« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قائمة المتميزين الجديدة (آخر رد :النسر)       :: شاركوا معنا في هذه الحملة (آخر رد :الذهبي)       :: تجدد المظاهرات المطالبة بإسقاط صالح (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: حقيقة الأهرامات وزيف حضارة اسمها الفراعنة‎ (آخر رد :إبن سليم)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: ليش ماتشاركونا (آخر رد :النسر)       :: ثورة ليبيا وسقوط القذافي (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: اربيل "مدينة الاحلام" فى كردستان العراق (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 29-May-2008, 04:43 AM   رقم المشاركة : 16
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي

اقتباس:
نفرّ لأننا كنا نُساق إلى حرب لم تكُن جهاداً في سبيل الله فنرجوا فيها الأجر من الله ، و لم تكن حرباً اضطُررنا إليها فلم يكُن لنا بدّ من خوضها و لا كان لنا فيها مصلحة ظاهرة فندخلها لتحقيق مصلحتنا .

وهنا تتميز حكمه الشيخ في القاء الضوء على سبب كره الناس للعثمانين أو الاتحاديين ان صح التعبير في الحرب العالميه خسر الكثير من العرب خصوصا أهل الشام ابنائهم عبر زجهم في حرب لا ناقه لهم فيها ولا جمل ، وبين الشيخ لماذا كان الفرار ولم يكن الكرار كما هي عاده ابطال المسلمين.

من يجبر على شئ يحاول قدر استطاعته الهرب منه ولله در الطنطاوي في كل سطر حكمه سبحان من وهبه هذا العقل وسبحان من من عليه بقراءه ما خلف الحدث.

متابعين ومتشوقين لبقيه الحلقات












التوقيع



ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

للحصول على الكتاب في السعودية
مندوب دار أم القرى : محمد جاد الله
٠٠٩٦٦٥٩٩٥٦٣٧٩١

والكتاب متوفر في جميع المكتبات الكويتية

www.neelwfurat.com

 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2008, 06:58 AM   رقم المشاركة : 17
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 6 :

من المدرسة التجارية إلى المدرسة السلطانية
ومن العهد التركي إلى العهد العربي


لبثنا ننتظر حتى إذا سكنت هزة المفاجأة , ورجعت الحياة تسير مسارها , وبدأ الناس يألفون العهد الجديد ... أخذنا كتبنا ودفاترنا وذهبنا إلى مدرستنا , فوجدنا المدرسة قد أغلقت , لقد جنى عليها اسمها وما كان لها من صلة بجمعية الاتحاد والترقي إلا صلة هذا الاسم , كما أن الجمعية لم يكن لها مما يدل عليه اسمها إلاّ نصيب المدّعي الكاذب في الدعوى الباطلة . اسمها جمعية الاتحاد وهي التي جّرت علينا الانقسام , كانت الدول العثمانية جسداً واحداً , العرب أعضاء فيه والترك والكرد , فقطعوا الخيط الذي كان يربط أجزاءه ويؤلف بينها , وهو الإسلام , فصار كل جزء جسداً مستقلاً أي أنه صار مسخاً زرياً لا إنساناً سويّاً .

وكانوا في أوروبا يشبهون الدولة بـ ( الرجل المريض ) , مريض ؟ نعم , إن المريض يشفى والمرض ليس عيباً ولكنه باعترافهم رجل .

وكان السلطان عبدالحميد رجلاً حقاً , استطاع بدولة هرمة وجيش هزيل أن يحجز دول أوروبا عن بلاده , وكان يضرب بدهائه بعضَها ببعض .

كان ( رجلاً ) يلعب بالرجال , فلما جاء ( صبيان ) الاتحاديين وأمسكوا هم الزمام , لعبت بهم الرجال وأشباه الرجال .

واسمها جمعية الترقي , وهي التي سببت لنا التدني , فبعد أن كانت الدولة على عهد السلاطين العظام أقوى دول الأرض , صارت بهم دويلات لا وزن لها في الأرض , يحكمها حكام من غير أبنائها بقوانينهم لا بشريعتها , ذلك لما خاضت بحماقتها وجهلها وخبث سرائرها وقبح نياتها , حرباً لا ناقة لها فيها ولا جمل , ولا شاة ... فانتهت بها وبنا جميعاً إلى الضياع .



وبدأت دمشق تعيش كأنها في بهجة العرس وقد كانت قبل شهر واحد في كربة كأنها كَمْدَة المأتم , وحل الوجدان محل الحرمان , فالخبز مبسوط أمام الشارين من كل نوع , وفي كل مكان , كما كان , وكثر السكر والبن والرز و( الكاز ) وكل ما كان مفقوداً صار موجوداً .

والأعلام الجديدة ترفرف على الدكاكين وعلى أبواب المنازل , والأناشيد التركية ذات الألحان القوية العبقرية , بُدّلت أناشيد عربية , صيغت كلماتها على عجل , وركب اللحن التركي القديم على النشيد العربي الجديد , وكان الناس في الشام ( كما كانوا في أكثر بلاد الشرق ) لا يهتم جمهورهم بسياسة ولا رياسة , همهم أداء فرضهم , وحفظ عيالهم , وتسلية أنفسهم بما لم يحرمه عليهم دينهم , لذلك فرحوا بما جاءهم من السعة بعد الضيق , والسلام بعد الحرب , لم يستطيعوا أن يزِنُوا ما كان بميزان الربح والخسارة , ولا أن يتبينوا هل كان خيره أكبر أم شره , ولم ينتبهوا إلى أن عهداً قد انتهى , وأن عهداً آخر قد بدأ .

سقوط روما كان نهاية القرون الأولى , وبداية القرون الوسطى , ولكن هل معنى هذا , أنه إذا كان سقوطها يوم الخميس كان الأربعاء من القرون الأولى والجمعة من الوسطى ؟

وإذا انتهى العصر الأموي بمقتل مروان وولاية السفاح , فهل القصيدة التي نظمت قبل موته بيوم لها مزايا وخصائص الشعر الأموي والتي نظمت بعده بيوم لها خصائص ومزايا الشعر العباسي ؟

التبدل الآني ليس من سنن الله في هذا الوجود , الليل يكون أسود حالكاً ثم يكون بعده النهار أبيض مشرقاً , فهل تحول الظلام نوراً في لحظة ؟ أم الله يولج الليل في النهار .

وكنت طفلاً ثم صرت شيخاً , فهل انتقلت في ساعة واحدة من الطفولة إلى الشباب أو من الشباب إلى الشيخوخة ؟ وهل أحسست بهذا التبدل ؟

راقب العقرب الصغير في الساعة , إنك لا تراه يتحرك , ولكنه مع سكونه الظاهر , يدور ( دائرة ) الساعة كلها .
وكذلك كنا ونحن نشهد ميلاد عهد جديد , العهد كان مخاضه عند بداية الحرب الأولى وولادته عند نهاية الحرب العالمية الثانية , ولكنا لم نحسّ بذلك لأننا كنا نعيش فيه .


إذا كنت في ( المصعد ) وهو مغلق عليك , فهل تحسّ بانه ينزل أو يصعد ؟ إنك تدرك حركته بعد أن تخرج منه , وتقف فتنظر إليه , ونحن نستطيع الآن أن ندرك حقيقة الذي كان , ونزنه بميزان الربح والخسران .

*****

وقبل أن أودع المدرسة التجارية , أذكر أنها خرّجت طبقة من المثقفين كانت سبّاقة , وكانت رائدة , أتمنى لو كانت أسماؤهم عندي , لكني أسمّي من يخطر على بالي , فمنهم خالد بك العظم السياسي المعروف رئيس وزراء سورية , وقد درس فيها حيناً وإن لم يتخرج منها , ومنهم صبحي بك القوتلي الرئيس الثاني لمحكمة النقض , وفؤاد بك المحاسني النائب العام , وممن تخرج منها وحمل شهادتها , الأطباء : طاهر ... الطنطاوي , وقد دخل بعدها مدرسة الطب وخرج منها طبيباً سنة 1920 , ورفاقه الدكتور محمد سالم , والدكتور سهيل الخياط وهو لا يزال حيّاَ مدّ الله في عمره , ورحم الباقين .

وقد كان يدرس فيها أكابر المشايخ الدروس الدينية , وقادة الجيش العثماني العلوم الرياضية والطبيعية , وحسبكم أن من مدرسيها مدير معارف سورية هاشم بك يوم كانت ولاية سورية تشمل البقاع وبعلبك وطرابلس والأردن إلى معان .

ومن مآثر المدرسة عنايتها المبكرة بالألعاب الرياضية , ولقد كان الدكتور محمد سالم من أوائل المعنيين بكرة القدم ومن قدماء لاعبيها , ولقد أنشأ ابن عمي الدكتور طاهر الطنطاوي الذي توفي السنة الماضية ( 1400هـ ) , أنشأ في بستان داره في الصالحية ملعباً كاملاً لنفسه ولإخوانه ...

أغلقت هذه المدرسة فتفرق تلاميذها في المدارس , وأدخلني أبي المدرسة السلطانية الثانية , وكانت في القسم الشمالي من جامع يلبغا في المرجة في صحنه الواسع , وفي الغرف التي بنيت على جوانب الصحن , أما البركة الكبيرة فقد أقيم عليها حاجز من الخشب , يقسمها قسمين متساوين , قسم بقي في حيّز المسجد وقسم في حيّز المدرسة .

وقد كان موضع المسجد تلاً يشنق عليه المجرمون , فأخذه والي الشام سيف الدين يلبغا سنة 847هـ وأنشأ عليه هذا المسجد .
*****

يا لله كم في حياتي من منعطفات , وكلما انعطف بي الطريق مرة في وادي العمر , تبدلت المناظر من حولي .

كنا في المدرسة التجارية نتعلم اللغة التركية , فصرنا هنا ندرس العربية , وكنا نهتف في الصباح ( باديشاهم جوق يشا ) فصرنا نهتف ( ليحيا الاستقلال العربي ) , وكنا قد بدأنا نتلقى مبادئ اللغة الفرنسية , فصرنا نتلقى مبادئ الإنكليزية .

على أن من الإنصاف أن أقول تدليلاً على إسلامية الشعب التركي التي لا تحتاج إلى دليل , إن تعليم التركية كان يبدأ باسم الله , كنا نقرأ التركية ونكتبها بالحروف العربية , لم يكن قد نجم فينا ( أعني الأمة الإسلامية ) من يحارب ديننا , بإضعاف لساننا , فيستبدل بالحروف العربية الحروف اللاتينية , كما فعلوا ( من بعد ) باللغة الأندونيسية وكانت تكتب بالحروف العربية , كنا نبدأ بحفظ كتاب صغير اسمه ( أسماء التركية ) أوله : تنري الله جل شأنه , بيغمبر النبي , إبدست الوضوء , نماز الصلاة ...

لا أزال أحفظه إلى الآن وكانت كلمة ( تنري ) تكتب تكري كما تكتب كلمة بينباشي ( أي رئيس الألف ) بكباشي .
ولعل المؤرخ المصري ابن تغري بردي , كان اسمه ( تنري ويردي ) أي عطاء الله , أقول هذا من عندي , ما عندي فيه نص .
*****

وكان في دمشق مدرسة سلطانية واحدة , هي مكتب عنبر , ثم فتحت في أواخر حكم الأتراك مدرسة أخرى , وكنا نسمي المدرسة المكتب , والسلطاني معناها ثانوي , وهذه المدرسة هي ( المكتب السلطاني العربي ) وقد كانت في طريق ( ستي زيتونة ) , وممن أعرفه درس فيها أستاذنا الشيخ زين العابدين التونسي , والشيخ عصام الدين الحسني وهو ابن الشيخ بدر الدين الحسني والأخ الأكبر للشيخ تاج الدين الذي صار رئيس الجمهورية السورية , ووالد الصديق الشيخ فخر الدين مدير دائرة الافتاء في سورية ( سابقاً ) .

أما هذه الزيتونة فقد كانت شجرة هرمة , أمامها قفص حديد تربط النساء به الخرق , وتحتها قبر , وعندها ( شيخ) دجال , قد جعل مرتزقه سدانة هذا الوثن .

أما قصتها فعجيبة حقاً , هي أن قاسم الأحمد ( جد صديقنا وزميلنا نهاد القاسم الأخ الوفي والوزير المستقيم رحمة الله على روحه ) لما ثار على ابراهيم باشا أيام حكمه الشام , قبض عليه بعد معارك طويلة , فشنقه مع خمسة من رفاقه تحت زيتونة كانت هنا , فقال الناس ( الستة الزيتونة ) ثم نسوا القصة , فقدسوا الشجرة وسمّوها ( ستي زيتونة ) .
*****

أما السلطانية الثانية التي دخلتها فقد فتحت بعد دخول الشريف فيصل بن الحسين ولورانس الانكليزي دمشق , وكانت ابتدائية , وسلطانية ( أي ثانوية ) , مدير القسم الابتدائي الأستاذ شريف آقبيق وقد سمعت أنه لا يزال حيّاً قواه الله , ومدير الثانوي ( والمدير العام ) هو شيخ المعلمين الرسميين في الشام الأستاذ سعيد مراد .

وكان من معلمينا فيها شاب ( أعني أنه كان يومئذ شاباً ) من نابلس وهو أول من علمني الإنشاء العربي , كان يأخذ مقالات المنفلوطي , فيجعلها بحيث نفهمها ثم يكلفنا أن نكتب مثلها , وكانت مزيته الأولى صوته , فما عرفت على كثرة ما سمعت من الأصوات , ما هو أحلى منه وأطرب , وقد أنشد يوماً في اجتماع عام نشيد ( ويلي على اوطاني من غارة العدواني ) أمام الشريف فيصل , فأعجب به فجعله مدرس الموسيقى في السلطانية الأولى , ثم صار مدرساً سياراً لها , يدور على المدارس , فيكون يوم وصوله فرحة للمدرسة , وكان ممن ينظم الأناشيد العربية , أو يترجمها عن التركية ويلبسها النغمة الأصيلة , وهو الأستاذ حسني كنعان وسأعود إلى الكلام عنه , فقد استمرت اتصالاتنا حتى توفاه الله سنة 1980 رحمه الله .

*****

أما رفاقي فيها فلست أذكر منهم إلاّ المهندس صلاح شيخ الأرض , وقد كان هنا منذ سنوات , والمحامي الشاعر عبدالحكيم مراد , ولم أره من ثلاثين سنة وأحسب أنه في الكويت , والأستاذ حسن السقا الكيميائي ولست أدري ما فعل الله به .

