« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: من هي أم الدنيا ؟ و لماذا ؟ (آخر رد :إبن سليم)       :: اتمنى المساعده (آخر رد :هدفي القمه)       :: احداث سوريا (آخر رد :الذهبي)       :: {{{طال السفر يالغايبين }}} (آخر رد :الذهبي)       :: فرصتكم الأخيرة أيها اليهود (آخر رد :الذهبي)       :: فرجك قريب فلماذا اليأس (آخر رد :الذهبي)       :: مساعدة ( قبائل الحجاز في العصر الأموي ) (آخر رد :الذهبي)       :: عضو جديد من الجزائر (آخر رد :الذهبي)       :: ابن حجر العسقلاني ... أحد اكابر علماء مصر و العالم الإسلامي (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> تاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط > التاريخ الأندلسي




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 26-Jun-2007, 09:20 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي الموريسكيين الأندلسيين في المغرب العربي (تونس مثالا )

بسم الله الرحمان الرحيم

أردت أن أسلّط الضوء في هذا الموضوع على هجرة الموريسكيين إلى المغرب العربي عامة و تونس خاصة بعد طردهم سنة 1609 في عهد الملك فيليب الثالث، ولمزيد من التوضيح أبدأ بموجز عن الهجرات المتعاقبة للأندلسيين نحو بلاد المغرب عامّة وتونس خاصة.
بدأت أولى موجات هجرة الأندلسيين إلى بلدان المغرب العربي في القرن الثالث عشر في أواخر عهد الموحدّين، إذ أنه وبعد انتصار النصارى متمثلين في قشتالة وأراغون إضافة إلى فرق من الفرنسيين والجنويين والبنادقة على جيوش الموحدين في فاجعة العقاب 1212 م أصبح ظهر الأندلس مكشوفا أمام الغزو النصراني، ولم تمض سنوات قلائل حتى بدأت هجمة شرسة تقضم مدن الأندلس قطعة قطعة، فانهارت حواضر تليدة كبلنسية وقرطبة وجيان وبطليوس و مرسية ودانية وشاطبة في ظرف 20 سنة، واختتم ذلك كلّه بسقوط إشبيلية سنة 1248 بعد سنة ونصف من الحصار، ولم يبق بيد المسلمين سوى شريط ساحلي ضيق في أقصى الجنوب والجنوب الشرقي متمثلا في مملكة غرناطة وتوابعها المرية ومالقة ووادي أش وأندرش، في حين احتفظ المغرب بالجزيرة الخضراء وطريف ورندة، غير أن أهل المدن والثغور التي سقطت بيد الإسبان لم يستسغ أغلبهم البقاء تحت سلطة الكفار والرضى بمرتبة المدجنين، والتي تضمن حدّا أدنى من الحقوق المدنية في ظل سلطة الإسبان، فهاجر أغلبهم إلى غرناطة ومدنها، في حين فضّل العديد منهم الرحيل من الأندلس والتوجه إلى الضفة الأخرى من المتوسط، ولم تساعد الظروف التي يمرّ بها المغرب الأقصى آنذاك على إعتباره ملاذا آمنا لهؤلاء، إذ كانت دولة الموحدين في النزع الأخير، وقد بدأت القلاقل والفتن تنخر عظم الدولة وساهمت الإضطرابات في تحويل وجهة اللاجئين إلى المغرب الأوسط ( الجزائر وخاصة مدينتي وهران وتلمسان) وأفريقية ( تونس)، وبما أن الموضوع يتحدث عن تونس فأقول إن هؤلاء استوطنوا أساسا مدن الشمال وشجعهم الرخاء الإقتصادي والإستقرار السياسي الذي تمتعت به البلاد في بداية عهد الحفصيين، فأقاموا بتشجيع من الحاكم الحفصي بحوض وادي مجردة غربي العاصمة وبنوا لهم مدنا وساهموا في استصلاح الأراضي وتعميرها بعد الخراب الذي أصابها إثر غزو قبائل بني هلال وسليم للبلاد أواخر دولة بني زيري( حوالي 1070م)، من هذه المدن في الشمال الغربي مدينة باجة على إسم حاضرة أندلسية استولى عليها البرتغاليون، ومدينة مجاز الباب وتستور، أما إلى الشرق من العاصمة فاستوطن أهل الساحل الأندلسي الشرقي بمدن بني خلاد وقربة وسليمان وقلعة الأندلس، وتعتبر هذه المناطق إلى اليوم مركز زراعات الحمضيات من ليمون وبرتقال وقد جلبت هذه الزراعات من الأندلس، في حين يعرف باقي البلاد بتركيزه على الزيتون والحبوب، ومن أبرز من رحلوا عن الأندلس في هذه الفترة نذكر ابن الأبار الذي أتى من بلنسية واستقر في بلاط الخليفة الحفصي الذي عينه وزيرا له.
وكان سقوط غرناطة سنة 1492 إيذانا بموجة جديدة من الهجرة، إذ لم يركن العديد من أهل البلاد إلى عهود ومواثيق النصارى، فتركوا غرناطة هاربين بدينهم، وتذكر المصادر مثلا خروج أبي عبدالله أخر ملوك غرناطة إلى المغرب سنة 1493 ومعه ستة آلاف شخص، مع العلم أن بعض المؤرخين يعتقدون أن عدد سكان مملكة غرناطة في ذلك الوقت قد يصل إلى أربعة ملايين إنسان وهو رقم كبير بمقاييس ذلك الزمان وأظن شخصيا أنهم أقل من ذلك، وكان المغرب الأقصى في السنوات الأولى التي تلت سقوط غرناطة هو الوجهة المفضلة للمهاجرين الغرناطيين، وتوزعوا على مدن المملكة دون استثناء وكانت لهم جاليات كبيرة ( أغلب أهل تطوان في الشمال يقولون أنهم أندلسيون )، وعلى إثر نكص ملوك الإسبان لعهودهم وبدء إجبارهم للمسلمين على اعتناق النصرانية تواصلت الهجرة من إسبانيا على امتداد القرن السادس عشر، وقد ساهمت الثورات المتلاحقة في دفع هؤلاء لمغادرة البلاد رغم منع الإسبان لهم، وكان أغلب هذه الهجرات السرية تنطلق من بلنسية لكثافة الموريسكيين بها، وتجدر الإشارة إلى أن لفظ الموريسكيين هو للدلالة على من بقي في إسبانيا من المسلمين، وللتفريق بينهم وبين من هاجر قبل سقوط غرناطة أو بعد ذلك بفترة وجيزة.
لقد ساهم اضطهاد محاكم التفتيش، والقمع الوحشي لثورة البيازين سنة 1501 وثورات بني وزير ببلنسية 1512 وخاصة حرب البشرات بين 1568 و1570 في التشجيع على الهجرة السرية الغير منظمة لهؤلاء، وقد كانت سواحل الجزائر الملاذ الأقرب لهم، وقد شجعهم أيضا وضع الجزائر أنذاك كمركز لمقاومة الزحف الإسباني على موانئ المغرب العربي، كما فضل العديد منهم المغرب الأقصى على تونس التي انهارت تماما خلال القرن السادس عشر ودخل الاسبان عاصمتها عام 1534 ولم يخرجوا إلاّ بعد ثلاثين عاما على يد العثمانيين...
هذه مقدمة لتبيان الموجات الأساسية لهجرة الأندلسيين قبل قرار الطرد سنة 1609، إذ أنه بعد هذا التاريخ قرر الاسبان التخلص من هؤلاء مهما كان وزنهم في الحياة الإجتماعية والإقتصادية، وقد توزّع الموريسكيون على دول عدة، إذ فيهم من اختار اللجوء إلى دول المغرب كمن سبقوه في القرون التي مضت، لكن وصل بعضهم إلى مصر وإسطمبول، وسأركز في الجزء الثاني من هذا المقال على أثار هؤلاء في تونس، إذ أن الموريسكيين كانوا حدثا لافتا في تاريخ البلاد، فوجود اناس يقولون أنهم مسلمون وأغلبهم لا يتحدث العربية ويلبسون ملابس أوروبية والعديد منهم غير مختونين شكّل حدثا غير اعتيادي، وعلى الرغم من تساوي دول المغرب في استقبال هؤلاء إلا أن وفرة الوثائق التي تتحدث عن هؤلاء في تونس مقارنة بالجزائر والمغرب ترجع – حسب رأيي الخاص – إلى أن الموريسكيين في الجزائر والمغرب قد اندمجوا مع من سبقوهم في الهجرة طيلة القرن الذي سبق الطرد، في حين أن تونس لم تستقبل بعد سقوط غرناطة وطيلة القرن الذي تلاه ( بين عامي 1492 إلى 1609 ) أعداد كبيرة من المهاجرين نظرا لأوضاعها الداخلية المضطربة، فكانت هجرة الموريسكيين في عام 1609 حدثا دون سابق له، وأرجو أن اكون قد بلغت المعنى في هذه الفقرة...
اما الجزائر والمغرب، وفقد كان لهم نصيب أيضا في هجرة الموريسكيين، فقد استعان بهم حكام المغرب السعديين في البحرية نظرا لخبرتهم بها، ويذكر أن أكبر تجمع لهم كان برباط سلا وأيضا بتطوان كل المدن المغربية المهمة دون أن يستقروا أو يحاولوا الإستقرار بالأرياف والقرى ولعل أشهرهم الوزير عبد لله دودار الغرناطي الذي أرسله أحمد المنصور إلى إنقلترا لمحاولة إقناع الانقليز بمساعدة المغرب في شن حرب على إسبانيا يسترجع خلاله المغرب الأندلس وتكون امريكا المستكشفة حديثا من نصيب الإنقليز وأيضا الكاتب والرحالة أحمد الحجري بيخارنو والذي سأفرده بموضوع خاص به وقصته ورحلاته ومؤلفاته بالعربية والاسبانية وأيضا عائلة "بن سودة" الموريسكية إلى الأن العريقة والتي أنجبت رجالات دولة على عدة قرون.
أما الجزائر،فقد ساهم دور مدينة الجزائر كثغر جهادي إلى تدفق الموريسكيين عليها قبل وبعد قرار الطرد ( حي الثغريين بمدينة الجزائر) وسجل تواجدهم بسهل متيجة ومدينة البليدة وشرجيل، واستقروا أيضا بأحياء خاصة بهم بموستغانم وأرزيو وتلمسان كما تذكر المصادر الإسبانية تعرّض الموريسكيين القادمين إلى ميناء وهران (الواقع تحت سيطرة الإسبان) إلى هجمات البدو الذين وجدوا أناسا بملابس أروربية ويتكلمون الإسبانية فهاجموا بعضهم وسلبوهم ( ذكر ذلك أيضا المقري التلمساني ذلك في كتابه نفح الطيب) ومن أشهر موريسكيي الجزائر الحاج مصطفى بن عمار أحد أغنى الإقطاعيين في القرن السابع عشر وعائلة توبال
إخواني سأوافيكم بالجزء الثاني غدا أو بعد غد بإذن الله، وسوف أتحدث فيه عن أحوال الموريسكيين في تونس بعد 1609، وأثارهم والوثائق التي تتحدث عنهم، سأعتمد في ذلك على ما نشرته مؤسسة التميمي للدراسات الموريسكية بتونس وأيضا على بحث إسباني قام به "ميكيل دي إيبالثا أحد المختصين المعاصرين في تتبع أثر الموريسكيين







آخر تعديل المعز بن باديس يوم 25-May-2008 في 10:29 AM.
 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 27-Jun-2007, 08:17 AM   رقم المشاركة : 2
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

بارك الله فيك أخي المعز بن باديس ويجعل تعبك في هذا الموضوع أجراً وافياً ....
وقد كنت أرغب في تعريف منفصل عن ( الموريسكيين ) ان كان بالأمكان وجزاك الله كل خير ....







 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 27-Jun-2007, 09:19 AM   رقم المشاركة : 3
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي

الموريسكيون: هم المسلمون الذين بقوا في الأندلس بعد سقوط غرناطة سنة 1492، وأجبروا على التنصر والدخول في الكاثوليكية... وغيرت أسماءهم إلى الإسبانية وحرموا من حقوقهم وتابعتهم محاكم التفتيش دون هوادة... وكلمة الموريسكيين هي تصغير لكلمة مور والتي يطلقها الإسبان على كل المسلمين وموريسكو هو المسلم الصغير ( إمعانا في الإهانة والتحقير)، وقد ظل هؤلاء ماسكين بدينهم طيلة حوالي 115 عاما ثاروا فيها عديد المرات وتعرضوا للقمع والتنكيل في واحدة من أقسى التجارب التي مرت بها البشرية...وقد كانوا ممنوعين من الخروج من اسبانيا إلى حدود 1609 حين صدر قرار بطردهم ...
والفرق بين الموريسكيين والأندلسيين أن الأندلسيين هاجروا إلى المغرب وهم يتكلمون العربية، وكانت هجرتهم على امتداد قرون من الضعف الأندلسي والزحف الاسباني...في حين كان الموريسكيون قد تأثروا بالثقافة الاسبانية وأضاع أغلبهم اللغة العربية ( لديهم لغة خاصة بهم اسمها الألخميادو وهي القشتالية بحروف عربية كتبوا بها تعاليم الدين وتداولوها سرا جيلا بعد جيل...) وكان لهم أسماء اسبانية ...الحديث يطول عن الموريسكيين، وإن كان من المفروض أن أفردهم ببحث تعريفي قبل أن أتحدث عن أثارهم بتونس وغيرها، لكن المراجع عنهم متوفرة وبكثرة...أرجوا أن أكون قد بلّغت المعنى ولو بإيجاز
هذا نص مكتوب بالحروف العربية للغة الإسبانية في القرن السادس عشر ( لغة الألخميادو = الأعجمية)، الكاتب لم يكن يتقن جيدا العربية إلا أنه يعرف حروفها، كان وجود مثل هذا النص كافيا لإحراق صاحبه والتحفظ على كل أملاكه ...
ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ







 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 27-Jun-2007, 01:29 PM   رقم المشاركة : 4
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي

الجزء الثاني:

ذكرنا فيما سبق أن تونس عانت خلال القرن السادس عشر من هجمات الصليبيين التي توجت باستيلاء الإسبان على البلاد سنة 1534 وبقاءهم فيها 30 عاما، واستطاع بعد ذلك الأتراك أن يطردوهم ( سنان باشا ) سنة 1574 واحتاج الأمر إلى حدود عام 1590 لتنهض البلاد مرة أخرى بعد أن خربتها الحروب والهجمات الصليبية والمجاعات وسنوات الجدب التي أهلكت العباد. وبالتالي لم تكن تونس خلال هذه الفترة ملجأ للهجرة ولم يكن أحد من الموريسكيين الأندلسيين يستطيع أن يهرب ويلجأ ببلد يحتله الإسبان ! غير أنه وبعد تحسن الأوضاع وبعد قرار طرد بقية المسلمين من اسبانيا سنة 1609 وجد الكثيرون في تونس ملاذا آمنا كغيره من بلدان المغرب، غير أن الحدث الذي ميز تونس عن الباقين هو أن الموريسكيين في الجزائر والمغرب قد اندنمجوا مع من سبقهم في الهجرة طيلة القرن الذي سبق، في حين كانت تونس أمام وضع فريد: قدوم 80 ألف موريسكي أندلسي ( حسب تقديرات سجلات الموانئ الإسيانية يصل عدد الموريسكيين الذين أطردوا من إسبانيا بين 1609 و 1614 إلى 300 ألف شخص )، ويقولون أنهم مسلمون ويتحدثون الإسبانية، مما أبطأ من عملية دمجهم في المجتمع التونسي الذي كان مفكك الأوصال من الناحية العمرانية بعد قرن من الحروب والمجاعات والذي نهض للتو بعد الدعم الذي قدمّه له الأتراك، لذا حافظت الجماعة الموريسكية على خصائصها المتميزة خلال فترة طويلة..
كان العثمانيون يرغبون في إعادة إعمار البلاد، والإستفادة من مهارة الموريسكيين وما يمكن أن يجلبونه معهم من حرف او زراعات قد تساهم في بناء البلاد من جديد، وقد تدخّل السلطان العثماني أحمد الأول (1603- 1617 ) لدى ولاة تونس وأمرهم بتنظيم استقبال الموريسكيين الأندلسيين والترحيب بهم ومنحهم الأراضي ووسائل المعيشة ( وثيقة بهذا الصدد عرضها الدكتور التميمي مدير مركز الدراسات الموريسكية بتونس).
كان حاكم تونس أنذاك عثمان داي وكان شبه مستقل عن السلطان العثماني، ومن إجراءاته أنه أمر بعدم تحصيل رسوم على السفن التي كانت تحضر الموريسكيين إلى تونس، ومنحهم إعفاءات من المكوس والضرائب خلال سنوات طويلة وقدم الحماية الرسمية لهم، وتذكر المصادر أن أبو الغيث القشاش المسؤول عن الأوقاف في ذلك العهد قد طلب من سكان العاصمة تونس أن يستضيفوا القادمين من إسبانيا في بيوتهم وفتح أيضا للموريسكيين الأندلسيين أبواب المساجد، وهناك نص يتحدث عن شكوى أحد الأئمة من أن أطفال الموريسكيين يتبولون في المسجد مما يؤدي إلى نجاسته فأجابه أبو الغيث بأن " جدران المسجد لو تكلمت لنطقت بسعادتها بإيواء من هجروا وطردوا في سبيل دينهم"، وقد ساند أبو الغيث كذلك عملية تعليم القادمين الجدد شعائر الإسلام باللغة الإسبانية إذ كانوا لايعرفون العربية.
وسمح الحاكم عثمان داي للموريسكيين الأندلسيين باختيار زعمائهم، وذلك رغبة منه في تنظيم أمور هذه الجالية، وكان أوّل زعيم لهم هو لويس زاباتا ( اسمه الإسباني ولا تذكر المصادر الإسم الذي اتخذه بعد ذلك) في حين تولى بعده بسنوات قليلة مصطفى كارديناس زعامة الجالية الأندلسية.
وسيطر الأندلسيون الذين استوطنوا تونس العاصمة على الحرف، فاحتكروا صناعة الشاشية أوالطاقية الطليطلية، فشاع تصنيعها في البلاد واتخذها التونسيين كغطاء لرؤوسهم، كما كان لهم مجموعة من الأشراف الذين أسسوا مدرسة هي "مدرسة الأندلسيين" واستطاعوا تكوين أحياء في قلب العاصمة مع إقطاعيات زراعية غير بعيد عنها، فاستقرت بعض العائلات في الحي المرتفع بالقرب من القصبة وقصر الحاكم، ويعرف إلى الأن هذا المكان بشارع الأندلسيين، وقدأقام الحرفيون بالأرباض، خاصة في الجزء الشمالي من المدينة القديمة في العطارين( حي العطارين) وباب سويقة ( حيث شيدوا مسجدا لا يزال إلى الأن) وحي الفخارين وكانت لهم بساتين بالقرب من "البيغة" ( شارع ترونجة الحالي )
- يتبع -






آخر تعديل المعز بن باديس يوم 28-Jun-2007 في 08:20 AM.
 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Jun-2007, 07:36 AM   رقم المشاركة : 5
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

جزاك الله خيراً اخي المعز بن باديس وقد وضحت المعنى ووصلت المعلومة فجزاك الله خيراً مرة أخرى ...


اقتباس:
كان حاكم تونس أنذاك عثمان داي وكان شبه مستقل عن السلطان العثماني، ومن إجراءاته أنه أمر بعدم تحصيل رسوم على السفن التي كانت تحضر الموريسكيين من تونس، ومنحهم إعفاءات من المكوس والضرائب خلال سنوات طويلة وقدم الحماية الرسمية لهم، وتذكر المصادر أن أبو الغيث القشاش المسؤول عن الأوقاف في ذلك العهد قد طلب من سكان العاصمة تونس أن يستضيفوا القادمين من إسبانيا في بيوتهم وفتح أيضا للموريسكيين الأندلسيين أبواب المساجد، وهناك نص يتحدث عن شكوى أحد الأئمة من أن أطفال الموريسكيين يتبولون في المسجد مما يؤدي إلى نجاسته فأجابه أبو الغيث بأن " جدران المسجد لو تكلمت لنطقت بسعادتها بإيواء من هجروا وطردوا في سبيل دينهم"، وقد ساند أبو الغيث كذلك عملية تعليم القادمين الجدد شعائر الإسلام باللغة الإسبانية إذ كانوا لايعرفون العربية.

رحم الله هذا الحاكم ويجعل هذا العمل في ميزان حسناته ...
نكمل معك بأذن الله اخي بن باديس ....






 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Jun-2007, 08:26 AM   رقم المشاركة : 6
 
الصورة الرمزية المعز بن باديس

 




افتراضي

الجزء الثالث
خارج العاصمة تونس، وفي مدينة بنزرت ذلك الميناء العسكري المهم في أقصى شمال البلاد، أنشأ الموريسكيون ربضا غرب الأسوار، ولايزال حتى اليوم يعرف بـ"حومة الأندلس"، وأيضا استوطن الموريسكيون ميناءا عسكريا ثان غير بعيد عن الأول وهو "غار الملح"، وتقع هذه القرية وسط الطريق بين تونس وبنزرت، وقد صممت لحراسة مدخل خليج تونس العاصمة، وهي محاطة بقرى زراعية استوطن بعضها موريسكيون أيضا، وتجد في المناطق الريفية المحيطة بالعاصمة شكّل الموريسكيون نظما زراعية وبنوا قرى صغيرة على نمط مختلف عن نظيره المغاربي.
والقرى الأندلسية بتونس موزعة على أربع مناطق كبيرة:
- حوض نهر مجردة والماطق المحيطة بالعاصمة، وإن كان الوجود الأندلسي هناك يعود إلى القرن الثالث عشر ولا يقتصر فقط على الموريسكيين
- السهول الشمالية الموجودة على الطريق بين تونس وبنزرت
- السهول الشمالية الموجودة بين تونس ومدينة نابل
- منطقة زغوان بجوار الجبل الذي يوفر الماء لتونس العاصمة
وكل واحدة من هذه المناطق تتمتع بخصائص معمارية وحضرية ظلّ بعضها موجودا حتى اليوم، مثل قرية تستور وحفلات الموشحات الأندلسية التي تقام بها كلّ صيف، ومدينة غرمباليا ( لاحظوا طابع الإسم الإسباني للمدينة) التي شيدها مصطفى كارديناس زعيم الموريسكيين.
أما الموريسكيون الذين استقروا بعيدا عن العاصمة، فقد فقدوا بسرعة طابعهم الأندلسي واندمجوا مع النسيج المجتمعي المحلي.
كان للموريسكيين بتونس طابع خاص، وكانوا ينحدرون أساسا من مقاطعات قشتالة وأراغون وقطالونيا، لذلك كانوا أقل تشبعا بالثقافة العربية من نظرائهم موريسكيي بلنسية الذي هاجر أغلبهم إلى الجزائر وموريسكيي أندلوسيا الذين اختاروا المغرب، وكان للموريسكيين بعد 120 عاما من سقوط غرناطة أسماء وألقاب إسبانية في إطار حملات تصفية ثقافتهم المستمرة طول القرن السادس عشر، وسرعان ما غيّر هؤلاء ذلك إلى أسماء عربية بمجرد استقرارهم بالبلاد ولكن احتفظ الكثير منهم بلقبه العائلي الإسباني إلى يومنا هذا ( مورو، بلانكو، الكستيلي أي القشتالي، كاراباكا، طرويل،،،) في حين توجد هناك عائلات أندلسية قد تكون جاءت قبل الموريسكيين أو قد تكون غيرت إسمها الإسباني مثل عائلة بن عاشور وعائلة الإخوة، أيضا توجد بتونس ألقاب عائلات تحمل دلالة أندلسية واضحة كالقرطبي والشبيلي ( الإشبيلي) والغرنوطي والمالقي...
أما عن استمرار أثر الثقافة الإسبانية لدى الموريسكيين الأندلسيين بعد طردهم، فقد تم السماح بتعليم شعائر الإسلام لهؤلاء باللغة الإسبانية لجهل أغلبهم بالعربية أو ضعفها لديهم، وتوجد بتونس اليوم مخطوطات باللغة الإسبانية كتبها هؤلاء مثل مخطوطة إبراهيم الطبيلي، ولكن يبدو أن إجادة اللغة اللغة الإسبانية لم تتجاوز حدود الجيل الأول من الموريسكيين المهجّرين من إسبانيا، ورغم ذلك كتب دبلوماسي إنقليزي في الربع الأول من القرن الثامن عشر أنه وجد شخصين قادرين على تكلم الإسبانية بقرية تستور ( بعد حوالي مائة عام من قرار الطرد سنة 1609) وقد تحدث المؤرخ والمستشرق الإسباني فرانسشكو خيمينيث عن أنه في بعض القرى التونسية قرب العاصمة كان الناس يرددون أغان بها مفردات إسبانية وأن كبار السن كانوا يتحدثونها أو قادرين على فهمها بل هو نفسه – خيمينيث – استعمل مرافقا ومعاونا له موريسكيا تونسيا اسمه محمد كورال (تارخ رحلة خيمينيث إلى تونس يعود إلى منتصف القرن السابع عشر، أي أربعين عاما فقط بعد طرد الموريسكيين الأندلسيين، وبالتالي كان من الطبيعي بقاء أثار من الثقافة الإسبانية خلال هذه المدة القصيرة).
أسهم الموريسكيون في التطور العمراني الذي شهدته تونس في القرنين السابع والثامن عشر ( قدوم 80 ألف شخص في بلد صغير كتونس يكون له أثر معتبر)، وقد استفادوا من النماذج العمرانية الشرقية التي شجّع عليها العثمانيون، ونجد تماثلا للدور الذي قام به الموريسكيون في سهول متيجة بالجزائر، ففي سهول الشمال حول العاصمة شكلت المناطق الزراعية التي استوطن أغلبها هؤلاء مصدرا مهما لإمداد العاصمة تونس بالمنتوجات الزراعية والحرفية اليدوية الأولية، وقد درس الباحث "القفصي" تزويد قرية تبوربا الموريسكية ( 40 كيلومتر غرب العاصمة ) العاصمة بالزيوت وإثراء أهلها تبعا لإحتكارهم لهذا الخط من التجارة ومنافستهم لأهل صفاقس في الجنوب وسوسة في الوسط في هذا المجال، ودرس نفس الباحث أيضا قنوات الري التي شقها الموريسكيون في منطقة الباطان بضواحي العاصمة لتزويد أحياءها وبساتينها بالمياه، كما كان للمساجد التي ساهموا في بناءها أيضا طابع أندلسي خاص ( يلاحظ ذلك إلى الأن بمساجد : تستور، مجاز الباب، قرية العالية قرب بنزرت وبمدينة بنزرت).
أما عن المهن التي مارسوها فإضافة لتخصصهم في صناعة الطاقية الحمراء ( كان وجودها سابقا للطربوش التركي بـ200 سنة ) وبعض المنسوجات كالحرير وأيضا تجارة وصناعة الجلود ( وقد احتكرها بعدهم اليهود التونسيون – دراسة تاريخ الحرف بتونس لابن عاشور)، كان بعضهم تجارا استغلوا معرفتهم بالبحر المتوسط ليمارسوا التجارة بين موانئه، كما استفاد العثمانيون من الموريسكيين الأندلسيين في الجانب العسكري لتخطيط وإنشاء بعض الموانئ العسكرية، وفي القرصنة والجندية وصنع المدافع.
وقد تضائل الطابع الأندلسي الموريسكي بمرور الوقت واندمجوا في النسيج المجتمعي بالبلاد، غير أن الدارسين والباحثين قد أماطوا اللثام عن هذه الأثار التي طبعت المجتمع التونسي الذي مسّه تغير كبير بوفود هذه الموجة من المضطهدين، وقد غير هؤلاء وجه الشمال التونسي العمراني والحضاري
أتمنى أن أكون قد أنرت قراء المنتدى ولفتت انتباهم إلى جزء مهم من تاريخ الأندلس، وهو تاريخ مابعد السقوط، وللأسف تندر الدراسات العربية الجادة في هذا المجال، فأغلب الكتاب والمؤرخين العرب ظلوا يندبون سقوط غرناطة وتوقّف التاريخ عند معظمهم أنذاك، وقد إعتمدت في هذا المقال على بحثين إسبانيين لـ" ميغيل دي إيبالثا" و" ميرسيديث" إضافة لبعض مقالات مركز الدراسات الموريسكية بتونس ( التميمي- القفصي) ومعلوماتي الشخصية حول بعض مناطق الشمال التونسي، أتمنى أن يكون قد وفقني الله في تسليط الضوء على هذه القضية، وأعتذر إن كان المعنى غير واضح ببعض الفقرات فأنا لست مختصا في كتابة التاريخ وإنما بالمناقشات والحوارات، وأردت أن أقوم بصياغة المقال بنفسي بدلا من النقل وذلك لتعدد المصادر وأيضا لأتدرب على كتابة المقال التاريخي، وهو مجال بعيد كل البعد عن تخصصي المهني وهو لا يمتّ للتاريخ بصلة، اتمنّى ان تشاركوني بالنقاش والتعليق على ما كتبت، وتنبهوني للأخطاء في الصياغة او في بنية المقال التاريخية أو اللغوية إن وجدت، أو في وجهات النظر التاريخية الأخرى...وجزاكم الله خيرا






آخر تعديل المعز بن باديس يوم 25-May-2008 في 10:33 AM.
 المعز بن باديس غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Jun-2007, 09:53 AM   رقم المشاركة : 7
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي

مرفق موضوع خاص بالموريسكيون

http://www.altareekh.com/vb/showthre...D3%DF%ED%ED%E4













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 03-Oct-2007, 12:31 PM   رقم المشاركة : 8
كنان الغماري
مصري قديم
 
الصورة الرمزية كنان الغماري

 




افتراضي

بارك الله فيك أخي المعز بن باديس على الموضوع القيم

من يكمل لنا قصة المورسيكيين و صراعهم مع الأساطيل الأوربية الى جانب الدولة العثمانية و الدولة السعدية ؟

بعض المصادر التاريخية تذكر أن أساطيل مرسكيي سلا وصلوا الى السواحل الاسكندنافية و فتحوا بعض المناطق لكنهم سرعان ما غادروا تلك البلاد













التوقيع

 كنان الغماري غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jan-2011, 10:06 AM   رقم المشاركة : 9
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: الموريسكيين الأندلسيين في المغرب العربي (تونس مثالا )



الموريسكيون .. درّة المسلمين بالأندلس





أ. د. لوثي لوباث بارالت*

من بين الحضارات التي لم يفهم سرّ اندثارها السريع حضارة الأندلس التي ازدهرت في الجزيرة الإيبيرية انطلاقا من سنة 711م، عندما دخل طارق بن زياد من الموقع المسمّى اليوم "جبل طارق" ضامّا هذه الأراضي للإسلام، إلى سنة 1492م عندما سقطت غرناطة
الناصرية، المعقل الإسلامي الأخير، تحت وطأة المسيحيين "الملكين الكاثولكيين".

وخلال هذه القرون الثمانية الطويلة ازدهرت إحدى الحضارات الأكثر إشراقا التي عرفتها الإنسانية، إذ عرفت قرطبة الخلافة في القرن العاشر فنافست بغداد وبلاد فارس والقسطنطينية بازدهار ثقافتها وبجمالها المنقطع النظير، فقد كانت مبلّطة ومزركشة ومضاءة، وتباهت بجامعة ارتادها أساتذة زوّارا من الغرب والشرق وآوت 400.000 كتابا، وتغنّى الشعراء بقبب قصر مدينة الزهراء الدّائرية وبينابيعها المصنوعة من الزّئبق التي كانت سببا في إغماء الملك المسيحي أردونيو في زيارة ديبلوماسية أمام عبد الرحمان الثّالث. وهناك قليل من الأمثلة الأكثر مأساوية والتي نسمّيها بعبارة شائعة اليوم، هي تصادم الحضارات The clash of civilizations ومن ثمّ فإننا لا نعجب من قول هورسويتا، سكسوني من القرن العاشر، عندما اعتبر قرطبة مدينة الخلافة، مدينة للشّعراء، والفقهاء والعلماء والفلاسفة بمثابة "درّة العالم".

ومع مرور الزمن، انهارت الخلافة العربية-الأسبانية وانقسمت إلى دويلات عرفت بملوك الطوائف، لكن رغم ضعف السلطة السياسية والعسكرية، فقد واصلت الأندلس ازدهارها الثقافي من خلال قصر الحمراء بغرناطة، كما نعلم، فلم يكن معقلا عسكريّا فحسب بل كان قصرا ينطق شعرا، تستشف منه قصائد ابن زمرك Ibn Zamrak حيطان الصّرح، شارحة للزّائر من خلال طريقة الاستمتاع بهذه الألوان المتعانقة في ظلال هذه الرّواسب الكسلية المدلاة من السّقف وسرّ هذه الينابيع المتلألئة التي أضرّت بكثرتها القصر. وليس من باب الصّدف أن اعتبر اميليو غرثيا غومث Emilio García Gómez أن قصر الحمراء هو قصائد شعر، وأن ابن زمرك هو الشّاعر الذي كتب شعره الأكثر تألّقا في العالم.

لكن هذه الحضارة الإسلامية المذهلة، اندثرت دون أن تترك أثرا في الجزيرة الإيبريّة. لإنقاذ ذاكرتها وإحياء ثقافتها، وقد انكبّ مؤرخون قدامى ومعاصرون من الشرق والغرب ، بداية من ابن خلدون وابن الخطيب وألفونسو العاشر في القديم إلى المعاصرين أمثال فيليب حتي، ومحمود مكّي، وسلمى خضراء جيوسي، وأ. لفي بروفنسال، ور. دوزي، وفرنثيسكو كوديرا، وميغال أسين، وكلوديو سنتشث ألبورنوث، وإميليو غرثيا غومث، وفرنث روسنتال، ول. ب. هرفاي، وموثادس غرثيا أرينال، بابلو بنيتو، وماريا روسا مانوكال وثنتيا روبنسون وغيرهم. وتساءل بعض هؤلاء المؤرّخين بفضول تاريخي الذي لا يخلو غالبا من حنين، كيف أن أمة بهذه الأهمية التي ساهمت كثيرا في تمدين أوروبا القرون الوسطى، اندثرت وإمحت من الأراضي الإسبانية التي امتلكتها لمدة قرون عديدة.

ويأتي د. محمد عويني من بين هؤلاء الباحثين المتفحّصين المدققين، إذ تناول في هذا الكتاب "درة المسلمين بالأندلس وأسباب اندثارها"* بفضل بيبليوغرافيا عربية وأوروبية نظرا إلى معرفته باللغتين، وهو أمر إيجابي جدّا في البحث ويعدّ من نقاط القوّة فيه، وبطريقة واضحة جلية للسؤال القديم : حقّا لماذا ضاعت الأندلس من بين أيدي المسلمين؟ وكيف اندثرت إلى حدّ أنها لم تترك آثارا لدينها وشيئا من لغتها في هذه الأراضي التي كانت تملكها بطريقة مشرّفة؟

يقارن الباحث هنا بين إسبانيا العربية ووضع أمريكا، فبعد حروب الاستقلال هزم الكربابوس – أبناء المستعمرين الإسبان الذين ولدوا هناك – الإسبان أنفسهم، "وعوّضت اللغة القشتالية، والثقافة والدين المسيحي حضارات الإنكا والمايّا ". وجرت الأحداث نفسها مع بقية الأوروبيين من إنكليز، وبرتغاليين وفرنسيين وهم الذين احتلّوا مواقع أخرى في أمريكا : لقد ثبّتوا لغتهم وثقافتهم في هذه الأراضي الجديدة، رغم أنهم قد طردوا منها. وهناك مجال آخر للمقارنة هو أسلمة مصر الحاسمة وسوريا وكذلك بلاد الفرس التي وقع فتحها في الأعوام نفسها التي كانت فيها الجزيرة الإيبيرية مرتبطة بالإمبراطورية الإسلامية. وفي هذا السياق لم يقع تجذير الثقافة الإسلامية في إسبانيا التي هيمنت في الغرب بعد ثمانية قرون من وجود المسلمين بها.

يكتشف الباحث بتأنّ وصبر وثبات عديد التحوّلات التاريخية المتضاربة التي كوّنت الحضارة الإسلامية في الأندلس ليكتشف أنه مع الإزدهار الثقافي، توجد الفوضى والظلم. كانت الأندلس رغم مجدها مجتمعا مريضا يحمل بذور تدميره وخرابه.

يعتبر الأستاذ عويني أن هناك الكثير من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في انهيار المجتمع الاسباني-العربي. ولم تقنعه الحجّة المكرّرة والقائلة بأن الرخاء ورغد العيش في تلك الحقبة، كان نتيجة ازدهار هذه الحضارة، وأنه السبب الرئيسي في انهيار الأندلس. وأن انحطاط الأمراء والخلفاء وملوك الطّوائف كان أمرا واقعا، لكن هناك أسباب أخرى أكثر أهمية ساهمت في الطّرد النهائي للإسلام الإسباني سنة 1609.

ويعتبر الأستاذ عويني، أن ما ضلّ المسلمون-الإسبان هو طريقهم إذ لم يطبّقوا المفاهيم الأكثر أصالة وتقدما للدين الإسلامي في فتوحاتهم وإدارتهم لهذه الأراضي الجديدة ؛ فقد نسوا العدالة الإجتماعية أو تساوي كل المواطنين أمام القانون، ومارسوا خلال قرون، الظلم الإجتماعي والسياسي والاقتصادي على رعاياهم، والغريب أن النعرة القبلية الجاهلية بين الأمويين قد ظهرت من جديد بين الفاتحين الجدد فيما بعد من أمثال المرابطين والموحّدين، وعبر هؤلاء مضيق جبل طارق ليساهموا في المعارك ضدّ المسيحيين وبفكرة تجذير وإحياء الدّين الإسلامي في الأراضي الأندلسية.

لقد أسّست العائلات المالكة النظام الوراثي للحكم، زاعمة أن أفرادها ينتمون إلى آل بيت الرسول وأن لهم الحقّ في وراثة الحكم. ولم يساهم الشعب المكبّل بالضرائب غير القانونية في الحياة السياسية. واعتادت السلط على الحكم باسم العائلة من دون اكتراث رضاء الرعية وقبولها بادعاء الإنتماء إلى البيت النبوي، الذي كان صحيحا في بعض الحالات دون بعض. لقد أخلد الحكّام العرب في الأندلس في الحكم، الذي أفسح المجال لشجار العائلات ولأحقاد أدّت إلى قتل الأخ أخاه، ولأشكال من الانتقام، وكلّ هذا أدّى إلى تسارع في الأحداث أدّى إلى اختلال في الحكم وعمّت الفوضى في الأراضي الجنوبية وفي الوقت نفسه تغاضوا عن الخطر الحقيقي لمسيحيي الشمال. كما هو معلوم، واستغلّ هؤلاء دائما هذه الانقسامات وهذا التشرذم الدّاخلي لأعدائهم في الدّين.

وقد أدّى هذا الإهدار للطّاقات السياسية الأندلسيين إلى تعسير مهمّة التأقلم مع المناخ الطبيعي للشمال ليبدؤوا هناك عملا منظّما وممنهجا في تعريب الأسلمة. لقد نسوا أنهم في وضع تاريخي هشّ، يعيشون في أراض غير أراضيهم، ذي ثقافة ودين مختلفين عن ثقافتهم ودينهم. لقد بقوا منعزلين في الجنوب، وأصبحوا أعداء لبعضهم البعض، منهمكين في معارك وفي خصومات سياسية تافهة ودنيئة، وهذا ما كان وراء نشوء نظام اجتماعي وسياسي معوّج وعدوّ نفسه، والذي لم يشك لحظة أن يقيم تحالفا مع الملوك المسيحيين ليستعين بهم ضدّ إخوانهم المسلمين.

وبداية من القرون الأولى للفتوحات الإسلامية، عملت السلطات على إنشاء جيش متكوّن من المرتزقة ليحمي مصالح الدولة وليحمي نفسه من الانتفاضات الشعبية وكانوا من المرتزقة المتكوّنة منهم الجيوش بنسب كبيرة، وقد انغمسوا في الفساد والمؤامرات وساهموا في النزاعات الدّاخلية للدولة. وكوّنوا فرقا ليحموا مصالحهم الخاصّة، وعجّلوا في سقوط السلطة التي زعموا أنهم يدافعون عنها. ومن ناحية أخرى، فإن التسامح الأندلسي الذي مجّده الكثير من الباحثين المعاصرين، لم يكن كافيا حسب الباحث، ليحقق التعايش الحقيقي بين مختلف الفرق العرقية والدّيانات المتناقضة التي تكوّن تلك الحضارة.

لقد تشتت وتناثرت تلك القوى السياسية الأندلسية، وهناك غضب شعبي ودخول المرابطين والموحّدين إلى المشهد التاريخي والذين أتوا لتقوية القوى العسكرية المنهارة لملوك الطوائف، ولم يحلّوا المشكلة بل عقدوها. كلّ هذا لم يوجد توتّرا عرقيا كبيرا بين العرب والبرابرة، فقد أحدث تصادما حقيقيا ثقافيا بين البلاطات الناعمة الأندلسية والقادمين الجدد، المتعوّدين على الحياة الصحراوية والذين لهم نظرة صارمة ومختلفة للإسلام.

وبصفة عامّة، فإن التاريخ يعيد نفسه، والشعب نفسه الذي استقبل ورحب بمجيء المرابطين كمنقذين للوضع، فإنه يتّهمهم بالفساد ويثور ضدّهم، وأصبح منقذو الأمس جلاّدي اليوم ولم تبرز سياسة حقيقية للتصالح وتخفّف من الأزمة التي ظهرت بين الفرق المتنازعة. لقد انطفأ ذلك "الحماس الإسلامي النقيّ الذي ينادي بتلك المفاهيم الجديدة مثل المساواة والعدالة والأخوّة والتضحية"، وهكذا علّق المؤرّخ بشيء من الإحباط التاريخي. وبقي الإسم فقط من الدين الإسلامي وعوضته المصلحة الخاصة للسلطة.

بينما بدأت تظهر التيّارات الأصولية، وكان شعراء الأندلس الممجدين من السلف، متواطئين حسب الأستاذ عويني، بطريقة ما في هذا العالم المتغيّر الذي يتلاشى بين أيديهم. لقد خدموا بذلّة ملوك الطّوائف والأمراء، يمدحونهم حسب الطلب ليمدّدوا ويديموا الخلافات بين الإخوة، مع كلّ هذا، أطلق السياسيون الأندلسيون ألقابا رنّانة مثل أمير المؤمنين، لكن هذه الألقاب الفخمة تكشف وتدلّ على ملحمة تاريخية وسياسية فارغة.

لقد أضاع المسلمون القيادة في الأندلس وبدأ المسيحيون يشعلون فتيل الفتنة ويحرّضون على مزيد من التشرذم بين مسلمي إسبانيا، كما حدث بالنسبة إلى آخر معقل إسلامي في غرناطة التي استرجعها الملوك الكاثوليكيون دون عناء يذكر. لقد سلّم أبو عبد الله مفاتيح قصر الحمراء سنة 1492 وهكذا انتهى التاريخ الإسلامي الرّسمي على الأراضي الإسبانية وأدّت هذه الهزيمة إلى الطرد المذلّ لآخر المسلمين في إسبانيا سنة 1609، الذين يسمّون اليوم " بالموريسكيين" وهي كناية مخزية.

يكمل الأستاذ عويني بحثه مفكّرا كيف يمكن أن نعي هذا الدّرس من ضياع الأندلس كإحدى المآسي الكبرى في التاريخ الإنساني، بالنسبة إلينا نحن أبناء القرن 21. فهو ينادي بالتسامح في العلاقات بين الأمم وأن نتعلّم كيف نسامح ونتعايش رغم الاختلافات الدينية والثقافية والعرقية. ويصرّ على أن نكافح معا التعصّب والتطرّف وكره الأجانب. إذ ليس هناك أي دين يملك الحقيقة المطلقة وليس هناك داع إلى حل النزاعات بالقوّة وإني لأتجرّأ على القول إن الباحث قدّم شيئا مهمّا في هذا الحوار بين الثقافات دون أحكام مسبّقة كما اقترح هو بنفسه.

نحن أمام مؤرّخ مسلم إذ عوض أن يكتب بالعربية فقد استعمل اللغة القشتالية لبحوثه الدالة على دراية واسعة، مؤسّسا ومساهما هكذا في بناء جسر خصب بين ثقافته الخاصة والثقافة الإسبانية، من خلال فحص مواجهتها العنيفة عبر صفحات بحثه. وهذا الجسر الذي نسفه التاريخ منذ عدة قرون. وعليه فقد استوجب أن يتأسس اليوم جسر للتفاهم والحوار، وعلينا جميعا أن نكوّنه ونبنيه من جديد لنمرّره للأجيال القادمة، حتى لا يعيد التاريخ نفسه ويخنقنا في بركة من الدّماء.**


_________________________
اقتباس:

* "درة المسلمين بالاندلس وأسباب اندثارها"، د. محمد العويني، كلية الآداب والفنون والإنسانيات، جامعة منوبة، تونس، تقديم د. لوث لوباث بارلت، منشورات مركز الدراسات والترجمة الموريسكية، مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، أكتوبر/تشرين الأول 2010
** تقديم د. لوث لوباث بارلس لـ "درة المسلمين بالأندلس وأسباب اندثارها، أكتوبر /تشرين الأول 2010. 245 ص ؛ 24 سم – "السلسلة 4 : تاريخ الموريسكيين بالأندلس رقم 28".



Al












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jan-2011, 10:06 AM   رقم المشاركة : 10
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: الموريسكيين الأندلسيين في المغرب العربي (تونس مثالا )



الموريسكيون .. درّة المسلمين بالأندلس





أ. د. لوثي لوباث بارالت*

من بين الحضارات التي لم يفهم سرّ اندثارها السريع حضارة الأندلس التي ازدهرت في الجزيرة الإيبيرية انطلاقا من سنة 711م، عندما دخل طارق بن زياد من الموقع المسمّى اليوم "جبل طارق" ضامّا هذه الأراضي للإسلام، إلى سنة 1492م عندما سقطت غرناطة
الناصرية، المعقل الإسلامي الأخير، تحت وطأة المسيحيين "الملكين الكاثولكيين".

وخلال هذه القرون الثمانية الطويلة ازدهرت إحدى الحضارات الأكثر إشراقا التي عرفتها الإنسانية، إذ عرفت قرطبة الخلافة في القرن العاشر فنافست بغداد وبلاد فارس والقسطنطينية بازدهار ثقافتها وبجمالها المنقطع النظير، فقد كانت مبلّطة ومزركشة ومضاءة، وتباهت بجامعة ارتادها أساتذة زوّارا من الغرب والشرق وآوت 400.000 كتابا، وتغنّى الشعراء بقبب قصر مدينة الزهراء الدّائرية وبينابيعها المصنوعة من الزّئبق التي كانت سببا في إغماء الملك المسيحي أردونيو في زيارة ديبلوماسية أمام عبد الرحمان الثّالث. وهناك قليل من الأمثلة الأكثر مأساوية والتي نسمّيها بعبارة شائعة اليوم، هي تصادم الحضارات The clash of civilizations ومن ثمّ فإننا لا نعجب من قول هورسويتا، سكسوني من القرن العاشر، عندما اعتبر قرطبة مدينة الخلافة، مدينة للشّعراء، والفقهاء والعلماء والفلاسفة بمثابة "درّة العالم".

ومع مرور الزمن، انهارت الخلافة العربية-الأسبانية وانقسمت إلى دويلات عرفت بملوك الطوائف، لكن رغم ضعف السلطة السياسية والعسكرية، فقد واصلت الأندلس ازدهارها الثقافي من خلال قصر الحمراء بغرناطة، كما نعلم، فلم يكن معقلا عسكريّا فحسب بل كان قصرا ينطق شعرا، تستشف منه قصائد ابن زمرك Ibn Zamrak حيطان الصّرح، شارحة للزّائر من خلال طريقة الاستمتاع بهذه الألوان المتعانقة في ظلال هذه الرّواسب الكسلية المدلاة من السّقف وسرّ هذه الينابيع المتلألئة التي أضرّت بكثرتها القصر. وليس من باب الصّدف أن اعتبر اميليو غرثيا غومث Emilio García Gómez أن قصر الحمراء هو قصائد شعر، وأن ابن زمرك هو الشّاعر الذي كتب شعره الأكثر تألّقا في العالم.

لكن هذه الحضارة الإسلامية المذهلة، اندثرت دون أن تترك أثرا في الجزيرة الإيبريّة. لإنقاذ ذاكرتها وإحياء ثقافتها، وقد انكبّ مؤرخون قدامى ومعاصرون من الشرق والغرب ، بداية من ابن خلدون وابن الخطيب وألفونسو العاشر في القديم إلى المعاصرين أمثال فيليب حتي، ومحمود مكّي، وسلمى خضراء جيوسي، وأ. لفي بروفنسال، ور. دوزي، وفرنثيسكو كوديرا، وميغال أسين، وكلوديو سنتشث ألبورنوث، وإميليو غرثيا غومث، وفرنث روسنتال، ول. ب. هرفاي، وموثادس غرثيا أرينال، بابلو بنيتو، وماريا روسا مانوكال وثنتيا روبنسون وغيرهم. وتساءل بعض هؤلاء المؤرّخين بفضول تاريخي الذي لا يخلو غالبا من حنين، كيف أن أمة بهذه الأهمية التي ساهمت كثيرا في تمدين أوروبا القرون الوسطى، اندثرت وإمحت من الأراضي الإسبانية التي امتلكتها لمدة قرون عديدة.

ويأتي د. محمد عويني من بين هؤلاء الباحثين المتفحّصين المدققين، إذ تناول في هذا الكتاب "درة المسلمين بالأندلس وأسباب اندثارها"* بفضل بيبليوغرافيا عربية وأوروبية نظرا إلى معرفته باللغتين، وهو أمر إيجابي جدّا في البحث ويعدّ من نقاط القوّة فيه، وبطريقة واضحة جلية للسؤال القديم : حقّا لماذا ضاعت الأندلس من بين أيدي المسلمين؟ وكيف اندثرت إلى حدّ أنها لم تترك آثارا لدينها وشيئا من لغتها في هذه الأراضي التي كانت تملكها بطريقة مشرّفة؟

يقارن الباحث هنا بين إسبانيا العربية ووضع أمريكا، فبعد حروب الاستقلال هزم الكربابوس – أبناء المستعمرين الإسبان الذين ولدوا هناك – الإسبان أنفسهم، "وعوّضت اللغة القشتالية، والثقافة والدين المسيحي حضارات الإنكا والمايّا ". وجرت الأحداث نفسها مع بقية الأوروبيين من إنكليز، وبرتغاليين وفرنسيين وهم الذين احتلّوا مواقع أخرى في أمريكا : لقد ثبّتوا لغتهم وثقافتهم في هذه الأراضي الجديدة، رغم أنهم قد طردوا منها. وهناك مجال آخر للمقارنة هو أسلمة مصر الحاسمة وسوريا وكذلك بلاد الفرس التي وقع فتحها في الأعوام نفسها التي كانت فيها الجزيرة الإيبيرية مرتبطة بالإمبراطورية الإسلامية. وفي هذا السياق لم يقع تجذير الثقافة الإسلامية في إسبانيا التي هيمنت في الغرب بعد ثمانية قرون من وجود المسلمين بها.

يكتشف الباحث بتأنّ وصبر وثبات عديد التحوّلات التاريخية المتضاربة التي كوّنت الحضارة الإسلامية في الأندلس ليكتشف أنه مع الإزدهار الثقافي، توجد الفوضى والظلم. كانت الأندلس رغم مجدها مجتمعا مريضا يحمل بذور تدميره وخرابه.

يعتبر الأستاذ عويني أن هناك الكثير من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في انهيار المجتمع الاسباني-العربي. ولم تقنعه الحجّة المكرّرة والقائلة بأن الرخاء ورغد العيش في تلك الحقبة، كان نتيجة ازدهار هذه الحضارة، وأنه السبب الرئيسي في انهيار الأندلس. وأن انحطاط الأمراء والخلفاء وملوك الطّوائف كان أمرا واقعا، لكن هناك أسباب أخرى أكثر أهمية ساهمت في الطّرد النهائي للإسلام الإسباني سنة 1609.

ويعتبر الأستاذ عويني، أن ما ضلّ المسلمون-الإسبان هو طريقهم إذ لم يطبّقوا المفاهيم الأكثر أصالة وتقدما للدين الإسلامي في فتوحاتهم وإدارتهم لهذه الأراضي الجديدة ؛ فقد نسوا العدالة الإجتماعية أو تساوي كل المواطنين أمام القانون، ومارسوا خلال قرون، الظلم الإجتماعي والسياسي والاقتصادي على رعاياهم، والغريب أن النعرة القبلية الجاهلية بين الأمويين قد ظهرت من جديد بين الفاتحين الجدد فيما بعد من أمثال المرابطين والموحّدين، وعبر هؤلاء مضيق جبل طارق ليساهموا في المعارك ضدّ المسيحيين وبفكرة تجذير وإحياء الدّين الإسلامي في الأراضي الأندلسية.

لقد أسّست العائلات المالكة النظام الوراثي للحكم، زاعمة أن أفرادها ينتمون إلى آل بيت الرسول وأن لهم الحقّ في وراثة الحكم. ولم يساهم الشعب المكبّل بالضرائب غير القانونية في الحياة السياسية. واعتادت السلط على الحكم باسم العائلة من دون اكتراث رضاء الرعية وقبولها بادعاء الإنتماء إلى البيت النبوي، الذي كان صحيحا في بعض الحالات دون بعض. لقد أخلد الحكّام العرب في الأندلس في الحكم، الذي أفسح المجال لشجار العائلات ولأحقاد أدّت إلى قتل الأخ أخاه، ولأشكال من الانتقام، وكلّ هذا أدّى إلى تسارع في الأحداث أدّى إلى اختلال في الحكم وعمّت الفوضى في الأراضي الجنوبية وفي الوقت نفسه تغاضوا عن الخطر الحقيقي لمسيحيي الشمال. كما هو معلوم، واستغلّ هؤلاء دائما هذه الانقسامات وهذا التشرذم الدّاخلي لأعدائهم في الدّين.

وقد أدّى هذا الإهدار للطّاقات السياسية الأندلسيين إلى تعسير مهمّة التأقلم مع المناخ الطبيعي للشمال ليبدؤوا هناك عملا منظّما وممنهجا في تعريب الأسلمة. لقد نسوا أنهم في وضع تاريخي هشّ، يعيشون في أراض غير أراضيهم، ذي ثقافة ودين مختلفين عن ثقافتهم ودينهم. لقد بقوا منعزلين في الجنوب، وأصبحوا أعداء لبعضهم البعض، منهمكين في معارك وفي خصومات سياسية تافهة ودنيئة، وهذا ما كان وراء نشوء نظام اجتماعي وسياسي معوّج وعدوّ نفسه، والذي لم يشك لحظة أن يقيم تحالفا مع الملوك المسيحيين ليستعين بهم ضدّ إخوانهم المسلمين.

وبداية من القرون الأولى للفتوحات الإسلامية، عملت السلطات على إنشاء جيش متكوّن من المرتزقة ليحمي مصالح الدولة وليحمي نفسه من الانتفاضات الشعبية وكانوا من المرتزقة المتكوّنة منهم الجيوش بنسب كبيرة، وقد انغمسوا في الفساد والمؤامرات وساهموا في النزاعات الدّاخلية للدولة. وكوّنوا فرقا ليحموا مصالحهم الخاصّة، وعجّلوا في سقوط السلطة التي زعموا أنهم يدافعون عنها. ومن ناحية أخرى، فإن التسامح الأندلسي الذي مجّده الكثير من الباحثين المعاصرين، لم يكن كافيا حسب الباحث، ليحقق التعايش الحقيقي بين مختلف الفرق العرقية والدّيانات المتناقضة التي تكوّن تلك الحضارة.

لقد تشتت وتناثرت تلك القوى السياسية الأندلسية، وهناك غضب شعبي ودخول المرابطين والموحّدين إلى المشهد التاريخي والذين أتوا لتقوية القوى العسكرية المنهارة لملوك الطوائف، ولم يحلّوا المشكلة بل عقدوها. كلّ هذا لم يوجد توتّرا عرقيا كبيرا بين العرب والبرابرة، فقد أحدث تصادما حقيقيا ثقافيا بين البلاطات الناعمة الأندلسية والقادمين الجدد، المتعوّدين على الحياة الصحراوية والذين لهم نظرة صارمة ومختلفة للإسلام.

وبصفة عامّة، فإن التاريخ يعيد نفسه، والشعب نفسه الذي استقبل ورحب بمجيء المرابطين كمنقذين للوضع، فإنه يتّهمهم بالفساد ويثور ضدّهم، وأصبح منقذو الأمس جلاّدي اليوم ولم تبرز سياسة حقيقية للتصالح وتخفّف من الأزمة التي ظهرت بين الفرق المتنازعة. لقد انطفأ ذلك "الحماس الإسلامي النقيّ الذي ينادي بتلك المفاهيم الجديدة مثل المساواة والعدالة والأخوّة والتضحية"، وهكذا علّق المؤرّخ بشيء من الإحباط التاريخي. وبقي الإسم فقط من الدين الإسلامي وعوضته المصلحة الخاصة للسلطة.

بينما بدأت تظهر التيّارات الأصولية، وكان شعراء الأندلس الممجدين من السلف، متواطئين حسب الأستاذ عويني، بطريقة ما في هذا العالم المتغيّر الذي يتلاشى بين أيديهم. لقد خدموا بذلّة ملوك الطّوائف والأمراء، يمدحونهم حسب الطلب ليمدّدوا ويديموا الخلافات بين الإخوة، مع كلّ هذا، أطلق السياسيون الأندلسيون ألقابا رنّانة مثل أمير المؤمنين، لكن هذه الألقاب الفخمة تكشف وتدلّ على ملحمة تاريخية وسياسية فارغة.

لقد أضاع المسلمون القيادة في الأندلس وبدأ المسيحيون يشعلون فتيل الفتنة ويحرّضون على مزيد من التشرذم بين مسلمي إسبانيا، كما حدث بالنسبة إلى آخر معقل إسلامي في غرناطة التي استرجعها الملوك الكاثوليكيون دون عناء يذكر. لقد سلّم أبو عبد الله مفاتيح قصر الحمراء سنة 1492 وهكذا انتهى التاريخ الإسلامي الرّسمي على الأراضي الإسبانية وأدّت هذه الهزيمة إلى الطرد المذلّ لآخر المسلمين في إسبانيا سنة 1609، الذين يسمّون اليوم " بالموريسكيين" وهي كناية مخزية.

يكمل الأستاذ عويني بحثه مفكّرا كيف يمكن أن نعي هذا الدّرس من ضياع الأندلس كإحدى المآسي الكبرى في التاريخ الإنساني، بالنسبة إلينا نحن أبناء القرن 21. فهو ينادي بالتسامح في العلاقات بين الأمم وأن نتعلّم كيف نسامح ونتعايش رغم الاختلافات الدينية والثقافية والعرقية. ويصرّ على أن نكافح معا التعصّب والتطرّف وكره الأجانب. إذ ليس هناك أي دين يملك الحقيقة المطلقة وليس هناك داع إلى حل النزاعات بالقوّة وإني لأتجرّأ على القول إن الباحث قدّم شيئا مهمّا في هذا الحوار بين الثقافات دون أحكام مسبّقة كما اقترح هو بنفسه.

نحن أمام مؤرّخ مسلم إذ عوض أن يكتب بالعربية فقد استعمل اللغة القشتالية لبحوثه الدالة على دراية واسعة، مؤسّسا ومساهما هكذا في بناء جسر خصب بين ثقافته الخاصة والثقافة الإسبانية، من خلال فحص مواجهتها العنيفة عبر صفحات بحثه. وهذا الجسر الذي نسفه التاريخ منذ عدة قرون. وعليه فقد استوجب أن يتأسس اليوم جسر للتفاهم والحوار، وعلينا جميعا أن نكوّنه ونبنيه من جديد لنمرّره للأجيال القادمة، حتى لا يعيد التاريخ نفسه ويخنقنا في بركة من الدّماء.**


_________________________
اقتباس:

* "درة المسلمين بالاندلس وأسباب اندثارها"، د. محمد العويني، كلية الآداب والفنون والإنسانيات، جامعة منوبة، تونس، تقديم د. لوث لوباث بارلت، منشورات مركز الدراسات والترجمة الموريسكية، مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، أكتوبر/تشرين الأول 2010
** تقديم د. لوث لوباث بارلس لـ "درة المسلمين بالأندلس وأسباب اندثارها، أكتوبر /تشرين الأول 2010. 245 ص ؛ 24 سم – "السلسلة 4 : تاريخ الموريسكيين بالأندلس رقم 28".



Al












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مثالا, المغرب, الأندلسيين

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 08:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع