« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: البدوى يسهل سيطرة اللوبى اليهودى على الإعلام (آخر رد :أمان)       :: نساء مصر المملوكية من "المخدع" إلى "التسلطن" (آخر رد :النسر)       :: أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)       :: تفكيك أيديولوجيا السلطة في "مولانا" لإبراهيم عيسى (آخر رد :أبو روعة)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: التزكية ومعرفة النفس (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> صانعو التاريخ




 
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 21-Oct-2007, 02:26 PM   رقم المشاركة : 1
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي أبو العلاء المعري.. سجون ثلاثة من أجل الحرية

نقلت هذا الكتاب وهذه السيره كناحيه تاريخيه وهذا لا يعني اني موافق على الشخصيه او ما ورد بالمقال , ولكن الشخصيه تستحق المناوله بحلوها او مرها - النسر





المعري.. يقف وحيدا وبجلال بعيدا عن أفواج الشعراء الآخرين





اقتباس:
حسونة المصباحي- عرب اون لاين

أبو العلاء المعرى "973-1057"، حالة فريدة فى تاريخ الأدب العربى القديم حتى أننا لا نكاد نعثر على مثيل له لا فى زمنه ولا قبل ذلك ولا بعده.

إنه يقف وحيدا وبجلال بعيدا عن أفواج الشعراء الآخرين الذين لا يزال العرب يفخرون بهم إلى حد هذه الساعة، باحثين فى قصائدهم عن أمجادهم التى ولت وأفلت أو عن كل ما يتعلق بحياة أجدادهم فى الأزمنة الغابرة.

وفرادة أبى العلاء لا تتجلى فقط فى الأسلوب الصارم الذى اختاره فى الحياة والذى تمثل فى عزلة شبه تامة بدأت فى سن الثلاثين واستمرت حتى وفاته وهو فى سن الثمانين، بل وأيضا فى مواقفه الجريئة والشجاعة بخصوص الدين تحديدا، وفى أعماله الأدبية التى سعى أن تكون جميعها مرآة لنفسه المفعمة بالسوداوية والتشاؤم واليأس شبه التام من البشر وأنظمة الحكم فى عصره، والمسكونة بالشك والارتياب من الثوابت والمسلمات.

احتقار المال والشهرة

بالإضافة إلى هذا كله، كان أبو العلاء المعرى عكس أغلب الشعراء الآخرين، يحتقر المال والشهرة، ولا يسعى إليهما البتة.

فهو متوحد بذاته، منصرف انصرافا كليا إلى اللعب بالكلمات، وإلى ترويض اللغة التى كان عارفا بأسرارها وشواردها، طارحا الأسئلة التى تجعل قلوب الآخرين ترجف خوفا وهلعا، غائصا فى ظلمات الوجود بحثا عن الحقيقة الهاربة دائما وأبدا، ممتحنا نفسه بأسلوب فى العيش قاس وشديد، خال كليا من المتعة واللذة ومن مباهج الحياة بمختلف أنواعها وأشكالها.

فى صباه، أبتلى أبو العلاء المعرى بفاجعتين سوف يكون لهما تأثير حاسم على مساره الفكري. فقد أصيب بالعمى وهو فى الرابعة من عمره بسبب مرض الجدري، وفى البداية أوجعه هذا الحدث المريع، وأفسد حياته إذ أنه حرمه من التنعم بمباهج الطفولة البريئة والتى تكاد تكون خالية من هموم مراحل العمر الأخرى.

ولكن شيئا فشيئا تحول هذا السجن المظلم الكئيب الذى هو العمى إلى نعمة حقيقية. فلم يعد ينغص حياته بل بات ملاذا يقيه النظر إلى شرور العالم المحيط به، ويكفيه "رؤية الثقلاء البغضاء" كما كان يقول. ومنذئذ بات يحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر.

إنه- أى العمى- سجن مظلم ظاهريا غير أن المبتلى به استطاع أن يضيئه بنور العلم والمعرفة فبات محتملا، بل محبذا ومرغوبا فيه. فعوض أن يقيد حركته ويعطلها، هو يحرره من تفاهات الحياة التى يعيشها المبصرون، ويساعده على القيام بتلك الرحلة العجيبة داخل الذات. تلك الرحلة التى قال عنها هنرى ميللر فى مطلع روايته الشهيرة "مدار الجدي" بأنها المغامرة الوحيدة الجديرة بالاحترام والتقدير.
فواجع فى سن هشّة

أما الفاجعة الثانية التى ألمت بأبى العلاء المعرى فى مرحلة الطفولة فهى وفاة والده وهو فى سن الرابعة عشر. وطبعا أحزنه هذا الأمر كثيرا خصوصا وأنه كان وهو فى تلك السن الهشة، بحاجة إلى عون الأب ونصائحه وإرشاداته.

غير أن أبا العلاء المعرى لم يلبث أن وجد فى تلك المصيبة مفتاحا لفهم بعض خفايا الوجود. والآن لم يعد الموت لعنة، بل أصبح قدرا محتوما لا يمكن أن يفلت منه لا الغنى ولا الفقير، لا القوى ولا الضعيف، لا الحاكم ولا المحكوم، لا الطيب ولا الشرير، لا المريض ولا الصحيح. بل لعله حقيقة الوجود الوحيدة. فالحياة سريعة الانطفاء بحيث لا يمكننا الاطمئنان إليها البتة.

والإمبراطوريات العظيمة اندثرت وتحولت مدنها إلى خرائب وأمجادها إلى رماد.
والدول القوية العتيدة لم يتبق منها غير آثار لا تكاد تراها العين. والملوك الجبابرة الذين حكموا الناس بالحديد والنار أضحوا عظاما ينخرها السوس والتراب. فلا شيء يبقى ولا شيء يدوم إلا الموت. لذا فإن الأرض تبدو كما لو أنها مقبرة هائلة ترابها من جثث الأموات، وعلى السائرين عليها أن يخففوا الوطء احتراما لأرواحهم.

وهكذا لم يعد الموت مخيفا بالنسبة إلى أبى العلاء المعري. والتحرر من هذا الخوف جعل إرادته أقوى وسخريته من الحياة الدنيا أكثر قسوة ومرارة وانصرافه عن ملذاتها ومباهجها اختيارا صائبا وحكيما، وقدرته على تحمل المشاق أشد صلابة ومتانة.



الشعراء الآخرون يلهثون وراء الملذات ويبحثون عن المجد والثروة ناسين أن الحياة قصيرة وأن الموت لهم بالمرصاد. وللحصول على ما يبتغون هم لا يترددون فى بيع الضمير وماء الوجه والتمسح بأعتاب الملوك والأمراء، أما هو فلا يعنيه شيء من كل هذا ذلك أنه أدرك مبكرا أن الحياة لا تستحق أن تعاش، وأن التعلق بها لا يؤدى بصاحبه فى النهاية إلا إلى الضرر الفادح وإلى ندامة ليست بالنافعة ولا المفيدة ولا مفيدة. ومع التقدم فى السن، أصبح الموت رجاء بالنسبة إلى أبى العلاء المعرى فبات يطلبه بإلحاح حتى يخلصه من شرور الدنيا وآلامها وفواجعها.

الجسد سجن لروح الإنسان

والتفكير فى الموت كحقيقة مطلقة هو الذى سوف يقود أبا العلاء المعرى إلى اكتشاف آخر سرعان ما يصبح عنصرا أساسيا فى تفكيره وفى فلسفته وهو أن الجسد سجن لروح الإنسان فهى تدخله مكرهة وتخرج منه مكرهة فلا يسأل صاحبها ولا يستشار.

ولكى يتحرر من هذا السجن الذى هو الجسد، عاش أبو العلاء المعرى وكأنه روح محلقة فى الفضاء، فارضا على جسده نظاما حياتيا قاسيا لا يتقيد به إلا كبار الزهاد والمتصوفة، معرضا عن الزواج وعن النسل إعراضا تاما، مكتفيا فى أكله بشيء من الخبز والعسل والدبس، فقط لا غير، فلا لحم إطلاقا. فكان بذلك رائد النباتيين.

مبكرا ألم أبو العلاء المعرى إلماما كبيرا بالأدب وعلوم اللغة، وحفظ أشعار الأقدمين، ووقف على آثارهم سواء قبل الإسلام أو بعده فبات مرجعا أساسيا فى هذا المجال وهو دون سن العشرين. وقد ساعده العيش فى سوريا الواقعة على حدود بلاد الروم والتى كانت تتعايش فيها أقليات يهودية ومسيحية على معرفة الديانتين السماويتين الأخريتين وعلى التشبع بمكوناتهما فكان ذلك سببا أساسيا فى ظهور تلك الشكوك بشأن بعض الحقائق الكبرى المتصلة بالديانة الإسلامية والتى سوف تؤلب عليه الفقهاء ورجال الدين، وتحرض أعداءه والمناوئين له على اتهامه بالإلحاد.

ولأنه بات على يقين بأنه ليس هناك دين أفضل من دين آخر، وأن كل الأديان لها سماتها الخاصة، فإنه لجأ إلى العقل تماما مثلما فعل سبينوزا بعده بستة قرون. فبالنسبة إليه، ليس العقل فقط هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، بل هو أيضا أفضل شيء فى وجودنا ويكون فى كماله خيرنا الأقصى.

لذا حكم أبو العلاء المعرى عقله فى أغلب الأحداث السياسية والدينية التى عرفها عصره المضطرب، وليس انفعالاته أو أهواءه كما كان حال أغلب مفكرى وأدباء عصره.... ويقول المعرى فى أحد قصائده الشهيرة بأنه "لا إمام سوى العقل". وهو وحده الذى "يشير للإنسان فى صبحه ومسائه". والعقل هو الذى لجم المعرى فلم يتحمس للثورات التى اندلعت فى عصره أو فى العصور السابقة له والتى زعم قادتها أن هدفهم هو مقاومة الظلم والاستبداد والفروق بين الناس، ولم يظهر أى تعاطف معها ولا مع قادتها. بل هو أدانها وأدانهم قائلا بأن المطامح الحقيقية لقادة هذه الثورات هو الوصول إلى سدة الحكم والتمتع بملذات الدنيا.
لذا فإن الشر والاستبداد والظلم وكل هذا لم ينقطع ولن ينقطع من الحياة البشرية.

آراء جريئة

وقد جاهر أبو العلاء المعرى بآرائه الجريئة بخصوص الدين الإسلامى فى أغلب مؤلفاته، وبالخصوص فى مؤلفه الشهير "رسالة الغفران". ففيه يأخذنا مع واحد من أدباء عصره، وهو ابن القارح، فى رحلة عجيبة إلى الجنة والنار وذلك قبل دانتى بأزيد من قرنين.

وقد كانت لأبى العلاء المعرى أهداف عدة، معلنة وغير معلنة من خلال هذا المؤلف. منها أنه كان يرغب فى السخرية من أدباء عصره، المتحذلقين منهم بالخصوص والباحثين عن غرائب الكلمات، والعاشقين للفخامة البلاغية، محاولين أن يستروا بها ضعفهم وخواءهم وبلادتهم الذهنية.

فكان عليه أن يلجأ إلى نفس الأساليب التى يلجأون هم إليها ليثبت لهم مقدرته اللغوية الفائقة، ومعرفته الدقيقة بخفايا اللغة وأسرارها بحيث يبدون فى نهاية الأمر "صغارا" أمامه فلا أحد يتجرأ على مقارعته فى هذا المجال.

وأما النار فقد حشر فيها المعرى كل الشعراء الذين كان من المنتظر أن يكونوا فى الجنة. كل أولئك الناس الذين التزموا بقواعد الدين الإسلامى وكانوا بعيدين عن الفسق والمجون وحتى النهاية ظلوا متمسكين بعقيدتهم فلم يحيدوا عنها البتة.
وتعتمل النار بالحركة والنشاط بحيث يمكن القول إن الحياة فيها محتملة، بل لعلها أكثر احتمالا من الحياة فى الجنة حيث السكون...

وهكذا تمكن أبو العلاء المعرى بلباقة وبطريقة ساخرة وطريفة من أن يولد كثيرا من الشك والريبة فى ما يتعلق بذلك...

فمثل سبينوزا هو يريد أن يقول لنا بأن تغييب العقل يؤدى إلى ظهور الخرافات والأوهام. فإذا ما سادت هذه كما هو الحال عند المسلمين بشأن ما يتصل بالجنة والنار، مات العقل ولم يعد له وجود يذكر.

الخيال.. واهمال "رسالة الغفران"

إن كتاب "رسالة الغفران" كتاب استثنائى فى تاريخ الأدب العربى ذلك أن صاحبه مضى بنا بعيدا، مخترقا الحواجز والممنوعات والمحرمات ليتطرق إلى مسائل ومواضيع لم يجرؤ أحد فى عصره ولا قبله على الاقتراب منها.

فالقرآن حدد رؤية الإسلام للجنة والنار والعدالة الإلهية تحديدا واضحا ودقيقا بحيث باتت حقيقة لا يطالها الشك ولا الدحض ولا المعارضة. غير أن أبا العلاء المعرى لم يقبل بمثل هذه المسلمات وأبى إلا أن يرسم رؤيته الخاصة للمسائل التى ذكرنا لا معتمدا فى ذلك على القرآن وإنما على الخيال.(لاحول ولا قوة الا بالله )

وهذا فى حد ذاته بدعة بالنسبة إلى الفقهاء المسلمين إذ أن الخيال خصوصا إذا ما كان جموحا يمكن أن يحيد بصاحبه عن الطريق الصحيح، ويؤدى به بالتالى إلى ما لا تحمد عقباه. وربما لهذا السبب أهملت "رسالة الغفران" لأمد طويل ولم تلق حظها من الانتشار والرواج والاهتمام إلا فى مطلع القرن العشرين. وقد يكون الناقد المغربى الكبير عبد الفتاح كيليطو على حق عندما قال بأن دانتى هو السبب الأساسى فى ذلك إذ أن "رسالة الغفران" صارت محط عناية ورعاية منذ أن نظر إليها كرافد من الروافد التى غذت "الكوميديا الإلهية".

غير أن عبد الفتاح كيليطو ينفى نفيا باتا أن يكون دانتى قد اطلع على "رسالة الغفران" حيث أنها لم تترجم إلى أية لغة، بل هى لم تحدث عند تأليفها ولا بعده فى الأوساط الأدبية العربية نقاشا من شأنه إثارة فضول الإيطاليين.

غير أن عملية التقريب بين أخرجت هذه الأخيرة حسب عبد الفتاح كيليطو من عزلتها الطويلة ورفعت قيمتها لدى فئة واسعة من المتأدبين العرب وغير العرب.

عند بلوغه سن الثلاثين ارتأى أبو العلاء المعرى ترك بلدته الخاملة الكسولة قاصدا بغداد، عاصمة العالم فى ذلك الوقت.

ولعل السبب الحاسم فى هذا القرار هو أن أبا العلاء المعرى أراد أن يمتحن نفسه وقدراته الفنية والأدبية واللغوية فى أشهر مدينة فى العالم الإسلامى والتى كانت تعج بأعداد هائلة من كبار العلماء واللغويين والمفكرين والفقهاء والأدباء والشعراء.

وفى ظرف زمنى قصير، تمكن أبو العلاء المعرى من أن يجد لنفسه مكانة بارزة فى الأوساط الأدبية البغدادية، فأحاط به الناس مهتمين، معجبين بهذه العبقرية الجديدة التى أشاعت فى عاصمة الخلافة نوعا من الغبطة المعرفية. غير أن أبا العلاء سرعان ما ضاق بحياته هذه خصوصا بعد أن اكتشف خفايا الحياة الثقافية والفكرية، وما يسودها من تباغض وحسد ودسائس ومؤامرات وتكالب على المال والشهرة، وأدرك أنه إذا ما هو ابتغى تأمين حياته والحفاظ على منزلته الأدبية فإنه يتحتم عليه التقرب من أصحاب الجاه والسلطة تماما مثلما كان يفعل معلمه أبو الطيب المتنبى "915-965" الذى كان يكن له تقديرا واحتراما كبيرين.

البئر السوداء

وعندئذ عاوده الحنين إلى عزلته فى بلدته الصغيرة البعيدة وأخذ يعد نفسه للابتعاد عن تلك "البئر السوداء" التى هى بغداد. والحقيقة أن هذا الموقف دل مرة أخرى على أن أبا العلاء المعرى كان يتمتع بحرية فكرية نادرة فى عصره.

فقد كان جل الشعراء والأدباء يتكسبون بشعرهم وأدبهم، ويمضون حياتهم متمسحين بأعتاب قصور الملوك والأمراء وغيرهم من أصحاب الجاه والنفوذ بحثا عن المال والحماية.

وقد كان المتنبى المثال الساطع لهؤلاء إذ أن معظم الأشعار التى كتبها كانت فى مدح من يرغب فى التقرب إليهم من الحكام، أو فى هجاء من يصدونه، ويرفضون تحقيق أمنيته الكبيرة أى الإمارة. وبالرغم من أنه كان النقيض الكامل له، فإن أبا العلاء المعرى كان يعده معلما بالنسبة إليه ربما لمقدرته اللغوية الفائقة.

ظل أبو العلاء المعرى ينتظر الفرصة السانحة للعودة إلى معرة النعمان. فلما مرضت أمه،عجل بتنفيذ قراره. ولا بد أن الرحلة الشاقة الطويلة منحته الوقت الكافى للتفكير العميق فى مصيره المقبل.

والشيء المؤكد أن العزلة شبه التامة التى سوف يفرضها على نفسه حتى وفاته عقب مرور خمسين عاما على ذلك، كانت ثمرة العودة تلك. فقد كان فى منتصف الطريق حين بلغه خبر وفاة والدته. وعندئذ كتب رسالة جد مؤثرة إلى أهل معرة النعمان يطلب منهم فيها احترام عزلته المقبلة، وفيها يقول :"بسم الله الرحمان الرحيم.
هذا كتاب إلى السكن المقيم بالمعرة، شملهم الله بالسعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان خص به من عرفه ودناه. سلّم الله الجماعة ولا أسلمها. ولم شعثها ولا آلمها. أما الآن فهذه مناجاتى إياهم منصرفى من العراق مجتمع أهل الجدل وموطن بقية السلف، بعد أن قضيت الحداثة فانقضت وودعت الشبيبة فمضت، وحلبت الدهر أشطره، وجربت خيره وشره فوجدت أوفق ما أصنعه أيام عزلة تجعلنى من الناس كبارح الأروى من سانح النعام، وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصرت فى اجتذاب المنفعة إلى حيزي".
سجين كون ناعس

هو الآن فى العزلة التى اختارها لنفسه والتى يبرز معناها العميق فى بيت شهير له يقول فيه:
توحد فإن الله ربك واحد
ولا ترغبن فى عشرة الرؤساء

وهو لا يخرج من بيته مطلقا، ولا يبدى أى اهتمام بما يجد فى العالم الخارجى من أحداث سياسية ودينية واجتماعية ذلك أن العالم الداخلى الذى اختار التوغل فيه كان أوسع وأرحب من أى عالم آخر. وبما أن تجاربه فى الحياة أقنعته بأن البشرية فاسدة لا يرتجى منها الخير وبأن الحياة هى ما "جناه" عليه أبوه، فإنه قرر أن يهب ما تبقى له من العمر للغة العربية التى توله بها صبيا، وظل البحث فى أسرارها وألغازها اللعبة الأثيرة إلى نفسه حتى الرمق الأخير. لكأنه ذلك الأعمى فى قصيدة خورخى لويس بورخيس التى يقول فيها:
اقتباس:
أنا سجين كون ناعس
لا الفجر يوقفه ولا الغروب
الليل. لا أحد. ليس لى غير الشعر أصطنع فيه الكون التفه

وخلال عزلته الطويلة تلك ألف أبو العلاء المعرى كتابين مهمين. الأول ديوان شعرى هو "اللزوميات" والثانى كتاب نثرى هو "الفصول والغايات". وفى الكتابين حافظ على جرأته القديمة فى تناول المواضيع التى كان أدباء عصره يخافون الاقتراب منها والتطرق إليها ذلك أن الكتابة عنده كانت كما يقول عبد الفتاح كيليطو "صراعا عنيفا مع ما لا تجوز كتابته وما لا يجوز قوله، ومجهودا شاقا متواصلا لصد ما يتعارض مع الصواب وإقامة سد منيع دونه" وكان من الطبيعى أن يثير الكتابان سخط الفقهاء وفئة كبيرة من أدباء وشعراء عصره فشنوا عليه هجومات عنيفة متهمين إياه بالإلحاد والكفر. بل إن القاضى أبا جعفر نعته بـ"الكلب الأعمى" وهجاه ببيتين قبيحين قال فيهما:
اقتباس:
كلب عوى بمعرة النعمان
لما خلا من ربقه الإيمان
أمعرة النعمان ما انجبت
إذ خرجت منك معرة النعمان
لم ترهب هذه الهجومات العنيفة

ولا هذه الاتهامات الخطيرة أبا العلاء المعري، ولم تزده إلا تمسكا بأفكاره وبعزلته. فإذا ما شاء الرد على خصومه اختار السخرية كما هو الحال فى هذا البيت:
اقتباس:
أنا أعمى فكيف أهدى إلى المنـ
هج والناس كلهم عميان

أو الرصانة هروبا من مواجهة يعرف أنها غير مجدية كما هو الحال فى هذه الأبيات:
اقتباس:
خذى رأيى وحسبك ذاك مني
على ما فى من عوج وأمت
وماذا يبتغى الجلساء عندي
أرادوا منطقى وأردت صمتي
ويوجد بيننا أمد قصي
فأمّوا سمتهم وأممت سمتي

أحيانا أخرى هو يختار الهجوم المكشوف فيصرخ فى الناس طالبا منهم أن يفيقوا ذلك أن الديانات التى يدافعون عنها بقوة وضراوة ليست سوى "مكر من القدماء" ابتكروها لخداعهم والكذب عليهم. أو هو يخاطب خصومه بحدة طالبا منهم ألا يقيدوا عليه لفظه لأنه مثل غيره يتكلم بالمجاز.

ظل أبو العلاء المعرى يدافع عن حريته الفكرية حتى النهاية، مستعينا بالسجنين اللذين فرضا عليه فرضا أى العمى والجسد الخبيث وبالسجن الثالث الذى اختاره لنفسه أى العزلة شبه التامة.

وكان فى النزع الأخير لما خان أقرب الناس إليه حريته الفكرية تلك. فقد ذكر أنه أملى وهو على فراش مرضه الأخير على أبناء عم له جاؤوا لعيادته نصا قد يكون بمثابة الوصية. غير أن هؤلاء أتلفوه لأنهم وجدوه مناف للصواب. وقد يكون تناول فيه مفهومه للوجود، متعرضا فيه إلى مسائل تتصل بالدين لذا أعدموه. ويعلق عبد الفتاح كيليطو على هذا الحدث المأساوى قائلا: "لعل ذلك الكتاب الغريق هو المفتاح الذى نفتقده للخروج من متاهات أبى العلاء المعري".












التوقيع

آخر تعديل النسر يوم 30-May-2012 في 11:22 AM.
 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, أجل, المعري, الحرية

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي الانتقال إلى العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 03:16 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع