« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: اشتد البرد على اخواننا اللاجئين السوريين والندوة العالمية تستقبل التبرعات وتوصلها لهم (آخر رد :ساكتون)       :: البدوى يسهل سيطرة اللوبى اليهودى على الإعلام (آخر رد :أمان)       :: نساء مصر المملوكية من "المخدع" إلى "التسلطن" (آخر رد :النسر)       :: أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)       :: تفكيك أيديولوجيا السلطة في "مولانا" لإبراهيم عيسى (آخر رد :أبو روعة)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> التاريخ الحديث والمعاصر




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-Jun-2007, 04:49 PM   رقم المشاركة : 1
أبو روعة
روماني
 
الصورة الرمزية أبو روعة

 




افتراضي بحث /بعض معوقات تجارة حلب زمن الخلافة العثمانية 2

صناعة حلب في مقالة لكاتب حلبي:
في عام 1893 نشرت مجلة الهلال هذه المقالة لكاتب حلبي اسمه عبد المسيح الأنطاكي، وهو صاحب مجلة الشذور. بعنوان صناعة حلب الشهباء، وفيها يرصد الكاتب معاناة الناس من جهة ومن جهة ثانية يؤكد أن صناعة حلب هي مصدر معيشة أبنائها وبدونها لا يستطيعون العيش.وهذا هو نص الرسالة: ((إن صناعة الشهباء هي مدار تعيّش (معيشة) الحلبيين ومحط آمالهم بحيث لو بطلت لأغلقت أبواب المدينة. وهلك معاشر الأوساط والفقراء، وقد كانت من عهد غير بعيد بضاعتها رائجة ترسل إلى جهات متفرقة. فكان الأهلون مترفهين. جد الترفه، ومتنعمين أحسن التنعم لرواج بضائعهم، ووفرة مكاسبهم، فكان المئات والألوف أحسن مما عليه العشرات الآن، فهل انقلبت الأرض أم غضبت السماء. أم فسدت القلوب، أم تلك سنة الزمان في أبنائه.
كلا لا عتب على الزمان أيها السادة الأجلاء، هو النهار يضيء نوره وتطلع شمسه، وهو الليل تظهر نجومه أو يهل بدره والربيع يزين الرياض بأزهاره، والشتاء يروي الأرض بأمطاره، بل هي القلوب غشيها وهم الكمال، فلم تشتغل بما يؤول لنفعها، وعلقها الطمع الأشعبي، فلم تعقل خيرها، فكانت الباحثة عن دمارها بأرجلها، والمشتغلة في اضمحلال صنعتها بأيديها، وقد جارت مع الجائرين عليها، إذ فُتح برزخ السويس، فانقطع عنا طريق الهند، فكان يأخذ الأموال من بندرنا (أسواقنا) وامتنعت بعض الأمصار عن قبول بضائعنا. ولم يبق إلا بر الأناضول وبر مصر. تأخذ ربع ما كانت تأخذه في تلك الأزمان)). ويسترسل الكاتب ويحكي قصة الوالي (أشقودره لي حسن باشا والي حلب كيف تدخل ليحل مشكلة وقعت حينما سمع بثورات الصناع، وغش الصباغات. (شكل قومسيوناً (لجنة) بتاريخ أول أيار 1893. وكان مجلس إدارة ولاية حلب قد ألف لجنة من ثلاثة معلمين، وثلاثة صناع، ينوب كل منهم عن فرقتهم واثنين من وجوه البلدة خاليين من الغرض هما صاحبا الرفعة ديمتري أفندي أنطاكي وعبد الله أفندي سالم تحت رئاسة صاحب العزة حبيب أفندي سابا من أعضاء مجلس الولاية. وهو المشهور بالصدق والإستقامة. وقد أخذت اللجنة بتسوية الخلاف بين المعلمين والصناع. ومنع الصباغات المغشوشة).
أهم الصناعات في ولاية حلب:
جاء في قاموس الأعلام التركي لشمس الدين سامي عن صناعة حلب في تلك الفترة (ومن مصنوعات مدينة حلب المنسوجات الحريرية، والشراشف، والأقمشة الجميلة ومن منسوجاتها أيضاً الشال على الطريقة العجمية والمناديل البصمه. ويبلغ عدد الأجهزة اليدوية لهذه الصناعات حوالي 3000 ثلاث آلاف جهاز وفي الآونة الأخيرة استوردت حلب أجهزة وماكينات تعمل بالبخار، وفتحت مصانع حديثة لهذه الأقمشة، ومن مصنوعاتها أيضاً الحصر على الطريقة المصرية، واشتهرت بصناعة الصابون وأنواع السكاكر المختلفة، وتكثر فيها الكروم والبساتين وأهمها كروم الفستق الحلبي، والعنب والتين والرمان وأنواع شتى من الكرز.
وبالقرب من مدينة حلب توجد معادن النحاس. وفي الأقضية الشمالية من الولاية، توجد معادن الرصاص والبوراسيت والأميانت والكروم والأنتموان، وفي الأسكندرونه يوجد البترول. أما في موقع أبو فياض الذي يبعد عن حلب حوالي عشرين ساعة فيوجد الفحم الحجري. وفي مدينة حلب وشمالها يوجد المرمر الأصفر والمرمر الأحمر. ويجدر بالذكر أن الدولة العثمانية مهتمة بإنشاء خط حديدي يربط مدينة اسكندرونه بميناء البصرة على الخليج الفارسي. مما سيزيد في أهمية حلب التجارية، وبهذا يمكن أن يكون قسم من تجارة الهند يمر بهذه الطريق).
الوضع الاجتماعي والاقتصادي لولاية حلب:
حلب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت تتنفس من ميناء اسكندون، فهو نافذتها الوحيدة إلى دول العالم لتستورد بواسطتها بضائعها من فرنسا وانجلترا وإيطاليا، وتصدر المنسوجات الحريرية التي اشتهرت بها وبعض لوازم الصناعات الأوربية، وأستشهد على تلك العلاقة ما بين التجار الأوربيين والحلبيين برسالة بعثها قنصل فرنسا إلى والي حلب نصها (إلى صاحب السعادة محمد رشيد باشا حاكم حلب. تسلمت الكتاب الذي تشرفت باستلامه، مرفقاً به عريضة من السيد ميخائيل آغا مدير جمرك حلب بشكوى ضد السيد باولاكي قره لي. من التبعيه الفرنسية. ولما كان باولاكي سيسافر غداً إلى الموصل وبسبب الخلاف بينهما، فقد عين السيد جول جرميني لينوب عنه بقضية السيد ميخائيل آغا. وتفضلوا يا صاحب السعادة بقبول اسمى اعتباري).
قنصل فرنسا.
وكان من الضروري الاعتناء بوسائل النقل والطرق بين حلب واسكندرونه، ففتح في عام 1867 الطريق بين حلب واسكندرونه ورصف بالحجر بحيث يسمح للحيوانات ووسائل النقل والجر بالعبور بسهولة ومرونه، وبدأ تجار حلب عام 1864 بالانفتاح والتطلع إلى أوربا لتوسيع تجارتهم، وإنشاء محلات تجارية لهم في بلاد الغرب. ومن هؤلاء التجار (أسود إخوان) الذين قصدوا مرسيليا. و(آل ضاهر) أيضاً وأصبح لهؤلاء ومن تبعهم من تجار حلب مكانة مرموقة في عالم التجارة في أوربا. ومنهم من أسس شركات ملاحية لتسهيل الأعمال التجارية بين الشرق والغرب وكانت الجالية الأوربية وافرة العدد في ولاية حلب كما يقول الأب توتل في يوميات البخاش، لكن ما لبث أن تضاءل عددها هذا التضاؤل، ليس سببه كساد الشغل بين حلب وأوربا، لأن العلاقات ازدادت واتسع نطاق المعاملات على مدى الأيام. ولكن كانت التجارة في السابق محصوره في يد التجار الفرنسيين والإنكليز والإيطاليين والألمان المقيمين في مدينة حلب. ولم يكن من دون هؤلاء التجار وسيلة للاتصال المباشر بالمحلات التجارية الأوربية. ولما أصبحت المواصلات سهلة بواسطة الملاحة التجارية والسفن التجارية التي ترتاد الشواطئ السورية ولاسيما مرفأ اسكندرون الذي كان واسطة اتصال مدينة حلب مع أوربا، أصبح التجار الحلبيون يزورون مراكز التجارة في البلاد الأروبية. ولاسيما فرنسا وانكلترا كما كانت البلاد الأوربية ترسل إلى مدينة حلب خاصة رجال الأعمال أصحاب الخبرة والثقة لدراسة الأسواق الحلبية وما يمكنها من تصدير بضائع إليها، وما يمكن استيراده منها وعقد الصفقات التجارية معها، وما ذكر أعلاه كان مشجعاً لزعماء التجار الحلبيين لزيارة البلدان الأوربية، وتأسيس فروع لمحلاتهم التجارية في عدد من البلاد الأوربية خاصة مانشستر وليفربول في انكلترا وهما أهم مدينتين تجاريتين في بلاد الانكليز ومرسيليا في فرنسا، وكذلك في النمسا وألمانيا وإيطاليا، والجدير بالذكر أن النجاح كان حليفاً لهم. فصاروا وسطاً بين التجار الحلبيين وبين التجار الأوربيين مما أتاح لهؤلاء في كثير من الأحيان الاستغناء عن وساطة الأوربيين المقيمين في حلب).
ومع ذلك وبالرغم من أن التاجر الحلبي لعب دوراً وسيطاً بين المصانع الأوربية والتاجر الحلبي، فهذا لا يعني أن التاجر الحلبي لم يكن منتجاً، فلقد اشتهرت في حلب صناعات كان لها عشاقها، مثل انتاج البروكار والشال وغيرها من الأقمشة النسيجية ذات الشهرة. ففي عام 1865 ظهرت صناعة الزنانير الهندية، صناعة (الأغباني) على يد امرأة نصرانية أسلمت على يد الشيخ طه الكيالي، وكانت رأت عنده زناراً من صنع الهند فقلدته وصنعت مثله. فانتشرت هذه الصنعة وعملت بها آلاف النساء.
وكان التاجر الحلبي يحقق لنفسه أرباحاً جيدة في تجارته وأحياناً أرباحاً باهظة، ففي يوميات نعوم بخاش أنه (يوم الثلاثاء 12 حزيران 1860 باع جبرا بقجة حرير بسبعة آلاف قرش. أي ما يعادل 70 ل ذهبية) فتصور الأرباح التي كانت تعود على التجار من حركة الأسواق.
إلا أن عدم استتباب الأمن في شمال سوريا، وهجمات القبائل البدوية على القرى المتاخمة لحدود البادية وعلى منطقة الزور. وبسبب غارات أكراد الجبال غرب حلب على طريق حلب اسكندرونه. كان يؤثر وبدرجة كبيرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لولاية حلب يحدثنا الأب توتل في وثائق تاريخية عن حلب نقلاً عن يوميات البخاش عام 1864م فيقول (في سنة 1864م جرت في الشمال السوري حوادث وفتن بعضها في بلاد الزور. وكان أبطالها رجال دهمان من قبائل العرب النازلون تلك المناطق وبعضها في جبل الأكراد (كرد طاغ) وبطلها خليل آغا وفي جبل قازان وبطلها يوسف آغا. ولم تنته فتنة جبل الأكراد إلا في عام 1865م بعد أن أعدم خليل آغا شنقاً ويوسف آغا بالرصاص. فقطع رأسه وأرسل إلى الآستانة، وانتهت حملة ثريا باشا على عرب الزور في بلاد الفرات باتفاق ثريا باشا مع العرب الشوايا على أن يدفعوا 70000 سبعين ألف قرش.
أسباب الفتن المباشرة:
السبب المباشر لهذه القلاقل أزمه شديدة في حلب فقد قبضت الحكومة على الدواب وساقتها لحمل الأحمال من أسلحة ومؤن، وزاد في حالة الاضطراب ظلم الضبطية الذين قبضوا على 200 أو 300 دابه بدل 40 أو 50 كانوا بحاجة إليها. فخافهم الحمالة التركمان والأكراد وانسحبوا إلى جبالهم، وصار الضبطية يردون ما لم يحتاجون إليه من الدواب. لقاء دراهم يتقاضونها فانقطعت المواصلات بين حلب وبين الأرياف في أيام كان الناس في حاجة ماسه إلى وسائل النقل. فالقمح على البيادر والحب في القرى، فصار الشنبل الذي كان يباع في العام السابق في حلب بـ35 أو 40 قرشاً يباع 110 أو 120 قرشاً. وكذلك ارتفعت أسعار الفحم والحطب وقل اللحم في الأسواق، وظلت الخضروات في البساتين مرتعاً للعفونة والعنب متروكاً في الكروم، وأخذ العوز يخيم على المدينة وصار الطمع يغري التجار، فاحتكر بعضهم الحاجيات. وأحدثوا الفتنة، فهجم الناس على السرايا يطلبون القوت، ووقفت حركة التجارة. لأن البضائع التي شحنتها السفن الفرنسية والروسية أو الانكليزية إلى الاسكندرونة باتت مكدسة في مينائها لعدم وجود الدواب لنقلها إلى حلب. وفي 14 تشرين الأول 1864م بلغ سعر شنبل الحنطة 150 قرشاً فتجمهر الناس وساروا بمظاهرات يتهددون من قيل أنهم احتكروا القمح. وقد ظلت الطريق بين حلب واسكندونة مهددة حتى أوائل القرن العشرين بالأخطار والتشليح والسطو على القوافل والتجار مما أجبر الدولة العثمانية على تجهيز حملة عسكرية قوية للقضاء على الشقاوه وقطاع الطرق وكان من أشهر من عرف من هؤلاء عطونو).
بعض المعوقات في تجارة ولاية حلب:
ونستطيع أن نعيد هذه المعوقات إلى قسمين رئيسيين:
آ) ـ معوقات خارجية. ب) ـ معوقات داخلية.
آ) ـ المعوقات الخارجية وأهمها:
1- حرب القرم ومشاركة أبناء حلب فيها.
2- فتح قناة السويس وانقطاع طريق الهند.
ب) ـ المعوقات الداخلية ويمكن أن نعيدها إلى سببين:
آ) ـ أسباب طبيعية بيئية.
ب) ـ أسباب ناتجة عن سوء الإدارة وضعفها وفساد الحكم والاستبداد.
آ) ـ أهم المعوقات الطبيعية البيئية:
1- حريق هائل في أسواق حلب.
2- الكوليرا.
3- زلازل وهزات أرضية.
ب) ـ أهم الأسباب الناتجة عن سوء الإدارة والفساد:
1- صور عن الحالة الأمنية لولاية حلب.
2- قطاع الطريق (التشليح).
3- عشائر عنزه ساهمت في تأخر تجارة ولاية حلب.
4- ظلم التحصلدارية ورجال الضبطية.
5- غلاء شديد في الأسعار.
وسوف نتحدث عن كل سبب من هذه الأسباب بما يخدم دراستنا.
1- حرب القرم ومشاركة أبناء حلب فيها:
جرت حرب القرم بين أعوام 1854-1856م بين روسيا القيصرية من جهة وبين انكلترا وفرنسا والدولة العثمانية وسردينيا قبل أن تتوحد إيطاليا. والقرم شبه جزيرة تقع جنوب البلاد الروسية شمالي البحر الأسود وبين البحر الأسود وبحر آزوف.
لم تكن لهذه الحرب أهمية عسكرية كبرى، فالمعارك البرية لم تكن سوى مناوشات، لكنها أظهرت بطولة الجنود وتحملهم الشديد للجوع والمرض والعطش وقساوة الشتاء. وأظهرت في الوقت نفسه خلافات واضحة بين قيادات الجنود المتحالفة. ويروي الكاتب الانكليزي جيمس بربري في كتابه عن حرب القرم الذي صدر عام 1970م أن حفنة من الجنود العثمانيين وطبعاً بينهم الجند الحلبيون، قاوموا أثناء إحدى المعارك ببسالة فائقة أكثر من عشرة أمثالهم من الروس وانتهت هذه الحرب بمعاهدة باريس 1856م.
وكان لهذه الحرب نتائج على جميع المتحاربين ما هو سلبي وما هو إيجابي. ومن ضمن هذه النتائج أن الدولة الروسية توقفت عن التدخل في الشؤون الدينية للطوائف المسيحية في فلسطين ولقد ساهمت مدينة حلب في حرب القرم بفيلق من الجنود ضم 1500 ألف وخمسماية جندي. علماً أن مجموع الجيش العثماني لم يتجاوز عدده السبعة آلاف جندي، وقد اشتهر هذا الفيلق الحلبي بالشجاعة والإقدام، وكان بقيادة علي باشا شريّف وقد وصف الطباخ في أعلام النبلاء هذا القائد الحلبي (أنه منذ حداثة سنة ظهرت عليه مخايل النجابة والبراعة ودخل السلك العسكري. وصار كتخدا عند المشير عمر باشا البشناقي السردار الأكرم).
ولما توجه القائد على باشا إلى الحرب مع الجند العثماني على رأس فيلقه، امتدحه الشيخ أبو النور الكيالي الإدلبي بقصيدة طويلة مطلعها:
خَطَرتْ بقوامٍ كالسمهرِ هيفا بلواحظها تسحرِ
فُتِنتْ بِجمالِ مشرقهِ الوضاحِ حكى نجماً أزهرِ
سَلبتْ لُبّ العشاقِ بكو كبٍ مطلعها الزاهي الأبهرِ
2- فتح قناة السويس:
لقد تأثرت التجارة العالمية بفتح قناة السويس في مصر واتصال البحرين الأبيض المتوسط والأحمر. ومن ثم توفير الزمن والمسافة التي كانت تقطعها السفن بالالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الهند. فهناك دول تأثرت سلباً ودول تأثرت إيجاباً، وقد تأثرت حلب سلباً إذ انقطعت تجارتها مع الهند، فالتجار الهنود لم يعودوا يحملون حريرهم وبضائعهم إلى حلب. ولم يعودوا ينزلون في خان الحرير كما وقف نشاط طريق الحرير وحلب واقعة على هذا الطريق كانت تستفيد من تجارته.
3- حريق هائل في أسواق حلب:
جاء في نهر الذهب أنه في عام 1868 شب حريق هائل في أسواق حلب، ومنها سوق الذراع، وإن أسواق حلب ليست بتمامها من الصخر كحوانيت أوربا. ومصاطبها من الخشب اليابس المستعد للهيب. وقد لاصق بعضها بعضاً. ولم يوجد آلة للإطفاء فكيف العمل لسرعة إخماد النار. فليعلم الله والحال كذلك أن الحكومة العلية لم تتوفق لإخماد هذا الحريق إلا بالهمم الجسام).
ونتيجة لذلك أمر الوالي بتبديل سقوف أسواق حلب بالسقوف المعروفة بالجملون وكانت قبلاً من الحصر المنسوجة من البردي والقصب، كثيرة الاستعداد للاحتراق، فشرعوا بذلك مبتدئين من باب النصر. وفي 3 تموز عام 1890م شبت النار في مخازن الخشب للتاجر أنطون مكربنه، ثم امتد اللهب إلى أملاك غزاله والى مخزن نعوم، الحاوي على كمية من السمن والزيت، وأطفئت النيران بعد 14 ساعة بمساعدة العسكر.
4- الهواء الأصفر (الكوليرا):
الهواء الأصفر هكذا يسمونه العامة، ظهر في حلب عدد من المرات. ففي عام 1875م وكان يموت فيه كما جاء في وثائق تاريخية من المسيحيين يومياً من 5-12 إنسان ومن المسلمين من 200-300 إنسان، ثم عاد وظهر في أيلول من عام 1890م كما جاء في الوثائق التاريخية عن حلب للأب توتل فبلغ عدد المصابين حتى الثلاثين من أيلول نفس الشهر 162 مصاباً توفي منهم 154 شخصاً، وفرض الحجر الصحي على مدينة بيلان على طريق اسكندرون ميناء حلب التجاري، وامتنعت السفن التجارية عن المجيء إليها، وتوقف البريد البحري عن الورود من أوربا مما سبب نقمة التجار في مدينة حلب. وفي تشرين الأول من نفس العام ازداد عدد المصابين في مدينة حلب بالكوليرا، ولاسيما في حي الكتاب، حتى هجر السكان منازلهم، وأغلقت المدارس، وكانت الكوليرا تفتك في أحياء باب النيرب والفرافرة وباب النصر ثم انتقلت إلى الأحياء المجاورة.
وفي 9 تشرين الثاني خفت وطأة الكوليرا في حلب، وأخذت تزحف جنوباً إلى مدن حمص ودمشق ثم عادت في شهر تموز من عام 1891م.
وفي أواخر عام 1890م أضرب القصابون في حلب بضعة أيام وارتفع سعر اللحم. فسار المسلمون في الشوارع منشدين الأناشيد الدينية، مستغيثين بالله ليرفع البلاء عن البلاد، وينجيها من الكوليرا، وتابعوا سيرهم إلى الجامع الكبير للصلاة طالبين من الله الرحمة والغوث.
الزلازل والهزات الأرضية:
تعرضت ولاية حلب لعدد من الزلازل والهزات الأرضية. وكانت نتائجها كارثية. ففي وثائق تاريخية أنه في 6 حزيران 1884م الساعة 15.10 خمسة عشر و10 دقائق جرت في مدينة حلب زلزلة عظيمة، فأغلقت الحوانيت، وخرجت عائلات كثيرة من بيوتها إلى البساتين.
وفي كتاب نهر الذهب أنه في الساعة السابعة والدقيقة الخامسة عشرة من يوم السبت الحادي والعشرين من محرم 1305هـ وقع في حلب وعينتاب وكلز ومرعش والبستان وأورفه وسروج زلازل من الغرب إلى الشرق، وامتد نحو نصف دقيقة دون أن يحدث منه خطر، وفي نفس الوقت حصل زلزال شديد في بعض قرى عينتاب فهدمت عدة دور. وهلك بها تحت الأنقاض طفلان وبعض المواشي.
أما زلازل إنطاكية فقد كانت أشد هولاً، هلك فيها الألوف من الناس، وتهدمت الكثير من المباني، وقد وقعت فيها ثلاثة زلازل، الأول عام 1615م والثاني عام 1822م الذي هز المدينة وكاد أن يقضي عليها، وقتل به نحو خمسة آلاف نسمة والثالث حدث عام 1872م وكان من أعظمها وأهولها، فقد استمر عدة أيام يكاد لا يهدأ حتى يعود، فهدم قسماً من الأسوار، وتصدع الجسر الروماني القديم. وتهدمت منازل كثيرة. وسقطت كنيسة الروم الأرثوذكس وهلك ألوف من الأهالي.
صور عن الناحية الأمنية لولاية حلب:
وأنا هنا سوف أكون حيادياً. وأتحرى الأمانة والدقة في النقل، وأترك الحديث لمن عاش في هذه المرحلة والظروف، وهنا أنقل ثلاثة صور:
آ) ـ يقول الرحالة الإنكليزي نيل في كتابه (ثماني سنوات في سورية) 1842 ـ 1850م في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة 1266م ثاني يوم عيد الأضحى الموافق لليوم 16 تشرين الأول 1850، هاجم جماعة من العوام وزعمائهم من أحياء باب النيرب والقصيلة وغيرها من الأحياء النائية شرقي حلب. أحياء الصليبة والجديدة والأحياء المجاورة. وذلك بقصد السلب والنهب واعتدوا على سكانها في بيوتهم. وسرقوا ما تمكنوا من الحصول عليه من الأموال والأمتعة والأثاث المنزلي. وقبل ذلك هاجم بعض أهالي قسطل الحرامي مخفر الشرطة الذي في حيهم. ولكن والي حلب آنذاك ظريف باشا تمكن من القبض عليهم. فأخذوا إلى الوالي، وعوقبوا بالضرب بالعصا، مما زاد في حقدهم وقد توغرت صدورهم بالحقد. ويبدو أن مدينة حلب في تلك السنة لم يكن فيها العدد الكافي من الجند لحفظ الأمن واستتبابه مما ساعد على هذه الفتنة، لأن الجيش العثماني النظامي في حلب كان قد أرسل إلى دمشق لإخماد نار ثورة فيها بسبب الدعاية إلى الخدمة الإجبارية، وظلت حلب خالية من العسكر لحمايتها، فدخلها البدو وعاثوا فيها فساداً.
ب) ـ أما الكاتب الحلبي نعوم بخاش الذي كتب في يومياته التي اعتمدنا عليها في هذا البحث أنه يوم الأحد تشرين الأول عام 1850 م قدم إلى حلب قبر صلي محمد باشا ومعه العساكر والعده الحربية. والإثنين قُرأ فرمانه. والثلاثاء سافر ظريف باشا معزولاً (والي حلب السابق) والأربعاء نزل عبد الله بابنسي (متسلم حلب. مسؤول الأمن) ورمضان آغا واثنين آخرين ممن أثاروا نار الفتنة، ودوروهم بالبلد مقدار ساعتين على دواب مبهدله، مربطين الأرجل، وعلى صدورهم لوحه كتب عليها هذا جزاء الذي يخون السلطان، وأخذ الباشا يطلب الأشياء المنهوبه في دار مطران الروم الأرثوذكس، أو في دار بولس أورتين الماروني ويعرضونها للناس بالمزاد.
د) ـ أما المؤرخ الحلبي كامل الغزي فيكتب في تاريخه نهر الذهب في تاريخ حلب . (إن الثورة بدأت بعد عشاء الليلة الثامنة من عيد الأضحى سنة 1850م حين تألب جماعة من العوام وزعمائهم في سوق باب النيرب. وعولوا على إحداث ثورة ضد الحكومة، وأول عمل باشروه أنهم قصدوا مخفر الدرك في حي باب الحديد، فهرب هؤلاء الدرك. والتجؤوا إلى الرباط العسكري (القشله) فلما نما الخبر إلى الوالي حضر إلى محل الثوار بنفسه لإخماد ثورتهم، ولما رأى جموعهم تجاه جامع التوبة هاله الأمر وانصرف عنهم، فلما علموا بخوفه زاد شغبهم. وفي الساعة الثالثة من الليلة المذكورة. مشوا بطبولهم وزمورهم إلى محلة الفرافرة فلم يجدوا أحداً من الأعيان فرفعوا أصواتهم بالسب والشتم وأطلقوا العيارات النارية ثم توجهوا إلى محلة قرلق لمواجهة عبد الله بك بابنسي متسلم حلب. وهو المسؤول عن دفع الحيف والظلم عن أهل حلب. ثم توجهوا إلى محلة الألمجي والماوردي. وهم يطلقون الرصاص ويكسرون أبواب المنازل. ودام ذلك حتى طلوع الشمس ثم توجهوا إلى محلة الصليبي وشرعوا بتحطيم الأبواب والنهب وكان أكثر أعيانها قد تركوا بيوتهم وتحصنوا بالخانات حيث الجاليات الأجنبية مع عيالهم، ومنهم من أخذه إلى بيته بعض معارفه من المسلمين وحماه عنده، ومنهم من دعا إلى بيته بعض المسلمين ليحامي عنه، فسلمت بذلك بيوت كثيره وسلم من كيد الثوار عدة جهات كحارة المحبي والشرعسوس لأن بعض سكانها كانوا من وجهاء المسلمين فدافعوا عن جيرانهم النصارى فلم يصب أحد منهم بسوء ولم يزل النهب يجري إلى اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة).
لقد نقلت هذه الصور عن مؤرخي وكتاب تلك المرحلة وهم شهود عيان عما حدث، ولم أتدخل حتى أنني لم أذكر الأسباب التي ذكرت كخلاف على فرس وغيره لأنها لم تكن هي الأسباب الحقيقية فالأسباب الحقيقية بين من عاش مترفاً في تلك المرحلة ومن كان يموت من البرد والمرض والجوع.
قطاع الطرق والتشليح:
كان لضعف الإدارة المركزية والثورات التي قامت ضد الفساد والتعسف العثماني في دمشق وقلة رجال الدرك لذهابهم لقمع ثورة دمشق والفقر والجوع والغلاء الفاحش دور كبير في ضعف الأمن والأمان في ولاية حلب مما اضطر الوالي أنذاك بالاستعانة برجالات العشائر في حفظ الأمن لذلك فقد ظهرت جماعات خرجت عن سلطة الدولة وأخذت تعيث فساداً تقتل وتنهب المواطنين وكل ما تصادفه في طريقها حتى قناصل وتجار الدول الأوربية وقد ظهر كثير من تلك الصور في مراسلات القناصل إلى حكوماتهم أو مطالبة الولاة في ضبط الأمن في الولاية. وظهر من رجال العصابات من أصبح حديث الناس ومضرب أمثالهم حتى أحياناً بالمروءة والنخوه (كعطونو) مثلاً الذي يقال أنه صادف رجلاً معه بعض الليرات ولما أراد تشليحه، تعطّفه وقال أنه اشتغل وجمّع من أجل زواجه، فأعاد له ليراته ومثلهم من الليرات كما ظهر في عام 1864م بعض الفتن في جبل الأكراد تزعمها خليل آغا وفي جبل قازان وبطلها يوسف آغا، لم تنته إلا في عام 1865م بقتل الرجلين، ولا بد أن نذكر أهمية الطريق البرية الواصلة بين حلب ومدينة اسكندرونه ميناء حلب التجاري ونافذته إلى دول العالم وأن هذا الطريق الذي كانت تسير عليه قوافل التجار مستوردة ومصدرة تجارة حلب كانت محط أنظار تلك العصابات من قطاع الطرق.
ذكر الأب توتل اليسوعي في كتابه وثائق تاريخية عن حلب نقلاً عن يوميات نعوم البخاش أن القنصل الإنكليزي سكين كتب (أن الأراضي المخصبة الواقعة في حلب والبحر لا زراعة فيها ولا حياة إذ ليس فيها ما ينشط الفلاح على العمل ويحميه من جور الجائرين، في سهول إنطاكية قبائل من التركمان تثير الاضطراب ولكن ليست مما يستوجب الخوف فهي مضرة كونها تحول دون عمران البلاد لا بكونها تعادي الحكومة فقد تسلب القافلات الحاملة البضائع من ضيعة إلى ضيعة وتغزو الأنعام والمحصولات وإن سرقاتها كثيراً ما تكون جزئية لكن حدوثها يسبب القلق ويأتي بالشرور.
لقد ينقضي العام بالهدوء والسكينة وإذ يعقبه عام زوبعة يضطر الأهالي إلى هجر قراهم إذا فقدوا الأمل بحصد غلاتهم عندما يدخل الأغوات بالمناوشات والمقاتلات بعضهم مع بعض فيجتاحون الأرياف ويذهبون بتعب الفلاح.
كان أحمد المعروف بزعيم (الرولا) فخذ من عشائر عنزه قد استخدمته الحكومة في حراسة الطريق بين حلب واسكندرونه. وفي أثنائها خرج ابن عمه عمر لتشليح القافلات فكان من شأن والي حلب أنه عوض أن يخرج على عمر بطابور من الجند المسلح المرابط في حلب لحراسة الطرق عزل أحمد آغا وأقام مكامنه عمر فتحول أحمد آغا إلى لص قطاع طرق وعمر إلى رجل أمن ولكن ذلك الاستبدال لم يبدل بحالة المسافرين فسرق البريد مرتين.
ومن حوادث التشليح ماجاء في سجلات مركابولي القنصل الإسباني ففي 10 كانون الثاني تشلحت قافلة على طريق الموصل وغيرها على طريق اسكندرونه وخرج القنصل الفرنسي راكباً حصانه للنزهة خارج البلد فهاجمه اللصوص وكان مسلحاً فهرّبهم.
نقل الأب توتل في وثائقه عن حلب عن يوميات نعوم بخاش اليومية رقم 104 في يوم السبت 22 شباط 1862 في أيام المشير عصمت باشا حاكم ولاية حلب أن أحد المرسلين الأميركيين شُلّح وقتل عند أبواب اسكندرونه وأن حوادث التشليح والسرقات متواترة في البلاد المعهود إليه بأمرها وأن الظبطية ليس عددهم كافياً لحفظ الأمن جاء ذلك في رسالة أرسلها القنصل شاتري الإنكليزي إلى الوالي عصمت باشا.
عشائر عنزه ساهمت في تأخر تجارة حلب:
أصل هذه العشائر من منطقة القصيم بنجد في أواسط الجزيرة العربية وهي تضم الكثير من البدو القاطنة بادية الشام اتسع نفوذ هذه القبائل في بادية الشام منذ القرن السابع عشر على حساب قبيلة شمر ومنذ القرن التاسع عشر سيطرت عشائر الرولا وهي من عنزه وكان لها نفوذ قوي في شرقي بادية الشام كما سيطرت على هذه المناطق عشائر (ولد علي والسبعة) وهي أفخاذ من عشيرة عنزه. اشتهرت عشيرة عنزه بتربية الأغنام والجمال والخيول الأصيلة وهذه القبائل تنتقل في بادية الشام بدءاً من الربيع في طلب المرعى وتتبادل مع المدن المجاورة للبادية إنتاج حيواناتها وتشتري من أسواقها لوازم حياتها القبلية وأحياناً تغير على هذه المدن وتقتل وتسلب وتقطع الطرقات المجاورة لها وقد تفرض أتاوات عليها وهذا الاحتكاك بدا واضحاً على ولاية الزور والرقة وما يلوذ بهما وكلهم تابعون إدارياً إلى ولاية حلب وأثر تأثيراً واضحاً على حركة التجارة والأمن في تلك المناطق مما حدى بالسلطة العثمانية أن تأمر ولاتها وقادة العسكر في ولاية حلب بقمع هذه التحركات التي تضر بالاقتصاد وتؤدي إلى فلتان أمني يؤثر على حركة البيع والشراء في الولاية وقد رصدنا ذلك في رسالة أرسلها تاجر اسباني في تاريخ 14 آب 1857م إلى إسبانيا جاء فيها:
(إن أمين أفندي وعزمي باشا الحاكم العسكري بحلب خرجا بحملة على عربان عنزه وكان عدد الجند العثماني من الأربعماية إلى الخمسمائة فالتقى الفريقان على بعد اثنتي عشرة ساعة من حلب وكان الفوز للعسكر الشاهاني العثماني. وأمر أمين أفندي بتدبير مظبطه قال فيها إن خسارة العرب كانت 400 رجل وخسارة الأتراك 76 رجل وإنه ربح على العرب مغنماً وافراً).
وقدرت هذه الغنائم في كتاب وثائق تاريخية عن حلب بالف رأس غنم وأكثر من مائة جمل.
وفي وثائق تاريخية عن حلب أيضاً رصدنا أن البدو لم تكن دائماً تلتزم بفروضات الدولة عليها ففي عام 1855م قاد يوسف باشا الشريف حملة عسكرية إلى البادية وبلاد الزور إلى الشرق من حلب وذلك بمساعدة زعيم البدو الشيخ حزام ليتقاضوا من العرب النازلين في تلك الأحياء ما تأخر عليهم من الأموال المتوجبة إلى خزينة الدولة وهنا الصورة ظهرت إيجابية فالعشائر تساعد الدولة على بسط سلطانها وفرض هيبتها ونظامها على قبائل أخرى لم تلتزم بدفع الضريبة إلى الدولة العثمانية.
برد قارس وغلاء شديد:
جاء في نهر الذهب لكامل الغزي أنه في عام 1863م حدث في حلب برد شديد وغلاء في الأسعار لا يحتمل وبدءاً من 29 آذار عام 1871 تصاعدت أسعار الحاجيات الاستهلاكية في مدينة حلب ولا سيما أسعار الحنطة والطحين فبيع شنبل الحنطة 180 قرشاً وكان يباع 75 قرشاً لكن المحسنين من الناس وكرام الرجال في المدينة كانوا يجمعون التبرعات لشراء الدقيق وتوزيعه على المحتاجين.
ظلم التحصلدارية ورجال الضبطية:
التحصلدارية تعني الجباة لكنهم في ولاية حلب زمن الدولة العثمانية لعبوا دوارا كبيراً في ظلم الناس همهم أن يجمعوا ما أمكن من الأموال بحق وبغير حق وكانوا أيدي الولاة الجشعين الذين ليس لهم هماً إلا جمع الأموال من الناس دون أن يراعوا الحالة الاجتماعية والاقتصادية للناس حيث المجاعات المتكررة والغلاء الفاحش للأسعار والكوارث والفتن وكان هؤلاء التحصلدارية يستعينون برجال الضبطية أي رجال الدرك فيزيد الظلم ظلماً والابتزاز قساوة وقهراً ففي العدد الثاني من مجلة الشهباء وصفٌ لما يصنعه هؤلاء التحصلدارية في ظلم المواطنين ففي المقالة (إنه في يوم الخميس 20 تشرين الأول 1898 جاء التحصلدارية باسل رباط وحبيب بن سمعان العواني وأنطون القداديحي وأربعة أنفار من الضبطية (الدرك) إلى محلة العزيزية وألقوا القبض على مجموعة الفعلة (العمال) المشتغلين في بناية الخواجة رزق الله غزاله ومن جملتهم شاب يعتد بنفسه يدعى جرجس عزاقي من محلة زقاق الطويل في العشرين من عمره أبى أن يرضخ لاستبدادهم فقاومهم وأراد أن يتخلص منهم فلم يكن من أحدهم حبيب وأحد الأنفار إلا أن ساقاه إلى دار الحكومة بالضرب المبرح وهناك استقبله عثمان آغا بالضرب أيضاً وزجوه بالسجن إلى بقية القصة حيث فارق الحياة).
خـاتمـة:
في أدبيات تلك الفترة تسجيلات واضحة للحالة الاجتماعية والاقتصادية لسكان وتجار ولاية حلب ففساد الحكم وجشع الولاة وظلم التحصلدارية والضبطية أيدي هؤلاء الولاة الظلمه إضافة إلى ظلم الطبيعة وما أرسلت من كوارث زادت الظلم ظلماً والبؤس بؤساً حتى أصبح الناس في حياتهم لا يستطيعون أن يحصلوا على طعامهم الأدنى إلا بصدقات المحسنين ونتج عن ذلك فتن وتمردات ضد هذه السلطة الباغية منه بحق ناتج عن الظلم ومنه بغير حق كالسلب والنهب من قبل سكان البادية فظهرت الفتوات والقبضايات وقطاع الطرق وظهر انفلات في الأمن وهلع عند السكان كل هذا شكل مجتمعاً معوقات أثرت في تجارة حلب وفي تجارها وفي سكانها بجميع طبقاتهم وخاصة المتوسطة والدنيا فعاشوا المجاعات وعانوا من الموت الجماعي من الكوليرا والزلازل ولقد رصدت هذه الرسالة الموثقة في سجلات القنصلية الإنكليزية تصور الحالة الاجتماعية لوضع الناس وحياتهم في تلك المرحلة والرسالة مؤرخة بتاريخ 31 آذار 1858م والقنصل آنذاك بحلب جيمس سكين.
(البلدة حلب هادئة وأفهم بالهدوء عدم وقوع حركة اضطراب واسعة النطاق لأن أحياء عديدة في المدينة تتمخض وتلد الزوبعة في الساعة التي لا نتوقعها إنه لحدث جديد في هذه البلاد حيث الفقر, قليلٌ أن تحدث فيها الفتنة في سبيل الخبز وذلك لم نسمع به إلى يومنا فإن الناس يتزاحمون عند الأفران وليس ازدحامهم ما يدعو إلى الطمأنينة لقد ارتفعت أسعار الحاجيات فبلغ شنبل الحنطة 100 قرش فصار ثلاثة أضعاف ما يجب أن يكون عليه وتضاعفت قيمة اللحم ومع ذلك لا وجود له في السوق وكذلك السمن وهلم جرا فخيم العوز ليس في بيوت الفقراء فقط ولكن في مساكن العائلات المتوسطة أيضاً ولم تنجح الوسائل التي استعملتها الحكومة لاتقاء الغلاء لقد استوردوا المؤونة من إدلب وعرضوها في الأسواق وظلت الأسعار على ما كانت وأقاموا موظفاً سعى في إلجاء تجار الغنم إلى بيع فئة من غنمهم بأسعار مقبولة ولكن أدى ذلك إلى المناوشات فرفعت الشكوى على الموظف لقلة إنصافه في المعاملات ولم يتداركوا أمر البدو الرحل المقيمين سابقاً بجوار البلد فتركوهم يرحلون بما عندهم من أغنام عددها 5500 رأس فزاد ذلك في الغلاء.
إن حسن السياسة والمعاملة مع العرب لأمر حيوي لحلب ولسائر المدن الواقعة على حدود البادية لقد حاولت السلطة أن تكبح جماحهم منذ سنين بقوة العسكر النظامي ونجحت بمسعاها ولكنها ألحقت بذلك ضرراً بالمدينة لأن العرب رحلوا ولم يدخلوا المعاملات التجارية التي كانت تعود عليهم وعلى حلب سنوياً بربح 50000 خمسون ألف ليرة انكليزية فلم يبتاعوا الحب ومضوا بأصوافهم وألبانهم إلى أسواق أخرى.
في العام الماضي اتخذ الوالي خطة مخالفة للتي ذكرناها فمنح زعماءهم رواتب العسكر غير النظامي مما عاد على البلدة بحركة تجارية عوضت عن السنة السابقة ولكن العرب تشجعوا وتجاسروا وصاروا يشلحون القبائل فاستدعى الوالي إليه زعيمهم (فدعان) وعامله بالاكرام وصالحه ورده إلى البادية على أن يرجع بها بأموال العرب فيعرضها في أسواق حلب وتنفرج الأزمة).
القنصل الإنكليزي بحلب.
محمد صبحي المعمار

المراجع
وثائق تاريخية عن حلب فردينان توتل اليسوي
نهر الذهب في تاريخ حلب كامل الغزي
حلب في مئة عام محمد فؤاد عينتابي ـ نجوى عثمان
إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء محمد راغب الطباخ
حرب القرم جيمس برودي
يوميات البخاش نعوم بخاش
القاموس التركي شمس الدين سامي
مجلة الشذور عبد المسيح بن فتح الله انطاكي
ثماني سنوات في سورية الرحالة الإنكليزية نيل

الســيرة الـذاتيــة
محمد صبحي المعمار
دبلوم في السياسة والاقتصاد والفلسفة
دراسة الاتحاد السوفياتي
مـدرس متقاعـد
لـــــــه
تحت الطبع رواية حينما يخطئ الطبيب
ديـوان شـعر مخطـوط
ملحمة شعرية بعنوان أطفال الحجارة
مـأسـاة شــعب
حلب هاتف 5717866
موبايل 099270332







 أبو روعة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Jun-2007, 04:50 PM   رقم المشاركة : 2
أبو روعة
روماني
 
الصورة الرمزية أبو روعة

 




افتراضي بحث /بعض معوقات تجارة حلب زمن الخلافة العثمانية 1

أ: محمد صبحي المعمار

بعض المعوقات في تجارة حلب
زمن الخلافة العثمانية
1840م ـ 1900م
أ: محمد صبحي المعمار

حلب الشهباء:
حلب مدينة قديمة في التاريخ، سكن الإنسان مغايرها يوم كان يسكن الكهوف، ثم زحف إلى النهر والسهل والجبل. وبنى القلعة والسور، ليحتمي بهما من الغزاة والطامعين، لذلك كان من نافلة القول أن الحلبي إنسان مخضرم، متوالد من رحم حضارات وشعوب متعددة، سكنت هذه الأرض وتوالدت فيها، ثم انصهرت في بوتقتها، وولدت الإنسان الحلبي، بمهارات متعددة في زراعته وصناعته وعمرانه وفنه وآدابه، فهو تاريخ يملأ صفحات الزمن وفنٌ تترنم به الأجيال، وتعزفه السنين والشهور والأيام إنها حلب الشهباء.
حلب زمن السلطنة العثمانية:
لم تتأثر حلب بالعثمانيين كثيراً. لم تذب في بوتقتهم، ولم تتنازل عن شخصيتها وخصوصيتها، إنما استقبلتهم كما استقبلت غيرهم من أفواج وفود العموريين والحثيين والآراميين والرومان. كما استقبلت المماليك بفارق العواطف الدينية المشتركة. تعاملت معهم بحذق ومهارة وحسن أداء، ثم امتصت وتمثلت ما معهم ودمجته بما عندها. وجعلت السمة الحلبية هي الطابع الغالب والمميز لذلك عبر التاريخ. نرى أبناءها قد هبوا لنجدتها حينما أراد الغازي أن يُغرق حضارتها ويحطم ملامحها المميزة، وخير دليل على ذلك ثورة المصلح عبد الرحمن الكواكبي على العثمانيين وتمرده عليهم. وهبوبه للدفاع عن مدينته ومن ثم عن بلاده وعروبته وانتمائه. وحلب الشهباء زمن السلطة العثمانية هي إحدى الولايات العثمانية. تتألف من ثلاثة ألويه، وثلاثة وعشرين قضاء.
1- اللواء الأول: هو حلب وما جاورها من الأقضية والقرى وهي القسم الشمالي من سورية.
2- اللواء الثاني: وهو مرعش وما جاورها من الأقضية والقرى، وهي القسم الجنوبي من آسيا الصغرى.
3- اللواء الثالث: وهو أورفه وما جاورها من الأقضية والقرى.
حدود مدينة حلب:
يحددها من الشمال ولايات أضنه وأنقره وسيواس، ومن الشرق دير الزور المستقلة ونهر الفرات، ومن الجنوب ولاية سورية، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط.
سكانها:
هذه إحصائية نشرتها مجلة الشذور الحلبية لصاحبها عبد المسيح بن فتح الله أنطاكي في عددها التاسع عن ولاية حلب حينما كانت من أهم ولايات الدولة العثمانية. عن برنامج نفوس الحكومة السنية.
جدول إحصائي بسكان حلب ومذاهبهم:
ذكور أناث مجموع مذهب
351249 345795 697044 إسلام
213 218 431 إسلام قبطيان
3914 3473 7387 روم أرثوذكس
3955 4089 8044 روم كاثوليك
17005 15391 32396 أرمن
4904 4891 9795 أرمن كاثوليك
1963 1750 3713 سريان
981 979 1960 موارنه
89 62 151 كلدان
274 313 587 لاتين
4944 5058 10052 يهود
5030 2908 7938 غرباء
1827 695 2522 أجانب
401041 390015 791056 مجموع سكان ولاية حلب

لغات سكانها:
اللغة الأساسية لسكان ولاية حلب وتوابعها، اللغة العربية وكانوا يستعملون اللغة التركية والإفرنسية، وهناك اللغة التركية فقط في مرعش وأورفه.
الألويه والأقضية التابعة لولاية حلب:
مسلسل اسم القضاء عدد القرى عدد النواحي
1- عينتاب 194 7
2- كليس 491 10
3- بيلان 41 ـ
4- إسكندرون 25 1
5- أنطاكية 162 4
6- حارم 140 2
7- جسر الشغور 101 2
8- ادلب 120 3
9- معرة النعمان 30 ـ
10- الباب والجبول 94 3
11- منبج 215 ـ
12- جبل سمعان 224 ـ
13- الرقة ـ ـ
14- سنجق أورفه 318 7
15- روم قلعه 168 12
16- سروج 237 ـ
17- بيره جك 129 ـ
18- سنجق مرعش 114 7
19- البستان 135 ـ
20- زيتون 28 ـ
21- أندرين 53 1
22- بازار جق 76 ـ
إنتاج ولاية حلب الزراعي:
ولاية حلب معتدلة المناخ. تجري فيها الفصول الأربعة بدقة وانتظام. لذلك كان انتاجها الزراعي متعدداً . فهي ذات أراض خصبة. تنبت فيها جميع أنواع النباتات. كالحنطة والشعير والذرة والأرز والقطن والحمص والعدس والبقلة وبزر الكتان واليانسون والسمسم والخردل والذرة المصري والسيرس وقصب السكر وغيرها...
أما الأشجار المثمرة، فالزيتون من أهم أشجارها وينمو بكثرة في حلب وإدلب وكلز وحارم وعينتاب وأنطاكية وجسر الشغور والفستق والحلبي الذي ينمو ويكثر في حلب وروم قلعة وعينتاب والزيت الكلزي لا يضاهيه زيت في العالم، وهناك الليمون والرمان والبرتقال يكثران في أنطاكية واسكندرون، والكرز ينمو ويكثر في حلب وأريحا، وفي ولاية حلب بعض الأشجار ذات الإنتاج الصناعي مثل أشجار التوت التي يُربى عليها دود القز المنتجة للحرير الذي يستعمل في الصناعة. وهناك غابات من أشجار السنديان والدردار والصفصاف والحور وغيرها، أما الحيوانات فهي كثيرة ومتعددة تعيش في جميع نواحي الولاية مثل الغنم والجمل والبقر والماعز والخيول الأصيلة في بوادي الولاية.







 أبو روعة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Jun-2007, 07:29 PM   رقم المشاركة : 3
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

تم دمج الموضوعان في موضوع واحد اخي ابو روعه













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Nov-2012, 10:34 AM   رقم المشاركة : 4
أبو روعة
روماني
 
الصورة الرمزية أبو روعة

 




افتراضي رد: بحث /بعض معوقات تجارة حلب زمن الخلافة العثمانية 1

أسواق حلب القديمة.. حلم وخيال يحلق في طقس تراثي جميل

دخلت موسوعة «غينيس» لطولها المميز


اسواق حلب متعة للسائح وابن البلد («الشرق الأوسط»)


دمشق: هشام عدرة
اشتهرت مدينة حلب، التي تعتبر عاصمة شمال سورية، وثاني أكبر المدن السورية بعد دمشق، بالكثير من المواقع والأماكن التاريخية والسياحية، ولعل من أبرزها أسواقها القديمة الفريدة التي تشكل عنصر جذب سياحياً للكثير من زوار سورية، حيث تعد هذه الأسواق التي يطلق عليها أهالي حلب اسم: (المدينة) بتسكين حرف الميم، كونها تشكل مع خاناتها مدينة متكاملة داخل مدينة أوسع، تعد من أكبر وأطول الأسواق القديمة المغطاة في مدن العالم حتى إنها تتفوق على أسواق دمشق القديمة الشهيرة، إذ يبلغ مجموع أطوال أسواق حلب القديمة 15 كلم، ومساحتها 16 هكتاراً، أي 160 ألف متر مربع. ومنذ تأسيسها في القرن السابع عشر الميلادي، وهي تتخصص في أنواع معينة من المنتجات الاستهلاكية. وكون هذه الأسواق هي الأطول في العالم، فقد تم قبل سنوات إدخالها في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية العالمية.
كيف يمكن للسائح أن يقضي نهاره فيها؟

المميز في أسواق حلب التي جُلنا بها، جميعها، ذهاباً وإياباً، أنها تعتبر مكاناً جميلاً ليس للتسوق فقط بل للتنزه أيضاً، وفي أي وقت من اليوم، وخلال أي فصل من فصول السنة، إذ يمكن للسائح أن يمضي نهاراً كاملاً يتجول فيها ولمسافة طولية تصل لحوالي 15 كلم ومع روائح محلات عطاريها وزعترها الشهير وصابون الغار العريق، ومع روائح محلات تحضير العطور المحلية، لن يشعر السائح الزائر المتجول في هذه الأسواق بالملل أو بحرّ الصيف وبرد الشتاء فجميعها مغطاة بسقوف حجرية بعكس أسواق دمشق المغطاة بسقوف معدنية، وهي مبنية بشكل هندسي على شكل الأقبية واسطوانية بعقود مقببة ضخمة، وتوجد في سقوفها نوافذ للإنارة لتسمح لأشعة الشمس أن تدخل هذه الأسواق منها، كما أنها تسمح للهواء بالدخول بشكل لطيف، وبالتالي حرص بُناة هذه الأسواق على تحقيق معادلة حماية المتسوق من الأمطار والثلوج والهواء البارد شتاءً والحار صيفاً. وعند النظر لهذه النوافذ من قبل السائح سيشاهد منظراً جميلاً فريداً، خاصة في الأيام المشمسة، حيث يندفع الضوء على شكل حزم من هذه الفتحات، وكأن مصممها أراد منها أن تستقبل أشعة الشمس بكل ما تستطيع من إمكانيات فراغية، فتدخل هذه الأشعة كالنور الساطع ذهبية اللون رائعة بخيوطها، مداعبة محلات الباعة والمتسوقين والزوار، ناشرة الدفء في الأيام الباردة والحرارة الناعمة في الأيام الحارة خارج الأسواق، حيث يشعر الزائر داخلها حتى في أشد أيام الصيف حرارة ببرودة بسبب الأسقف القببية وعمارتها القديمة الفريدة، فتأتي خيوط الشمس لتبعث الدفء في الأجواء الرطبة.

ساعات حلم وخيال: الوصول لهذه الأسواق ليس صعباً، فبعد أن يصل السائح إلى مدينة حلب عن طريق مطارها الدولي، أو بواسطة حافلة النقل إذا كان قادماً من دمشق عن طريق البر، ومن خلال الطريق السريع الدولي الذي يربط المدينتين بطول 350 كلم، يمكنه ركوب سيارة أجرة والطلب من السائق التوجه لهذه الأسواق من جهة قلعة المدينة أو البوابات، فالأسواق تقع في وسط المدينة، وتحديداً بين قلعتها الشاهقة الضخمة وبين البوابات التي كانت تغلق مساء كل يوم لحماية محلات تجار هذه الأسواق، وهي بوابات الفرج وأنطاكيا وقنسرين والجنان والنصر، وتصل مع الجامع الأموي الكبير في حلب، وما إن يدخل السائح أول سوق منها، حتى يشعر أنه في حلم جميل، فهو يسير في متاحف شعبية حية، تقدم له الحياة كما كانت في القرون الوسطى، وسيحلق خياله بين حوانيتها، وخاصة محلات عطاريها المميزة وأعمدتها وجدرانها، وليتخيل نفسه وكأنه يعيش ساعات تعود به لأكثر من 500 سنة خلت، وكأنه إنسان القرون الوسطى يتجول في الأسواق ويشتري مستلزماته، يدخلها البائع بلباسه القديم الذي تميز به بائعو المدينة منذ وجود هذه الأسواق بأكياس من الورق الأصفر، وسيندهش السائح وهو يعبر السوق الأول من أنه لم يشعر بالوقت، حيث يمر الزمن سريعاً حالماً، ولينتقل بعدها إلى الأسواق الأخرى، وما إن ينهي زيارته بعد ساعات سيعرف أنه جال في (39) سوقاً، هي عدد أسواق حلب القديمة، وأنه شاهد كل بضائع العالم التراثية والحديثة في هذه الأسواق، فهناك الزجاجيات المصنعة بطريقة النفخ اليدوية الملونة والعادية وبجوارها تعرض الزجاجيات القادمة من الصين أو إيطاليا أو السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهناك الزعتر الحلبي المحضر في ورش حلبية داخل مستودعات الخانات داخل الأسواق، وبجواره أيضاً الزعتر المعبأ بالأكياس وبشكل آلي، وسيشاهد السائح أيضاً أجمل الأقمشة الحريرية المعروضة في سوق القماش والدراع، ومنها المقصبة والمطرزة والأطالس والقطنيات والصايا والآغباني والعباءات والعقل (الشماغات) وهناك السجاد اليدوي والبسط والصابون بمختلف أشكاله وأنواعه، والمصوغات الذهبية والفضية بأشكال تأسر العين ونماذج استلهمها صياغ حلب من التراث القديم، فتأتي معروضة في سوق الصاغة، وكأنها قطع فنية جميلة ونادرة. وإذا ما سأل السائح عن أسماء هذه الأسواق المدهشة والمتخصصة كل واحد منها ببضاعة معينة، فسيأتي الجواب مدهشاً أيضاً لأسماء ذات ماركات مسجلة محلياً فهناك: سوق الدهشة، والزرب، والبلستان، والخيش، والقطن، والسراجين، والحبالين، والعطارين، والنحاسين، وسوق الصابون، والجمرك وغيرها من التسميات لهذه الأسواق.

مراحل وقرون عبرتها الأسواق: يقسم الباحثون أسواق حلب القديمة إلى مجموعتين، الأولى على شكل خطوط متوازية مع جدار الجامع الأموي الكبير الجنوبي، ويعود تاريخها إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، والمجموعة الثانية مكونة من سوق وخان قيسرية فيها مجموعة من الدكاكين، وتعود أصول أسواق حلب القديمة إلى القرن الرابع قبل الميلاد، حيث أقيمت المحال التجارية على طرفي الشارع الممتد من قلعة حلب وباب أنطاكيا حالياً، وأخذت الأسواق شكلها الحالي في مطلع العصر العثماني، وهي في وضعها الراهن تحمل طابع القرن السابع عشر، كما أن سقوفها كانت مغطاة بالحصى والقصب، ولكن في عام 1868م احترقت، فأمر الوالي العثماني آنذاك ببنائها على طريقة الجملون مع النوافذ السقفية.

حلم رومانسي في زيارة خانات الأسواق وحكاياتها خيال لا بد للسائح المتجول في أسواق حلب القديمة أن تجذبه تلك المنشآت المعمارية القابعة داخل الأسواق، وهي الخانات التي أنشئت معها لتوفر الراحة والمنامة للتجار القادمين لمدينة حلب والمتعاملين مع تجارها في مبادلات تجارية اشتهرت بها حلب منذ مئات السنين، فكانت الخانات مكاناً لراحة زوار حلب ونُزُلاً وفنادق لمنامتهم، وتشتهر أكثر هذه الخانات بواجهاتها المزينة بالزخارف ومداخلها ذات الأقواس العالية وأبوابها الخشبية المصفحة بالحديد والنحاس التي كانت تغلق عند هبوط الليل، ويبلغ عدد الخانات 70 خاناً، من أبرزها خان الوزير الذي أصبح سوقاً للمهن اليدوية الحلبية وخان قرتباي والعلبية وغيرها. وقد ازدهرت هذه الخانات تبعاً لازدهار المبادلات التجارية في حلب وخاصة في العهدين المملوكي والعثماني، وتقول حكاية هذه الخانات الحالمة إنها كانت مركزاً لإقامة الجاليات الأجنبية فأقام فيها تجار البندقية والإنجليز والهولنديين والفرنسيين، وكانت الجالية تتألف من قنصل وعشرة تجار وقس ومستشار وطبيب وضابط يسمى (جاويش) يسير أمام القنصل وهو يحمل عصا ذات قبضة من الفضة، ويعمل تحت إمرته مجموعة من الجنود الانكشارية، وكان القنصل أيضاً يعمل في التجارة، وقد كان الأوروبيون يمارسون التجارة بشكل واسع في حلب، وكانوا يستأجرون عدداً كبيراً من الجمال لجلب البضائع من الإسكندرونة وإليها، كما كانت الخانات أماكن لصرافي العملات وبورصات أيام زمان ومراكز للبعثات القنصلية والسفارات، حتى إن بعضها أخذ اسمه من القنصلية التي كانت تقيم فيه مثل «خان الفرنسيين»، والفرنسيون أعادوا قنصليتهم في حلب قبل سنوات قليلة إلى خان النحاسين، متخلّين عن مبنى حديث في حي العزيزية الراقي بحلب ليعودوا إلى منطقة الأسواق القديمة، حيث الحلم والخيال يحلق في طقس تراثي تاريخي جميل ورائع.













التوقيع


يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "في القلب شعث - أي تمزق وتفرق - لا يلمهُ إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً"
 أبو روعة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
معوقات, الخلافة, العثماني

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 07:24 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع