منتديات حراس العقيدة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الإيذاء الجسدي والنفسي في "أرجوكم لا تسخروا منّي" (آخر رد :قطر الندى)       :: مشرفون جدد (آخر رد :قطر الندى)       :: ام المؤمنين عائشة رضى الله عنها وارضاها (آخر رد :قطر الندى)       :: الكاهنة وقومها جراوة (آخر رد :قطر الندى)       :: صور رائعة من مؤازرة المسلمين بعضهم لبعض في القديم (آخر رد :الذهبي)       :: توحيد إخناتون خطأ تاريخى وتسطيح إعلامى لمفهوم التوحيد (آخر رد :قطر الندى)       :: سلسلة إجتهادات دكتور زغلول النجار في اسرار القرأن (آخر رد :قطر الندى)       :: السلام عليكم (آخر رد :قطر الندى)       :: ضيف (آخر رد :قطر الندى)       :: أسبوع الغضب عند الله وفي السماء (آخر رد :الذهبي)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> الكشكول



عبقرية الخط

الكشكول


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-May-2007, 12:21 PM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي عبقرية الخط

الحروف العربية بين الرمز اللغوى والتشكيل الجمالي


د. بركات محمد مراد*

الخط العربى يعتبر أحد ابرز مظاهر العبقرية الفنية عند العرب. ولقد كان أولا وسيلة للمعرفة ابتداء منذ أن كان جنينا فى رحم الكتابة الفينيقية، ثم توضح فى الكتابة الآرامية ثم فى الكتابة النبطية المتأخرة، حتى بلغ كماله وجماله فى الكتابة العربية، وأصبح فنا له ما يقرب من ثمانين اسلوبا وطريقة، ومن أشهرها الكوفى والثلث والرقعى والفارسى والديوانى وفروع هذه الخطوط، بل إن ابن البواب"1" "توفى 425هـ" قدم فى نطاق خط الثلث فقط سبعة عشر قلما منها، الثلث، المعتاد، المنثور، التواقيع، الجليل، المسلسل، النسخ، المحقق، الريحان، الرقاع، الحواشى ..إلخ

ومن هنا فقد أكد الفنان المسلم على أهمية الحضور الجمالى للكلمة المقدسة فى الأمكنة المقدسة، وأكد على القيمة الجمالية المطلقة للأشكال الهندسية، وبشكل خاص على الخط العربى الذى يعد من أكثر الأشكال قداسة لارتباطه المباشر بدلالته اللغوية المقدسة.إن كلمة التوحيد والتى تمثل جوهر العقيدة الإسلامية إذ تأخذ بيد البصيرة الإنسانية تهديها الصراط المستقيم، إنما تأخذ بيدها إلى مجال الحق والخير والجمال، وتوحد بينها جميعا: فى السماء والأرض والنفس، فى الكون والذات، إنها تربية للذوق والوعى على الإحساس بكل ما هو جميل مونق يُسبى الأفئدة ويفتن النواظر.

رؤية تاريخية

تثبت كتب التاريخ أن الكتابة بدأت صورية "الهيروغليفية القديمة" فى مصر، ثم تحولت إلى رمزية كالكتابة المسمارية، والهيروغليفية المتأخرة "الديموطيقية"، وكانت المسمارية منتشرة فى بلاد الرافدين وبلاد الشام، وعنها تفرعت نماذج الكتابة المتطورة، التى سارت باتجاه الحروف والأبجديات، حتى اكتملت على يد العرب السوريين، فى فترة الدولة الكنعانية الشمالية المسماة "الفينقية" والتى اكتشفت أبجديتها فى أوغاريت أو إيفاريت"رأس شمرا" فى شمال الساحل السوري.

اختزلت الحروف إلى 30 حرفا مستفيدين ـ كما يقال ـ من أبجدية سيناء التى كانت منتشرة فى شمال مصر"2". ومن الأبجدية الأوغاريتية "الفينقية أو الكنعانية" التى انتقلت مع سفن وقوافل التجارة لتغزو العالم القديم، وتنتشر بشكل واسع، ولتتأقلم أو تتلاءم هذه الأبجدية مع كل لغة أو لهجة لدى مختلف الشعوب. فتنوعت رسومها وأشكالها الأولى التى وضعها العرب السوريون القدماء"3".

ومع تغير الدول، وتبدل الحكومات، كانت الكتابة تتطور وتتحسن، ويتعلمها جيل من جيل وتمشى مع الركبان والقوافل حاملة الحضارة، ومخلدة لها، إلى أن وصلتنا فى الوقت الحاضر كاملة ناضجة، تتفاعل مع الحضارة الحديثة، مستوعبة مخترعاتها ومبتكراتها"4".

وبعد أن وصلت الكتابة إلى المرحلة الأبجدية، فى أنحاء متعددة من الوطن العربي، وبخاصة فى بلاد الشام، وشمال وادى النيل، وبلاد الرافدين، بدأت تتمايز الخطوط والأبجديات ـ كما يحدثنا الباحث على محمد أمين"5" ـ فمن تطور الخط المسمارى فى شمال بلاد العرب ظهر الخط الآرامى الذى انتشر بشكل واسع ؛ ومنه انحدر الخط النبطى فى بلاد جنوب سورية، وكذلك ظهر الخط المسند وانتشر فى أنحاء اليمن وجنوب وشرق شبه الجزيرة العربية، وظهرت كتابات منه فى موقع "قرية" فى شرق المملكة العربية السعودية، ووصل هذا الخط إلى بلاد الشام، لكنه انحسر عنها أمام امتداد الخط الآرامى والنبطى فيما بعد.

ويرجح أكثر من باحث أن الخط العربى الحالى منحدر من أصول سريانية "آرامية" عن طريق الأنباط. أى أن الخط النبطى كما يقول حسن عيسى الظاهر: "إن العرب كانوا يكتبون قبل الإسلام بالخط الحيري، نسبة إلى الحيرة، ثم سمى هذا الخط بعد الإسلام بالخط الكوفي، وهذا الخط الكوفي، كما يقال فرع من الخط السرياني""6" وفى كتاب "روح الخط" يرجع الخطاط "كامل البابا " أصل الخط العربى إلى النبطى أيضا"7".
وفى مقال بعنوان"الكتابات القديمة" استعرض سيد فرج راشد أصول الكتابة العربية الشمالية على ضوء النقوش المكتشفة وبين بدايات الخط العربى اعتمادا على ذلك، مفسرا ما جاء فى نقوش "العلا ومدائن صالح وأم الجّمال" وخلص إلى أن "هذه النقوش النبطية تبين لنا أن الكتابات العربية هى نتاج تطور الكتابة النبطية، وأنها تحمل كثيرا من مقوماتها وخصائصها فى الأصوات والقواعد والمفردات .. ومن المرجح أن تكون الكتابة النبطية انتقلت إلى الكتابة العربية فى القرن الخامس الميلادي.

بينما يرى ابن خلدون فى مقدمته الشهيرة أن الخط العربى نشأ فى اليمن ومنها انتقل إلى الحيرة، ومنها إلى قريش، أى أنه يعود إلى الخط المسند الحميري، ويعتقد كثير من الباحثين أن الكتابة التى ظهرت فى الجزيرة العربية كانت وليدة تفاعل طويل عبر رحلات التجار العرب بين الشمال والجنوب. ولا ننسى أن الخطوط العربية سميت بأسماء المدن والمراكز الإسلامية، بعد الإسلام، التى نشأت فيها، مثل مكة والمدينة والكوفة والبصرة، والبحث فى المراحل التاريخية لتطور تلك الحروف ليس أمرا هينا، وذلك لندرة النقوش العربية قبل عصر النبوة، وعدم احتواء النقوش منها على جميع الحروف، ولكنه يمكننا على ضوء دراسة النقوش العربية التى عثر عليها من تلك الفترة أن نرجع الكتابات العربية إلى أصلين اثنين هما التربيع والتدوير، وهما من أصول الكتابة العربية فى جاهليتها وإسلامها.

ويُرجح أن الخطوط العربية فى الحجاز كانت تعتمد على التدوير والليونة منذ بداية نشأتها فى مدن تلك المنطقة، ولم تكن الفروق بين هذه الخطوط فى الخصائص، ولكنها كانت فروق تجويد، ذلك أن العرب عندما عرفوا فن الكتابة كانو أهل بداوة، ولم يكن لديهم من أسباب الاستقرار ما يدعوهم إلى الابتكار فى الخط الذى تعرفوا عليه، ولما ظهر الإسلام فى تلك البلاد بلغت الكتابة والخطاطة مبلغ الظاهرة الفنية، حيث صار العرب دولة تعددت فيها المراكز الثقافية، ونافست هذه المراكز بعضها بعضا على نحو ما حدث فى الكوفة والبصرة والشام ومصر، ومراكز الثقافة الإسلامية الأخرى، فى المشرق والمغرب "8".

ونجد فى الرسالة السابعة عشر لاخوان الصفاء" أن أصل الحروف كلها، والخطوط كلها، خطان لا ثالث لهما، ومن بينهما تركيبب الحروف، حتى بلغت نهايتها وذلك عند الخط المستقيم الذى هو قطر الدائرة والخط المقوس الذى هو محيطها".ولقد تطور الخط العربى بتنويعات قواعده وأشكاله الجميلة والزخرفة عنصرا مهما فى ذلك النسيج المتنوع للفنون الإسلامية، وقد طور ابن البواب وياقوت المستعصم، ثم تلميذه زمن المماليك ابن الوليد، والزخرفى صندل وابن مندور وغيرهم تلك العلاقة، فأثروا الخطوط بالزخارف بخاصة فى نسخ المصاحف والكتب وتزيين المساجد والقصور.

خصائص جمالية : لا غرابة أن يتنوع الخط العربى بعلاماته وطاقاته التعبيرية، حتى يدخل أفضية التشكيل، فالاحفاد الذين ورثوا من أسلافهم النمط الأول للكتابة على الطين أدركوا ـ كما يقول الباحث محمد الجزائري"9" ـ ما يحتويه الحرف من دينامية كجنس إبداعي، وقدرة على التطور بحسب ذائقة الأعصر والبشر والتقدم الاجتماعى والتقني، مما دفع الأحفاد، لأن يقدموا "أيقوناتهم" بحرفنة عصرية ليس على وفق المربع والمستطيل وتحديداتهما، أو بما يشبه النقش على جلود الأنعام والحجر فحسب، بل على الورق المصنع يدويا أو الحرير أو الزجاج أو على سطوح الطين المفخور والمزجّج، فى محاولة منهم لتجاوز النمطية فى القواعد، واستثمار العلاماتية ودوالها المفتوحة فى أشكال حرة، فالعلاقة الاستاطيقية بين الخط العربى وبين المنمنمات وبين الخط الكلاسيكى المسيحى تمتد بجذورها إلى آكد وبابل، أو فن الأيقونة الشرقي، أى منذ المتدونات الأولى بالخط المسماري، حتى الكتب المترجمة والمؤلفة فى دار الحكمة ببغداد المأمون، فصار للخط طرزه وصارت لأنساقه قواعد ثابتة، قلما خرج عليها الخطاطون التقليديون، حيث تمسكوا بنشدان كمال الصنعة، وليبلغوا الإجازة عن الرواد.

ويجمع الخط العربى بين الليونة والصلابة فى تناغم مذهل، وتتجلى فيه قوة القلم وجودة المداد المستمدة من النفاحات الروحانية التى تهيمن على الخطاط المبدع فى لحظة إبداع فنى فلسفى لا تكرر نفسها. فمن ساحة الفكر المخزون يقفز نص جذاب أو حكمة مأثورة أو أية كريمة يرافقه تخيل مبدئى لنوع الخط الذى ينبغى ان يُكتب به، ومع إعمال الفكر وإجهاد القريحة تبدأ ملامح التكوين الخطى تظهر رويدا رويدا للروح ثم العين، وذلك بالتوافق المنضبط فى النسب المطلوبة بين الحروف والتناغم المألوف بين الحركات، والانطلاقة الوثابة لبعض الكلمات، لتنصهر فى علاقة واضحة بين نوع الخط ومعنى الكلام المخطوط فى بناء لوحة قادرة على التعايش مع الوسط الفنى زمنا طويلا.

فالحروف العربية تمتاز بأنها تكتب متصلة أكثر الأحيان، وهذا يعطى للحروف إمكانات تشكيلية كثيرة، من دون أن تخرج على الهيكل الأساس لها، ولذلك كانت عملية الوصل بين الحروف المتجاورة ذات قيمة مهمة فى إعطاء الكتابة العربية جمالية من نوع خاص من حيث تراصف الحروف وتراكبها وتلاصقها، كما أن المدات بين الحروف والتى يمكن التكيف بها فى بعض الحروف تأخذ دورا فى إعطاء الكتابة العربية تناسقا ورشاقة عندما تكون هذه المدات متقنة وفى مواضعها الصحيحة.

ويمكن أن نلاحظ ان طريقة الوصل بين الحروف تختلف من نوع إلى آخر من أنواع الخط العربي، كما فى الكوفي، والنسخي، والثلث، والديواني، والفارسي. وهذا الاختلاف ناتج عن الأسس المتبعة فى كتابة كل خط من هذه الخطوط، حيث نجد الزوايا والخطوط المستقيمة سائدة، فى أنواع الكوفي، ونجد الأقواس والزوايا فى كل من النسخى والثلث، بينما تكون الأقواس الرشيقة والمدات الانسيابية سائدة فى الخط الديواني، وتتخذ الوصلات سماكات مختلفة فى الخط الفارسى لتعطى للحروف المتباينة فى عرضها تناغما موسيقيا رائعا.

وكما يقول الباحث "معصوم محمد خلف""10". إن مجموع حركة الخط وما يتولد عنها من إشعاع موسيقى مطابق لشاعرية مرئية ساعية نحو اللامرئي، كل ذلك يحدده النص بالنسبة إلى يد الخطاط الراقصة، يضاف إلى ذلك الغنى الذى يمكن ان يضيفه التشكيل والزخرفة الملحقان بالحروف، فعلامات الفتح والكسر والضم والسكون والتنوين والمد والإدغام والشد كلها عناصر تزينية زخرفية لا غنى عنها لإمام التناسق، وملء الفراغات، إضافة إلى ضبط الكلمات، وصحة قراءتها، وذلك فى خطوط النسخى والثلث والديوانى والجلي.

وللزخرفة أيضا دور كبير فى جماليات الخط الكوفي، حيث تضيف إليه وإلى الخطوط السابقة، نوعا من الأبهة والفخامة. كل ذلك يعطى للكتابة العربية تفردا فى جمالها بين الكتابات العالمية، وهذا ما دعا أبو حيان التوحيدى "توفي414هـ" فى رسالته فى " علم الكتابة" وهى من أقدم ما ألف بالعربية فى هذا الفن"11" إلى أن يضع شروطا للخط الجميل فيقول:" والكاتب يحتاج إلى سبعة معان: الخط المجرد بالتحقيق، والمحلى بالتحديق، والمجمل بالتحويق، والمزين بالتخريق، والمحسن بالتشقيق، والمجاد بالتدقيق، والمميز بالتفريق.وبعد أن يشرح كل هذه المفاهيم التشكيلية والجمالية معا شرحا مستفيضا، يختم شروط الخط الجميل بشرط أساسى جامع فيقول:" فهذه جملة كافية متى كان طبع الكاتب مؤاتيا، وفعله مواطئا، وقريحته عذبة وطينته وطئة".

وهذا ليس غريبا فالخط تحول على يد العرب والمسلمين إلى فن أصيل دقيق، والفن ينقل العواطف الكامنة فى النفس، ويفصح عنها بشكل فصيح جذاب، فهو يعبر عن العالم الداخلى للإنسان المبدع، وليس فقط عن العالم الخارجى وعن آثار الإنسان والزمان. ولذلك قال على ابن عبيده:" القلم أصم، ولكنه يُسمع النجوى، وأبكم ولكنه يفصح عن الفحوى، وهو أعيا من باقل، ولكنه أفصح وأبلغ من سحبان وائل، يترجم عن الشاهد، ويخبر عن الغائب". ويرى التوحيدى أن الفن مؤلف من شكل ومضمون، من فكر هو الحكمة وإبداع هو البلاغة، وهو يرى العقول الظامئة والنفوس التواقة للجمال.قال عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان:" القلم شجر ثمرته اللفظ والفكر، وبحر لؤلؤه الحكمة والبلاغة، ومنهل فيه رى العقول الظامئة، والخط حديقة زهرتها الفوائد البالغة""12".

لقد كان الخطاط العربى قوة كبرى من قوى الحضارة، فالخطاط هو الذى كتب جميع نسخ القرآن الكريم منذ مصحف عثمان رضى الله عنه، وقبله، حتى بعد ظهور المطابع ظل الخط العربى هو الأسلوب الذى تعتمد عليه طباعة نسخ القرآن الكريم المختلفة.
ونجد أن الخط يأخذ مكانه اللائق فى الفن من تجويد وتحسين، وفى استخدامه لأشكال تجريدية، ولقد صار معمارى التكوين، ويتقبل كنمط مرئى ومصور، ويعبر عن أسلوب رمزى تجريدى عن الحالات العقلية والعاطفية، فالمدلولات الموسيقية النطقية، ودرجات الحروف الصوتية للحرف الواحد، وتركيبها فى تناغم، تناغم الأحاسيس الداخلية مباشرة.
وأنشأ زخارف قائمة بذاتها وزخارف تحتويها الأشكال، استخدم الخط العربى الزخرفة خاصة فى الخط الكوفى ؛ وذلك الذى تحول من اليابس إلى اللين، ومن الجامد إلى المتحرك بفضل الزخرفة المنضافة إليه، وكان لهذه الزخارف أشكال عدة منها : المورق والمشّجر والمضّفر"13".

وكان الخط العربى وسيلة العلم، فأصبح مظهرا من مظاهر الجمال فى الحضارة العربية الإسلامية، وما زال ينمو ويتطور ويتعدد حتى وصلت أنواعه إلى الثمانين، وقد حرك الفنان المسلم الخطوط الجافة وأضاف إليها الزخارف حتى غدت لوحات فنية.

واستخدمت الكتابة فى قوالبها الزخرفية محل الصورة، وعكست نوعا من التعبير له خصائصه الجمالية التى تتيح له التعبير عن قيم جمالية، ترتبط بقيم عقائدية وخلقية، كما عكست حبا للواقع، واحتراما للنظام وإيمانا بالسمو بخطوطه المتصلة التى تغلب عليها القياس والدقة، وكما استخدم الفنانون المحدثون من العرب وغيرهم الخط فى لوحاتهم الفنية، حتى أصبح الحرف وحدة زخرفية بذاته يتكون من تكرارها بالإيقاع التشكيل ليخرج عملا فنيا متزنا.

وإذا نظرنا إلى المنمنمات، بخاصة أعمال الواسطى فى مقامات الحريري، نجد هذا التعاشق بين الخط والرسم كذلك نجده فى كتاب "الترياق" المؤلف عام 1199م. إن تقاليد تلك الرسومات متأتية عن ذلك المزيج من الوعى الاجتماعى أو التعبير عنه، والذائقة الجمالية فى الحروفية والخط والزخرفة، حيث أمتازت منمنمات الواسطى وعبد الله بن الفضل من الفنانين العرب، وبهزاد من بلاد فارس، بهذا المزيج الأخاذ بين الرسم والحرف والزخرفة، حيث امتدت آثار الواسطى إلى كتاب"دلائل الخيرات" وغيره من الكتب "14".

ولقد ضمّن الفنان المسلم كل طاقاته عندما كتب آيات القرآن الكريم على الجدران والواجهات والعقود والأبواب والمنابر، وفى الأماكن المقدسة ؛ ليحمل فى نفس الوقت شكلا فنيا على أسس جمالية رياضية.لقد كان الخط العربى وسيلة للعلم، ثم أصبح مظهرا من مظاهر الجمال، يفور بالحياة ويجرى فيه السحر، وما زال ينمو ويتنوع ويتعدد، حتى بولغ فى أساليب التحويرات الجزئية، فاعتبروه بهذه التحويرات نوعا، وتعددت أنواعه بما لم يحدث فى أى لغة بشرية أخرى"15".

ولقد كان اهتمام العرب بالخط كبيرا، لأنه الوسيلة التى حفظوا بها تراثهم العريق، وبه كتب القرآن الكريم، والحديث الشريف، والحكم والمواعظ، والأشعار.فتفننوا بإبتكار الصفات والألقاب للخط العربي، فهو"هندسة روحانية تمت بآلة جسمانية""16". واعتبروه فنا مقدسا، يجب ان يجوده كل من مارسه، لكى يظهر للعيان جميلا. وكان للطرق الصوفية الدينية أساليب متعددة فى استخدام الحروف والكتابات للتعبير عن مبادئهم ومعتقداتهم، وللتعبير عن حالات الوجد والسمو الروحي، التى يتصلون فيها بالروح الكلي، وكذلك للتعبير عن توددهم للملأ الأعلى، مستخدمين رموزا كتابية مختلطة بالرسم أحيانا، لجلاء المعنى، أو بيان الهدف. والرمزية لدى الصوفية لها عمل السحر لا تمس العقل إلا من حيث تثير فيه الخيال والوجدان، ولكنها تمس القلب مسا مباشرا، وبعمق أثرها، وتتضح معانيها مع التكرار""17".

الخط الفنى والتشكيل

إن الخط العربى هو فن تشكيلي، له عناصره ومقوماته الخاصة به، حيث يمكن أن تتم اللوحة كتابة وتكوينا "شكلا ومضمونا" باستخدام الألوان المتعددة، أو اللون الواحد بدرجاته، أو اللونين "أبيض وأسود أو غيرهما" كما يمكن ان تكون الكتابة جزءا من اللوحة التشكيلية، أو أن تكون الحروف فى لوحة ما عناصر لا تتعلق بالمضمون، أى أن الحروف، هنا، تكون أشكالا وهياكل متممة للوحة فقط.

وفى هذا المجال ـ كما يقول الباحث على محمد أمين"18" تعددت الأساليب التى تناولت الخط العربى فى الفن التشكيلي.وقديما كان الفن العربى مقتصرا على تنويعات الخط والزخرفة، ثم بدأت تدخل الرسوم المنمنة، التى تحتوى على مخلوقات حية وبشرية فى الكتب المختلفة، على سبيل الشرح والتوضيح، أو لوحات مرافقة للقصص والمقامات. وقد خلفت لنا العصور القديمة آلافا من اللوحات الفنية، القائمة كليا على الكتابة والزخرفة العربية، كما حوت بطون الكتب أعدادا كبيرة من لوحات الكتابة، فقد تفنن الخطاطون فى زخرفة وتذهيب الكتب خاصة القرآن الكريم، مستخدمين الألوان المختلفة بشكل متناسق جميل، أضفى علىالكتب روعة وجمالا.

إن الحروف العربية الغنية بمعطياتها الفنية، كانت، ولا تزال تلهم الفنانين إبداعاتهم، فهذه الحروف تنضوى على عبقرية فذة لا حدود لها، إن من حيث المضمون، أو من حيث الشكل، ولقد اعتمد الفنانون التشكيليون فى الوقت الحاضر على عناصر تشكيلية مستمدة من الخط العربي.

وهناك طريقتين للاستفادة من الحرف العربي، الأولى يكون الحرف فيها عنصرا تشكيليا فحسب، والثانية لا علاقة للحرف بمضمون اللوحة، إنما يكون الحرف فيها عنصرا تشكيليا فحسب. ففى المجال الأول نجد ميلا لدى كثير من الفنانين إلى استخدام الكتابة العربية شكلا ومضمونا بحيث تتكون اللوحة من جملة أو كلمة تكتب بالطريقة التقليدية للخط العربي، أو بطريقة فنية لا تلتزم بقواعد الخط العربي، بل إن بعضهم استخدم الكلمات للتعبير عن مضمون اللوحة باشكال فنية غير ملتزمين بقوانين وقواعد الخط العربي.
كما قام فنانون آخرون بتجريد الخط العربى واستخدامه فى اللوحات التجريدية التى اقتبسوها من الغرب، محاولين ربط التراث العربى بالفنون العصرية، وهم جميعا استخدموا الخط العربى حروفا وكلمات، وجملا، كعناصر تشكيلية تساهم فى بناء اللوحة، فإما أن تكون أساسا فى هذا البناء فى بعض اللوحات، او تستخدم فى حل، أو إشغال الفراغات فى لوحات أخرى. وكل ذلك مع الاستفادة من التراث الزخرفى العربي.

وأكثر الخطوط العربية التى تتوافق بشكلها مع الفن البصرى "أوب آرت" والتى تسبق فى الزمان والمكان ظهور هذا الفن فى أوربا، هو الخط الكوفى المزوى "المعماري" كما يقول الباحث، وخاصة إذا كانت اللوحات منفذة بأساليب حديثة وألوان متناسقة. وقد استفاد الأوربيون من هذا الفن"19".

الخط والتعبير

ومن هنا يقول الباحث على محمد أمين"20" كانت اللوحات الخطية العديدة التى تعبر عن الحالات الصوفية التى تعود لمذاهب متنوعة، وكانت تعبر عن محبة الله والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل البيت والإمام على ـ رضى الله عنه ـ بشكل خاص، وكلها رموز للتهجد والعبادة والتقرب إلى الله تعالى. وتمتاز هذه اللوحات باعتمادها على التكرار الدائرى أو المتناظر، أو المتلاحق ضمن مربعات أو أشكال هندسية متنوعة، إضافة إلى أشكال نباتية وحيوانية أو بشرية أيضا.

وفى العصر الحاضر استخدم الفنانون والخطاطون هذه السمة الروحية الكامنة فى الخط العربي.وعلى الرغم من وظيفة الحرف العربى فى إيصال المفاهيم والتعبير، وهو هدف لغوى خالص، إلا أن هناك هدفا باطنيا وروحانيا، فقد استطاع الفنان أن يعى تماما بحسه الفنى المرهف أن مكونات الحروف العربية الصارمة فى بنائها الهندسى وقدرتها على التكيف فى أى شكل مُعطى وليونتها فى تشكلها البنائى البسيط او المنعقد، تستطيع من خلال كل ذلك أن تتضمن معنى باطنيا يسمو على معناه اللغوي، فالهدف بلا شك كان دائما التعبير عن حالة لا مرئية مطبوعة بداخل النفس العربية من جهة، ومؤكدة ومثبتة من خلال العامل الديني.

وهى تزاوج بوضوح بين المرئى بدلالته اللغوية واللامرئى بدلالته الفنية والجمالية.

لقد دفع التجريد الرفيع فى الخط العربى أعظم فنانى عصرنا "بابلو بيكاسو" إلى أن يقول :" إن اقصى نقطة وصلت إليها فى فن التصوير سبقنى الخط الإسلامى إليها .. منذ وقت طويل" إن صياغات الحروف العربية صارت عند الفنان المسلم إشارات شاعر هائم أخذ به الحال فتجلى الشوق ذوقا وترنح بمجاهدات قلبه همسات ابتغى بها القرب من الله، وأن الخطوط العربية قد أصبحت كتابات وابتهالات لبستانى همس من فوق رياض الأشواق لله.


• أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة والاجتماع كلية التربية ـ جامعة عين شمس


الهوامش والمصادر:

1ـ انظر صلاح الدين المنجد فى تحقيقه لكتاب "جامع محاسن كتابة الكتاب" للطيبي، بيروت.
2ـ ناجى زين الدين : مصور الخط العربى ص 299 وما بعدها، مطبوعات المجمع العلمى العراقي، بغداد عام 1968م
3ـ يوسف سمارة : قصة الأبجدية، مجلة سورية السياحية، العدد5 ص 16 عام 1986م
4ـ أحمد فارس : الكتابة عبر تاريخها الطويل، الفيصل العدد11 ص75، الرياض عام 1978 م
5ـ على محمد أمين : عبقرية الخط العربي، الوحدة، العدد9. ، بيروت، مارس عام 1992م
6ـ د. حسين عيسى عبد الظاهر: المصحف الشريف من الكتابة على جريد النخل إلى فن التذهيب، مجلة الدوحة، العدد 85 ص4، قطر عام 1983م
7ـ الغمرى عقيل : عبقرية العرب فى خطوطهم، الدوحة العدد 95 ص 122 وما بعدها عام 1983م
8ـ د.إبراهيم جمعة : دراسة فى تطور الكتابات الكوفية، دار الفكر العربى ص17 عام 1986
9ـ محمد الجزائري:الحروفية العربية فى التشكيل،الرافد، العدد94 ص117 ،الشارقة يونيو 2..5
1. ـ معصوم محمد الخلف : الموازين الجمالية لفن الخط العربي، الخفجي، السعودية العدد34 سبتمبر عام2..4م
11ـ التوحيدى : علم الكتابة، تحقيق إبراهيم الكيلاني، لرسائل أبى حيان التوحيدي، بيروت، وانظر د. عفيف البهنسى : علم الجمال عند أبى حيان التوحيدي، بغداد عام 197. م
12ـ د. عفيف بهنسى : جمالية الفن العربى ص 125، 126 عالم المعرفة العدد14 الكويت فبراير عام 1979م
13ـ د. مصطفى عبده : الدين والإبداع ص 2. 6، مكتبة مدبولي، القاهرة ط 3 عام 1999م
14ـ محمد الجزائرى : الحروفية فى التشكيل، سابق.
15ـ ناجى زين الدين : بدائع الخط العربى ص 457 وزارة الإعلام العراقية، بغداد عام 1973م
16ـ قول مأثور عن الخطاط ياقوت.
17ـ مصطفى الحلاج : التصوف والخط والنقطة، جريدة الثورة، العدد41 ص 11، دمشق عام 1976م
18ـ على محمد أمين : عبقرية الخط العربي، الوحدة العدد9. السابق.
19ـ عبد اللطيف هاشم : جمالية الخط الكوفي، مجلة العربى العدد 338 ص 183، الكويت عام 1987م
20 ـ على محمد أمين : عبقرية الخط، مصدر سابق.


الرسالة السابعة عشر لاخوان الصفاء"
يوخذ منها ما يتعلق بالخط فقط ونحذر من الباقي - النسر













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-May-2007, 03:48 AM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية زهرة الهيدرانجيا

 




افتراضي

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ













التوقيع

فواعجبًا لأمة لها تاريخ عريق مشرف تخاصمه ولا تستفيد منه، وتعتبره ماضيًا زال وتراثًا باليًا"
"إن الذين يقرءون التاريخ ولا يتعلمون منه أناس فقدوا الإحساس بالحياة، وإنهم اختاروا الموت هربًا من محاسبة النفس أو صحوة الضمير والحس'
أرنولد توينبي
 زهرة الهيدرانجيا غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Mar-2008, 08:30 PM   رقم المشاركة : 3
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

للرفع













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-May-2008, 03:17 PM   رقم المشاركة : 4
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

اشكر لك مرورك الكريم أختنا زهره













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الخط, عبقرية

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 02:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع