن حريحور وسمي نفسه تكريماً لسلفه (انظر المراجع Budge 1928).


المراجع

(1) Maspero G. 1895-1899, Histoire ancienne des peuples l’Orient classique, t.1-3, Paris.

(2) Кацнельсон И.С. 1962, ‘Античные писатели о Куше’, ПС. Вып. 7(70).

(3) Lepsius R. 1952, Briefe aus Ägypten, Äthiopien und der Halbinsel des Sinai, Berlin.

(4) Burckhardt J.L. 1919, Travels in Nubia. London.

(5)Cailliaud F. 1827, Voyage à Meroë, vol.1-4 et 2 atlases. Paris.

(6)Hoskins G.A. 1935, Travels in Ethiopia, above the Second Cataract of the Nile. London.

(7) Champollion F. 1835, Monuments de l”Egypte et de la Nubie d’après les dessins exécutés sur les lieux, 1-4. Paris.

(8) Maspero G. 1887, Les momies royales de Deir el Bahari, Le Caire, p. 746.

(9) Maspero G. 1895-1899, Histoire ancienne des peuples l’Orient classique, t.1-3, Paris, pp. 169-170.

(10) Müller W.M. 1904, Athiopien, Leipzig.

(11) Budge E.A.W. 1907, The Egyptian Sudan, vol. I.and II, London. id., 1912, The Annals of the Nubian Kings with a Sketch of the History of Nubian Kingdom of Napata, London. id., 1928, A History of Ethiopia, Nubia and Abyssinia, Vol.I, London, p. 26.



*د. أسامة عبد الرحمن النور، عالم آثار ومؤرخ.

حصل على الدكتوراه في علم الآثار المصرية Egyptology من معهد الدراسات الشرقية- أكاديمية العلوم، موسكو. وكان موضوع أطروحته: "الجذور المحلية للثقافة السودانية القديمة، وعلى درجة الماجستير في علم الآثار المصرية Egyptology من جامعة شدانوف للدولة- لننجراد.

عمل أستاذاً للتاريخ القديم والآثار والحضارات الشرقية القديمة في العديد من الجامعات والمؤسسات العلمية. شغل منصب المدير العام للهيئة العامة للآثار والمتاحف القومية بالسودان في الفترة من عام 1987 إلى 1991.

لمزيد من التعرف على مؤلفاته من كتب ومقالات وأبحاث نُشرت في المجلات العلمية بالعربية والإنجليزية والروسية، يمكنكم الرجوع إلى سيرته الذاتية في موقع أركماني.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
22-Nov-2006, 03:30 AM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي

كتابات الجيل الثاني من الرواد

من بين الكتابات التى تناولت مجالات أضيق يجدر ذكر عمل سيف سودربيرج، الذى يشدد على دراسة العلاقات المصرية السودانية حتى نهاية الدولة المصرية الحديثة (1). يتناول المؤلف اقتصاد السودان القديم، لكن نقول أن بعض الجزئيات فيه أصبحت بحاجة الى تعديلات لتواكب المعرفة الحالية مع التطور الذى يشهده علم الآثار السودانوية.

أيضاً توجد بعض المحدوديات في كتاب فون تسيسل "الإثيوبيون والآشوريون في مصر" (2). يجرى الحديث في الكتاب بصورة عرضية عن أصول الأسرة الخامسة والعشرين، مع أن المؤلف توقف بتفصيل لدراسة شجرة أنساب ملوكها وتحديد تواريخ حكمهم .

كرس مونير دي فيلارد كتابيه "تاريخ النوبة المسيحية" لدراسة الأطراف الشمالية لمملكة مروي (3)، و"النوبة الرومانية" لتسليط الضوء على التاريخ المتأخر للبلاد (4). في كتابه الأول يتناول المؤلف بطريقة براجماتية الأحداث السياسية، بخاصة في الأطراف الشمالية للسودان القديم في القرون الأول - الثالث، في حين يتناول في الثاني دراسة لبعض المسائل المتفرقة: تأثير المعمار الروماني على الآثار المحلية، واثر شكل الفخار المستورد وزخرفته، وانتشار زراعة العنب، وتقنية الري الاصطناعي وما الى ذلك.

وفي أبحاث كل من ليكيه وتريجر يتم التعرض بصورة عابرة لبعض جوانب مملكة مروي. يتعرض ليكيه خلال دراسته لحالة الجيش الروماني في مصر ووضعيته وتنظيمه، وللعلاقة بين مروي وروما من نهاية القرن قبل الميلادي الأول حتى نهاية القرن الميلادي الثالث (5). ينصب اهتمام ليكيه على السياسة الخارجية للبلدين وطبيعة الأوضاع السياسية التى نشأت بين القوتين في الأطراف الشمالية للسودان القديم خلال تلك القرون الثلاثة. لدراسة هذا الجزء من السودان كرس تريجر كتابه "التاريخ والإقامة في النوبة السفلى" (6). ونفضل أن نعود لهذا العمل فيما بعد، حيث أن تريجر استفاد من النتائج التى حققها علم الآثار السودانوي في الخمسين سنة الماضية.

مع أن هذه الأعمال قدمت إسهاماً معتبراً في دراسة تاريخ السودان القديم، إلا أنها أضاءت فقط بعض المسائل المتفرقة، والتى يتعلق بعضها بتطور قوى الإنتاج في المجتمع السوداني القديم. فيما يتعلق بهذه أو تلك من قضايا تاريخ نبتة ومروي، فإنه يمكن تصنيف الدراسات شكلياً الى مجموعات : الأولى، وهى فصول أو أقسام ضمن أعمال ذات طابع عام والتقارير الخاصة بأعمال التنقيب الآثاري؛ والثانية، مقالات استعراضية قصيرة؛ والثالثة، مقالات متخصصة، مكرسة لدراسة هذه أو تلك من المسائل المحددة.

احتوت بعض من التقارير عن أعمال التنقيب في السودان قبل الحرب العالمية الأولى فصول تمهيدية، تناول مؤلفوها تاريخ المناطق التى قاموا بدراستها. هكذا سبق تقرير البحث الميداني الذى أجرى في مروي في 1909/1910 مقالة تمهيدية كتبها سايس وتناول فيها ليس فقط تاريخ المدينة بل نبذة عن تاريخ مملكة مروي ككل (7). نفى سايس وجود ملامح زنجية لدى ملوك الأسرة الخامسة والعشرين (ص. 4). في اعتقاده أن صورة تهارقا المنقوشة في مسلة أسارحادون المشهودة انبنت على أساس استخدام الفنان الذى قام بنقشها على نموذج جندي تم أسره. هكذا صار يعتقد اليوم أن المصور على تلك اللوحة هو أحد أبناء ملك السودان. مثله مثل بدج، لم يك سايس مناصراً للنظرية العنصرية التى تؤمن بأفضلية جنس على آخر. إنه يثمن النشاطات المعمارية لملوك مروي. إن الموجز المختصر الذى يقدمه ملتزم بالوقائع ويقدم معلومات تم الكشف عنها في عاصمة السودان القديمة.

في عام 1911 ظهر موجز مشابه آخر لتاريخ مملكة مروي وضعه كروفوت (8)، الذى تعرف مباشرة على جزيرة مروي وصروحها. خلافاً لـ ماسبيرو وميوللر يثمن كروفوت حضارة المرويين الذين شيدوا بمجهوداتهم وحبهم للعمل الحقول والمدن الكبيرة. ويشير الى أهمية هذه المنطقة، التى عبرت من خلالها الطرق التجارية من أواسط أفريقيا في طريقها الى الشمال، ويجمع أعمال الرحالة اليونانيين الذين أوردوا ذكراً لمروي، ويتحقق من مدى مصداقية تلك المعلومات، ويتوقف ليلقي نظرة على علاقات مروي مع روما والصلات مع الهند مشيراً الى أن حفريات راندال ماك ايفر في عنيبة تقدم "أول انطباع، مشتق من أعمال المؤرخين القدماء، أنهم (أي سكان عنيبة) كانوا شعباً محارباً يسيطر على هذه المنطقة، وأنه كانت لهم حضارة راقية وعلاقات تجارية واسعة، كما وكانوا يمارسون حرفاً سلمية". في الوقت نفسه لا يجوز نفي المؤثرات الفنية من بلدان الشمال. يستخدم كراوفوت في إعادته تركيب بعض حقائق تاريخ مروي الآثار المعمارية، مقارباً المعطيات التى تحصل عليها مع معلومات الكتاب القدماء. يتوجب الاعتراف، أن عمل كراوفوت من الناحية المنهجية يتفوق على الأعمال السابقة له.

طرح ريدر، شأنه شأن ميوللر، هدفاً يسعى الى كتابة تاريخ السودان القديم منذ أقدم الفترات حتى انتشار المسيحية (9). اعتمد في كتابه الى حد بعيد على ميوللر وماسبيرو. لكن ريدر يرى أن تأسيس أسرة نبتة كان بمثابة ردة فعل "للوعي القومي للسود"، والذى تطور لديهم نتيجة التفاعل مع الحضارة المصرية (ص. 71). إذا كان سايس قد نفى عن بيَّا وخلفائه صفة الزنجية، فإن ريدر يسميهم بـ "الملوك الزنوج" (die Negerkönige)، ويسمي نبتة "مملكة زنجية بحضارة مصرية". نقل العاصمة الى الجنوب - الى مروي (كبوشية) - في القرن الرابع ق.م. زاد من قوة العناصر الزنجية. وتبنى وجهة النظر السائدة حينها والتى طرحها شيفر، والتى طابقت قمبيزودن المذكور في حوليات الملك السوداني نستاسن بـ قمبيز والذى يكون بذلك وكأنما قد وصل الى السودان. في عهد البطالسة وفي عصر السيادة الرومانية على مصر، فإن السودانيين رغم حروبهم مع جيرانهم الشماليين، ظلوا يتطورون بدون عوائق، "بطريقة مدهشة تمازجت الحضارة المصرية مع البربرية الأفريقية". قيم ريدر الحضارة المرَّوية بوصفها انحطاطاً تدريجياً للحضارة المصرية.

إن أكثر عرض دقيق موجز لتاريخ مملكة مروي، وتناول لاقتصادها، في المقام الأول التجارة، ظهر تقريباً في/أو قبل عمل بدج، وكان ذلك الموجز مضمن في عمل يتناول موضوعاً مختلفاً، كان ذلك هو عمل المؤرخ الروسي خفوستوف "التجارة الشرقية لمصر اليونانية- الرومانية" (10). يتناول المؤلف في الفصل الأول من الكتاب (ص. 4-75) التجارة النيلية في عصر البطالسة والرومان (حتى الدوديكاسخيونس، أي الإقليم الثاني عشر). ويتوقف خفوستوف لدراسة "السلع المصدرة من إثيوبيا النيلية الى مصر وبالعكس"، ويقدم "موجزاً لتاريخ إثيوبيا في العصر اليوناني - الروماني" ويتتبع في الخاتمة "تطور العلاقات التجارية مع إثيوبيا عبر النيل".

كتب خفوستوف :"قبل أن أنتقل الى عرض العلاقات التجارية لمصر اليونانية - الرومانية مع إثيوبيا والتروجليديت، أجد لزاماً علىَّ أن أعطي نبذة موجزة عن تاريخ البلدان الواقعة على النيل الىالجنوب من مصر وبين النيل والبحر الأحمر. مثل هذا الموجز ضروري لسببين: 1) نظراً لغياب موجز متماسك في الأدب المتخصص يتوافق مع أهدافنا (موجز لبسيوس وموجز ميوللر.. قصيران للغاية بالنسبة للعصر اليوناني - الروماني، مع ملاحظة أن الثاني منهما اتبع في الأساس نمطاً ترويجياً شعبياً)؛ 2) نظراً للكم الهائل من المسائل الخلافية، بخاصة فيما يتعلق بالعلاقات المتبادلة بين مصر وإثيوبيا" (ص. 13).

سمحت المعرفة الهائلة بالمصادر المكتوبة (حينها ما كانت المصادر المادية متوفرة) والأدب الخاص بالموضوع لـ خفوستوف بأن يبدع موجزاً رائعاً لتاريخ مملكة مروي، والتى يسمي سكانها بـ الإثيوبيين النيليين؛ والذين شكلوا، في اعتقاده، خليطاً خاصاً من العناصر الاثنية : زنوج، وبليميين، و"مرويين حاميين". أصل مملكة نبتة والأسرة الحاكمة فيها تركه خفوستوف مفتوحاً، أما التنظيم الحكومي فقد حدده، معتمداً على ميوللر، بوصفه نظاماً ثيوقراطياً، لكن خفوستوف يطرح النظام السياسي لمروي في العصر اليوناني - الروماني كنظام قائم بذاته. هنا تحديداً يظهر المؤلف قدرة عالية على الملاحظة والرؤية النقدية. الدولة، في نظره، لم تك واحدة، وتألفت من "عدد من الإمارات الصغيرة، القائمة في حالة تبعية لملك مروي". ويبدو ليّ،وهو ما سأبينه لاحقاً، أن خفوستوف لم يك بعيداً عن جوهر الحقيقة. كذلك يشدد المؤلف على وجود بقايا "للتركيبة الأمومية"، لكنه يتوصل الى استنتاج غير صحيح حول "غلبة عدد الملكات الكنداكة على الملوك". بصورة مقتضبة يحدد خفوستوف شكل الاقتصاد السائد. وبما أنه يعتقد بأن السودان القديم كان متخلفاً مقارنة بمصر، فإنه فسر إمكانية انتصار بيَّا بضعف بلاد الأهرام. يلفت انتباهه الدعم الذى وفره السودانيون للثورات في مصر العليا ضد البطالسة. يدرس خفوستوف بتفصيل العلاقات السودانية الرومانية. ويشير الى أن مروي انهارت في الغالب بفعل الضغط القوي لـ البليميين (لم تك مسلة ملك أكسوم عيزانا التى يسرد فيها حربه ضد مروي معروفة حينها) (). طبيعي، أن تاريخ العلاقات التجارية والذى تداخل مع العلاقات السياسية نال القدح المُعلى. تقود الاستنتاجات الى : في العصر الهلنستي كان الطريق التجاري الذى وصلت عبره السلع الترفية من أواسط أفريقيا هو النيل، وكانت مروي هى المورد الأساسي وهو ما أفضى الى ازدهار المملكة. لكنه مع تأسيس الإمبراطورية الرومانية بدء في تحويل الطرق التجارية الى البحر الأحمر مما أدى الى تقليل حجم التعامل التجاري مع مروي، الشئ الذى أفضى بالاضافة الى هجمات القبائل البربرية (المقصود البدو البليميين- أسامة) الى اضعاف رفاهية المملكة.

هكذا نجد أنه في كتاب خفوستوف وجد تاريخ مملكة مروي معالجة أكثر عمقاً مقارنة بالأعمال السابقة. لقد كان هو السباق الى طرح إشكالية تنظيم الدولة، واقتصادها، بخاصة التجارة. ولم يستقطب أي من السابقين له مثل هذا الكم الهائل من المصادر الذى تميز به كتابه.

ويشير خفوستوف الى أن "الزراعة والرعي كانا المصدران الأساسيان للثروة، لكن طرق القوافل الى البحر الأحمر، ومصر، ودواخل أفريقيا قامت هى الأخرى بدور في النماء الاقتصادي للبلاد، وكذلك أيضاً مناجم المعادن". كما وأن خفوستوف يلاحظ وجود بقايا "بدائية" بخاصة التركيب الأمومي.

في ذات المستوى يجوز عد كتاب مؤرخ روسي آخر هو توراييف "تاريخ الشرق القديم" (11) رغم أن هذا الأخير اتبع هدفاً مغايراً. كان توراييف هو أول من أدخل فصلين عن تاريخ نبتة ومروي في كتاب دراسي جامعي يعالج تاريخ حضارات الشرق القديم. والمؤسف أن هذا المبدأ الذى استنه توراييف يكاد يكون محصوراً اليوم في ذلك الكتاب سواء بالنسبة لروسيا أو أوروبا الغربية وأمريكا، أو بالنسبة للعالم العربي. ويكتب توراييف "إننا نعيش زمناً يتزايد فيه الاهتمام بماضي النوبة سواء في العصر المسيحي أو بخاصة في عصرها المتزامن مع مصر البطلمية - الرومانية".

يتابع توراييف تاريخ السودان القديم على امتداد اثني عشر قرناً في فصلين من كتابه الجامعي يتناول في الأول تاريخ مملكة نبتة، وفي الثاني تاريخ مملكة مروي (ص. 175-183 و 241-245). يشدد المؤلف منذ البداية على أن سكان السودان القديم كانوا مختلفين من حيث تركيبهم الاثني عن سكان مصر، كانوا "أشباه زنوج". خلافاً لكل السابقين له يعتقد توراييف "اثنوغرافياً توقفت الأسرة حتى عن أن تكون مصرية ... فقط القليل من الموظفين، والفنانين، كما أن بعض قليل من الكهنة في معبد نبتة كانوا من المصريين أو من السودانيين الذين تلقوا تعليماً مصرياً.."(ص. 175). السبب الكامن وراء الشخصية القتالية للسودانيين النوبيين هو ضيق وادي النيل، أي شح الأراضي الخصبة. بعد أن طردوا من مصر عن طريق الآشوريين، اضطروا للتوسع جنوباً. نتج عن ذلك "التوحش" لتظهر "دولة ذوي البشرة السوداء، يحكمها أشباه زنوج، مؤلفة من الزنوج التابعين والحاميين شبه المتوحشين، ومتشبثة ببقايا المدنية المصرية - ظاهرة غريبة للغاية في التاريخ". هنا يبدو واضحاً أن توراييف لم يتخط الرؤية العنصرية المميزة لسابقيه من العلماء الأوربيين.

خلافاً لمعظم العلماء المعاصرين له يتشكك توراييف في إمكانية مطابقة قمبيز بـ قمبيزودن المذكور في حوليات نستاسن. تناقض واضح يتجلى في إدعاء خفوستوف بـ "توحش" مروي من جانب وتقييمه العالي للفن من جانب ثان. يصف القصر في المصورات الصفراء بأنه أجمل المباني وأكثرها أصالة في هذا العالم الحضاري الأقصى جنوباً، وأن مشاهدة "صروح المعمار المرَّوي وأعمال النحت تقود الى الاستنتاج بظروف ملائمة للفنانين مصريين كانوا أم نوبيين" (ص. 243). وهكذا يبدو عدم اتساق توراييف في وصفه لحضارة مروي، شأنه شأن ميوللر وريدر.

هوامش

 للاطلاع على نص المسلة يمكن الرجوع الى موقع أركامانى

http://www.arkamani.org/vol_1/archae.../blacknuba.htm

المراجع

(1) Säve-Söderbergh T. 1941, Agypten und Nubien: Ein Beitrag zur Geschichte altdgyptischer Aussenpolitik. Lund: Ohlsson.

(2) Zeissl H. von 1944, Äthiopien und Assyrer in Ägypten. Beiträge zur Geschichte der ägyptischen “Spätzeit”, Gückstadt un Hamburg (<Ägyptologische Forschungen>, Hft 14).

(3) Monneret de Villard U. 1938, Storia della Nubia Cristiana, Roma (<Orientalia Christiana Analecta>, 118).

(4) Monneret de Villard U. 1941, La Nubia Romanam Roma (Publicazioni dell’Instituto per l’Oriente).

(5) Lesquier J. 1918, L’armée romaine d’Egypte d’Auguste à Dioclétien, Le Caire (MIFAO,t. 41).

(6) Trigger B.G. 1965, History and Settlement in Lower Nubia, Yale : Yale University Press.

(7) Garstang J. 1911, Meroë, the City of Ethiopians, Oxford, pp. 1-7.

(8) Crowfoot J.W. 1911, The Island of Meroe, London.

(9) Roeder G. 1912, Die Geschichte Nubiens und des Sudans, Klio, Bd 12.

(10) Хвостов М.М. 1924, История древнего Востока, Москова.

(11) Тураев Б.А., История древнего Востока тт.1-2, М-Л 1935













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
22-Nov-2006, 03:33 AM   رقم المشاركة : 3
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي

التركيب الريزنري

إذا حاولنا تحديد الاتجاهات الأساسية في دراسة تاريخ السودان القديم، التى سادت في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، أي في الفترة التى أخذت في الظهور فيها أولى التقارير الكاملة عن الأعمال الميدانية الجارية في منطقة السودان القديم، فإنه من الممكن ملاحظة تيارين مع مراعاة الأخذ بعين الحسبان كافة التذبذبات. ينظر التيار الأول الى تاريخ مملكة مروي بوصفه إعادة احياء منحطة للحضارة المصرية التى اقتبسها السودانيون والزنوج، غير القادرين على المحافظة على رقيها بسبب دونيتهم العرقية. ويرتبط هذا التيار الى حد كبير بالعلماء الألمان. ويرتبط التيار الثاني أكثر بالمؤرخين وعلماء الآثار الإنجليز، والأمريكيين، والى حد ما الفرنسيين. منطلقين من الوقائع، المتوصل إليها بمساعدة المصادر الوثائقية والمادية، فإنهم يلتزمون طرحاً براجماتياً للأحداث دون محاولة الوصول الى استنتاجات معممة، ويركزون على تدقيق الكرونولوجيا، والصلات الأسرية، والمسميات الجغرافية وما الى ذلك، وهو بدون شك أمر مطلوب ومفيد لكنه لا يمثل الهدف النهائي للبحث التاريخي. لكن علينا أن نذكر أن الالتزام بذلك المبدأ لم يكن بصورة مطلقة، ذلك أنه يمكن تلمس روح النزعة العنصرية في بعض الحالات هنا وهناك(). كثيراً ما يقود التحليل الموضوعي النقدي الصارم الى استنتاجات مفيدة. أثبت هذا التيار أنه الأكثر خصوبة. مع ذلك تقابلنا أعمال، تكون فيها استنتاجات المؤلفين بشأن الطابع العام لحضارة السودان القديم وتطورها مرتبطة ببعض الملاحظات الصحيحة. يتجلى ذلك بوضوح أكثر لدى ريزنر عندما يعمم نتائج اكتشافاته في كرمة وفي جبانات الملوك السودانيين، والتى حاول عن طريقها إعادة تركيب تاريخ السودان القديم في عصر الدولة الوسطى والمرحلة الانتقالية الثانية، وفي عصر مملكتي نبتة ومروي.

الصرحان الضخمان من الطوب غير المحروق في كرمة الذين أشار إليهما لبسيوس (1) والمسميان بالاسم المحلي "الدفوفة"، ويعني مفردها "دفي" في لغة المحس قرية محصنة، صار الأكبر منهما يعرف بـ "الدفوفة السفلى" وفي حالات بـ "الدفوفة الغربية" وهو الأقرب الى مدينة كرمة الحالية والى النهر. المبنى الثاني الأصغر يعرف باسم "الدفوفة العليا" أو بـ "الدفوفة الشرقية" يتوسط مدافن جبانة تبعد 3.5 كيلو متر عن النيل.

شأنه شأن كل الزوار الى المنطقة، لفتت الدفوفة السفلى نظر ريزنر بمجرد وصوله الى كرمة النُزل، ووصفها بأنها عبارة عن مبنى ضخم بقمة مسطحة مع جانبين يكادان أن يكونا عموديين، والمبنى في حالة تآكل بفعل العوامل الجوية، لكنه لازال يرتفع ليبلغ 19.3 متراً. محاطاً بأكوام من الأنقاض، يبدو المبنى في هيئة منصة مستطيلة تقطع عتبات سلالم كتلتها الى الأعلى. قياسات المبنى تبلغ 52.3 x 26.7 متراً في قاعدته. ولاحظ ريزنر أن الجدران تمت تقويتها في مستويات مختلفة باستخدام عوارض خشبية وضعت أفقياً في البناء من الآجر وهى، في اعتقاده، سمة مميزة لمثل هذا النوع من المباني المصرية الضخمة من الآجر في تحصينات الجندل الثاني، مع اعترافه بأن هذا النوع من المباني يختلف عن أي بناء معروف في مصر نفسها. دفع وجود بينة دالة على استخدام تقنيات البناء المصرية بـ ريزنر الى طرح افتراض بأن الدفوفة شيدت عن طريق مصريين. وقد زادت قناعته بفرضيته تلك نتيجة ما عثر عليه فى الأنقاض. فقد عثر في الأطلال القريبة من الدفوفة السفلى على أجزاء من جرار مصرية مصنوعة من الخزف والحجر، حمل بعضها أسماء فراعنة مصريين من فراعنة الدولة القديمة. ولاحظ أيضاً ذات الأجزاء من التماثيل الحجرية التى شاهدها لبسيوس. أرخ تلك بالأسرتين الثانية عشر والثالثة عشر. في واجهة الدفوفة الغربية، كشف ريزنر عن كوم مؤلف من مئات بقايا سدادات جرة وأختام من الطين، والتى أمنت خيوط ربطت في السابق الصناديق الخشبية. وبفضل أسلوبها والأسماء الملكية المحفوظة عليها تمكن ريزنر من تحديد انتمائيتها الى ملوك الهكسوس في شمال مصر (الأسرتين الخامسة عشر والسادسة عشر، حوالي 1668- 1570 ق.م.). يبدو أن السدادات والأختام تشير الى أن الناس هنا استوردوا سلعاً من الهكسوس. وتدلل طبقات من الرماد والفحم، وآثار حريق على الجدران وأخشاب محروقة لازالت تظهر في الطوب، أن الدفوفة والمنطقة المحيطة تم تدميرها بفعل حريق بعد فترة ليست بالطويلة في أعقاب وصول تلك السلع. تكهن ريزنر بالتالي بأن الموقع كان مركزاً تجارياً مصرياً قصياً في السودان وأن الدفوفة كانت قلعة مصرية صغيرة. كل ذلك تم تدميره، في اعتقاده، بفعل هجوم سوداني منسق في عهد الهكسوس (2).

على بعد ما يزيد قليلاً عن الثلاث كيلو مترات الى الشرق من موقع المدينة قامت جبانة قديمة صخمة. هنا، في حافة الصحراء، علَمت آلاف التلال المنخفضة الدائرية أو دوائر حجارة سوداء مواقع مدافن تكاد تصل الى الأفق. حتى قبل أن يبدأ في التنقيب، استطاع ريزنر أن يلاحظ اختلافات معتبرة في الأجزاء المختلفة من الجبانة. تجمعت المقابر الصغيرة في الطرف الشمالي؛ وفي الجزء الأوسط قامت مدافن كبيرة محاطة بمجموعة من المقابر الصغيرة؛ وفي الطرف الجنوبي، سادت المدافن الكبيرة. العديد من تلك المدافن الكبيرة بلغ قطر الواحدة منها ثلاثون متراً، وبلغ قطر أربعة منها حوالي المائة متر للمدفن. وسط تلك الجبانة الضخمة قامت الدفوفة العليا، المبنى الضخم الثاني في المدينة من الطوب غير المحروق، والذى وسمه ريزنر بـ "ك-2". وأماطت مجسات لاحقة اللثام عن أطلال لمبنى ثالث مشابه تآكل بفعل العوامل الجوية، ووسمه ريزنر بـ "ك 11". افترض ريزنر أن هذين المبنين كانا بمثابة معابد جنائزية شيدت لخدمة الاحتياجات الطقوسية للأفراد المهمين المقبورين في المدافن الأكبر.

في الكثير من السمات، ذكرت مدافن كرمة ريزنر بمقابر المجموعة الثالثة التى سبق له التنقيب فيها في الأطراف الشمالية للسودان القديم (أي ما يعرف حالياً بالنوبة السفلى). بعضها احتوى على نماذج متفرفة لما رأى فيه ريزنر نوعاً من فخار المجموعة الثالثة، بمخططاته المحفورة المملوءة بدهان أبيض، لكن حجم المدافن، ومرفقاتها الجنائزية الثرية، وعادات الدفن غير العادية كانت مختلفة تمام الاختلاف عما رآه من قبل، وكانت مختلفة كلياً عن تلك الموجودة في مصر.

دفن أهل كرمة موتاهم بطريقة جد مختلفة عما كان لدى المصريين. وضع الموتى في قبور حفرت في رمال الصحراء، وحفظت أجسادهم لا بفعل تحنيط وإنما بالجفاف الطبيعي. كانت أجساد الموتى وهم يرتدون أفضل ملابسهم، في وضع مقرفص على أحد جانبيه وكأنهم نيام، على جلود أبقار أو على عناقريب (مراقد) خشبية. ترافقهم ودائع من الجرار الفخارية للأكل والشرب، وقطع من اللحم، وممتلكاتهم الشخصية. خلافاً للمصريين لم يكتف أهل كرمة بأن يقبروا معهم نماذج حيوانات وخدم. كثيراً ما يرقد بجانب الميت قربان حيوان أو أكثر، بل واحتوت العديد من المقابر على قرابين بشرية. المدافن الأكبر التى تنتمي بوضوح لحكام محليين، ضمت أجساد عشرات أو في حالات مئات القرابين من النساء والأطفال والرجال بأسلحتهم. بعد الدفن تملأ الحفر بالرمال وتغطى بتلال كبيرة غير مرتفعة بحصى الصحراء.

ورغم أن المدافن والعادات الجنائزية في كرمة اختلفت اختلافاً بيناً عن تلك المعروفة في مصر، فإن المدافن الكبيرة في الجزء الجنوبي للجبانة احتوت على ثروة من السلع الترفية المصرية، بما في ذلك تماثيل مصرية. كذلك يبدو أن بعض عناصرها المعمارية وزخرفها مستقاة، فيما يبدو، من مصر، وكشفت أجزاء توابيت مصرية، قليلة للغاية، على الأقل عن أن القليل من الناس قبروا طبقاً للعادات المصرية الى حد ما. وتظهر عتبة باب اقيم في بوابة ك-2 (الدفوفة العليا) نحت قرص شمس مجنح، وهو رمز معتاد لإله الشمس المصري. وأطلق ريزنر على هذه الجزء الجنوبي للجبانة اسم "الجبانة المصرية" لاعتقاده بأن التماثيل المصرية التى تم الكشف عنها في المدافن الكبيرة كانت تماثيل للمقبورين فيها، رغم أن العادات الجنائزية التى تظهر فيها لم تك مطلقاً مصرية الطابع. أهمية خاصة بالنسبة لريزنر مثلتها مسلة مكسورة عثر عليها في الأنقاض بالقرب من ك-2، وهى مسلة تسجل ايصال استلام وقعه مسئول مصري باسم أنتف لعدد 35 ألف طوبة غير محروقة لبناء قصر يسمى "أسوار أمنمحات" في العام الثالث والثلاثين من حكم الفرعون أمنمحات الثالث (حوالي 1809 ق.م.). افترض ريزنر مباشرة أن هذه الوثيقة تسجل الاسم القديم لمدينة كرمة.

مدفن كرمة الأكبر حجماً والأكثر اتقاناً، ك-3، احتوى على تمثال مشظى لـ حب دجفا، وهو مسئول مصري مرموق في الفترة المبكرة للأسرة الثانية عشر، وتمثال أكبر حجماً لزوجته، سنوي. الشخصيتان معروفتان أصلاً من النقوش التى وجدت في مدفن فارغ شيد لهما في أسيوط بمصر (3). وبعد أن أقنع نفسه بأن كرمة كانت مركزاً تجارياً مصرياً محصناً، "أسوار أمنمحات" في السودان، استخلص رايزنر بأن حب دجفا، تاركاً مدفنه المصري غير مستخدم انتقل الى كرمة وتولى أمر المكان. وطرح ريزنر نظرية تقول أن حب دجفا بعد أن أشرف على تشييد الدفوفة السفلى، توفي في كرمة ودفن في ك-3 طبقاً للعادات السودانية مع حاشية قرابين من خدمه السودانيين وحريمه (4). كان التمثال الكبير لزوجته وهى في وضع جلوس وسط أجساد القرابين، بحالة جيدة. إن هذا التمثال واحد من أروع تماثيل المملكة الوسطى التى تم الكشف عنها ويوجد حالياً بمتحف بوسطن للفنون الجميلة.

العديد من الموضوعات التى اكتشفت في المدافن تم التعرف عليها بوصفها مصرية؛ أخرى لا نظائر مصرية لها. مراقد الدفن (العناقريب)، على سبيل المثال، كانت منحوتة وموصولة مثلها مثل تلك التى تم الكشف عنها في مصر، لكن معظمها زين بأشكال حيوانية وبطريقة غير معروفة في مصر. وأعجب ريزنر بصورة خاصة بفخار كرمة المصقول بجزئه الأعلى الأسود، والذى لا يشبه أي فخار نظير له. مع ذلك، فإن ريزنر بالنظر الى هذه المجاميع الهجينة استنتج بأن مبدعي هذه الحضارة كانوا مصريين، وهم الذين حفزوا الحرف السودانية ودفعوا بها الى الارتقاء الى مستويات غير مشهودة من الابداع (5).

طالما أن المسئول المصري حب دجفا معروف بأنه عاش في عهد سنوسرت الأول (حوالي 1971- 1928 ق.م.)، فإن ريزنر نسب المدفن ك-3 لتلك الفترة مقترحاً أن هذا المدفن، الأكثر ثراءً وسط المجموعة، كان هو الأقدم. كذلك افترض أن اسم أمنمحات في تسمية "أسوار أمنمحات" لا بدَّ وأن يكون والد سنوسرت، أمنمحات الأول (حوالي 1991- 1962 ق.م.). الجرار التى تحمل أسماء ملوك من الأسرة السادسة (2400- 2250 ق.م.) تشير، في رأي ريزنر، الى احتمال وجود جيب مصري هنا معاصر لتجار مصريين مثل حرخوف.

نسبة لنقصان حجم المدفن والثروة وعددية الموضوعات المصرية من الجنوب الى الشمال في الجبانة، اعتقد ريزنر بأن المصريين هجروا بالتدريج الموقع بعد الدولة الوسطى وسلموا السلطة لحكام سودانيين، وهؤلاء الأخيرين هم الذين قبروا في المدافن الشمالية. من وجهة نظر ريزنر، كانت المدافن الكبيرة في الطرف الجنوبي للجبانة هى الأقدم وهى ابداع للعبقرية المصرية؛ أما المدافن الأصغر والأشد فقراً في الطرف الشمالي للجبانة فهى اللاحقة وهى نتاج انحطاط سوداني مزعوم ومجرد صورة باهتة للمجد السابق (6). رغم قدراته الفائقة عالماً للآثار، فإن تحيزات القرن التاسع عشر الثقافية ونزعة المركزة المصرويولوجية، المميزة للعديد من الدارسين الأمريكيين والأوربيين في أيامه، عمته تماماً من استيعاب حقيقة ما اكتشفه.

حتى قبل نشر التقرير النهائي في عام 1923، وجه المعاصرون لـ ريزنر نقداً شديداً لبعض تفسيراته. في عام 1920، ذكر هرمان يونكر، الذى كان يجري تنقيباته الخاصة في الأطراف الشمالية للسودان القديم في الفترة 1910 الى 1912، بجلاء أن مدافن كرمة سودانية أصيلة شكلاً وطقوساً وأن كل ما هو مصري فيها من مواد لا بدَّ وأن تكون مستوردة. وراى بأن المدافن تنتمي لحكام سودانيين، ونبلائهم، وأسرهم، والذين كانت لهم صلة بالأفكار، والحرف، والمنتجات المصرية. كما عبر عن وجهة نظر تقول بأن الدفوفة السفلى من غير الممكن أن تكون قلعة مصرية، ذلك لأنها صغيرة للغاية وتقع بعيداً عن أقرب نقطة حدود مصرية في سمنة بما يجعل الدفاع عنها أمراً صعباً (7).

تلقي العديد من النصوص المصرية التى يعود تاريخها للدولة الوسطى بدورها شكاً فيما يتعلق بنظريات ريزنر. تكشف تلك النصوص أن مصريي تلك الفترة نظروا بوجل لفكرة الموت والدفن في بلد أجنبي (8). فعلى سبيل المثال، سجل تاجر مصري، اسمه سابني، في مقبرته في أسوان رحلته المحفوفة بالمخاطر الى جزء قصي في السودان للعثور على جثمان والده الذى كان هو الآخر تاجراً ومات هناك. كان هدف رحلته هو تحنيط الجثمان وإعادته الى مصر ليقبر في مدفن مناسب، وهو ما سيضمن لأبيه حياة أخرى هانئة. وقد تلقى سابني، نظير عمله هذا ونظير المنتجات السودانية القيمة التى جلبها معه للقصر الملكي، مدحاً لائقاً وتكريماً من الفرعون، احتمالاً بيبي الثاني.

نسبة لغياب معلومات جديدة عن كرمة في القرون التى أعقبت الحفريات، ونظراً للسمعة المهنية العالية التى اشتهر بها ريزنر، بقيت آراؤه حول كرمة سائدة. في عام 1941 نشر سيف سودربيرج إعادة تحليل حذرة لمادة كرمة وتعرف على بينات أثبتت بطلان بعض فرضيات ريزنر الأساسية ودعمت كلياً آراء يونكر. كشفت دراسة أعمق للمدفن الكبير ك-3، الذى اعتقد ريزنر بأنه خاص بـ حب دجفا المسئول المصري في عهد الأسرة الثانية عشر، عن أجزاء من تماثيل أخرى يرجع تاريخها للأسرة الثالثة عشر وخنفسانات مقدسة وأختام من فترة الهكسوس اللاحقة. أثبت ذلك ليس فقط أن المدفن لا يخص حب دجفا ولا أي من المصريين الذين تصورهم التماثيل، بل أيضاً أن المدفن أقدم من ذلك بما لا يقل عن قرنين. بكلمات أخرى، فإن التماثيل والجرار الحجرية والخزفية التى عُثر عليها في المدفن كانت، في رأي سودربيرج، موضوعات ترفية "تحف أثرية" تم اقتناؤها من قبل صاحب المدفن (9).

وفي محاولته إعادة تركيب تاريخ مملكتي نبتة ومروى، في المقام الأول سلسلة نسب الأسرة الحاكمة أو تواريخ بعض الملوك المتفرقين، افترض ريزنر، معتمداً على سلسلة من المقدمات، والتى اتضح حالياً عدم صحتها كلياً، أن الأسرة الخامسة والعشرين كانت ليبية الأصول. بالتالي فإنه أرجع مؤسسي مملكة نبتة الى أسلاف أجانب. من الناحية الموضوعية فإن ذلك يفضي الى ذات فرضية ماسبيرو التى تقول بأن الأسرة الخامسة والعشرين تأصلت من كهنة طيبة، أي، نفي إمكانية السودانيين في أن يؤسسوا باستقلال دولة. الحق أن ريزنر ودنهام ابتعدا عن الادعاء بدونية السودانيين. ويلاحظ ريزنر أن الملوك الجالسين بعيداً الى الجنوب في عرش نبتة تمكنوا من الدخول الى مسرح السياسة الدولية. ويشير الى أن صراع الملوك السودانيين مع ملوك آشور انتهى بهزيمة السودانيين، لكنه لا يقدم الأسباب التى أدت الى الهزيمة. يكتفي ريزنر بالملاحظات البلاغية "كانت فترة امبراطورية الإثيوبيين الليبيين سريعة الزوال - فقط 80 سنة، إلا أن طابع هذه الأسرة العظيمة تطور غالباً بفضل الاخفاقات أكثر منه بفضل النجاحات". هذا "الطابع" ظل باقياً على مدى 800 عام هى عمر مملكة مروي. تتخفي في مثل هذه المعالجة المثالية الفكرة ذاتها التى عبرت عنها مواقف العلماء الألمان. هكذا، يقود التناول "الوقائعي"، المعتمد على مقدمات خاطئة، مقروناً بمنهجية مثالية، الى استنتاجات مسبقة. انتقال العاصمة جنوباً الى مروي نتج عن الوضع الاقتصادي الأفضل "لجزيرة مروي". كانت مروي إثيوبية، لا مصرية مثل نبتة، وفي النهاية تمكنت هذه المنطقة من ضم كل السودان. أهمية السودان القديم، في نظر ريزنر، تكمن في كونه كان بمثابة مركز عبور أمامي للحضارة المصرية الى أواسط أفريقيا التى تقطنها "كتلة خاملة من الأجناس السوداء". مع مرور الوقت تبدأ عملية انحطاط الحضارة المصرية، والتى يفسرها بالتمازج مع عناصر اثنية سوداء البشرة، غير قادرة على "ابداع دوافع في الفن والعلم والدين".

هائلاً كان فضل ريزنر في مجال تركيب كرونولوجيا نسبية ومطلقة لـ نبتة ومروي. المخطط الكرونولوجي الذى اقترحه لازال معترفاً به في الوقت الراهن مع ادخال بعض التعديلات الأساسية. اتضح خطأ تأكيداته بأنه على امتداد فترة محددة تزامنت أسر متوازية في العاصمتين. بالطبع فإن ريزنر بوصفه متخصصاً في علم الآثار لا مؤرخاً شدد اهتمامه على طابع الصروح المعمارية، والفن، والحضارة المادية. لكن تظل محدودة معالجته للظواهر التاريخية وتفسير أسبابها.

هوامش

 على سبيل المثال نقرأ في المقدمة التى كتبت للتقرير عن أعمال التنقيب في اريكا، "أنه لم يحدث للشعوب الزنجية أن حافظت على سيادتها لفترة طويلة في بلدان شمال أفريقيا وأنه عادة ما تكون السيادة لأعراق شمال أفريقيا البيضاء، الذين يحتلون سواحل البحر الأبيض المتوسط ويرجعون الزنوج الى موطنهم في الغابات. عندما "تنامت بالصدفة الإمبراطورية السوداء قصيرة الأجل وغير المستقرة (يقصد مملكة مروي- أسامة) ومدت حدودها حتى البحر الأبيض المتوسط، فإنها دحرت في نهاية المطاف وأبعدت في كل الاتجاهات" (انظر المراجع Randall-MacIver 1909: 2).

المراجع


(1) Lepsius, R. 1853, Discoveries in Egypt, Ethiopia, and the Peninsula of Sinai. London: Bentley, pp. 233-234. See also Reisner G.A. 1923, Excavations at Kerma, Parts 1-3. Vol. 5 of Harvard African Studies. Cambridge, Mass.: Harvard University Press, pp.14-18.

(2) Reisner G.A. 1914, ‘New Acquisitions of the Egyptian Department: A Garrison Which Held the Northern Sudan in the Hyksos Period, about 1700 B.C.’ Bulletin of the Museum of Fine Arts 12(69):9-24. id., Op.Cit. 1923, pp.21040.

(3) Reisner G.A. 1918, ‘The Tomb of Hepzefa, Nomarch of Siut’. Journal of Egyptian Archaeology 5:79-98.

(4) Reisner G.A. 1923, Excavations at Kerma, Parts 4-5. Vol. 6 of Harvard African Studies. Cambridge, Mass.: Harvard University Press, pp. 554-559.

(5) Ibid.

(6) Ibid.

(7) Junker H. 1920, Bericht uber die Grabungen der Akademie der Wissenschaften in Wien auf den Friedhofen von El-Kubanieh-Nord, 1910-1911. Vienna: Akademie der Wissenschaften in Wien, Philosophischhistorische Klasse. Denkschriften 64(3), pp. 18-26.; id. 1921 Der nubische Ursprung der sogenannten Tell el-Jahudiye Vasen. Vienna: Akademie der Wissenschaften in Wien, Philosophischhistorische Klasse. Sitzungsbericht 198(3), pp.94-105; id. 1932, "Bemerkungen zur Kerma-Kunst." Studies in Honor of F. L. Griffith. London: Egypt Exploration Society.

(8) Breasted, J. H. 1906, Ancient Records of Egypt, vol. I, Chicago: University of Chicago Press, p. 163; Lichtheim M. 1973, Ancient Egyptian Literature. Vol. 1, The Old and Middle Kingdoms. Berkeley: University of California Press, pp.229-30.

(9) Säve-Söderbergh T. 1941, Agypten und Nubien: Ein Beitrag zur Geschichte altdgyptischer Aussenpolitik. Lund: Ohlsson, pp. 103-116.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
22-Nov-2006, 03:36 AM   رقم المشاركة : 4
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي

نقد التركيب الريزنري

في كتاب كامرير عن تاريخ أبيسينا، اتبع المؤلف خطى ريزنر في إعادة تركيب تاريخ مملكة مروي التى خصص لها فصلاً من الكتاب (1). واضح أن كامرير درس المصادر والأدب الخاص بالموضوع. الشئ نفسه يمكن قوله عن كتاب ماك مايكل "تاريخ العرب في السودان" والذى جاءت مقدمته متبعة خطى ريزنر حرفياً فيما يتعلق بحضارة مروي(2).

تقريباً في الوقت نفسه جدد بدج عودته للكتابة عن تاريخ السودان القديم (3). يفترض بدج في مؤلفه الجديد بأن كهنة طيبة انتقلوا، تحت ضغط الليبيين، الى نبتة، حيث خلقت لهم السياسة السابقة لفراعنة الدولة الحديثة ظروفاً مريحة، وحيث وجدوا "ترحيباً من الشعب". تزوج الكهنة من نساء سودانيات وثبتوا بالتالي وضعهم. وهم الذين أدخلوا في أذهان السودانيين أن حدود بلادهم تمتد في الشمال الى 300-350 كيلو متر جنوبي منف. يرجع نسب الأسرة الخامسة والعشرين الى "أمير سوداني اسمه كاشتا، المتزوج من امرأة مصرية"، ويعود نسبه، احتمالاً الى ابن حريحور. كل تلك الافتراضات يطرحها بدج بدون اشارة الى حقائق أو مصادر. لا يختلف هذا الطرح عما أورده بدج في أعماله السابقة، فقط يضيف وصفاً مختصراً لأعمال التنقيب في مروي التى أجراها جارستانج وسايس، وقائمة بأسماء ملوك مروي وسنوات حكمهم، والتى سبق أن أوردها ريزنر.

لكن والحق يقال لم يتفق الجميع مع ريزنر في استنتاجاته بخاصة فيما يتعلق بأصول مملكة نبتة. هكذا، على سبيل المثال، استمر ادوارد ميير في دراسة له بعد زمن قصير من صدور تقرير ريزنر، وكذلك في الطبعة الجديدة لكتابه "تاريخ القدم" (4) في التأكيد على أن مؤسسي الأسرة الخامسة والعشرين المنشئين للدولة السودانية كانوا من كهنة طيبة وأحفادهم. قوى هذا حجج نظريته القائلة بوجود أشكال إدارة ثيوقراطية في كل من طيبة ونبتة. الى حد ما تقوم نظريته على علاقة السودانيين بعبادة الشمس.

عاد كيز أكثر من مرة لمسألة أصول مملكة نبتة والأسرة الحاكمة هناك، وتركها مفتوحة للنقاش، معتقداً بأن فرضية ريزنر وكذلك فرضية ميير تتكئان على "شواهد ضعيفة" وأن الفرضيتين بصفة عامة غير محتملتين (5). إن بيَّا وخلفائه لا يمكن بحال عدهم زنوجاً. انهم حاميون. السمات الزنجية تأخذ في الظهور فقط في الفن المرَّوي. أصبح السودانيون ورثة فكرة الثيوقراطية الطيبية، حرب ملوك الأسرة الخامسة والعشرين الأوائل مع حكام مصر السفلى كانت نتاج احتجاج أرثوذوكسي من قبل مريدي عبادة آمون القديمة ضد عبادة الآلهة المحلية المتسربة من سوريا وفلسطين. أدى نقل مركز الدولة فيما بعد الى الجنوب وضعف الصلات بالحضارة المصرية الى التوحش. ومع ذلك تأخذ النزعة الوطنية في الظهور في الكتابة، واللغة، والفن. تنبع أهمية نبتة من موقعها على طرق القوافل التى تقود الى أفريقيا الاستوائية. ويقدم كييز وصفاً مشوشاً وخاطئاً لمملكة نبتة على أساس مثالي. لا يتعرض الكتاب إلا بصورة عرضية للعلاقات التجارية.

من الطبيعي أن يؤدي اندلاع الحرب العالمية الثانية الى عرقلة صدور أعمال منشورة في مجال تاريخ السودان القديم. لكنه وبمجرد أن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأنا نلحظ تقدم واضح في هذا المجال. أدت التقارير التى نُشرت في الثلاثينات من القرن العشرين عن أعمال الاستكشاف الآثاري، وفيما بعد الظهور الى دائرة الضوء أعمال ضخمة مثل "معابد كوة" و "مدافن كوش الملكية" الى إعادة نظر وتأمل نقدي.

قبل العام 1953 كانت كل المواد ذات الصلة بتاريخ السودان القديم تنشر على صفحات المجلات المصريولوجية المتخصصة، أو من فترة لفترة، في مجلات تاريخية عامة. بدءاً من عام 1953 بدأت مصلحة الآثار السودانية في اصدار مجلة كوش المتخصصة. وأخذ في التزايد كم المجلدات سنوياً، وفي التنامي حجم المواد المنشورة فيها. ومع أن كوش ظلت مجلة صادرة عن مؤسسة حكومية سودانية إلا أنها جسدت منبراًَ عالمياً ينشر فيه العلماء السودانيون، والبريطانيون، والفرنسيون، والألمان، والايطاليون، والاسبان، والنمساويون، والسويديون، والأمريكيون، والكنديون تقارير أعمالهم الميدانية، ونشر بعض الآثار المتفرقة، والدراسات التى تتناول إشكاليات التاريخ السياسي، والكرونولوجيا، والجغرافيا التاريخية، واللسانيات.

أهمية كبيرة تحتلها التقارير الضخمة لحفريات ريزنر في المدافن الملكية في نبتة ومروي وحفريات جريفيث في كوة والتى تم تجهيزها بعد وفاتهما من قبل كل من دنهام وليمنج مكادم. وأثناء عملية تجهيز التقارير نشر دنهام في عام 1946 مقالاً (6) أدخل فيه سلسلة من التصويبات والتدقيقات على الجدول الكرونولوجي الذى ركبه ريزنر. لاحقاً قام دنهام بإعادة صياغة وتصحيح هذه الكرونولوجيا في جهد مشترك مع ليمنج مكادم، مضيفين إليها سلسلة نسب ملوك نبتة ومروي (7). هذه الكرونولوجيا، مع بعض التعديلات، لازالت معتمدة الى حد بعيد. واقترح دنهام استخدام اسم البلاد القديم كوش تجنباً للتشويش.

النقوش من كوة التى نشرها ليمنج مكادام، كما أشرت، وسعت الى حد بعيد المعلومات الشحيحة عن الأوضاع الداخلية في السودان القديم. في تعقيبات على تلك النقوش، وفي وصفه لأعمال التنقيب في معابد جم آتون (كوة) توقف مكادام لمعالجة بعض إشكالات الجغرافيا التاريخية للبلاد (). وفي بحث سونيرون ويوته الرائع والمشحون بالوثائق (8) يتم طرح هذه الاشكالات نفسها والمرتبطة بحملة بسامتيك الثاني الى السودان. يتوقف المؤلفان بتفصيل لمعالجة العلاقات بين مصر والسودان في واحدة من المراحل التى لم تصلنا منها أية أخبار، ويفسران لماذا بقيت في المخيلة الشعبية المصرية ذكرى طيبة عن ملوك الأسرة الخامسة والعشرين (9). ويثبت المؤلفان أن ملوك السودان حملوا اللقب "كور kûr"، الذى يتطابق مع "كرى qere" المروي. ويرى المؤلفان أن حملة بسامتيك الثاني في عام 591 ق.م. قد تكون حفزت مسألة نقل العاصمة من نبتة الى مروي.

وقد حفزت المعطيات الجديدة في عام 1955 آركل لوضع كتابه "تاريخ السودان منذ أقدم الفترات حتى 1821" (10)، أي حتى حملة محمد على وبداية الاستعمار التركي-المصري للسودان. في عام 1961 أعيد طبع الكتاب مع ادخال تدقيقات فرضها صدور عمل ساونيرون ويوته المشار إليه في الفقرة السابقة، وكذلك أبحاث كل من دنهام، وهنتزا في مجال الكرونولوجيا. استقبل عمل آركل بترحاب ووجد تقبلاً عاماً وسط العلماء (). من بين الـ 225 صفحة التى يتألف منها الكتاب كُرست حوالي 175 منها لتاريخ السودان القديم، أي أكثر من ثلاثة أرباعه.

لا بدَّ من اعطاء المؤلف حقه، فقد تمكن آركل، بطريقة مهنية عالية، من تلخيص كل ما توصل إليه العلم حتى لحظة صدور مؤلفه، واستخدم أبحاثة الآثارية والاثنوغرافية الخاصة. كان دنهام وكذلك أديسون قد أشارا الى خطأ نظرية الأصل الليبي لأسرة نبتة، وكذلك خطل نظرية العلماء الألمان الذين حاولوا ارجاع أصل هذه الأسرة الى كهنة طيبة المصريين. أشار آركل محقاً عن طريق إعادة تحليل الفرضيتين ونقدهما الى أن جذور أصل الدولة في السودان القديم ترجع الى حضارة كرمة المحلية.

اهتمام خاص في كتاب آركل وجه الى وصف المركبات المعمارية والصروح الهامة، وعرض براجماتي لأحداث السياسة الخارجية، وهى المعروفة بصورة أفضل طالما أنها وجدت انعكاساً لها في النقوش وفي مؤلفات المؤرخين والجغرافيين اليونان والرومان القدماء، والى تحديد التسلسل الكرونولوجي وما الى ذلك. لتفسير بعض الظواهر المتفرقة، مثل ازدهار مروي أو نهايتها،يلجأ آركل الى جانب الإشارة الى أسباب مرتبطة بالسياسة الخارجية أيضاً الى العناصر الاقتصادية،التى تسببت في اضعاف نبتة، أو في أزمة مملكة مروي. في ما يتعلق بالمسائل الأخرى يكتفي المؤلف بتقديم الوقائع، محاولاً في حالات تبيان جوهرها، ويبدو ليَّ أنني قد لا أتفق مع عدد من التفسيرات التى يقدمها. فمثلاً، يرى آركل، أن "نهاية البيت المالك المتمصر في نبتة" نتجت عن فقدان الصلة بالعالم الخارجي وتوقف تدفق الأفكار الجديدة؛ بعد ذلك بدأت البلاد في الانحطاط تدريجياً مقارنة بالماضي التليد. هنا يبدو أن آركل لم يلحظ أصالة حضارة مملكة مروي التى ازدهرت في القرون الأخيرة السابقة للميلاد. مع ذلك يجب الاتفاق مع التقييم العالي الذى ناله كتابه: ففيه لخصت كل المعلومات الأساسية الخاصة بتاريخ السودان القديم المتحصل عليها حتى بداية الستينات من القرن العشرين الماضي.

في وقت متزامن مع صدور طبعة كتاب آركل الثانية ظهرت دراسات في تاريخ السودان للمؤرخ فون بكراث، الأشبه من حيث أسلوب طرحها بالموسوعة (11). مؤلف هذه الدراسات أقل استقلالية، لكنه يمتلك معرفة جيدة بالأدب الخاص بالموضوع. يعدد بصورة مختصرة وقائع التاريخ السياسي للبلاد، من دون أن يتوقف لا لرؤية الأسباب ولا لنتائجها. من هنا فإن هذا العمل يمكن أن يخدم دليلاً لا أكثر.

أخيراً ظهر في عام 1967 الكتاب الأول المكرس خصيصاً لمملكة مروي وحضارتها والذى وضعه بيتر شيني (12). أجرى شيني أعمال ميدانية عديدة في السودان، وله العديد من الأبحاث في تاريخ السودان وآثاره. يحاول شيني، في كتابه الموجه لغير المتخصصين، أن يعطي "صورة عامة عما هو معروف لنا حتى اللحظة (صدور كتابه) عن هذا الجزء الساحر والهام من أفريقيا وعن لحظات تاريخه الحرجة". على الرغم من أن، كما يكتب شيني في مقدمة الكتاب، ظهور كتاب جامع عن مروي يمثل ضرورة فإن اكماله يحتاج الى وقت أطول. لذلك فإن شيني، آخذاً في الحسبان أهمية الاكتشافات في السنوات الأخيرة لصدور كتابه والتى تقدم اجابات عن بعض المسائل، يكتفي بتقديم النتائج المبدئية، مهملاً الوقائع الثانوية والمجادلات التفصيلية.

لا شك أن هذا الكتاب غير الكبير حجماً يقدم بطريقة مضغوطة وواضحة الوقائع الأساسية عن مملكة مروي، والموثوقة علمياً حتى لحظة صدوره. ففيه يتم بطريقة منتظمة طرح أهم قضايا التاريخ السياسي، وتعالج مسائل الكرونولوجيا، ويُقدم وصف للصروح المعمارية الأساسية (المعابد، والمدن، والمدافن)، ويتم عرض الثقافة المادية وتحديد سماتها، وتعالج النظريات المرتبطة بأصل اللغة المرَّوية وفك رموزها، ويتم الحديث عن المعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية المرَّوية. وفي الخاتمة تعالج واحدة من أشد مسائل إشكالات تاريخ أفريقيا القديم الساخنة - مسألة صلة حضارة مروي مع حضارات القارة الأخرى. تجنب الكتاب الجوانب المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي الاقتصادي وبنية جهاز الدولة، والتى كما سنرى، تشكل النقاط الأساسية لتحديد طبيعة المجتمع المرَّوي والتى حددت سيرورته التاريخية وفق ما سنجده لاحقاً في كتابات ايسيدور سافتش كاتسنلسون. طبيعة الطرح الذى قدمه شينى براجماتية للغاية. في حالات يقدم نتائج أبحاثه الخاصة، في المقام الأول تلك المتعلقة بالسنوات الأخيرة لوجود مروي. وفي حالات يضم صوته لآراء بعض العلماء الآخرين الذين لم تكن نظرياتهم على درجة من الصحة، على سبيل المثال مطابقة خبابش بـ قمبيز، ووجود أسرة مرَّوية أولى في نبتة، والنظرية التى تقول بأنه حتى وصول نستاسن الى العرش منذ لحظة نشوء مملكة نبتة حكم خمسة وأربعون ملكاً الخ.

ويشير شيني محقاً الى خطأ تحديد حضارة مروي بوصفها حضارة ريفية بربرية لا تتعدى تقليداً للحضارة المصرية، ولم تقدم اسهاماً للحضارة الإنسانية. يحدد المؤلف هدفاً يسعى الى اثبات خطأ مثل هذه الادعاءات، والى تبيان أن الحضارة المرَّوية هى حضارة أصيلة تركت تأثيرها على تطور الفكر والحضارة المادية لأفريقيا. من ثم أقول بأن كتاب شيني يمثل ظاهرة تقدمية في التدوين التاريخي الأوربي لحضارة السودان القديم، وهو من هذا المنطلق يشهد على تطور في رؤى المؤرخين الأوروبيين والأمريكيين.

في عام 1963 أشار جادالله للمهام الأساسية التى تواجه الباحثين في تاريخ نبتة ومروي، ولخص الوضع المعرفي، تحديداً وجهات النظر الخاصة بنقاط بعينها. وأرفق بمقاله قائمة ببليوغرافية موجزة (13). السمة المميزة هى العبارة التى وردت في مقدمة مقاله "كما هو واضح من الأدب الكلاسيكي ومن الاكتشافات الآثارية الأخيرة، كانت مملكة مروي مرحلة مهمة وناصعة من تاريخ السودان الطويل، حتى بعد اختمار الازدهار استوعبت الحضارة الجديدة العناصر القادمة من مختلف الاتجاهات". ويشير المؤلف الى أن ازدهار مروي يعود الى أسباب اقتصادية، وأن حملة بسامتيك الثاني الى السودان في 591 ق.م. كانت حافزاً أدى الى نقل العاصمة. ويطرح جادالله المفاهيم الأساسية بشأن الكرونولوجيا وتاريخ تحول مروي الى عاصمة، ويتوقف أخيراً لمناقشة أسباب انهيار مملكة مروي وتحديد تاريخ الانهيار، وهو انهيار يرى جادالله أنه نتج بفعل هجوم خارجي بالاضافة الى الجفاف وما ترتب عليه من شح في المراعي.

وتزامن صدور عمل تريجر (14) مع عمل كورتو "النوبة: قصة حضارة رائعة" باللغة الإيطالية (15)، وكرس العملان للأطراف الشمالية للسودان. يتبع مؤلف العمل الأول هدفاً محصوراً وضيقاً بحيث أن الكتاب أصبح موجهاً للمتخصصين. فالمؤلف يحاول تتبع التغير في طابع الاقامة في هذه المنطقة من السودان القديم (أي تحديداً ما يسمى بالنوبة السفلى) بدءاً من الألفية الرابعة ق.م. حتى قدوم العرب في القرن الثاني عشر الميلادي. وفي رأيه أن الأطراف الشمالية للسودان القديم تقدم نموذجاً يسمح بتتبع النمو السكاني وهو ما ينعكس بالطبع على شكل الاقامة والمساكن. مثل هذه الإمكانية توفرها المصادر الكتابية والمخلفات الآثارية المادية، التى وصلت إلينا من الثقافات التى أعقب بعضها البعض على امتداد فترات طويلة. يرى تريجر بأن العناصر التى تحدد هذه أو تلك من التغيرات في حياة السكان، والتى تؤثر أيضاً على نموهم أو العكس على تناقصهم، تنحصر الى جانب التحولات في الظروف المناخية في تطور القوى المنتجة. على سبيل المثال سمح ادخال الساقية بتوسيع الرقعة المزروعة في القرن الأول ق.م.، بالتالي، أعطي إمكانية اطعام حجم أكبر من الناس (ص. 123). جمعت في الفصول الأولى معلومات معممة قيمة عن طبيعة المنطقة وسكانها، واقتصادها، وبخاصة الايكولوجيا التى حظيت بالاهتمام الأكبر. مملكتا نبتة ومروي خصص لهما تريجر عدداً من أقسام الكتاب (ص. 117-131) تتبع من خلالها التاريخ السياسي، وتناول بالدراسة حضارة الأجزاء البطلمية - الرومانية والمرَّوية من الأطراف الشمالية للسودان القديم، وسمات الاقامة وخصائصها في كل جزء من تلك الأجزاء. تعطي الجداول الارشادية التى ركبها تريجر وتحتوي على معلومات عن كل موقع اقامة في المنطقة في الفترات التاريخية المختلفة، وأيضاً الجداول التى أورد فيها تعداد السكان في العصور المختلفة الكتاب أهمية كبيرة. بعض آراء تريجر قد تكون عرضة للمجادلة، بخاصة في الأقسام المكرسة لتاريخ السودان القديم، حيث يعتمد فيها أساساً على أعمال وآراء مؤرخين آخرين هي بدورها عرضة للنقاش. إلا أن المادة الوقائعية الضخمة التى جمعها تريجر، وبخاصة الاستنتاجات التى توصل إليها بشأن عدد من السمات المميزة لتطور الأطراف الشمالية للسودان القديم، تجعل من كتابه هذا مرجعاً قيماً، رغم أنه أهمل كلياً المسائل الخاصة بالتاريخ الاجتماعي مشيراً الى أن المصادر لا تعينه في تركيب هذا التاريخ بالتحديد.

فيما يتعلق بالدليل الذى وضعه كورتو - مدير متحف تورنتو، فإنه يعرض بطريقة شعبيه لغير المتخصصين نبذة عن تاريخ السودان القديم مصحوبة بكم كبير من الصور والجداول الرائعة. يلاحظ أن المؤلف تبنى في سرده للتاريخ السياسي وأحداث السياسة الخارجية العديد من وجهات النظر التى شاخت وأصبحت غير مقبولة الآن. فعلى سبيل المثال يلتزم بالنظرية الخاصة بالأصل الطيبى الكهنوتي لملوك الأسرة الخامسة والعشرين بفعل هجرة كهنة طيبة بعد السيطرة الليبية على مصر الى نبتة. كذلك كانت الطبقة السائدة في مجتمع نبتة، في رأيه، من أصل ليبي؛ وارتبط انتقال العاصمة الى مروي في رؤيته فقط بحملة ببسامتيك الثانى وبحملة قمبيز، ولا يربط ذلك الانتقال بحال بالظروف الاقتصادية. فوق ذلك يفترض كورتو بأن أسرة مستقلة ظلت تحكم في نبتة انتهت فقط بـ نستاسن، وأن الوحدة، التى كانت مع ذلك مؤقتة، تم انجازها فقط في عهد أركامانى، وأصبحت مروي مركزاً حضارياً فقط في القرن الثالث ق.م.. التقسيم المرحلي لتاريخ مملكة نبتة - مروي يقيمه كورتو على أساس التقسيم المرحلي لتاريخ مصر. في الوقت نفسه يعترف المؤلف بالأهمية الكبيرة للحضارة المرَّوية التى قامت بدور مهم في تطور شعوب أفريقيا، كما ويشير الى القدرات العسكرية والسياسية والإدارية لحكامها.

هوامش

 للاضافات والتعديلات انظر العرض الشامل والمثير الذى كتبه كل من ليكلا ويوته على عمل مكادام (انظر المراجع Leclant and Joyotte 1952, pp. 1-39).

 انظر عرض ليكلا للكتاب في العدد الخامس من مجلة كوش Kush، 1957، الصفحات 93-102؛ وعرض بيتر شيني في مجلة السودان في مدونات Sudan Notes and Records المجلد 36، 1955، الصفحات 198-200؛ وتعقيب دنهام في Journal of North Eastern Studies رقم 3، 1957، الصفحات 211-213؛ وتعقيب اديسون في مجلة Antiquity الرقم 117، 1956، الصفحات 60-61.

المراجع

(1) Kammerer A. 1926, Essai sur l’histoire antique d’Abyssinie, Paris, pp. 67-83.

(2) MacMichael H.A. 1922, A History of the Arabs in the Sudan, vol. I, Cambridge, p. 23.

(3) Budge E.A.W. 1928, A History of Ethiopia, Nubia and Abyssinia, Vol. I, London.

(4) Meyer Ed. 1931, Geschichte des Altertums, Bd 2, Abt. 2, Stuttgart, p. 52.

(5) Kees H. 1953, Das Priestertum im ägyptischen Staat von Neuen Reich bis zur Spätzeit, Leiden-Köln, pp. 264-65.

(6) Dunham D. 1946, ‘Notes on the History of Kush, 850 BC.- 350 AD’. American Journal of Archaeology, vol. 50, No. 3, pp. 378-388.

(7) Dunham D. and M.F. Laming-Macadam 1949, ‘Names and Relationship of the Royal Family of Napata’, Journal of Egyptian Archaeology, vol. 35, pp. 139-149.

(8) Sauneron S. and J.Yoyotte 1952, La campagne nubienne de Psammetique II et sa signification historique', BIFAO, t.50, pp. 157-207.

(9) Yoyotte J. 1951, ‘Le martelage des noms royaux ethiopiens par Psammétique II’, Revue d’égyptologie, t.8, pp. 139-215.

(10) Arkell A.J. 1961, A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London.

(11) Beckerath J. von. 1961, Nubien, <<Oldenburgs Abriss der Weltgeschichte. Abriss der Geschichtw antiker Randkukturen>>, herausg. Von W.D. von Barlöwen, Munchen.

(12) Shinnie, P L. 1967, Meroe: A Civilization of the Sudan. New York: Praeger.

(13) Gadallah F.F 1963, ‘Meroitic Problems, and a Comprehensive Meroitic Bibliography’, Kush, vol. 11, pp. 196-216.

(14) Trigger B.G. 1965, History and Settlement in Lower Nubia, Yale : Yale University Press.

(15) Curto S. 1965, Nubia, Storia di una civilità favolosa, Novara.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
22-Nov-2006, 03:42 AM   رقم المشاركة : 5
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي

مولد علم الآثار السودانوية

في عام 1970 يشهد التدوين التاريخي للسودان القديم، تحديداً عصر نبتة - مروي، نقلة جديدة دشنها ظهور كتاب "نبتة - مروي مملكتا السودان القديم" للمؤرخ الروسي ايسيدور سافتش كاتسنلسون (1). يحاول المؤلف تتبع التاريخ الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي لمملكتي نبتة ومروي على امتداد فترة وجودهما، ويسعى الى تحديد طبيعة بنية جهاز الدولة فيهما. ويشير كاتسنلسون الى أن وضع المصادر لا يسمح له في الوقت الحالي، أي تاريخ الانتهاء من مخطوطة الكتاب في عام 1966، بمعالجة تاريخ التطور الحضاري للملكتين. ويقول بأن هذا الجانب الذى يمثل حقلاً لازال بعيداً عن الدراسة الشاملة، يحتاج الى جهود مكثفة لباحثين متخصصين في حقول معرفية متعددة. كذلك يستبعد المؤلف معالجة العلاقات المتبادلة بين الحضارة المرَّوية وبين الحضارات الأفريقية، مع تأكيده على أن هذه المسألة لا بدَّ وأن تنال القدح المعلى في البحث المستقبلي. "لا توجد بينة كافية يتكأ عليها في الوصول الى استنتاجات محددة في هذا الخصوص. قد يصبح ذلك ممكناً في القريب العاجل بفعل أعمال التنقيب التى بدأت في إثيوبيا والمناطق المجاورة.، ومن خلال تطوير ملموس لجمع وتحليل فولكلور الشعوب والقبائل التى تعيش هناك الآن وتحليله". أخيراً فإن المؤلف يقول بأن كتابه يسعى في المقام الأول لمعالجة إشكاليات التطور التاريخي لمملكتي نبتة ومروي مع بذل محاولة لتحديد طبيعة خصائص المملكتين، بالتالي مكانتهما في تاريخ العالم القديم، و"لا يجدر البحث في الكتاب عن دراسات مفصلة لجزئيات متفرقة، أو تناول لقضايا إشكالية مثل قضية التركيب الاثني، أو الكرونولوجيا، أو الجغرافيا التاريخية".

يبرر المؤلف محدودية خطة الكتاب بشح المصادر ومحدوديتها. لهذا فقد انحصر الهدف المعلن للكتاب في دراسة الخصائص العامة للاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، وبنية الدولة. وحيثما كان ممكناً، يلتفت المؤلف الى التغيرات التى تصيب بنية الدولة أو مجال الاقتصاد، والتى يمكن تحديدها عن طريق دراسة الآثار الكتابية والمادية. ويشير المؤلف الى أن عمله سوف يحتاج الى ادخال الكثير من التدقيقات والاضافات.

يعتقد كاتسنلسون بأنه من الجائز طرح افتراض يقول بأن اقتصاد مملكتي نبتة ومروي كان يمر بالمرحلة من التطور نفسها التى ميزت اقتصاديات الدويلات العبودية المبكرة في الشرق. بالطبع وجدت بعض الاختلافات، التى ارتبطت جزئياً بحقيقة أن السودان القديم عاش حالة تطور شديد الارتباط بالتأثيرات القوية لجارته مصر في الشمال، والى حد أقل لروما فيما بعد. ويشير المؤلف الى ضرورة الأخذ بعين الحسبان للخصائص المميزة للسودان، مثل التطور المتأخر والمحدود للزراعة المروية اصطناعياً، والبعد عن مراكز العالم القديم الرئيسة، والتجاور مع شعوب أقل تعقيداً من حيث درجة التطور، والاستغلال الطويل المدى الذى تعرضت له البلاد من قبل مصر. لهذه الأسباب مجتمعة يعزو المؤلف قوة البقايا المميزة للبنية العشائرية القبلية.

يؤكد كاتسنلسون على عدم توفر أساس موثوق يستدعي تحديد بنية الدولة في نبتة ومروي بوصفها ثيوقراطية. لا يجوز، في تقديره، اطلاق مفهوم الثيوقراطية على الأشكال المتبقية من البنية العشائرية القبلية وتجلياتها، والتى جاز وفقاً لها للكهنة اتخاذ القرار بشأن انتخاب الملك وموته، وهو ما قد يكون مجرد تناظر شكلي لا أكثر مع خصائص البنية الثيوقراطية. هذا ويقول المؤلف بأنه لا يلاحظ مطلقاً في البنى الثيوقراطية ظاهرة تأليه الملك، على الأقل كما كان عليه الحال في السودان القديم، بل حتى في مصر. ويرى أن المؤرخين بتحديدهم، على أساس سمات سطحية لوجود ثيوقراطية في السودان القديم، "يرتكبون الخطأ المنهجي نفسه الذى يقود الى رؤية المجتمع الهومري في اليونان القديمة بوصفه مجتمعاً اقطاعياً". يعترف كاتسنلسون بحقيقة أن الكهنة في نبتة ومروي كانوا يتمتعون بنفوذ واسع وتأثير كبير. وفي حالات حددوا مجرى هذه أو تلك من الأحداث. فيما يتعلق بهذا فإن المؤلف يشير الى اتفاقه مع المؤرخين اليونان والرومان القدماء. لكنه يرى بأنه لا يجوز مجارة لهم عد بنية الدولة في السودان القديم بوصفها ثيوقراطية، ذلك أنه في هذا الشكل من البنية، والتى عادة ما تنشأ في مجتمع طبقي شديد التراتب، تتركز في أيدي الكهنة كافة السلطات المدنية منها والدينية، ويعد الإله هو المصدر الأوحد للتشريع وليس الملك الذى يصدر القوانين باسم الإله. وبما أننا، على حد تعبير المؤلف، "لا نجد لا في طيبة في عهد سيادة الكاهن الأعظم للإله آمون حريحور المغتصب للسلطة الملكية، ولا في دولة يهودا في القرن الخامس ق.م. حيث انتقلت السلطة الى أيدي الحبر الأعظم، تلك الظروف التى ضمنت تأثير الكهنة في السودان القديم، وهى ظروف ناتجة من التقاليد والأعراف المميزة لبنية عشائرية قبلية". كل ذلك دفع بـ كاتسنلسون للوصول الى استنتاج مفاده أن مملكتي نبتة ومروي من الممكن عدهما في دائرة الدول العبودية الاستبدادية المبكرة، التى حافظت على قدر من بقايا البنية العشائرية القبلية. أقول بأن المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في المدرسة الماركسية الارثوذوكسية النزعة المناقضة للنزعة البنيوية الماركسية، تجد تعبيراً قوياً لها في تحديد كاتسنلسون لطابع الدولة في السودان القديم (*).

وفي عام 1977 صدر السفر الرائع لـ ويليام آدمز (2) والذى صدرت مؤخراً ترجمته العربية تحت عنوان "النوبة رواق أفريقيا" (**). وقد كتب آدمز معلقاً على كتابه قائلاً :

"يبقى هناك منظور الدراسات النوبية - وهو الذى أسهمت بنفسى فيه بقدر معتبر، عن طريق كتابى "النوبة رواق أفريقيا". استطيع أن اقول بكل إطمئنان أن هذا المنظور يطرح رؤية للتاريخ موثوقة من حيث مصطلحات الأنثروبولوجيا فى الخمسينيات، والتى كان موضوعها الرئيس (على الأقل فى أمريكا) هو الكشف عن المتفرد geist ووصفه (الترتيب كما نقول) فى كل ثقافة. قطعاً فإن قراءة متعمقة سوف تظهر ان "النوبة رواق أفريقيا" ليس تاريخاً مترابطاً كسلسلة اثنوغرافية يكون فيها كل طور متتال للتاريخ النوبي موصوفاً بمصطلحات قيمه ومصالحه السائدة. الأمر نفسه يصدق بالنسبة للتقنية التفسيرية كما استخدمت من قبل العديدين من اثنوغرافى منتصف القرن، واعتقد، انها تتلائم مع ما نصح به ابن خلدون". ويستمر آدمز .. "النوبة رواق أفريقيا، كما ذكرنى بعض النقاد، أقل موثوقية من حيث منطلقات أنثروبولوجيا الستينيات والسبعينيات، رغم أنه كتب فى تلك الفترة. لكن الأنثروبولوجيا حينها هيمن عليها تنافس المدرستين المادية الثقافوية و البنيوية، واللتين ترفضان كلتاهما أي دور مهم للإرادة الإنسانية. بطرقهما المختلفة، تفترض المدرستان ان الثقافة الإنسانية هى الى حد بعيد نتاج قوى خارج تحكم الوعى الإنساني. من مثل هذا المنظور يصبح ممكناً تصور قوانين شمولية للثقافة والتاريخ، فى حين إننى فى الفصل الختامي للكتاب عبرت عن تحفظاتي حول تطبيق مثل تلك القوانين على المسألة النوبية، كما فهمت. يبدو، إذن، ليس هناك - علم مقارن طبيعي للإنسان- واحد، لكن فى الواقع علوم عديدة نختار من بينها. ليس فقط أن هناك مدارس متضاربة فى الأنثروبولوجيا لكن الأنثروبولوجيا ككل تقدم رؤية مختلفة عن السوسيولوجيا، والاقتصاد، والعلوم السياسية، والسيكولوجيا، والتى يمكن أن يدعى (وفى حالات يفعل) كل منها أنه علم مقارن طبيعي للإنسان". ومن ثم يتساءل آدمز.. "هل يعنى هذا أن المثال العالي الخلدوني غير قادر على الإنجاز، بل ويحتمل أن يكون دعاة ما بعد الحداثة على حق؟" ويجيب بالقول "لست مستعداً بعد لمثل هذه المشورة ولا لمثل هذا اليأس. غض النظر عن خلافاتهم، أعتقد أن العلوم الاجتماعية والتاريخية الحديثة ضيقت بصورة واضحة هوة سوء الفهم حول الطبيعة الإنسانية. على الأقل تخلصت من التلميحات طويلة المدى بشأن التفوق والتدني الفطري، والذى هيمن على العديد من وجهات النظر المبكرة حول النوبة. بدءاً من الاعتراف من كوننا جميعاً من نوع الإنسان العاقل، وانه بغض النظر عما هو فطري لدينا جميعاً، فإننا على الأقل فى الطريق الى وضع النوبة الى حيث تنتمي فى الصورة التاريخية" (•).

هكذا طرح آدمز أمامه مهمة إعادة كتابة تاريخ السودان القديم من وجهة نظر أنثروبولوجية، فقدم نقداً صلباً من واقع معطيات الحضارة المادية التى كشفت عنها معاول علماء الآثار. فالكتاب دق المسمار الأخير في نعش النظريات العنصرية التى هيمنت على قطاع كبير من علماء المصريولوجيا الرواد والذين انطلقوا في تحليلهم لحضارة السودان القديم من قاعدة نظرية الإنتقال الحضاري. يقول المؤلف بأنه يجوز المجادلة بأن "نظرية الإنتقال الحضاري كانت بمثابة أداة ملائمة لدعاة الرؤية العنصرية في أواخر القرن التاسع عشر"، مشيراً الى أن "إرثها ما انفك يجد إنعكاساً في معالجات حديثة لتاريخ السودان القديم". وينطلق آدمز في معالجته من توجيه النقد لريزنر الذى يعده مسئولاً عن تقديم نظرية الهجرة عن طريق تفسير بقايا الإقامات المتعاقبة التى اكتشفها (المجموعات الأولى والثانية والثالثة الخ) بوصفها تنتمي الى مجموعات سكانية مختلفة، وارجاع أصول الأسرة الحاكمة النبتية الى سلسلة نسب ليبية، وذلك أمر لم يعتمد فيه ريزنر، باعتقاد آدمز، على أية معايير موضوعية. من ثم يؤكد آدمز بأن نظرية الهجرة لا يمكن الاتكاء عليها في تفسير تاريخ السودان القديم. ويقول المؤلف بأن فواصل الخطوط الأساسية لتاريخ السودان القديم يمكن فهمها في محتوى ارتقاء تطوري ثقافي، أى عن طريق استبعاد ليس فحسب نظرية الانتقال الحضاري بل ونظريات أخرى تقوم على أساس الحتمية (التحدي والاستجابة لـ توينبي، وفرضية الري لـ فيتفوغل، والتطورية المادية لـ ليسلي هوايت، والايكولوجية الثقافوية وغيرها••) واستبدالها بتناول يعتمد منطلقات النظرية التطورية الثقافوية. ويقول آدمز في هذا الشأن "أولاً، إنني أرى تطورات ارتقائية متعددة في المحيط المعرفي تظهر لي عالمية، لا تنعكس للوراء، كما الدفعات المتقدمة في التقنية والثقافة المادية، إلا أنني غير قادر على إرجاعها الى أية سببية خارجية. إنني أستطيع فقط أن أعللها بالنسبة لعملية ما غير متبدلة من النضج الفكري. وثانياً، لقد وجدت أن مفهوم البيئة، كعامل محدد للمصير في التاريخ الإنساني، يصعب إجراؤه عملياً في حالات محددة نحو ما يعاني منه مفهوم الثقافة".

هكذا يقدم آدمز، كما كتب محجوب التيجاني في مقدمته للترجمة العربية لكتاب آدمز، "القصة القديمة للنوبة في طريقة جديدة، حكاية متواصلة للتطور الثقافي لشعب بمفرده، وليس المهم فيها، جيئة ممثلين بأعينهم أو ذهابهم... ولأن النوبة أضحت مولجاً لتاريخ حضاري عريق، استن آدمز منهجاً فارق به علماء الآثار والتاريخ القديم لمنطقة النوبة: ذلك أنه يقدم وجهة نظر متمركزة حول النوبة في محل النظرة الواحدة المتمركزة حول مصر الفرعونية خاصة، والتى رآها منعكسة على معظم رفقائه العلماء ذوي الاختصاص في هذا المضمار".

يمثل كتاب لازلو توروك الذى صدر في عام 1979 "مملكة كوش: دليل حضارة نبتة - مروي" (3) إضافة جديدة للأدب التاريخي المتخصص. يقدم المؤلف مراجعة شاملة للمعطيات والإشكالات الأساسية للدراسات السودانوية في اطار سجل مفصل لتاريخ السودان القديم منذ نهاية الاحتلال المصري للبلاد حوالي 1100 ق.م حتى مرحلة التاريخ القديم المتأخر. يناقش المؤلف في سبعة فصول كتبت بشفافية التدوين التاريخي للسودان القديم، وجغرافيته، ونشوء الدولة السودانية، والأسرة الخامسة والعشرين، والأسس الذهنية للدولة السودانية، والسودان القديم من نهاية الأسرة الخامسة والعشرين حتى منتصف القرن الثالث ق.م.، وعصر سيادة مملكة مروي. يتصدر كل فصل من فصول الكتاب عرض قيم وشامل للمصادر الوثائقية والآثارية المادية، وتلخص العديد من الجداول كماً هائلاً من المعطيات مثل الآثار الموجودة لملوك السودان وألقابهم، والمسميات الجغرافية المعروفة، والطقوس الملكية المشهودة. ملاحظات وهوامش هائلة وببليوغرافيا شاملة تلف العمل وتقدم مرشداً للباحثين والطلاب.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
22-Nov-2006, 03:44 AM   رقم المشاركة : 6
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :
افتراضي

يمثل عمل توروك تتويجاً لعمل دؤوب نفذه المؤلف دام على مدى ثلاثة عقود كرسه لدراسة ثقافة السودان القديم. ساعده تأهيله في مجال تاريخ الفن والدراسات القبطية، واشتراكه في تحقيق نصوص ملوك السودان القديم في أن يمتلك من الأدوات ما يمكنه من تحليل البينة النصية والايقونية الضروري لمشروع كتابه. وبما أن تلك المصادر أنتجت عن طريق نخبة دينية وحكومية ولها، فلا غرابة أن يتم التشديد في عمل توروك على تاريخ تطور الدولة السودانية. على مدى ربع قرن ظل توروك يضع الخطوط الأساسية لكتابه هذا، من خلال نشر العديد من أبحاث عالج فيها قضايا تتعلق بالتنظيم السياسي والإداري، وبالحقوق الملكية، والأيديولوجيا السياسية.

يرى توروك أن الدولة السودانية تطورت عبر عدد من الأطوار. خلال الطور الأول من تاريخ السودان القديم، وهو الطور الذى شغل النصف الثاني من الألفية الثانية السابقة للميلاد، احتلت مصر البلاد ورعت عملية تمصير المؤسسات السياسية والدينية، والنخب السودانية التى أشرفت على إدارة تلك المؤسسات. خلال الطور الثاني من تاريخ السودان– أواخر القرن الحادي عشر ق.م. حتى منتصف الثامن ق.م.– اختفت المؤسسات المصرية الإدارية والدينية الرسمية، وتفكك السودان الى مشيخات متنافسة. بقي التوجه المصري الضمني للثقافة النوبية ليعاود الظهور في الطور التكويني من تاريخ الدولة السودانية القديمة، والذى استيعدت خلاله وحدة المشيخات عن طريق أسرة الكرو، ومن ثم التوحد مع مصر تحت حكم الأسرة الخامسة والعشرين (حوالي 750-650 ق.م.).

ويعتقد توروك أن أحداث النصف الثاني من القرن الثامن ق.م.، عندما تدخل كاشتا وبيَّا في مصر وتم الاعتراف بهما فراعنة من قبل كهنة معبد آمون في طيبة، حتمت المسارات اللاحقة لتاريخ السودان القديم. بالتعاون مع كهنة الاله الأسري آمون-رع قام الملكان السودانيان بتجذير عملية تمصير الثقافة السودانية وخلق أيديولوجيا ملكية سودانية متميزة والتى يسميها توروك بـ "الأسطورة الكوشية للدولة". وفق هذه النظرة المشحونة أيديولوجياً لتاريخ السودان القديم، تم تأسيس الملكية السودانية عن طريق ميثاق متفق عليه بين الملك السوداني الأول الارا وأبيه الإلهي آمون-رع وهب كاشتا طبقاً له أخته لآمون-رع نظيراً لنيله ملكية السودان. يتم تجديد هذا الميثاق مع بداية تتويج كل ملك لاحق، عندما يستعيد الملك مراحل خلق الدولة السودانية في لحظة تتويجه عن طريق زيارة معابد آمون الرئيسة الأربعة في مملكته ويتم الاعتراف به ملكاً في كل معبد منها. بمجرد تشكلها بقيت "الأسطورة الكوشية للدولة" في قلب الحياة السياسية والفكرية الى نهاية التاريخ القديم السابق مباشرة لدخول الديانة السماوية المسيحية، رغم أن تفاصيلها تعرضت لتطور وتوسيع لاحقين. هكذا، كيف السودانيون خلال الطور الرابع الذى يمتد من منتصف القرن السابع حتى منتصف الثالث ق.م.، مؤسساتهم وأيديولوجيتهم للأوضاع الجديدة الناجمة عن فقدانهم لمصر وتحجيم حدود السودان القديم. بدأ الطور الخامس والأخير لتاريخ السودان القديم - منتصف القرن الثالث ق.م. حتى حوالي الخامس الميلادي، بتأسيس أسرة جديدة متمركزة في نبتة لينتهي باختفاء الدولة السودانية القديمة في التاريخ القديم المتأخر. سمات الدولة الأساسية تمثلت في احياء التأثير المصري فى السودان عن طريق الاتصال بمصر اليونانية - الرومانية، وتقوية المظاهر السودانية للثقافة.

يمثل كتاب توروك تركيباً جيداً، مشحوناً بفهم عميق وتبصر وتفسيرات جديدة لمعطيات معروفة. ثلاثة جوانب لهذا العمل الهائل هى مثيرة بحق. الجانب الأول هو استخدام توروك لنموذج يتضمن التحكم الانتقائي وإعادة تفسير العناصر الثقافية الأجنبية من قبل السودانيين، في شرحه لدور التأثير المصري واليوناني في تطور الثقافة السودانية. بهذا الأسلوب يتجنب توروك ثنائية التقليد - الاقتباس العقيمة والتى رافقت المناقشات السابقة للعلاقات بين مصر والسودان القديم. كانت النتيجة تفسيراً للعلاقة بينهما أشبه بعلاقة اليونان بروما أو الصين باليابان، تفسيراً يتم التشديد من خلاله على تحليل وظيفة العناصر الأجنبية في ثقافة السودان القديم، لا أصلها. الجانب الثاني هو تبني تقسيماً مرحلياً لتاريخ السودان القديم يعكس بدقة أكبر سيرورة التاريخ السياسي والفكري للسودان مما قدمته الأنساق التحليلية السابقة التى شكلت فيها العناصر الخارجية - بخاصة الغزوات المصرية أو البربرية الوتد الذى استند إليه تاريخ السودان القديم. ميزات تناول توروك تبدو واضحة بخاصة في تعليله لنقش اسبالتا الذى يشدد فيه على التطورات الداخلية وليس على الأزمة المفترضة التى تسببت فيها حملة بسامتيك الثاني في 591 (593 وفق توروك) ق.م. بوصفها نقطة مركزية لفهم عهد هذا الملك المهم (ص. 367-371). الجانب الثالث، وهو الأكثر قوة، يتمثل في إعادة التركيب المهنية العالية للأيديولوجيا الملكية في الفصل الخامس من الكتاب. هذا الفصل يكاد يكون في ذاته كتاباً- يمثل تدليلاً نموذجياً للكيفية التى تدمج بها البينة النصية مع البينة الايقونية. في هذا الفصل يؤسس توروك للمرة الأولى الموضوعات الأساسية للتاريخ الفكري للسودان القديم.

في اعتقادي أن طرح توروك ليس موثوقاً بصورة مطلقة. مثيرة للجدل مناقشته لـ "الأيديولوجيا الأسرية الكوشية" (ص. 255-262). أهمية الشرعية الملكية على أساس التعاقب الانثوي (الأمومي) هو ظاهرة مشهودة في تاريخ السودان القديم. يحاول توروك التدليل على أن إعادات التركيب الكرونولوجية لا يمكن تأسيسها على هذه الحقيقة. ويجادل كذلك، بأن السودانيين عرفوا مبدأ القرابة المتوازية "نوع - مصري للتعاقب الأبوي" بالاضافة الى مبدأ التعاقب الأمومي. يدلل على ذلك بالبينة الخاصة بوضع الملك بوصفه ابناً لآمون-رع وإدعاء النصوص السودانية القديمة بأن الملك كان وريثاً لتراث الارا. لا أعتقد بأن أي من المجادلتين مقنعة. فالأخيرة لا تحمل بالضرورة معني التحدر الأبوي من الارا في حين أن الأولى تعتمد على سوء فهم لأيديولوجيا الملكية المصرية. فرغم أن كل الفراعنة عدوا أبناءً لـ رع، فإن التاريخ المصري والنصوص من نوع "بردية وستكار" لا تترك شكاً بأن البنونة الإلهية للملك لا تفترض بالضرورة صلة قرابة دم بينه وبين سلفه. في هذا الاطار فإن حقيقة كون اسبالتا اعتقد بأن خلق خط تعاقب أنثوي زائف جسد جزءاً حيوياً لاعطاء شرعية لادعائه العرش إنما يمثل تأكيداً على مركزية مبدأ التعاقب الأمومي بالنسبة للأيدولوجيا الملكية السودانية القديمة.

إن الكتاب تركيب جيد للأبحاث الحالية ويوفر أرضية صلبة للأبحاث المستقبلية فيما يتعلق بالدولة السودانية القديمة. يصدق هذا بخاصة لمعالجة توروك للفترة النبتية، لكن معالجته للفترة المرَّوية المضغوطة في فصل واحد تفتقد وضوح التحليل وعمقه. النتيجة تقديم تعليل، يشدد على الاستمرارية بين ثقافة نبتة - مروي، لكنه يقلل من مدى الابداعات المنجزة في السودان القديم في العصر الهلنستي وأهميتها. ظاهرة مثل بروز آلهة جدد وأشكال معابد جديدة، وتبني ممارسة تقديم الخدم قرابين، وابداع الخط المرَّوي مع توسع الإقامات بامتداد المملكة، كل ذلك إنما يشير الى أن فترة مروي كانت، في الواقع، واحدة من أكثر فترات تاريخ السودان القديم ابداعاً ودينامية.

وفي عام 1979 نفسه قام توروك بتحقيق طبعة جديدة لنتائج حفريات جارستانج في موقع المدينة الملكية بمروي. يحتوي الكتاب على أبحاث جارستانج في مروي مع تعقيبات توروك الخاصة وملاحظاته بالاضافة الى طرح بعض الفرضيات بشأن أركيولوجية مروي ومعمارها (4). تحتوي أطلال مروي بوصفها عاصمة للبلاد لفترة امتدت لستمائة عام على بينة تساعد في فهم تاريخ السودان القديم وحضارته. نقب جون جارستانج في المدينة بين الأعوام 1909 و 1914، كاشفاً النقاب عن جزء كبير من "المدينة الملكية" بالاضافة الى مبان هامة خارج أسوارها بما في ذلك معبد آمون الرئيس للمدينة وما يسمى بمعبد الشمس. أعاق اندلاع الحرب العالمية الأولى نشر التقرير النهائي لأعمال التنقيب، مما ترك معرفة تلك النتائج محدودة في تقارير مبدئية سطحية والمجلد الأول غير المكتمل للتقرير النهائي. في الوقت الراهن فإن الكثير من البينة المفتاحية بما في ذلك الموضوعات وبعض يوميات أعمال التنقيب مشتتة ومفقودة بفعل الاهمال أو أنها دمرت خلال الحرب العالمية الأولى. وقد نجح توروك، بالتعاون مع مدرسة الآثار والدراسات الشرقية بجامعة ليفربول، في توفير ملخص شامل لما هو متوفر من تلك البينة من أعمال التنقيب التى أجراها جارستانج. النتيجة كتاب توروك هذا "مدينة مروي: عاصمة أفريقية قديمة"، الذى تصعب قراءته أو استخدامه لكنه يسوى الجهد الذى بذل فيه. رغم أنه قد لا يمثل تقريراً كان جارستانج يطمح لكتابته فإن شكله يشير الى منهجيته ومعالجته الآثارية. بخاصة تشديده على المباني الصروحية والكشف عن النقوش مقروءة مع ستراتيجية للتنقيب تتضمن الحفر في مناطق واسعة من الموقع مما يحول دون تطوير ستراتيجرافية شاملة عمودية أو أفقية لمدينة مروي. بالتالي فإن كتاب توروك "مدينة مروي" لا يتخذ طابع تقرير تقليدي عن موقع مرتب كرونولوجياً لكنه يحتوي كتالوجاً مفصلاً للمباني يكمله كتالوج بالمكتشفات النصوصية، واللقيا غير المحددة الموقع، والمدافن، والفخار. وبرغم المحدوديات التى فرضتها ستراتيجية تنقيبات جارستانج، فإن كتاب توروك يمثل اضافة أساسية لمعرفتنا بتاريخ السودان القديم. إذا تعرضت لبعض الأمثلة فإن مادة جارستانج تؤكد على دور وأهمية مروي مركزاً ملكياً رئيساً منذ أزمان نبتة المبكرة، وتوفر دعماً قوياً للفرضيات الحديثة بأن المدينة كانت قد تأسست على جزر نهرية وأن تطورها قد تأثر بالتحولات في هيدوجرافية النيل. أعتقد أن كتاب توروك يمثل "عملية انقاذ" لنتائج أعمال تنقيب أساسية ظننا لفترة طويلة بأنها فقدت كلياً.

بين الأعوام 1986 و 1992 بدأت أعمال المسح التى أجرتها باميلا روز وفريقها فى جزء من منطقة الصحراء ونجادها الى الشرق من قصر إبريم. كما هو معروف فإن قصر إبريم وضواحيها تمثل المنطقة الوحيدة الباقية التى يمكن الوصول إليها آثارياً بعد نشوء بحيرة ناصر في الأطراف الشمالية للسودان القديم. ركزت أعمال المسح على بقايا مواقع الإقامة التى تبعد قرابة الكيلو متر الى الشرق من القلعة الواقعة على جانبي الطريق التى تؤدي الى قصر إبريم والتى تتخذ اتجاهاً شمالياً عبر المنطقة الممسوحة. تم الكشف عن 543 موقع منفصل منها مواقع اقامة وأخرى مواقع ذات طبيعة جنائزية. فوق ذلك تم الكشف عن أكثر من المائة نقش قصير بالخطين المرَّوي واليوناني متجمعة بالقرب من منحدر في الطريق بين منطقة الإقامة وقصر إبريم. تجادل روز على أساس البينة الفخارية بأن الإقامة تأسست في الفترة الهلنستية واستمرت بشكل محدود حتى الفترتين المرَّوية وما بعد المرَّوية (ص. 148-151). تقترح روز تاريخاً يعود الى القرن الثاني - الأول ق.م. للموقع ككل، إلا أن البينة الابيجرافية المحدودة قد يمكن تفسيرها بوصفها داعمة لتاريخ يعود للقرن الأول ق.م- القرن الأول الميلادي. المزيج من المصنوعات الفخارية المرَّوية مع مصنوعات فخارية مصرية في الشقوف التى تم جمعها يشير، على أية حال، الى غلبة سكان سودانيين، لكنهم قادرين على اقتناء سلع مستوردة من مصر، احتمالاً عبر قصر إبريم.

في حين توفر نتائج المسح الآثاري للمناطق في هامش قصر إبريم معلومات مهمة تتعلق باقامة السودانيين في الأطراف الشمالية للسودان خلال الفترة الهلنستية المتأخرة، فإنها في الآن نفسه تطرح أسئلة جديدة. حتى الآن تظل مبهمة، على سبيل المثال، أهداف الإقامة، وطبيعة علاقتها بقصر إبريم، أو سبب ترك السكان – العديد منهم عارفون لليونانية والمرَّوية - مذكرات عن زيارتهم لهذه النقطة النائية. تقترح روز منطقياً أن هذه النقطة قد تكون لها أهمية دينية للحجيج المرتبطين بوحي آمون في قصر إبريم، لكنها تعترف أن اجابات واضحة لهذه وغيرها من الأسئلة التى تطرحها نتائج المسح التى أجرتها غير موجودة (ص. 113). أعتقد أن التفسيرات المستقبلية لقصر إبريم لا بدَّ وأن تأخذ في الحسبان علاقتها بالهوامش الصحراوية.

وفي عام 2000 ظهر باللغتين العربية والفرنسية كتيب جاك رينولد بمناسبة المعرض الذى أقيم في باريس لـ "الحفريات الفرنسية والفرنسية-السودانية: اسهام في تاريخ السودان" (5). الكتيب عبارة عن دليل موجز لتاريخ السودان القديم منذ اطلالة العصر الحجري الحديث وثقافاته المتنوعة بطقوسها الجنائزية المعقدة، مروراً بحضارة كرمة ونبتة ومروى. الرؤية التى يقدمها الكتيب تشدد على ذاتية الحضارة السودانية القديمة، وتتبع طورها بوصفها حضارة تعبر عن سيرورة التطور المميز للحضارات الأفريقية ما وراء الصحراء والدور الذى قامت به حلقة وصل بين المنجزات الحضارية في مصر وفي بقية القارة الى الجنوب منها.

في هذا العام 2004 صدر دليل لمعرض الآثار السودانية بالمتحف البريطاني في لندن (6) والذى أقيم بمناسبة تدشين صالة متخصصة في الآثار السودانوية بعد أن كانت آثار السودان تُعرض ضمن القسم المصري بالمتحف. يشير أحد المشرفين على الكتاب، ديريك ويلسبي، الى "أن العديدين من علماء الآثار الذين عملوا في السودان كانوا قد نالوا تدريبهم بوصفهم متخصصين في علم الآثار المصرية ونظروا لعملهم في السودان كجزء تابع لنشاطاتهم في مصر . يختلف الوضع اليوم، إذ يوجد حالياً في السودان علماء تلقوا خلفيات في مجالات متعددة للغاية. أدى هذا الى تركيز أكبر على الجذور المحلية للثقافات السودانية، وأصبح ينظر حالياً للمؤثرات من مصر خلال العصر الفرعوني وما تلاه في منظورها الصحيح بوصفها مجرد عناصر أجنبية". سعى المعرض لرسم خريطة لتطور الحضارة الإنسانية في السودان، وفق هذا المنظور، منذ أقدم تجليات الثقافات السودانية في العصر الحجري القديم حتى القرن التاسع عشر الميلادي. اتبعت الخريطة ارتقاءً كرونولوجياً، وأسهم متخصصون رواد في كتابة مقدمات عامة موجزة لكل فترة من فترات تاريخ السودان القديم. وصف المواقع التى تم التعرض لها في الدليل كتبها علماء الآثار أنفسهم الذين يقومون ولازالوا بأعمال التنقيب في تلك المواقع. وبما أن تلك المواقع لازالت تحت التنقيب فإن التقارير المنشورة في هذا الكتاب لا تعكس سوى المعرفة المبدئية بتلك المواقع. مع وجود أكثر من ثلاثين بعثة آثارية تعمل حالياً في السودان، فإن اكتشافات جديدة آخذة في الظهور مع مطلع كل عام عن مراحل تاريخ السودان القديم المختلفة.

تلك الأعمال الأخيرة تقف شاهداً على مولد الدراسات السودانوية فرعاً معرفياً مستقلاً بحقها الذاتي وبتقاليدها وإشكالياتها العلمية الخاصة. نبتة ومروي مملكتا السودان القديم لـ :كاتسنلسون، ومملكة كوش لـ توروك يمثلان دليلاً لأهداف هذا الفرع المعرفي الجديد وانجازاته. سوياً مع النوبة رواق أفريقيا لـ آدمز، توفر عرضاً لتاريخ السودان القديم وحضارته غير مشهود من حيث العمق والحنكة العلمية المهنية في أي من مناطق أفريقيا ما وراء الصحراء. انه، على كلٍ، عرض يقوم في الأساس على قاعدة التفسير وإعادة التفسير للبينة المعروفة منذ أزمان طويلة. لن يكون التقدم المستقبلي ممكناً بدون اضافة المزيد من المعطيات الجديدة عن طريق توسيع دائرة الأعمال الميدانية لتشمل جنوب السودان وجبال النوبا وأعماق دارفور وجنوب النيل الأزرق وتلال البحر الأحمر. فكما يقول كاتسنلسون "ستة عشر قرناً انقضت منذ انهيار مملكة مروي. إلا أنها لازالت تعيش، ليس فقط في الذاكرة، والتحدارات، والأساطير، والأحاجي. تراثها يظل باقياً في معتقدات، وعادات، وتقاليد شعوب السودان وثقافتهم المادية".

هوامش

* لمحاولة تأطير نظري يتأسس على مفهوم بنيوي للدولة في السودان القديم يمكن الرجوع الى بحث نشرته في العدد الثاني من مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانية اركامانى الإلكترونية بعنوان "مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي هل يصلح أداة منهجية لدراسة تاريخ مملكة نبتة - مروى؟ إطار نظرى لتحليل التاريخ الاجتماعي الاقتصادى لمملكة نبتة – مروى".

http://www.arkamani.org/vol_2/archae...iatic_mode.htm

** ويليام آدمز، النوبة رواق أفريقيا، ترجمة محجوب التيجاني محمود، شركة مطبعة الفاطيما اخوان، القاهرة 2004.

• ويليام آدمز، "اختراع النوبة"، أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانية الالكترونية، العدد الثاني/ فبراير/2002

http://www.arkamani.org/vol_2/archae...troduction.htm

•• لمزيد من الاطلاع على النظريات الأنثروبولوجية بشأن تطور التعقد الثقافي يمكن الرجوع الى كتابنا المشترك مع د. أبوبكر شلابي "الأنثروبولوجيا العامة: فروعها واتجاهاتها النظرية وطرق بحثها"، المركز القومي للبحوث والدراسات العلمية، طرابلس 2001، الصفحات 109-183.

ويمكن الرجوع الى هذه الصفحات مباشرة في موقع أركاماني مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانية الالكترونية

http://www.arkamani.org/vol_2/anthro...thropology.htm

المراجع

(1) Кацнельсон И.С.1970, Напата и Мерое древние царства Судана, Издательство “Наука”, Москва.

(2) Adams W.Y. 1977, Nubia. Corridor to Africa, Princeton.

(3) Török L. 1997, The Kingdom of Kush. Handbook of the Napatan-Meroitic Civilization. Leiden-New York-Cologne.

(4) Török L. 1997a, Meroe City. An Ancient African Capital. John Garstang's Excavations in the Sudan. London.

(5) جاك رينولد وآخرون، الآثار في السودان: حضارات بلاد النوبة، ترجمة صلاح الدين محمد أحمد، شركة مطابع السودان للعملة، الخرطوم 2000.

(6) Welsby D.A. and Julie R. Anderson 2004, Sudan Ancient Treasures, London: The British Museum Press.



من موقع

للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!

الكلمات الدلالية (Tags)
للحضارة, المركزة, الأوربي

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي
الانتقال إلى العرض المتطور
الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 08:41 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0