ومن ذكريات هذه المدرسة الباقية في نفسي أن حاكم دمشق العسكري الجديد , وهو رضا باشا الركابي الذي كان أعلى عربي رتبة في الجيش العثماني , زار المدرسة يوماً فدخل علينا الفصل , ووراءه وزير المعارف ورؤساء التعليم ومدير المدرسة , وكان يلبس ( الجنرال ) العسكري , والشارات على كتفيه , والأوسمة على صدره .
وكان الأستاذ حسني قد حفظنا قصيدة الحلّي : سَلِ الرماح العوالي عن معالينا , ولكنه بدل البيت الثاني فجعله : وسائل العرب والألبان ما فعلت *** بعسكر الترك والألمان أيدينا
وكان حسن السقا يلقيها بصوت عال وحماسة بالغة , فقاطعه الباشا وسأله : من علمك هذا ؟
فارتعب وأشار إلى الأستاذ , فمد الباشا يده إلى الأستاذ , ولكن الأستاذ كان قد أصفر لونه , ولولا أنه استند إلى المقعد لهوى ... وإذ الباشا يصافحه .
ولما خرج الباشا , ومن معه , قال الأستاذ : أرأيتم يا أولادي ؟ هكذا تكون الشجاعة .
وأستدار لئلا نرى البلل في بنطاله .
ولا تظنوا أني اكتب هذا بعد ما توفاه الله لأني لا أقدره ولا أحترمه , لا والله , ولو علمت أنه كان يسوؤه ما رويته , ولقد كتبته في حياته , وضحك لما قرأه , ثم كتب القصة بقلمه , وروى عن نفسه أشياء أبلغ في بابها منها رحمة الله عليه .

*****

ومن ذكريات هذه المدرسة فيضان بردى , بردى الذي كتبت عنه الكثير والذي يصل ( المرجة ) بعدما انشق عن أبناؤه الستة : ( يزيد , وتورا وباناس والقنوات والقناة والديراني ) ولم يبق من مائه ما يبلل ظهر قط مشى فيه , بردى الذي لا تذهب منه قطرة هدراً على حين تذهب مياه الأنهار الكبار إلى البحر , فلا هي حفظت ماءها ولا البحر امتلأ منها , بردى الذي قال كاتب شوقي لما زار دمشق فرآه بعدما سمع من شوقي أشعاره فيه , قال متعجباً : أهو ده بردى ؟

بردى هذا إذا وصل إلى مرجة وأردنا أن نسلبه حريته في جريه , وأن نسجنه تحت القناطر , فيدوس عليه الماشون في المرجة , ثار .... وإذا ثار أغرق المرجة وما فيها , ومما كان فيها مدرستنا ( السلطانية الثانية ) , إني لأذكر ذلك الفيضان سنة 1918 واستحضره في ذهني حتى أرى المدرسة كلها قد صارت بركة واحدة , والمقاعد قد طفت على وجه الماء كالزوارق , وتصايح التلاميذ , واستدعيت الشرطة , وأسرع المدرسون إلى إنقاذ الصغار .... وكان يوماً لا ينسى .
*****







آخر تعديل أبو خيثمة يوم 01-Jun-2008 في 02:47 PM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 20-Jun-2008, 02:37 AM   رقم المشاركة : 18
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 7

في المدرسة السلطانية

اذهب إلى المرجة اليوم ، و استقبل جهة الجامع الأموي و انظر إلى يسارك ، لا تبصر إلا برحة واسعة ما فيها بنيان . ارجع إلى العهد الذي أخبر عن ذكرياته الآن لترى بناء من طبقتين ، الداخلون إليه كثير و الخارجون منه كثير .

هذا يدخل و الحديد في يديه فيخرج طليقاً ، أو يدخل طليقاً فيخرجون به إلى السجن ( في القلعة ) ، و هذا يدخل مدّعياً آملاً الربح فيخرج خائباً خاسراً دعواه ، و ذاك يخرج فَرِحاً رابحاً الدعوى .

هنا كانت " العدلية " و إلى شرقها بناء أصغر هو " البريد " ، و البريد " مصلحة " القلوب و الجيوب ، و حقيبة ساعي البريد فيها البشائر و فيها النذُر ، يترقبه العاشق و ينتظره التاجر ، و الأم التي غاب عنها ولدها تعدّ الدقائق لتأخذ رسالة منه تطفئ أو تخفف من نار الشوق في صدرها ، و الطالب يقف على الباب و بصره على أول الشارع ليرى ما يحمل إليه موزّع البريد ، هل يحمل خبر النجاح في الامتحان أو نبأ السقوط و الخسران ؟

و إلى قربها عمارات تطلّ على بردى ، يقابلها من هناك " السراي " و قد كانت في ذلك العهد ( بل إلى ما بعده بربع قرن ) تجمع ـ وحدها ـ وزارات الدولة كلها و معها مجلس الوزراء ، و بجنبها البلدية . و وراء العدلية و البريد جامع يَلبُغا ، له باب من الشرق يطل على سوق الخيل و باب من الغرب يخرج إلى " البحصة " و مدرستنا في صحنه من ورائه ، و مئذنته وراء المدرسة تطلّ على الشارع الخلفي .

فماذا فعل ذلك كله ؟ لقد ذهب !

أما هذه العمارات فقد أودت بها إحدى الحرائق الهائلة التي كانت تشهدها دمشق ، ( و حريقة ) أخرى ذهبت بالدور المقابلة و كشفت جامع تِنْكِز فقام هنا " فندق أمية " و قامت هناك عمارات حديثة . و أمّا البلدية فقد هُدمت و بيعت للسيد الشربتلي ( المعروف ) فأقام في موضعها عمارة كبيرة ! و بنت البلدية لنفسها بناء ضخماً .

أمّا بردى فقد دفنوه حياً و جعلوا قبره شارعاً تطؤه الأقدام ، و قد كانوا يدوسون فوقه من قبلُ حين ألزموه أن يمشي في " المرجة " تحت الأرض ليمشوا هم فوقها . و كانت المرجة في طرف البلد ، تلتقي فيها خطوط الترام الذي جاءت شركة بلجيكية به و بالكهرباء سنة 1898 كما سمعت . و قد أُلغي في الشام من أكثر من ربع قرن ، و لكني رأيته بذاته في بروكسل سنة 1970 لمّا زرتها .

و ذهبت مدرستنا مع ما ذهب و ذهبت معها قطعة من حياتي . و كم كانت لنا فيها آمال و كم حملنا فيها من آلام ، فأين آمالنا فيها و أين آلامنا ؟

لقد كانت دنيانا كلها مختصرة فيها ، كما يُختصر الكتاب في صفحات و كما تقطر قارورة العطر في قطرات ، فأين دنيانا من تلك يا ناس ؟

أين من كانوا يقعدون فيها على المقعد الواحد ؟ لقد رفع الدهر منهم قوماً و وضع آخرين ، اغتنى ناس و افتقر ناس ، و ربما صار ( بل لقد رأينا بأعيننا ) ابن الآذن ( الفرّاش ) قد صار هو الرئيس ، و ابن الرئيس قد أمسى فراشاً أو مثل الفرّاش !

هذه هي الدنيا ، فالأحمق من اطمئنّ إليها ، و وثق بدوامها ، و لم يحسب حساباً لتداول الدول و تبدّل الأحوال ، و ظنّ أن ما نال منها من مال و مجد وسلطان باقٍ له ما علم أنه لو دام على من قبله ما وصل إليه .

ثم مضى أكثر رفاقنا إلى حيث من مضى لا يؤوب ؛ مضوا ليجدوا ما قدّموا مُحضراً ، فإمّا إلى جنة و إما إلى نار . فاللهم يا عفوُّ يا من تحب العفو اعفُ عنّا ، و اختم بالحسنى لنا و لمن صفّى قلبه مع الله ، و مدّ يديه خاشعاً و قال : آمين .

و أرجو لكل من دعا لي بخير مثلَ ما دعا لي به ، هذا و الله ما أريده و هذا ما أحتاج إليه . لا أحتاج مالاً و لا منزلة و لا شهرة في الناس ، كل ذلك لدّي منه الكثير و كل ذلك سراب ، تحسبه من بعيد ماء فإذا جئته لم تجد إلا التراب . ما أريد إلا دعوة صالحة من مسلم صالح ، تبقى سراً بينه و بين الله .

لقد قارعت هذه المدرسة دهرها ، فنزلت حتى صارت مدرسة ابتدائية ثم أدركها ما يدرك كلَّ ما سوى الله : من إنسان و حيوان و نبات . أدركها الأجل الذي ـ مهما تأخر ـ فإنه آت فماتت و لم تجد قبراً يدلّ عليها أو لوحة تشير إلى وجودها .

لمّا دخلت هذه المدرسة كنت قد ارتقيت أيام الأتراك إلى السنة الخامسة الابتدائية فردّوني لمّا تبدلت المناهج إلى الرابعة . و مرّت السنة و نجحت مرة ثانية إلى الخامسة و كنت الثاني بين رفاقي و تجدون في قسم الصور في آخر الكتاب صورة " جلاء " فيه درجاتي و إثبات نجاحي .

و انتقلت المدرسة لسبب لا أدريه إلى البناء الذي أقامه أحد الولاة الأتراك على بردى بين التكية السليمانية و الأخرى التي أنشأها قبلها السلطان سليم . و الذي يشبه في طراز بنائه أبنية القرون الوسطى : برجان من الجانبين و فوقهما سقف هرمي من القرميد و الباب الكبير بينهما و قد كانت فوقه لوحة من الحجر مكتوب عليها " مدرسة دار المعلمين " فانتقلت مدرستنا إليه . ثم صار كلية الحقوق ( و كانت تسمى معهد الحقوق ) و قد تخرجت فيها و نلت شهادتها سنة 1933 ثم صار وزارة المعارف و هو اليوم إدارة التعليم في دمشق .

ما لي أستبق الأيام ؟ و لِمَ لا أنتظر حتى يصل بي ـ إلى ذلك ـ الكلام ؟

انتقلنا إليها ، و صار مديرنا الدكتور كامل نصري ، و من مدرّسينا فيها الشيخ زين العابدين التونسي ، و هو الأخ الأصغر لشيخ مشايخنا السيد الخضر حسين الذي صار ـ من بعدُ ـ شيخَ الجامع الأزهر ، و أستاذ الأساتذة مصطفى تمر الذي كان المفتش الوحيد لمدارس سوريا ، و الشيخ أبو الخير القواس الذي اخترع الطريقة المنسوبة إليه في تدريس قواعد اللغة العربية ( النحو و الصرف ) ، و جعل للأمثلة لوحات كبيرة حروف الزوائد في كلماتها ملوّنة ، و رتب عليها أسئلة ، ثم صغّرها في سلسلة كتب كنا ندرسها اسمها " دروس القوّاس " ، و أشهد الآن أنها كانت أفضل الطرق . و كان يدرّسنا اللغة الفرنسية الأستاذ علي الجزائري .

و خرجنا مع أول مظاهرة مشينا فيها يتقدمنا طالب كبير ، يسأل : ماذا تريدون ؟ فنجيب بصوت واحد : ياسين باشا .

من ياسين باشا ؟ ماذا نريد منه ؟ لم أكن يومئذ أدري ! لكني علمت بعد ذلك أن الإنكليز ـ كما قال الناس ـ قد اختطفوه ، فخرجنا نطالب بإرجاعه .

و في تلك السنة قرر المؤتمر السوري ، الذي كان يمثل سوريا و لبنان و فلسطين ، نصب الأمير فيصل ملكاً ن و كان تتويجه يوم 8 آذار 1920 . و طالما كتبت بعد ذلك في ذكرى هذا اليوم . و دُعيت إلى حفلة التتويج و حضرتها مع رفاقي في المدرسة ، و لكن " من برّا " وقفونا صفاً أمام السراي ثلاث ساعات على أقدامنا بلا طعام و لا شراب !

كذلك كانت مشاركتنا في الاحتفال و كذلك كانت معرفتنا بعهد الشريف ؛ نعيش فيه و لكن لا نرى منه إلا الظواهر ، و ما أبعدَ ما بين ظواهر الأحداث العامّة و حقائقها !

الذي رأيته في هاتين السنتين بقيت حلاوة طعمه تحت لساني . كنت أظن أن دمشق في فرحة متصلة ، في عرس لا ينتهي ؛ المظاهرات مظاهرات الفرح ، و الحماسة التي عمّت الجميع ، و سوق عكاظ للخطب في " النادي العربي " . و كان في الركن الغربي من ملتقى طريق الصالحية و الطريق إلى بيروت ، أمام فندق فكتوريا ، و لقد كتبت عنه كثيراً و حدّثت عنه أكثر ، و كان أبرز خطبائه ـ كما أذكر ـ الدكتور عبد الرحمن شهبندر ، كان يخطب كأنه يتحدث ، لا ينفعل و لكن يفعل بالسامعين ما يشاء ، يُقيمهم و يُقعدهم و يلعب بمشاعرهم و بقلوبهم . و من خطبائه شيخنا الشيخ عبد الرحمن سلام و سيأتي عنه الكلام ، و رجل نصراني كان اسمه حبيب أسطفان ، خطيب نادر المثال .

و كانت نهضة عظيمة في الأناشيد ، أشهرها : " أيّها المولى العظيمُ .. فخرَ كلِّ العرب " و " سيروا للمجدِ ، سيروا للحرب " و " صليلُ الظُّبا و صرير القلم .. لفكِّ القيود و قشع الظُّلم " و " افتحوا لنا الطريق " و عشرات لا أزال أحفظ الكثير منها و أحفظ ألحانها .

و لمّا تكلمت في الرائي عن نشيد " بلادي بلادي منار الهدى " و قلت إن لحنه قديم أحفظه من صغري و أنا أؤكد ذلك هنا تأكيداً جازماً ، تعجّب الناس مني : من أين لشيخ مثلي المعرفة بالألحان ؟ معرفتي بها من حفظي أولاً للأناشيد التركية ، و أناشيد هذا العهد الذي أتحدث عنه . و الثالثة أن معلمينا من المشايخ كانوا يأخذون كل لحن يسمعونه ، و لو كان لأغنية غرام مبتذلة فيؤلفون كلاماً سخيفاً يزعمون أنه في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم و يُنزلونه على اللحن . و قد أنكرت هذا في الصحف و في الإذاعة و على المنابر من أكثر من أربعين سنة و أنكره الآن ، و لكني أُقّر أني حفظت بسببه أكثر ألحان عبده الحامولي و محمد عثمان و داود حسني ( اليهودي ) و أمين حسنين و الشيخ أبي العلا و سيد درويش و زكريا أحمد .

و نشيد بلادي ( السعودي ) نُظم معارضة لنشيد الرافعي :

بلادي بلادي هواك دمي جعلتُ حياتي فدى فاعلمي
غرامُك أوّل ُ ما في الفؤاد و ذكرك آخرُ ما في فمي

و لحنه جاء من هنا مشوباً بشيء من لحن القصيدة التي كانت تغنيها أم كلثوم : " مصر التي في خاطري وفي فمي " لا من نشيد سيد درويش : " بلادي بلادي بلادي .. لك حبي و فؤادي "

و لأنهم علّمونا في المدرسة " النوتة الموسيقية " مفصّلة غاية التفصيل و إن كنت لم أمسك بيدي آلة موسيقية فضلاً عن العزف عليها و إنما هو علم نظري بها . كما أعرف ( نظرياً أيضاً ) المقامات و الأنغام العربية و أنواع الضروب و الإيقاعات على مبدأ " تعلم السحر و لا تعمل به " و إن لم يكن حديثاً .

و كان لي مع الشيخ زين العابدين التونسي ( رحمة الله عليه و على أساتذتنا جميعاً ) موقف أسأت فيه إليه و أنا لا أدري ، و كان ذلك سنة 1919 . و قد زرته آخر مرة ذهبت فيها إلى دمشق و قلت له : أنت أستاذي .. و بدأت أذكّره بتلك الأيام فبان على وجهه الغضب المكتوم و قال : دع هذا الآن . قلت متعجباً : ولِمَ يا سيدي ؟ قال : أنسيت أنك كنت تكذّبني و أنا ألقي الدرس ؟
قلت : يا سيدي أبعد أربع و خمسين سنة ؟ و الله إني مظلوم و بريء ( كما يقولون في المسرحيات ) .
لقد كانت القصة أن الشيخ كان يدرّسنا التوحيد و كانوا يبدؤون عادة بذكر الواجب و المستحيل و الممكن ، فجعل يضرب أمثلة على المستحيل و يسألنا : من يدّعي هذا ماذا نقول له ؟ فنقول : كذّاب . و شرد ذهني و لم أنتبه إلى أنه انتقل إلى كلام آخر فكنت كلما أكمل الجملة أقول : " كذّاب " .

رحمه الله ؛ لقد كان مدرساً نافعاً ، و كان مؤلفاً يصنّف للطلاب الكتب التي توافق مداركهم و تسيغها عقولهم ، ألف " المعجم المدرسي " ثم ألف رسالة ما سبقه أحد فيما أعلم إلى موضوعها هي " المعجم في النحو و الصرف " و جعله مرتباً على الحروف . و أنا اقترح على الأستاذ الكبير عبد الرحمن التونسي ( و الشيخ هو عمّ أمه ) أن يعيد طبعه و أن يسعى لتعممه وزارة المعارف على جميع التلاميذ ، فإني لا أعرف كتاباً في حجمه يحوي مثل علمه و يفهمه التلاميذ مثل فهمه . و هذا شيء خطر على بالي الآن و أنا أكتب هذا الفصل ، ما فكّرت فيه من قبل و لكن أرجو أن يكون خدمة لذكرى أستاذي و منفعة لأبناء بلدي و أنا أعد هذا البلد بلدي و بلد كل مسلم يتوجه في صلاته إليه .

و هنا جاء في طريق حياتي منعطف آخر .

كنت من أصغر تلاميذ صفي ( أو فصلي كما تقولون ) ، و كان عبد الحكيم مراد في مثل سني . و كنا لا نتكلم إلا الفصحى فكان التلاميذ الكبار يسخرون منّا و ربما آذونا ، و علم أبي بذلك فأخرجني منها و أدخلني المدرسة الجَقمقيّة عند الشيخ عيد السفرجلاني .

و منعطف أكبر منه كان في حياة سوريا كلها ، هو موقعة " ميسلون " و انتهاء الحكم العربي و بداية الانتداب الفرنسي .













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 25-Jul-2008, 06:39 PM   رقم المشاركة : 19
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 8

منعطف خطير في تاريخ سوريا

وقفت بكم أمام منعطفين واحد منهما في طريق حياتي أنا و واحد في طريق تاريخ بلدي بل و البلدان التي تجاوره و تجمعها به جوامع العقيدة و المصلحة و اللسان و هو منعطف معركة ميسلون .

لا أكتب عنها بقلم المؤرخ الذي يجمع الروايات و يصفّيها و يصنفها ثم يؤلف بينها و يستخرج العبرة منها فقد كتب عنها كثير و لعلّ أحسن ما كُتب فيها كتاب الأستاذ ساطع الحصري .

و هذا الرجل سابق من السابقين من الموجّهين و المربّين من العرب و إن عاش حياته الطويلة جداً و مات و هو لا يحسن العربية لا نطقاً و لا كتابة . مفكّر ممتاز ، كان شيخ المشتغلين بالتربية من عام 1908 في تركيا ثم في الشام على العهد الذي أتحدّث الآن حديث ذكرياته ثم في العراق . و قد تسلّم " المعارف " من بابها إلى محرابها و أصدر يومئذ مجلة كانت أولى مجلاتها ثم أشرف على " المعارف " في سوريا بعد الاستقلال و هو نسيب الزعيم سعد الله الجابري ثم عمل في مصر في جامعة الدول العربية .

هذه مزاياه ، أما : هل أحسن أم قد أساء ؟ و ماذا كان موقفه من الإسلام ؟ الجواب لا يرضيه لو كان حياً و لا يرضي تلاميذه و محبّيه ، و لكنّه الحق و لا يضرّ الحق أن كَثُرَ أعداؤه و كارهوه . كان العقل المفكر لفتنة القومية التي لم يأت منها إلا أننا كنا أمة واحدة هي " أمة محمد " فصرنا جمعية أمم و كنا إخوة يجمعنا الحب في ظلال الإيمان فصرنا أعداء تفرقنا هذه الدعوة الجاهلية . و لقد أفسد مناهج سوريا لمّا دعا بعد الاستقلال إلى إصلاحها . و لقد كان لنا ( أنا و نهاد القاسم رحمه الله ) مجلس معه في مصر سنة 1947 استمر ساعات .

و لكن لماذا أقف عنده الآن ؟ إنه داء الاستطراد و الخروج عن الجادة فلنعد إليها و لنتابع طريقنا فيها .

لقد كانت معركة ميسلون منعطفاً خطيراً في تاريخ بلادي و ما أكثر المنعطفات في قصة حياتي ! ذلك لتعلموا أن حياة الإنسان لا تقاس بطول السنين بل بـ عرض الأحداث ، فلقد بلغ عمري في التاريخ الذي أكتب عنه اثنتي عشرة سنة فقط و لكني رأيت فيها حكم الأتراك و حكم العرب و من ورائهم الإنكليز مستخفين بأشخاصهم ظاهرين بأعمالهم كالوسواس الخنّاس مع الناس . و سأشهد قريباً حكم الفرنسيين و هم ظاهرون ظهوراً قوياً و لكن أثرهم ـ إن قيس بأثر أولئك ـ كان ضعيفاً .

أتعرفون القصة الرمزية عن الريح و الشمس لمّا تراهنتا على أيهما يقدر أن ينزع عن الفلاح معطفه فعصفت الريح و اضطربت حركة الهواء فبرد فلبس فوق المعطف عباءة و جاءت الشمس فوجّهت أشعتها إليه فأحسّ بالحر و سال من جسده العرق فنزع المعطف ؟ هذا هو مثال الإنكليز و الفرنسيين كما رأيناهم في الشام ، و هما ـ بعد ذلك ـ كحماري العبادي ( من سكان الحيرة ) قيل له : أيّ حماريك أسوأ من صاحبه ؟ قال : هذا و أشار إليهما معاً .

و كانت ميسلون و أنا أصف منها ما رأيت و ما يمكن أن يراه مثلي .

كنا في جنة ( أو فيما نتوهمه جنة ) فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت و كنا في قصر فيه كل ما نطلب و ما نتمنى فأتاه زلزال مدمّر فتركه خراباً . كنا نعيش ( أو نظنّ أننا نعيش ) في عرس دائم ابتهاج و حماسة و عودة الخير و السعة بعد الضيق و الحرية ( أو ما حسبناه حرية ) بعد أن كنا في سجن كبير .

أصبحنا و إذا الأخبار تتوارد عن مسير الفرنسيين إلينا و أن الأعور الدجال قادم علينا ... إنه الجنرال غورو .

لم ندر أنهم تقاسمونا و نحن نيام و أن " سايكس و بيكو " وزّعونا غنائم حرب كما توزّع المواشي التي أخذها الجيش الغالب من الجيش المغلوب و أن إنذاراً قد وجّه بحل الجيش و أن الملك وافق عليه و سرّح الجيش كل ذلك لم يعلم به عامة الكبار ، فما بالك بالتلاميذ الصغار ؟

و سرت أقوال أن مدير البريد العام حسن بك الحكيم قد أخّر برقية الملك لأنه لم يرضَ أن يكون شريكاً في هذا الموقف الذليل ثم تبين أن ذلك لا أصل له و حسن بك السياسي النظيف رئيس الوزارة مرات رجل الاستقامة و الإصلاح لا يزال حياً ، يعيش على راتب تقاعدي لا يعدل راتب معلم ابتدائي ، و هو أحد الأعلام في تاريخنا الحديث ، و لو شاء لكان كما كان غيره من أصحاب الملايين فيا أسفي ! أهكذا يُعامل شرفاء الرجال ؟

و اشتعلت البلد بنار الحماسة و كان الوطني المخلص و أحد أركان التعليم الشيخ كامل القصاب يُذكي هذه النار و يضرمها و تألفت اللجان الشعبية لجمع المال و هجم الناس على الثكنة الحميدية ( القشلة و هي تشبه أختها في مكة و هي اليوم جزء من جامعة دمشق ) و خطفوا ما وجدوا من السلاح و منهم من أخذ بندقية فرنسية و رصاصاً ألمانيا فانفجرت به .

و ظنوا بأن الحرب تُكتسب بالخطب كما ظن ذلك الأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله ( و أبوه الشيخ أسعد من قبله ، و كان خطيباً مثله ) و كما يظن كثيرون ، و خرجوا بالأهازيج و الأناشيد يتسابقون إلى ساحة المعركة .

و كان من المتحمسين القائد الشاب يوسف بك العظمة شهيد ميسلون و قبره فيها . و لم يستمع أحد لنصح كبار العسكريين كرضا باشا الركابي و كانوا يظنون أن جماهير ما عندها من أدوات الحرب إلا الحماسة تستطيع أن تردّ جيشاً فرنسياً يقوده جنرال ! فكانت الهزيمة المرتقبة بعد قتال قصير و دُفن الاستقلال و هو لم يتم ساعة الرضاعة و بدأ حكم الأجنبي للشام .

أما المنعطف الصغير في حياتي أنا فهو نقلي من المدرسة السلطانية الثانية ( الرسمية ) إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني ( الأهلية ) و كانت في الجقمقية .

أما الجقمقية فقد بناها جقمق المتوفى في سنة 824 هـ و هي في جوار قبر صلاح الدين الأيوبي و مثلها المدرسة السُّميساطية التي كانت يوماً دار عمر ابن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين و المدرسة الإخنائية و قريب منها العادلية التي بناها العادل الأيوبي و فيها اليوم مجمع اللغة العربية و كانت يوماً دار الإفتاء و كان المؤرخ ابن خلكان ينام فيها . و أمامها الظاهرية أغنى المكتبات في الدنيا بالمخطوطات في علوم الحديث و قد صنع لها المحدّث الشيخ ناصر الألباني فهرساً .

و هذه المحلة من دمشق ممتلئة بالمدارس القديمة حتى إنك لتلقى داراً مملوكة على بابها لوحةٌ باسم المدرسة و واقفها و ما وقفه عليها و هذا من العجب . و أعجب منه أن جدار الأموي الشمالي ( و عرضه نحو المترين أو قريب منهما ) فيه نافذة أرضها ملحقة بدار مملوكة مُسجّلة في السجل العقاري و هي من جدار الجامع !

و محلّة أخرى كان فيها سلسلة متصلة من المدارس هي ضفّة نهر يزيد من غرب دمشق على سفح قاسيون إلى حارة الأكراد لم يبق منها إلا أنقاض مدرسة في أعلى شارع المالكي و عدة مدارس في الصالحية و مدرسة ركن الدين و مجموعة من المدارس في طريق لا يزال اسمه " بين المدارس " و يقولون إن ذلك العصر كان عصر الجهل و الانحطاط !

و الجقمقية قد جددتها وزارة الأوقاف بإشراف إدارة الآثار و أعادتها كما كانت و هي من أجمل المباني المملوكية .

أما الشيخ عيد فهو معلم الشام حقيقة لا مجازاً و لقد كتبت عنه كثيراً و في كتبي كلام طويل عنه فقد لبث يعلّم أكثر من ست و ستين سنة . و لقد كان أبي تلميذاً لديه ثم صار معلماً عنده و لقد رأيت في سجلات مدرسته اسم التلميذ ثم اسم ابنه ثم اسم حفيده ثم اسم ابن الحفيد ! علّم أربعة بطون . و ابنه الأستاذ عبد الرحمن كان شيخ المعلمين الرسميين بعد الأستاذ سعيد مراد و الشيخ محيي الدين الخاني ، و سيأتي الكلام عنه .

في هذه المدرسة بدأ التأثير الباقي في نفسي للأساتذة الذين حضرت دروسهم أما الشيخ عيد فكان له أبقى الأثر فيها و ما كان يعلّمنا و لا يلقي علينا دروساً بل كان يلقي الكلمة فيصيب حبّات القلوب مناّ . و أنا قد نسيت أكثر ما سمعت من دروس المدرسة و لكن أمثال هذه الكلمات التي تأتي في موضعها و تقترن بمناسبتها لا تزال في أذني و في قلبي .

كان شيخاً كبيراً و كنا نتكوّم حول مكتبه يبري لنا أقلام القصب و يُهدي إلينا رسائل عليها خطّه ( و كان يُحسن الخط ) و يحدّثنا فإذا أراد أن يؤدّب واحداً منّا أخذ برأسه فحناه على صدره ( صدر الشيخ ) ثم أمسك بالعصا بجمع يده إبهامه إلى أعلى ثم ضربه على ظهره ضربات لا تؤذي .

و كان إذا شتم قال للمذنب : ( يحرق بدنك ) و يضرب لنا الأمثال فيقول : كونوا مستقيمين و لكن استقامة الحورة لا استقامة عود الكهرباء ، الحورة تميل قليلاً مع الريح و تبقى على استقامتها أما العمود ( و كان يومئذ من الخشب ) فإنه يعاند حتى ينكسر .

و لطالما حفظت أحاديث صحيحة و أحكاماً فقهية و وعيت نصائح و حِكماً انتفعت منها في حياتي كل ذلك من هذه الكلمات فإذا دخل الغرفة المراقب ( و كنا نسميه الناظر ، و هو موظف لديه و تابع له ) قال ضاحكاً : لقد جاء فاهربوا .

و من هو الناظر ؟ هو الشيخ محمود العقاد أحد تلاميذ أبي و أقربهم منه صلة ، و كان حسن الصوت مجوّد القراءة يُتقن الأناشيد فإذا انتهى الدرس بعثتني جدّتي إليه لأقول له : يا شيخ محمود اقرأ لنا أو اسمعنا نشيداً و كان يفعل .

و جئت المدرسة و هذا نظري إليه و حكمي عليه . و إذا هو في المدرسة رجل آخر غير الذي عرفته في الدار لا ينشد و لكن يشدّ أرجلنا في الفلق و يقرعها بالعصا . كان مخيفاً ، و كان التلاميذ إذا خرج عليهم و هم في الفرصة و هم يصرخون و يصيحون صمتوا فجأة و كمت أفواههم . و لمّا صرفه الشيخ عيد ( أو انصرف هو ) جاء يودّعنا يرتقب منا أن نبكي حزناً للفراق ففرحنا من الأعماق .

أقول هذا بلسان ذلك التلميذ و أشهد ـ و قد استمرّت صلتي به إلى أن توفّاه الله من سنوات ـ أنه كان يحب الخير للتلاميذ و يريد لهم الكمال ، أمّا الشدة فقد كانت ( موضة ) المعلمين في تلك الأيام .

في هذه المدرسة اتضح لي طريق الجمع بين القراءة على المشايخ على الأسلوب الأزهري القديم و الدراسة في المدارس على الأسلوب الجديد .

و لقد كنت ـ منذ وعيت ـ أجد إذا أصبحت مشايخ بعمائم و لحى يقرؤون على أبي و كنت أدخل بالماء أو بالشاي فألتقط كلمة بعد كلمة لا أفهم معناها و لكن تبقى في نفسي ذكراها . ثم صار أبي يأمرني أن أناوله الجزء الأول من حاشية ابن عابدين أو الثاني من الفتاوى الهندية أو جزءاً من القاموس أو تنقيح الحامدية ... فعرفت بعض أسماء الكتب .

و لكن لم يَضِح لي الطريق إلا في هذه المدرسة إذ كان بين مدرّسينا شيخ جليل و لكنه شديد كنا ـ مع الأسف ـ نحترمه و لا نحبه ، و كنت أحضر دروسه في الأموي يوم كان في الأموي أكثر من عشرين حلقة دائمة و كانت حلقته متميزة تجمع العلم و الأدب و الفقه و الشعر يتكلم بلهجة تونسية يلقي جُملاً مسجَّعة كثيرة الترادف مزينة بالشواهد كأنه يقرؤها من كتاب مطبوع هو الشيخ صالح التونسي .

لهذا الشيخ و لصديقه الشيخ الكافي ( و سأتكلم عنه ) أثر بالغ في نفسي ، ذلك أنه كان صديق أبي و كانت له غرفة في المدرسة البادرائية فألزمني أبي بأن أحضر عليه في غرفته دروساً إضافية فوق دروسه التي ضقت بها في المدرسة و كنت أتمنى الخلاص منها و لكن أمر الأب لا يُرد .

و لقد أدركت بعده مبلغ ما استفدت منه حين حفّظني ألفية ابن مالك و الجوهر المكنون في البلاغة و متوناً أخرى نُقِشت في خاطري في الصغر و انتفعت بها في الكبر .

تابع معنا الحلقة 9 :

عهد جديد في حياتي و ذكرياتي عن الجامع الأموي .













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 23-Aug-2008, 09:43 AM   رقم المشاركة : 20
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 9 :



عهد ( المدرسة الجقمقية ) مدرسة معلم الشام الشيخ عيد السفرجلاني , عهد جديد في حياتي , دخلت قبله كتّاباً ومدرستين ومررت بجماعة من المعلمين والمدرسين , وقد ترك ذلك في نفسي أثراَ بلا شك , ولكني لم أدركه في حينه ولا أذكره الآن إما لصغر سني وإما لأني لم أصادف المدرس الذي أعطاه الله القدرة على فرض نفسه على تلاميذه , وأول عهد شعرت بأثره فيّ هو هذا العهد .

وأستطيع حصر عوامل هذا العهد في تكوين تفكيري وتحديد سلوكي في أربعة :

1-مدير المدرسة وصاحبها الشيخ عيد .
2-والجامع الأموي وحلقاته .
3-ومدرسنا الشيخ صالح التونسي .
4-ورجل عالم كان صديق أبي وأعمامي , كان قوي الشخصية , فقيهاً مالكياً عظيماً , قوي التأثير فيمن حوله , على شذوذ فيه هو إلى شذوذ العباقرة أقرب منه إلى شذوذ المجانين .

*****

أما الشيخ عيد فقد أوردت طرفاً من أخباره وجانباً من وصفه في الحلقة الماضية ولكن لا بأس بأن أحدثكم بشيء جديد عن هذا الرجل .

هذا الرجل كان معلماً عظيماً , ولم يكن يلقي علينا دروساً محدّدة الأبواب , واضحة المنهج , بل كان ينثر أقواله ونصائحه نثراً , يلقيها علينا ونحن متكومون عليه حول مكتبه , وهو يجول بيننا في ساحة مدرسته , بل كان لا يحجبها عنا وهو يؤدبنا , وربما مرت الكلمة فلم نلتفت إليها عندما كان ينطق بها , ولكنها كانت تغرس في نفوسنا , تنزل إلى أعماقها , حتى أنني لا أزال أذكر أكثرها إلى الآن , كلما دعت إليها مناسبات المقام .

وأمثال هذه الكلمات يلقيها معلم يجتمع له في قلب تلميذه الحب مع الاحترام , هي التي تبقي على كرّ الأيام , وإن نسيت محاضرات الفصل التي يكون فيها الامتحان . أضرب لكم عليها مثالاً :

تجوز الصحراء , فلا ترى إلاّ أرضاً جرداء , لا ظل ولا ماء , ولا نبتة خضراء , فإذا نزل المطر اهتزت وربت وكسيت ثوباً أخضر من العشب والزهر , وصارت مرعى للسوائم ومتعة للنظر , فمن أين ترونه قد جاء هذا النبات ؟ .

من بذور صغار قد لا تأخذها من دقتها الأبصار , قد ركب الله لبعضها ما يشبه الأجنحة القصار , تحملها الرياح فتلقيها بين حبات الرمال , فلا ترى إلاّ تلالاً من الرمل تتلظى تحت وهج الشمس ....

فإذا أنزل الله الأمطار , وجمع الله لها ( الظروف ) التي جعلها سبب الإنبات كان منها هذا النبات , وكان منه الزهر البارع , والثمر اليانع , أو كان منه الشوك الجارح والسم الناقع .

وكذلك كل ما تسمعه لا سيما إن سمعته في الصغر , إنه بذرة خير أو بذرة شر , إذا جاءها ( الظرف المناسب ) وضعتك على طريق الجنة , أو على سبيل النار .


فانتبهوا يا أيها القرّاء لما تنظرون فيه من كتب ومجلات وما تسمعونه من اذاعات ومحاضرات وما تشاهدونه من مسلسلات ومسرحيات ولا تظنوا ان اثر ذلك يذهب مع اكمال الكتاب او انتهاء المحاضرة او اسدال الستار على المسرحية بل ان بعضه يبقى ما بقيت ما بقيت الحياة

فيا رحمة الله على الشيخ عيد السفرجلاني وعلى امثاله من مشايخنا الاولين الذين كانوا لنا اباء وكانوا مربين وكانوا مراقبين ناصحين .

الشيخ عيد هذا أعلم أن تسعة وتسعين بالمائة من قراء هذا الفصل لم يسمعوا باسمه , ولا أحسبهم يهتمون بخبره , وكذلك يكون نصيب الجندي المجهول من ثناء الناس ولكن ماله وللناس ؟ وما الذي يرجوه من الناس ؟ إنه عند الله معلوم لا مجهول , وإنه يرجو ونرجو له ( من فضل الله ورحمته ) الجنة ونرجوها لأمثاله من المجاهدين المخلصين , والعاملين الصامتين . الشهرة وخلود الذكر ليست ما ينفع الناس ويمكث في الأرض , بل هو رضا الله , وثوابه العظيم , فاطلبوا ما يبقى , ولا تجعلوا أكبر همكم السعي لما يفنى .

أسأل الله أن يوقظ قلبي وقلوبكم من غفلتها , فأنا أحوج إلى هذه الدعوة لأني منغمس فيها أكثر منكم .

*****
الجامع الأموي

وهل تظنون أن استطراداً في فصل من هذه المذكرات مساحته ثلاث صفحات يتسع للكلام عن الجامع الأموي ؟

لقد كانت ( المدرسة الجقمقية ) ولا تزال أمام الباب الشمالي للجامع , فكنا ندخله كلما سنحت لنا فرصة بين الدروس , وفي أوقات الصلوات , وكان لنا مهوى القلب , ومستقر الحب , كما كان مع الأسف ميدان اللعب .

لقد كنت في تلك الأيام التي أتكلم الآن عنها (1919) كلما سمعت خبراً عن الأموي اختزنه في ذاكرتي , وكنت لا انسى شيئاً سمعته أو قراته , أحفظه من مرة واحدة فلا يفلت مني , تقولون : إن هذا الفتى من يقول هأنذا , فلا تفخر بما كان بل صف ما هو كائن الآن .

أصدقكم القول , إنني لا أزال ( احفظ ) ما أسمع أو أقرأ ولكني أنسى نصه فأرويه بمعناه , وأنسى ما سمعته أو أين قرأته وهذه نعمة أحمد الله عليها .

أتريدون أن اكون في الشيخوخة كما كنت في الصبا ؟ هيهات :

أترجو أن تكون وأنت شيخ ***** كما قد كنت أيام الشباب
لقد كَذَبَتْك نفسُك ليس ثوب ***** خَلِيق كالجديد من الثياب

وحسبي أنني الآن ( بفضل الله ) أقوى جسداً وأوعى ذاكرة من أكثر من أعرف من الشيوخ .

*****
ثم صرت بعد ذلك أدون ما أجد من أخباره حتى اجتمع لي منها الطثير الكثير , فلما كلفتني وزارة الأوقاف أيام الوحدة مع مصر أن أؤلف عن الأموي كتاباً يكون دليلاً للسياح أخذت منها خلاصة وافية , وضعتها في كتاب عنوانه ( الجامع الأموي ) يبيعونه لزوار المسجد من السياح ( ويأخذون هم .... ) ثمنه , ولم أبين فيه المراجع التي أخذت منها الأخبار , لأنني في كتابي ( أبوبكر الصديق ) المطبوع من أكثر من خمسين سنة وكتاب ( عمر بن الخطاب ) , ثم ( أخبار عمر ) الذي جمعته من (170) مرجعاً , وقد وضعت في الذيل مصدر كل خبر ( الكتاب والطبعة والجزء والصفحة ) , فأخذ ذلك كُتاب كبار وصغار منهم العقاد في العبقريات ومحمد حسين هيكل , ونسبوا الخبر إلى مصدره وأهملوا ذكر كتابي الذي نقلوا منه اسم المصدر , ولي على ذلك أدلة وبراهين وقد قلته من قبل , سامحهم الله .

ولست أعرض هنا لما في كتابي ( الجامع الأموي ) لأني لا أكتب اليوم بقلم الؤرخ بل أتكلم بلسان المحدث .

لقد كان الأموي يومئذ حافلاً بحلقات التدريس , لا يكاد يخلو من ثلاث أو أربع منها (على الأقل) إلا ساعات محدودات , قبل الظهر وبعده , فيه دروس بعد الفجر , ودروس بعد العصر , ودروس بعد المغرب .

في مقدمتها حلقتا المحدثين الكبيرين الشيخ بدر الدين الحسني الذي كانوا يدعونه المحدث الأكبر , والشيخ السيد محمد بن جعفر الكتاني , أما الشيخ بدر الدين فإني من يوم عرفت الدنيا كنت أسمع باسمه , وأنه شيخ علماء الشام , ولقد وصفت مرات درسه تحت القبة وكان التدريس تحت القبة لكبير علماء الحديث في البلد , ووصفته فيما كتبته عنه يوم وفاته سنة 1935 في مجلة ( الرسالة ) وقد جعل الأستاذ الزركلي هذه المقالة من مصادر ترجمته في ( الأعلام ) , وقد ارتجت الشام لوفاته رجة شديدة , وهرع علماء سورية إلى دمشق , جاؤوا من مدنها كلها , وأتعجل القول ( وأنا أتكلم عن أحداث سنة 1919 ) فأقول : إنهم قرّروا أن يشرفوني بأن أكون أنا الذي ينعاه للناس في الأموي , في جمع لم تشهد دمشق جمعاً في الأموي أكبر منه .

أما الشيخ الكتاني فقد كان آية في معرفة علوم الحديث , وكتابه العظيم الذي سماه ( تواضعا ) الرسالة المستطرفة دليل هذا العلم الذي لا أعرف في هذا العصر ولا غيره من ألف مثله , وأحسب أنه أملاه إملاء , وسلوا عن هذا صديق العمر أخي الشيخ ياسين عرفة الذي طبع الكتاب .

وكنا نحضر درسه فيقرأ معيد الحلقة , وهو السيد محمد الزمزمي ( ابن الشيخ ووالد الصديق السيد المنتصر ) , ثم يأخذ هذا الشيخ بالكلام عن رواة الحديث واحداً واحداً , يذكر من وثقه ومن تكلم فيه , ثم يتكلم عن المتن كانه يقرأ من كتاب , وذلك في هيبة ملك , وتواضع عابد , واطلاع عالم منقطع النظير , بلهجة مغربية حلوة , وكلا الشيخين : الشيخ بدر الدين , والشيخ محمد بن جعفر , مغربي ولكن الشيخ بدر الدين مولود في دمشق .

وقد ورد علينا مرة مغربي اسمه الشيخ البلغيثي , درّس مدة في الأموي , وكان أعجوبة في المسائل المعقولات , وفي حل المشكلات . وممن كان يدرس في الأموي الشيخ الكافي , وشيخنا الشيخ بهجة البيطار يدرس في رمضان خاصة لأن دروسه اليومية كانت في جامع الدقاق في الميدان .

وفي هذا المسجد ( بسيط ) آخر مثل البسيط الموضوع في منارة الجامع الأموي , وكلاهما من صنع جدنا الشيخ محمد الطنطاوي .

ومن مدرسي الأموي الشيخ هاشم الخطيب , والشيخ عبدالقادر الاسكندراني , وهو عالم مصري سكن دمشق كان يتكلم بلهجة مصرية , والشيخ أحمد النويلاتي , والشيخ عبدالله العلمي المفسر , والد الدكتور عبدالحليم , وعبدالباسط وهما من رفاقنا في مكتب عنبر , والدكتور عبدالستار وهو أصغر منهما , وله ولد طبيب يعمل هنا اسمه الدكتور فواز لم ألقه . والشيخ خالد النقشبندي وهو حفيد مولانا خالد ( هذا هو لقبه الذي يعرف به على طريقة الهنود ) , والأتراك يقولون للعالم المولى فلان ( راجع الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية ) . والأكراد يقولون ( الملا فلان ) وأصلها المولى . ورأيت في جاوة لما زرتها عالماً اسمه الكياي دحلان , والكيا لقب للعالم وليس اسماً , ومنه عرفت معنى اسم الفقيه الشافعي الكيا الهراسي .

قلت : إن الشيخ خالد النقشبندي هو حفيد ( أو ابن ) مولانا خالد الذي جلب الطريقة النقشبندية إلى دمشق . ولكنه مع ذلك سلفي – وهذا من العجائب – ومثله أبوالفرج الأصفهاني صاحب الأغاني , أموي النسب شيعي المذهب , وولدي الأستاذ سعيد المولوي أهله من أركان الطريقة المولوية , وهو سلفي .

وكانوا في الشام يومئذ يدعون السلفيين بالوهابيين , وكانت الوهابية تهمة مخيفة ( اقرأ الجزء الأول من كتاب عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ) ولقد عوقبت مرة في المدرسة لأنهم أمسكوني بالجرم المشهود , في حلقة الشيخ عبدالقادر بدران صاحب ( المدخل ) .

ومن مدرسي الأموي الشيخ يعقوب المدني , وهو من الذين هاجروا من المدينة , لما تركها شطر من اهلها هرباً إلى الشام في أواخر العهد العثماني . ومنهم الشيخ العيطة , وهو كفيف طلق اللسان عالي الصوت , صوفي خرافي , ومن الصوفية ما يمشي مع الشريعة , ولا يخالف الكتاب والسنة ككتاب ( مدارج السالكين ) .

وممن جاءنا من المدينة الشيخ الغاطس , أحد مؤذني المسجد النبوي , وقد تلقى عنه بعض مؤذني الأموي نغمة الأذان المدني .

ومن عادات هؤلاء المؤذنين أنهم يأتون بعد صلاة العشاء بابتهالات وأناشيد نبوية , موجود مثلها في مصر وغيرها ( وهي بدعة ) , لكن الذي في دمشق ينفرد بشيء لا يوجد مثله , فيما أعلم , في غيرها , هي أن لحن هذه الأناشيد مربوط بالأيام , فلكل يوم مقام ( نغم ) من المقامات السبعة الأصلية , فمن لم يعرف ما هو اليوم , وكان له بصر بالأنغام عرفه من نغمة ( أي من مقام ) النشيد , وأحسب ان هذا الترتيب من وضع الشيخ عبدالغني النابلسي .

ومن مدرسي الجامع الأموي الفقيه الشافعي الكبير الشيخ الجوبري , والشيخ العذري , وهو رجل عجيب , إذا أسمعته بيتاً في الغزل هاج وماج , وكان في درسه صراحة عجيبة , كان يشتم الفرنسيين ومن يعاونهم أقبح الشتائم فمنعوه من التدريس .

وكان كل من ورد دمشق من العلماء يقرأ درساً في الأموي يبين فيه عن علمه , ويكشف عن مشربه , ولقد حضرت دروساً منها لأكابر علماء مصر والشمال الأفريقي وغيرهما .

حادثة طريفة :

ولما جاءنا الشريف فيصل كثر الواردون من الحجاز من علماء وغير علماء , وهذه حادثة طريفة إذا لم تجدوا في روايتها نفعاً فإنكم واجدون في ذلك متعة . هي ان الشريف فيصل نزل في دار عثمان باشا , وهي الدار التي اشترتها فيما بعد السفارة الفرنسية , وسكنتها , وهي في محلة ( العفيف ) أول حي المهاجرين , ونزلت حاشيته الدور المجاورة لها , وكان لعمي الشيخ عبدالقادر دار كبيرة جداً لها براني وجواني ( اقرأ وصفها في كتابي : من حديث النفس ) فأستأجروا برانيها .

وكنت أمشي يوماً في الحرم في مكة أول سكني بها ( وذلك في سنة 1384) ولم يكن قد تم بناؤه , فسمعت صوتاً يناديني فالتفت فإذا أنا بشيخ له سمت وهيئة , مع جماعة يتبعونه فوقفت له حتى وصل . قال : أنت الشيخ علي ؟ قلت : نعم .
فهش لي , ورحب بي , وسلم عليّ , وانطلق يسائلني . فقال : ابن الشيخ مصطفى ؟ قلت : نعم .
قال : كيف حاله ؟ فدهشت وقلت : رحمه الله . قال : متى ؟ قلت في شعبان سنة 1343 أي من أربعين سنة .
قال : رحمه الله , رحمه الله . وعمك الشيخ عبدالقادر ؟ قلت : توفي من عشرين سنة . قال : وأخوه ؟ فلان وفلان ؟ .
يسأل عن ناس مرت على موت أقربهم وفاة عشرون سنة .
قلت : يا سيدي , من انت ؟ هل أنت من بقايا أهل الكهف , فإذا به الشيخ حسن فدعق رحمه الله , وكان ( كما تذكرت بعد ) إماماً للشريف فيصل , استأجر براني بيت عمي , وعرفنا ونحن صغار . رحمهم الله جميعاً .







آخر تعديل أبو خيثمة يوم 25-Aug-2008 في 11:51 PM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 23-Aug-2008, 08:50 PM   رقم المشاركة : 21
 
الصورة الرمزية عبد الرحمن الناصر

 




افتراضي

اخوانى ابو محمد، ابو خيثمة، قطر الندى

جزاكم الله خيرا على هذا المجهود
اسأل اللهى ان يجعل كل ذلك فى ميزان حسناتكم













التوقيع

اعرف تاريخك تعرف من أنت
 عبد الرحمن الناصر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 24-Aug-2008, 02:59 AM   رقم المشاركة : 22
سأرحل
إغريقي
 
الصورة الرمزية سأرحل

 




افتراضي

يا لروعة هذه الرحلة













التوقيع

وإن جندنا لهم الغالبون
 سأرحل غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 25-Aug-2008, 11:52 PM   رقم المشاركة : 23
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

سعدنا بمتابعتكم إخوتي حياكم الله و بارك فيكم و نفعنا و إياكم .













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Sep-2008, 02:26 PM   رقم المشاركة : 24
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 10 :

من جوار الأموي إلى سفح جيل قاسيون

الطريق طويل ، و أنا أمشي كالسلحفاة . لقد رضيتم مني أن أكون كالسائح يقف ليرى فيصف ثم يعاود المسير فرأيتُني الآن أقف و لا أسير فدعوني أسرع و أدع التفصيل في الكلام عن عهدٍ أكثرُ القراء لم يدركوه و عن رجال لم يسمعوا بهم و لا يعرفونهم .

و سأكتب إن شاء الله عن الشيخ الكافي و غيره في فصول آتيات أو في طبعة مقبلة من كتابي رجال من التاريخ أمّا الشيخ صالح التونسي الذي كان يدرّسنا في المدرسة الجقمقية فلا بدّ لي من وقفة قصيرة معه .

لقد عرفته من حلقته في الأموي قبل أن أقعد تلميذاً بين يديه في المدرسة . كانت حلقات الدروس في الأموي كثيرة في علوم مختلفة منها ما هو لطلبة العلم و منها ما هو مواعظ للعامة و لكن درس الشيخ صالح كان يمتاز منها جميعاً ؛ كان موعظة و كان أدباً و كان تاريخاً . و ما أكثر ما حفظت فيه من أحاديث صحيحة ، و مقطوعات من الشعر بارعة و أخبار من التاريخ نادرة .

و كان يُلقي ذلك بلهجة تونسية فصيحة المبنى جامعة المعنى كثيرة الأسجاع ، تأتي معه عفواً بلا تكلّف . لا يكتفي بأن يتكلم و نحن نسمع بل كان يسأل و يطلب الجواب فيكون لنا من درسة ـ فوق ما نتلقى من العلم و الأدب ـ تدريب على الخطابة و تمرين على الكلام . و هذا فن عُني به العرب قديماً حين كان من خطبائهم من يدرّب على ذلك الشباب و عُني به الأميركان حديثاً إذ يفتحون مدارس يتعلم فيها تلاميذهم ( و جلهم من الكبار ) فنّ مخاطبة الجماهير .

ثم كنت تلميذه في المدرسة ، و كنت أتلقى عنه فوق ذلك درساً خاصاً أمرني أبي به و طلبه لي منه و كان صديقه .

و أشهد لقد استفدت منه و من المتون الكثيرة التي ألزمني حفظها : ألفية ابن مالك في النحو و الجوهر المكنون في البلاغة و متن الجوهرة و الزبد ، و إن كنت قد نسيتها الآن إلاّ قليلاً منها .

و إذا وعدتم وعد الصدق ألا تخبروا ولده الأستاذ عبد الرحمن مدير مدارس الثغر و لا أحداً من إخوته الكرام لقلت لكم : إني كنت و كان رفاقي كلهم يحترمونه غاية الاحترام و لكنهم لا يحبونه فقد كان معلماً كاملاً و لكنه كان شديداً و كان قوي الجسد مشدود العصب جاداً كل الجد فكنا نخشى قوة بدنه أن يبطش بنا و قوة لسانه أن يُلبسنا من جُمله التي كان يصوغها صياغة الفولاذ فتعلق بنا واحدة منها و تتناولها ثم تتداولها ألسنة الرفاق فتكون لنا وصمة العمر .

و كان من أساتذتنا في المدرسة عالم يماني اسمه الشيخ عبد الواسع بن يحيى الواسعي ، لا أعرف ما صنع الله به بعد أن فارقنا .

و أستاذ أظنّ أن اسمه سعيد الطيب كان يدرّسنا النحو الفرنسي بالعربية باصطلاحات النحو العربي .

أما الذي كنا نخافه جداً و يخافه التلاميذ جميعاً فكان ناظر المدرسة ، الشيخ محمود العقاد تلميذ أبي .

و كان أخي ناجي يذهب معي و هو صغير ، فإذا ضربوني في الدار بسبب منه أنتقم منه فأضربه حين أنفرد به ، فيشكوني إلى الناظر ، فيعاقبني عقوبة هيّنة في ظاهرها و لكن ضرب العصا كان أهون عليّ منها . كان يأتي بي و برفيق لي هو عبد المجيد مراد ، أخو شفيق و عبد الحميد و ابن الشيخ أبي النصر مراد الذي جرّ إلينا الكهرباء من داره و كانت له بسببها القصة التي رويتها لكم في غير هذه الذكريات ( انظر مقالة في الكُتّاب في كتاب من حديث النفس )

كان يقعد على مقعد في قاعة المدرسة و يَقفنا أمامه و ينصحنا فيتكلم و يقول : ضعوا عيونكم على عيني . و يطول الكلام ، و أحسّ كأني مشدود بحبل إلى عينيه و الحبل يدور بي في الهواء ، فلا أعود أفهم شيئاً !

و كان من رفاقنا الأستاذ محمد علي بدير كبير رجال الاقتصاد في الأردن اليوم ، و ابن عمه خالد رحمه الله ، و الأستاذ هدى الطباع ، و عبد الوهاب محفوظ ، و عبد السلام الخطيب ، و واصف الخطيب ، و عبده العظمة ، و فؤاد الجلاد .

و مرّ العام ، و ودّعنا الشيخ محمود و ذهب ، ثم ودّعنا الشيخ صالح و سافر إلى المدينة فصار مدرّساً في الحرم النبوي و أقام بها إلى أن توفّاه الله . رحمه الله و رحم أساتذتنا جميعاً .

كنا في " العُقيبة " و هي حي فقير من أحياء دمشق ذُكر في ترجمة الإمام الأوزاعي أنه كان " قرية ظاهر دمشق " مع أن بينه و بين السور ثلاثمئة متر فقط ، و بين السور و بين " الأموي " مثل ذلك ، قدّرته تقديراً و لم أقِسه قياساً ، فسامحونا إن نسينا أو أخطأنا .

و كنت أذهب إلى المدرسة فأدخل من باب الفراديس ، و هو أحد أبواب دمشق السبعة التي بقي منها ستة كما بقي السور سالماً ثم أدخل السور الداخلي و بينهما حارة تسمى اليوم " بين السورين "

و أذكر ـ بالمناسبة ـ شيئاً نسيت أن أتكلم عنه في مكانه هو أن جمال باشا لمّا فتح أول شارع في دمشق سنة 1916 سُمّي باسمه ، فلما انتهت الحرب و خرج الأتراك سمّوه شارع النصر ، يقصدون النصر على الترك .

و كنت مرة عند شيخ مشايخنا ، الشيخ عبد المحسن الأسطواني ، و كيل اللجنة التي أشرفت على بناء الأموي بعد أن احترق سنة 1311 هـ و نائب دمشق في مجلس النواب العثماني و رئيس محكمة التمييز في سوريا ، و قد عاش 118 سنة و توفي كامل العقل قويّ الذاكرة . كنت عنده فسألته : أين الباب السابع من أبواب دمشق ؟ أوَلم يكُن بين باب الجابية و باب الفرج باب ؟ قال : بلى ، كان هناك باب النصر .
فكانت تسمية الشارع بشارع النصر رمية ً من غير رامٍ .

و انتقلت دارنا إلى الصالحية فأخرجني أبي من المدرسة الجقمقية و فارقت جوّ الأموي الذي تحيا به الأرواح و تنتعش النفوس ، يوم كان الأموي قلبَ دمشق : الدار القريبة هي التي تقرب منه و البعيدة هي التي تبعد عنه . و كان مثابة الناس ؛ يجلسون فيه في " الحرم " في الشتاء ، و في الصيف يقعدون في الصحن ، حيث النسيم الرخيّ لا ينقطع و الماء يتدفق من ( فوّهة ) البركة ، و الرُّواق الفخم من حولهم و المآذن الثلاث تطل عليهم ، و يطل معها أربعون قرناً من الزمان من يوم كان معبداً وثنياً إلى أن أصبح كنيسة نصرانية ، إلى أن شرّفه الله بالإسلام و ضوّأ جوانبه بنور الإيمان ، فكان بذلك ( أي في جاهليته و في إسلامه ) أقدم المعابد القائمة في الدنيا ، كما أن دمشق أقدم المدن العامرة المسكونة على الأرض .

كذلك كان الأموي ، فهل تدرون اليوم ما حاله ؟ كانت دمشق تحوطه بذراعيها و تعطف عليه جوانحها ، تعيش بقربه و تحيا بحبه لا تستطيع الابتعاد عنه ؛ صباحها فيه و مساؤها ، و نهارها بجواره و ليلها فتركته و سارت مشرّقة و سارت مغرّبة و بقي وحده حيث كان .

و سرنا نحن مع من سار ، و إن لم ننكر عهده و لم ننسَ ودّه .

انتقلنا من منزلنا الصغير في آخر العُقيبة إلى دار كبيرة فسيحة الأرجاء ، كثيرة الغرف و الأبهاء ، قريب منها الشجر و الماء . الشجر في بساتين الصالحية التي انتقلنا إليها و الماء من نهر " يزيد " أكبر أولاد بردى الستة في سفح قاسيون بحيث نرتفع عن المدينة و ننزل عن جادات حيّ المهاجرين نرى من غرف الدار العليا الشام و الأموي في وسطها .

و الشام في اللغة من جنوبي تبوك إلى جبال طورس ، و في العرف البلدة القديمة . فيقول أهل الصالحية : ذهبنا إلى الشام و عدنا من الشام . كما يقول المصريون " مصر " لا يعنون بها الإسكندرية و لا أسيوط بل و لا يقصدون شبرا و لا حلوان .

و أعادني والدي إلى المدرسة الرسمية ، و كان في دمشق ـ أول عهد الانتداب ـ أربع مدارس رسمية ابتدائية و كانوا يسمونها " الأنموذج " و هي : " أنموذج البحصة " التي كانت مدرستنا السلطانية الثانية . و " أنموذج الملك الظاهر " و هي أقدمها و كانت في المدرسة التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس و هو ثالث " الفرسان الثلاثة " الذين أنقذ الله بهم سوريا من الصليبيين : نور الدين ، و صلاح الدين ، و الظاهر . و فيها اليوم المكتبة الظاهرية التي يعود الفضل فيها بعد الله للشيخ طاهر الجزائري مربّي الجيل الذي سبقنا ، جمعَ الكتب التي كانت موزّعة على المدارس و المساجد تعبث بها أيدي العابثين ، و كانت منها نواة هذه المكتبة التي تُعدّ اليوم من أغنى المكتبات في ديار الإسلام . و " أنموذج الميدان " ، و " أنموذج المهاجرين " التي دخلتها سنة 1921 و أُعدت إلى الصف الخامس ثالث مرة !

ذلك أني ارتقيت إلى الصف الخامس على عهد الأتراك ، ثم ارتقيت إليه مرة ثانية على عهد الحكم العربي ، و هأنذا أعود إليه على عهد الانتداب الفرنسي .. " فكأننا ما رحنا و لا جينا " .

لقد ضاعت ثلاث سنوات من عمري هدراً ؛ ضاعت بالمقياس الرسمي و لكنها ما ضاعت ـ و الحمد لله ـ بمقياس الدين و مقياس العلم ، بل لقد كانت سنوات خير و بركة ، تركَت في قلبي ذخيرة من الإيمان أسأل الله أن يديمها لي و أن يزيدها و أن ينفعني بها في آخرتي ، و تلقيت فيها من العلم ما لا أجد مثلَه في مناهج المدارس الرسمية ، و قرأت من الكتب ما لا يقرأ مثلَه تلميذٌ في مثل سني يومئذٍ ( و سأتحدث عن مطالعاتي و قراءاتي فيما يأتي من الفصول ) و إن كنت قد قرأت معها القصص التي كانت تسلية تلك الأيام : قصة عنتر ، و قصة بني هلال ، و الملك سيف ، و الأميرة ذات الهمّة ... و رأيت فيها من أخبار الفروسية و أنباء البطولة و من الأكاذيب و الانحرافات مالا مزيد عليه .

كنت في السلطانية الثانية ، و الشام من حولي في عرس ، و الناس في فرحة الوجدان بعد الحرمان و الأمل بعد اليأس ، نهتف للاستقلال و نملأ الجوّ بأناشيد الحماسة و الفخر ، نمشي ـ نحن تلاميذ المدارس ـ نهتف بالنشيد فتردّده معنا أفواه الباعة في الدكاكين و المارّة في الطرق . ثم كنت في الجقمقية في حِمى الأموي و في جوّه الروحيّ ، نجلس في حلقاته و نستمع إلى علمائه ، و نقوم في صفوف المصلّين ، نركع مع الراكعين و نذكر مع الذاكرين .

فجئت الآن إلى هذه المدرسة في لحف الجبل أمام جامع الشمسية ، و قد مات الاستقلال و دُفن في ميسلون و خُنقت الأناشيد في الأفواه و أصاب الناس َ اكتئابٌ فكأنهم في مُصاب .

و بعد أن كانت الشام مع لبنان و الأردنّ ولاية من ولايات بني عثمان ، ثم صارت جزءاً من المملكة العربية التي أرادها الحسين بن علي لمّا قام بثورته ( أو بنهضته ، فلست أدقّق الآن في الأسماء ) بعد هذا كله صارت الشام ـ لمّا دخلها غورو ـ أربعَ دول : دولة دمشق ، و دولة حلب ، و دولة العلويين ، و دولة الدروز !

انهار البناء الضخم الذي أقمناه من أمانينا و آمالنا و هوت الدولة العربية التي نفخنا فيها من أرواحنا و سقينا شجرتها من دمائنا ، و هبطنا من ذروة الأمل الكبير إلى حضيض الواقع المرير .

لم يبقَ شيءٌ من الدّنيا بأيدينا إلاّ بقيّة دمعٍ في مآقينا

تابع في الحلقة 11 :

فصل جديد في تاريخ الشام













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 10-Sep-2008, 10:25 AM   رقم المشاركة : 25
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 11:


فصل جديد في تاريخ الشام :



بدأ الآن فصل جديد في تاريخ الشام . فصل مداده دموع ودماء , وصفحاته بطولة وفداء , فصل أوله هزيمة واستعمار , وآخره استقلال وانتصار .

وكان فصلاً غربياً عن تاريخ الشام , ما عرفت مثله منذ شرفها الله بالإسلام .

لذلك أصابت الناس صدمة فلم يصدقوا أن حكامهم صاروا غرباء عن دينهم ودولتهم , حكام أجانب لا لسانهم لساننا , ولا عاداتهم عاداتنا , ولا نحن منهم ولا هم منا .

لم يصدقوا أن الاستعمار ( التبشير والاستعمار من أسماء الأضداد , وما هما إلا التكفير والخراب ( وكتاب التبشير والاستعمار ) الذي لا أعرف مؤلفيه ولم ألقهما , كتاب أتمنى أن يقرأه كل مسلم ) قد وصل إلى دمشق , التي لم تعرف من قبل استعماراً أوروبياً حتى في أيام الحروب الصليبية .

لقد مدّ الله للصليبيين فكانت لباطلهم جولة , ثم كانت العاقبة للحق أظهره الله على يد البطل المسلم ( التركي ) نور الدين , والبطل المسلم ( الكردي ) صلاح الدين , وسيأتي الله ببطل مسلم يزيل باطل اليهود عن فلسطين , ويظهر عليهم المسلمين , إن رجعنا إلى الله وعدنا إلى التمسك بالدين . أقول : لقد حكم الصليبيون السواحل , وبعض مدن الداخل , ولكن الله حمى دمشق منهم , فلم تطأ ثراها جنودهم , ولا حكمها أمراؤهم .

وما يسميه السفهاء منا ( الاستعمار العثماني ) لم يكن استعماراً لأن حكم المسلم ( ولو كان تركياً ) لبلد مسلم ( ولو كان عربياً ) , لا يسمى في شرعنا حكماً أجنبياً , والمسلم لا يكون أبداً أجنبياً في ديار الإسلام . ونحن ما كرهنا الاتحاديين لأنهم أتراك بل لأنهم حادوا عن جادة الإسلام , فأساؤوا للمسلمين جميعاً من عرب وأتراك .

لقد كانت الشام أيام الشريف كأنها في عرس , هذا ما كنا نراه نحن الصغار , لأننا لا نعلم من الأمور إلاّ ظواهرها , وفي ليلة العرس تزدان الدار , وتزداد فيها الأنوار , وتعلق المصابيح على كل جدار , وإذا نحن بتيار الكهرباء ينقطع فجأة فيعم الظلام .

كنا كالحالم يرى أن قد أتيحت له اللذاذات , وجمعت له أنواع المشتهيات , يأخذ منها ما يبتغي ويشاء , فصحا فجأة فلم يجد في يده إلاّ الهواء .
لقد انتهت في الشام أيام الأعياد وبدأت ليالي الحداد .

إن الرقيق المولود في قيد العبودية , والناشئ فيها , لا يأسى على فقدان الحرية , لأنه ما عرفها ولا ذاق طعمها , إن الذي يأسى عليها إن فقدها هو الحر الكريم , الذي عاش عليها , ولم يألف غيرها . لذلك أبت على الشاميين عزة نفوسهم أن يصدقوا ما يرون , وخيلت لهم أنهم في منام سرعان ما ينتهي الليل ويطلع النهار فيبدّد ضوؤه ظلام هذه الأحلام .

لم يصدقوا أن كافراً جاء يحكم المسلمين , ولم يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً إلاّ إن خالفوا عن أمر ربهم , وتنكبوا صراط شريعتهم , فيكون ذلك تنبيهاً لهم , فإذا عادوا إلى الطاعة والامتثال , عادت إليهم الحرية والاستقلال .

لقد استيقظت في نفوسهم عزّة الإيمان , ومواريث الجهاد , فأبوا أن يستكينوا وأن يذلوا ونثرت فيها من أول يوم بزور ( البزور من العامي الفصيح كالبذور ) المقاومة والصدام , فكانت منها الثورة السورية , أروع الثورات بعد الحرب الأولى , وسيأتي إن شاء الله حديثها .
وما أصاب البلاد عامة أصابني أنا مثله :
وهل أنا إلاّ من غزيّة إن غَوَت ***** غَويت وإن تَرْشُد غزيّة أرشد
وأن كان الشاعر قد جانبه الصواب فيما يكون عذراً لك إن ضللت أن تحتج بضلال الناس .

******
لقد انتقلت من مدرسة إسلامية تقوم على باب الجامع الأموي , مديرها المرشد الصالح الشيخ عيد السفرجلاني , إلى مدرسة حكومية في لحف الجبل مديرها رجل نصراني اسمه ( ميخائيل ) .

أما دارنا فقد ارتفعت من حارة الديمجية إلى جادة عريضة في الصالحية , من بيت صغير ظهره للشمس في بلد شتاؤها ستة أشهر ( وكذلك كانت أكثر المنازل الشامية ) إلى دار واسعة تحييها الشمس ساعة بزوغها من وراء الأفق الشرقي البعيد , وتودعها قبل أن تنزل من خلف الجبل فلا نحضر وداعها كما حضرنا استقبالها , وهذا من النعم لأن الاستقبال لذة والوداع ألم .

وهذه هي الدنيا : علة وانخفاض , وقوة وضعف , نهار مضيء بعده ليل مظلم , وشتاء باك ممطر , بعده ربيع ضاحك بالزهر , لا يدوم على حال إلاّ الكبير المتعال , ثم تذهب الدنيا ويذهب هذا كله معها , ولا يبقى للإنسان إلا إحسان قدمه يرجو ثوابه أو عصيان يخشى عقابه , إلا إذا مات على الإيمان وأدركته نفحة من عفو الرحمان والله (( لا يغفر أن يشرك به , ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) .

اللهمّ اجعلنا ممن تشاء له المغفرة يا رب .


******

المدرسة التي انتقلت إليها هي ( أنموذج المهاجرين ) كما كانت تسمى أو مدرسة طارق بن زياد , كما تسمى الآن , ما تبدل شيء فيها إلاّ أنهم زادوا في غرفها ووسعوا مساحتها وانها ( وهي في الجادة الثالثة ) لم يكن فوقها إلاّ جادتان , فبلغت الجادات اليوم أكثر من عشر , بل لقد صعد الناس في الجبل وفتحت الشوارع العراض , حتى بلغت الصخر , ثم التفت من حوله حتى وصلت الذروة , وكان فيها ( قبة النصر ) وكانت علم دمشق , فهدمت أيام الحرب الثانية . وفي مكانها اليوم محطة الرائي ( التلفزيون ) .

وكانت الضباع في تلك الأيام تنزل في الشتاء حتى تجول بين البيوت فيخاف منها الناس , فلما صعد الناس خافت فهربت منهم الضباع . وهذه الجادات تعلو متوازية في الجبل , الأولى جادة ناظم باشا , التي يمشي ( أو كان يمشي ) فيها الترام , وناظم باشا أحد الولاة العثمانيين المصلحين هو الذي أنشأ حي المهاجرين لما صار والي دمشق سنة 1313 هـ , وفي كتابي ( دمشق ) فصل بّينت فيه تاريخ إنشائه , وهو الذي جر مياه عين الفيجة ( نبع غزير الماء في قرية تبعد عن دمشق عشرين كيلاً , ثلثا ماء نهر بردى منها , وهي معقمة بلا تعقيم خالية من الجراثيم ) إلى دمشق وجعلها سبلاً في الطرق والحارات , وله مآثر كثيرة , وفي كتابي ( قصص من الحياة ) قصة عنه عنوانها ( النهاية ) .

وإن أنت قدمت دمشق في الليل , ونظرت من بعيد إلى هذه الجادات , من ( الكسوة ) إن كنت قادماً في البر أو من شرقي الغوطة إن كنت آتياً في الطيارة من الجو ....

رأيت أضواء هذه الجادات , سلاسل من العقود تلمع في جيد قاسيون . منظر ما رأيت مثله على كثرة ما سرت في البلاد ورأيت من المدن , ومهما أبصرت من جبال فما أظن أني رأيت أبهى ولا اجمل من قاسيون إلا جبل ( أحد ) لما رأيته أول مرة هفا إليه قلبي , وذكرت بلدي , على أن ( أحداً ) أفضل وأشرف , فضّله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أحد جبل يحبنا ونحبه )) , وشرفته صلته بالرسول وبتاريخه , أمجد تاريخ بشري وأطهره وأسماه .

وكان من معلمي هذه المدرسة عالم فاضل من تلاميذ الشيخ جمال الدين القاسمي كان أكبرهم سناً , وإن كان شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار , وهو أكثرهم علماً وأجلّهم قدراً , هذا المدرس العالم هو الشيخ حامدالتقي .

وكان منهم معلم آتاه الله بسطة في الجسم وهيبة في العين , وكان من الضباط في الجيش العثماني , اسمه عبدالحميد عبد ربه , واسرة ( عبد ربه ) معروفة في حي الصالحية , وكان رساماً وخطاطاً , ولقد نسيت أن أقول إن ( حسن الخط ) كان من المواد المقررة في مناهج المدارس , وأول من علمنا الخط ( في العهد العثماني ) اثنان من شيوخ الخطاطين في الشام : الشيخ حسين البغجاني , وسيأتي ذكره عند الكلام على رحلاتنا الكشفية في الجبال الشامية , وموسى الشلبي وهو خطاط مجدّد ( مودرن ) ومن أقدم من اشتغل بالتصوير الشمسي الفوتوغرافي ( من اليوناني فوتوس ضوء وكرافي تخطيط الرسم ) , ثم الشيخ عيد السفرجلاني رحمهم الله جميعاً .

الرسم عن الطبيعة :

والذي استفدناه من عبدالحميد بك ( هكذا كان يدعى ) هو الرسم عن الطبيعة , وأنا أقدر للآن أن أصور من أراه أمامي بالقلم ثم تركت ذلك لأنه لا يجوز .

والطريقة فيه أن تمد يدك بالقلم وتغمض إحدى عينيك وترسم أبعد ما بين طرفي الرأس (مثلاً ) من أعلاه وأسفله , وخطاً آخر لعرض الرأس . والتصوير الجانبي أسهل فتأخذ ما بين أرنبة الأنف والأذن , ثم تحدّد مكان الأنف والفم والعين ... ثم تدع القياس وترسم بالخطوط القليلة سمات الوجه المميزة إن كان فيه سمة مميزة وأساريره وتجاعيده وتبرز الملامح العامة , وتدع التفاصيل لأن المطلوب في هذا النوع من الرسم أن يعرف الناظر إلى الصورة أنها صورة فلان .

مالي تركت ذكرياتي وصرت مدرس رسم ؟ أستغفر الله فما أردت ذلك . ولا أفتي بجوازه , ولكن أردت أن أقول إن دراستنا كانت أشمل وأكمل مما يدرس التلاميذ اليوم .

وممن كان عندنا في هذه المدرسة معلم للخط هو أعظم خطاط ظهر في هذا القرن , أقرّر هذا وأنا أعرف أكابر الخطاطين : سيد إبراهيم , وحسني البابا , ونجيب هواويني , وغيرهم من مصر ومكارم البابا في لبنان , وأعرف بعض كبار خطاطي العراق وأشهد أني ما رأيت مثل ( ممدوح ) , ولقد كان ( ممدوح الشريف ) أستاذاً عبقرياً في الخط , والذي تركه من آثاره شاهد عدل على ما أقول , ومن تلاميذه ( بدوي ) الخطاط العظيم وليس مثله ولا يدانيه ومنهم ( حلمي) حلمي حباب وهو أخي من الرضاع .

كان ممدوح يبري أقلام القصب لأربعين أو خمسين تلميذاً , ويكتب لنا ( المشق ) لنخط مثله , ( وكان مقرراً علينا تعلم خط الرقعة , والثلث , والفارسي , والديواني ) ويصحّح ما كتبنا كل ذلك في ( الحصة ) وهي أقل من ساعة .

كانت حياتنا حياة جد وعمل , ما كان فيها شيء مما يلهو به التلاميذ في هذه الأيام , وما كانت هذه المجلات المصورة التي لا يحصيها عدد , ولا كانت في الدنيا كلها إذاعة ولا رائي ( تلفزيون ) , وما كان يظن أحد أنه سيكون , وكانت في دمشق ( كما قلت ) سينما واحدة للدعاية الحربية , هي التي كانت في موضع المجلس النيابي , ثم أنشئت داران للسينما حقيرتان , ( الزهرة ) أمام بناية العابد , ثم ( النصر ) في سوق الخيل , لا يدخلهما إلاّ سفلة الناس , وكانتا صامتتين لأن السينما الناطقة لم تكن قد عرفت . فكان من أراد لهواً قرأ هذه القصص الشعبية التي أشرت إليها عند الكلام عن المدرسة الجقمقية , وكان أسوأ كتاب يضرب بسوئه المثل , ولا يكاد يوصل إليه , وهو كتاب ( رجوع الشيخ إلى صباه ) وهو إن قيس ببعض القصص المترجمة التي تباع في كل مكان وبما فيها من وصف الفسوق والعصيان , إن قيس بها كان بالنسبة إليها ( كتاب اخلاق ) .

ولو حدثتكم عن الكتب التي قرأتها وأنا في تلك السن , وأنا تلميذ في السنة السادسة الابتدائية لما صدقتم , وكنت أمضي يومي ( إلاّ ساعات المدرسة ) في الدار لا أجد ما أشغل نفسي وأملاْ به فراغ حياتي إلا القراءة فإذا أنا أكملت كتابة ( وظائفي ) ومطالعة درسي , مددت يدي إلى المكتبة , وكانت لدينا مكتبة حافلة , فأسحب كتاباً فأفتحه فأنظر فيه , فإن لم أفهمه أو فهمته لكن ما أسغته أعدته إلى مكانه , وقد رسخ في نفسي اسمه واسم مؤلفه , وإن أعجبني قرأته , وكان الذي أقرؤه ينقش في ذاكرتي نقشاً لا تمحوه الأيام , وحديث المطالعات سيأتي مفصلاً إن شاء الله .







آخر تعديل أبو خيثمة يوم 16-Sep-2008 في 12:16 AM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-Sep-2008, 12:20 AM   رقم المشاركة : 26
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 12 :

في امتحان الشهادة الابتدائية
خطبتي الأولى و تهجّمي على الفرنسيين


مرّت على دخول هذه المدرسة سنتان ، و قد جاء الامتحان . و الامتحان اليوم كتابي ، يقعد التلاميذ على مقاعدهم يُعطون ساعة أو ساعتين ليفكروا و يتذكّروا و يكتبوا على مهل ، إن عطشوا طلبوا فجاءهم الماء أو ما شاؤوا من حلو الشراب ، و ربما سُمح لهم أن يدخّنوا ... إي و الله ، الطلاب يدخنون في الامتحان ! عشنا حتى رأينا هذا بأعيننا ، و قد صار مألوفاً ( معروفاً ) لا نملك أن ننكره فينكروا علينا إنكارنا .

أما الامتحان الذي أحدّثكم عنه في هذه الحلقة ( و عن أمثاله فيما يأتي من الحلقات ) فقد كان شيئاً آخر .

كانوا يأتون في كل مادة نمتحن فيها بأكبر أساتذتها في البلد ، يصطفون حول مكتب كبير و يوضع أمامه كرسي يقعد عليه التلميذ الصغر ، و يمد كل منهم يده إلى أغرب المسائل التي حفظها و أصعبها ، يستخرجها من رأسه فيلقيها على رأس هذا الولد المسكين لا يريد منه أن يجيب عليها فهو يعلم أنه لا يقدر على الجواب و لا يكلّفه به منهج رسمي و لا عرف سائد و لكن ليُظهر علمه لرفاقه و ليريهم سعة اطّلاعه و طول باعه ! و يأتي الثاني بأشدّ منها صعوبة و أكثر غرابة ، كأنه امتحان للأساتذة الفاحصين .


يكون هذا في أول الامتحان ، فإذا انتهوا من عرض عضلاتهم ألانوا و سهّلوا لذلك كنا نتدافع الدخول في بداية الامتحان فإذا هانت شدته و وهت حدّته تزاحمنا عليه و تسابقنا إليه .

و كان هذا الامتحان بإشراف حاكم دولة دمشق الذي عيّنه الفرنسيون ، و هو حقي بك العظم . و هو رجل كان يطالب بأن يحكم سوريا الفرنسيون من قبل ميسلون و كان يعلن هذا بلسانه و قلمه و يقيم عليه أدلّة يراها هو صحيحة . و لما جاءت لجنة " كراين " الأميركية لتستفتي الناس عما يريدونه كان هو ـ خلافاً لرأي الجمهور الأكبر من السوريين ـ يطلب الانتداب الفرنسي مثله في ذلك مثل نوري باشا السعيد مع الإنكليز في العراق .

و قد تعجبون من اسم " دولة دمشق " و حقّ لكم العجب فقد أقام الفرنسيون في سوريا أربع دول لكل منها حاكم و في كل منها حكومة : دولة دمشق ، و دولة حلب و دولة الدروز و دولة العلويين . و قديماً قال الشاعر :
ممّا يزهّدني في أرض أندلسٍ ألقابُ معتضدٍ فيها و معتمد
ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ


دولة دمشق التي كانت على أيام الوليد بن عبد الملك تمتد من قلب فرنسا إلى آخر المشرق و إلى أطراف الصين و كانت الكلمة تخرج من الدار الخضراء وراء جدار القبلة في الجامع الأموي فتمضي شرقاً و تمضي غرباً لا يقف أمامها شيء و لا يردّها شيء ، لا تلقى إلا الطاعة و الامتثال في ثلث المعمور من هذه الكرة ، في الأرض المسلمة التي تعيش " تحت راية القرآن " كما عاشت معها يوماً تحت هذه الراية نصف أوربا يوم كان البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية و كنا بالإسلام سادة الدنيا .... هذه الدولة تقلّصت أطرافها و تقطّعت أوصالها و تناكر أهلها و تباعدوا فتضاءلت و تضاءلت حتى صارت " دولة دمشق " !

و هذه سنّة المستعمرين في كل زمان و مكان عملهم قطع رابطة الإيمان بين المسلمين و ربطه بروابط الجاهلية قانونهم " فرّق تسد " و عملهم كسر الحزمة عوداً عوداً لمّا عجزوا عن كسرها جملة . و لكن لا تخافوا ؛ فالذي عقدته يد الله لا تحلّه يد بشر ، و قانون ( إنّما المؤمنون إخوةٌ ) لا ينسخه قانون " الوطنية " و لا " القومية " و لا الروابط الحزبية و العقائدية البشرية ، و لا تميّعه و تضيّعه الدعوة " الأممية " و " الإنسانية " فالإسلام حقٌ بين باطلين : بين القومية و بين الأممية .

لقد كان التلاميذ يفزعون من هذا الامتحان و يخشونه و لكني كنت أترقبه متشوقاً إليه و ما خفت منه في يوم من الأيام .

هل تدرون أن فينا ، في أعماق نفس كلّ منا ، خبايا و خفايا لا يعرفها صاحبها ؟

أنا الآن بعد هذا العمر و هذه الشيبة لا أستيطع أن أزور أحداً من أصدقائي إن لم يكن معي رفيق أما الذي لا تجمعني به صداقة و أُلفة تزول معها الكلفة فلا أقدر أن أزوره أبداً . لذلك أبتعد عن مجالس الأمراء و الوزراء و لو كنت أشعر بالتقدير لهم أو الشكر و العرفان . و من أصعب الأمور عليّ أن يزورني من أحتشمه و من ليس بيني و بينه خلطة . و لقد اقترح من أيام أخٌ لا أعرفه في مقالة كتبها في جريدة " المدينة " أن يقيم لي أهلُ مكة حفلة تكريمية . لم يدرِ ( جزاه الله على حسن مقصده خيراً ) لم يدرِ أن الذي اقترحه أعتبره تعذيباً و أفتدي نفسي منه بمرتّب نصف شهر ، صدقوني ، و لطالما هربت من أمثاله . و أنا أعلم أن هربي مخالف للآداب الاجتماعية و لأعراف الناس و أني أفتح على نفسي باب الظن بأني قليل الوفاء و أني لا أقدّر المعروف و لا أشكر عليه أو أني مُستعلٍ متكبّر أو أنني جافٍ جافّ و ما بي و الله شيء من ذلك و لكنه ما ذكرتُ . على أني إذا صرت داخل المجلس وجدت عندي من الأخبار و القصص و النوادر ما يسلّي الحاضرين و يسرّهم و يفيدهم و لكن الصعوبة في دخول المجلس .

فكيف كنت إذن لا أفزع من الامتحان و لا أتهيب لقاء الجماعات من وراء المنبر ؟ و كيف أخطب في مئة ألف بلا استعداد فأرى ذلك أهون عليّ من حضور مجلس نفر من الناس ؟

كيف ؟ الجواب فيه نصف العلم ، و نصف العلم " لا أدري " !

كان هذا امتحان الشهادة الابتدائية ، لم يكن يُجمع له التلاميذ بل كانت اللجنة تدور عليهم في مدارسهم و كان لحضورها رجّة و ضجّة ، و كانت تسبقه الاستعدادات و تُعد الاستقبالات لأنها تجمع كبار رجال " المعارف " و أساتذة المدارس برياسة الرئيس الأعلى للحكومة المحلية و هو دولة الحاكم !

و هذه شهادتي الرسمية لا تزال عندي درجاتي فيها كلها عشر من عشر إلا السلوك و الأخلاق فقد كانت تسعاً من عشر أي أنني بلا أخلاق أو كما كانوا يقولون لنا أيام الحكم العثماني " أدب سِزْ " و لكن إن عرفتم سببها أدركتم أنها لم تكن وصمة عار بل وسام فخار . السبب أن فرنسا عزلت الجنرال غورو و عينت مكانه الجنرال ويغان ( الذي صار ـ من بعد ـ القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ) و أمرت الحكومة بأن تخرج المدارس كلها بمعلّميها و تلاميذها لاستقباله .

و لست أذكر الآن من هو المعلم الذي سنّ لنا سنّة حسنة هي أن يخصص يوم في الأسبوع للخطابة يجتمع كلّ من في المدرسة و يقوم أحد المعلمين على هذا السلم الذي ترونه في الصورة ( و الذي بلغني أنه هُدم الآن و أقيمت للمدرسة عمارة ضخمة ) يقوم فيخطب ثم يتبعه أحد التلاميذ فيلقي كلمة ارتجالية .

و كان دوري في الكلام يوم أُعلن أمر الحكومة بوجوب خروجنا لاستقبال المفوض السامي الجديد . المفوض السامي كانت له سلطة حكومة سوريا و لبنان معاً و مجلسيهما النيابيين و الإشراف على قضائهما أي أن سلطانه أضخم من سلطان رئيسي الجمهوريتين و حكومتيهما .

أتدرون ما الذي كان ؟ أنا أرويه بلا تزيد و لا مبالغة ، أرويه و أنا أعجب و الله منه . الذي كان أني ألقيت خطبة حماسية بصوت سمعه كل من في المدرسة و سمعه جيرانها و من كان في المسجد أمامها قلت فيه بأن الفرنسيين أعداء ديننا و وطننا و أنه لا يجوز أن نخرج لاستقبال زعيمهم .

و لست أذكر الآن ما قلت ، و ما كانت خطبة بليغة الأسلوب رائعة البيان ، و لعله كان فيها أخطاء و كان فيها لحن ؛ فقد كانت أول خطبة لي و كنت في الرابعة عشرة من عمري ، في السنة السادسة الابتدائية و لكن يظهر من آثارها أنها كانت خارجة من القلب و كانت ممتزجة بالصدق لأن التلاميذ جميعاً و لأن نصف المعلمين رفضوا حضور الاستقبال .

و قد كانت العقوبات في المدرسة هي التنبيه فالتوبيخ فالتكدير العلني فالطرد المؤقت من المدرسة فالطرد الدائم فعوقبت بالتكدير و كسر علامة الأخلاق و السلوك .

و كانت هذه هي الخطوة الأولى التي صعدت بها المنابر حتى لانت لي درجاتها و ألِفتني أعوادها و صرت ( و لا فخر ) أُعَدّ إن عُدّ روّادها .

لا ، لم يمتنع التلاميذ و بعض المعلمين من استقبال الجنرال تأثراً بخطبتي بل لأن النفوس كانت كالقنبلة المحشوة بالبارود لا ينقصها إلا أن تسحب منها مسمار الأمان . كانت الأمة كجبل البركان إذا كان خامداً وطئتَ صخره بالنعال و قرعته بالمطارق فتحسبه ـ إذ لم يتحرك ـ أنه قد مات و إذا به ينفجر فيذيب الصخر و يلهب الأرض و تخرج منه النار التي تدمر كل شيء بإذن ربها .

من الذي دفعني لإلقاء هذه الخطبة و أنا لا أخالط أحداً و لا أعرف إلا بيتي و مدرستي و الطريق بينهما حتى إنني لم أعلم إلا بعد ذلك التاريخ بسنين طوال بالثورة ( الرائدة ) التي قام بها إبراهيم هنانو في الشمال و لا بثورة صالح العلي ؟ لا ، لم يحركني أحد و لم يوجهني أحد إلا مشاعر الحرية و الإباء التي كانت تملأ كل نفس في الشام بل هي عزة المؤمن مهما خبت نارها فإن جذوتها باقية إذا هبّت عليها ريح الإيمان توقدت و علا لهيبها .

كنت أمشي مرة ( في تلك الأيام ) في حي العمارة قرب الأموي و كان الناس لم يفيقوا بعد من صدمة الهزيمة في ميسلون و لم يألفوا منظر جنود الفرنسيين يطؤون بنعالهم مدينة معاوية و عبد الملك و صلاح الدين فكانوا في شبه رعب منهم و كان جنود الفرنسيين لا يمشون إلا جماعات فمرت امرأة مسلمة محجّبة بالملاءة فتعرضوا لها و وقفوا في طريقها فجعلت تتلفّت مذعورة تستغيث و الناس ينظرون إليها و إلى الجنود المسلحين و إذا ببيّاع كبير السن قد اعترته حال كأنها الصدمة الكهربائية فوقف ينادي بصوت تحس منه لذع النار و فورة الدم : ويلكم ! أما عاد فينا دين و لا شرف ؟ ثم يأخذ العصا التي يفتح بها غلق الدكان و يقفز ( و كأني أرى مشهده الآن ) و يهجم بها على الجنود المسلّحين و تستيقظ القوة المدخرة في أعصاب الناس فيهجمون معه يهجمون بأيديهم فينزعون من الجند سلاحهم و ينقذون المرأة . و يرطن الجنود مستخذين متوسلين يشيرون بالتوبة فيدعهم الناس ينصرفون .

و كانت هذه كلها إرهاصات الثورة الكبرى و كانت إحدى الدلائل على أن هذه الأمة ، أمة محمد ، قد تُغلب على أمرها حيناً و لكنها لا تذل أبداً .


و لا أحب أن أودّع هذه المدرسة قبل أن أشير إلى ثلاث حوادث ، حوادث تنبّه المدرّسين إلى أن التلاميذ الصغار يراقبونهم و يسجّلون حسناتهم و سيئاتهم .

الأولى : أن معلم الخطّ ( ممدوح ) كتب لكل واحد بقلم الرصاص السطور الثلاثة التي سنُمتحن فيها ، سطر الفارسي و سطر الثلث و سطر الرقعة . و دعا كبار الخطّاطين ( و منهم نجيب هواويني ) و كلّفنا أن نمشي بأقلامنا على خط الرصاص كأننا نحن الذين نكتب الحروف . و قد نلنا الدرجات العالية و إعجابَ المدعوّين ، و لكني أحس إلى الآن بالخجل من مشاركتي في هذا الغش و أشعر بأن المعلم صَغُرَ في عيني .

و الثانية : أني تكلمت عن النصارى فدعاني المدير النصراني و كان عنده المعلم ممدوح فقال لي : ألم تسمع قول الله : ( و لتجدنَّ أقربَهُم مودّةً للّذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ) ؟ فقلت له : أكمل الآية . فحقدها علي .

و الثالثة : أنه كان في المدرسة لوحة شرف فيها أسماء مَن تخرج فيها و عند صورة كل منهم درجته و علامة أخلاقه و سلوكه و كان اسمي فيها و علامة السلوك تسعاً من عشر فلما عُيّنت معلماً في هذه المدرسة سنة 1935 وجدتها عشراً من عشر فقلت للمدير أما كانت تسعاً ؟ فقال : أعوذ بالله ، أنت كنت مثال الخلق الكريم و السلوك القويم . فتبسمت و ازداد هبوطاً في نظري .













التوقيع

آخر تعديل قطر الندى يوم 01-Mar-2010 في 11:41 AM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2008, 09:21 AM   رقم المشاركة : 27
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 13 :

في ثانوية ( مكتب عنبر ) ومرحلة خصبة وهامة في حياتي :


حياتي كحياة كل إنسان .. طريق طويل فيه مراحل , مرحلة تمشي فيها في سهل منبسط , كل مافيه مكشوف ظاهر , ليس فيه مجهول تتشوق إلى معرفته , ولا غامض مخوف تخشى لقائه , تمشي فيها أياماً فكأنك ما مشيت إلا ساعة , لأنه متشابه المناظر , بعيد عن المخاطر ... ومرحلة تمشي فيها بين الجبال , تعلو حتى تبلغ الذروة , ثم تهبط حتى تصل إلى الحضيض . كلما دار بك الوادي تبدلت من حولك المشاهد , فربما رأيت الروضة المونقة والنبع الصافي , جنة ذات خمائل وعيون تجري من تحتها السواقي والأنهار , وربما اعترضتك عقبة , أو سلكت قفرة موحشة , ما تحتك إلا الجنادل والحجارة , وما حولك إلا جلاميد الصخر , تشتهي قطعة من ظل يقيك لذع الشمس , أو كأساً من ماء يطفئ منك أوار العطش فلا تجد .
وربما فتحت تحت رجليك حفرة , أو طلع وحش مخيف أو ذئب كاسر , أو مجرم قاطع طريق .
الأول : مثال من يعيش في البلد الآمن , في العصر الهادئ , السنة عنده كأنها يوم , يكون ابن خمسين وكأنه من تشابه أيامه , ما عاش إلا عشر سنين , مطمئن النفس , ولكنه هامد الحس , خامد الشعور .
والثاني : مثال من يعيش في عهود الانتقال , في ظل الأحداث الكبار , اليوم عنده من تبدل الأحوال كأنه سنة , يكون ابن خمس عشرة سنة ( وقد ناهزتها أنا في الأيام التي أتكلم عنها ) وكأنه من كثرة ما رأى وما شاهد ابن أربعين سنة , مستوفز الحسّ , مشدود العصب , كله عيون مفتوحة , وذهن حاضر .
وقد تجوز في هذا الطريق الطويل بسوق تتزود منها الزاد لسفرك كله , أو تجد من أهلها من يهديك ويرشدك في مسيرك : عالماً ناصحاً يقوّم اعوجاجك ويحسن توجيهك , أو تجد جاهلاً أو غشاشاً يصرفك عن الطريق المستقيم , ويعدل بك عن الجادة الموصلة , فيضلك بدلاً من أن يهديك . وهذا هو مثال المدرّس الصالح المصلح , والمدرّس الفاسد المفسد .
ولقد وصلت الآن إلى المرحلة التي كان لها أعمق الأثر في نفسي , وفي فكري وفي سلوكي , مرحلة ( مكتب عنبر ) , أحفل مرحلة بالأحداث الخاصة في حياتي , والأحداث العامة في حياة بلدي , فيها لقيت أساتذة وقرأت كتباً , كان لهم ولها أثر في دنياي وفي آخرتي , وفيها كان أكبر منعطف في طريق عمري وهو موت أبي , وفيها واجهت الحياة وأنا لم أستعدّ لمواجهتها , وخضت معركتها وأنا لم أتسلح لخوضها , فعملت معلماً واشتغلت أجيراً , وحاولت أن أكون تاجراً , ثم تداركتني رحمة الله فعدت إلى ما خلقت له وهو العلم والأدب .
وفيها كانت ( نهضة المشايخ ) وفيها كانت ( الثورة السورية ) وفيها ابتدأ ( النضال للاستقلال ) , وفي آخرها صرت من قادة الشباب في هذا النضال , وصرت أكتب وأخطب وغدا اسمي معروفاً في البلد .
هذا هو الموجز كما يقول المذيعون , وهاكم تفصيل هذه الأخبار .

*****
مواقف كثيرة منها ماحدثتكم عنه في هذه الذكريات , ومنها ما كنت قد كتبت فيه مقالات مفصلة , أشرت إليها ولم أنقل شيئاً منها , لأنها منشورة وما أريد أن أعيد على القرّاء كلاماً سبق أن حدثت به , بل أريد أن أسوق إليهم كلاماً جديداً , ليأتي الحديث مؤتلفاً متسقاً , ولكني أستأذنهم اليوم , فأسرق فقرات من مقدمة كتاب ( مكتب عنبر ) الذي ألفه الأستاذ ظافر القاسمي , ذلك لأن كاتب المقدمة يحمل اسماً مثل اسمي , وأراه دائماً معي كلما وضعت المرآة أمامي , وقد علمت أنه يسمح لي ان أسرق من مقدمته , ولأن الكتاب لم ينشر إلاّ في مدى ضيق , وذلك أن الأستاذ ظافراً القاسمي ابن شيخ الشام جمال القاسمي ترك مطابع الشام , وفي الشام مطابع قديمة عظيمة , ومطابع مصر , وهي أقدم وأعظم , واختار ( المطبعة الكاثوليكية ) في بيروت , فأخرجت الكتاب إخراجاً بلغ في فن الطباعة الغاية , ولكن من تحت .... حتى أنني لم أر ( وقد رأيت آلافاً من الكتب ) غلاف كتاب هو أقبح شكلاً , وأبعد عن الذوق , من غلاف ( مكتب عنبر ) الذي أخرجته ( المطبعة الكاثوليكية ) في بيروت .
ومع ذلك فقد ترك مطابع الشام ومطابع مصر , واختارها .

*****
أقول : إن ( مكتب عنبر) كان الثانوية المركزية في سوريا , كان مدرسة وهو في الحقيقة أكبر من مدرسة , كان منبع الوطنية , كان منار العلم , عاش من أواخر القرن الذي مضى , إلى أوائل الحرب الثانية , وهو يضم جمهرة المتعلمين في الشام , فكان يمر عليه كل واحد منهم , يدخل إليه , ثم يخرج منه فيعلو في مدارج الحياة , أو يغوص في أوحالها , حتى ما تكاد تجد كبيراً في دمشق ولا ذا منصب ولا نابغاً في علم أو فن إلا وقد جاز يوماً بـ ( مكتب عنبر ) .
كان من تلاميذه رجال لو عاشوا إلى الآن لكان عمر أصغرهم مئة سنة أولئك الذين ندعوهم رجال الرعيل الأول , وتسلسلت القوافل من بعدهم تجوز كلها بهذه الواحة الظليلة , تستمتع بزهرها , وتجتني من ثمرها , قبل أن توغل في صحراء الحياة .
فإذا أردتم أن تنشقوا الآن ريّاها , وتتعللوا بعد فقدها بذكراها , ففتشوا كل من تلقونه من روادها , علَّ معه نفحة من وردها , أو لمحة من عهدها , سائلوهم جميعاً عن ( مكتب عنبر ) فإن لدى كل واحد منهم طرفاً من حديثه , وفصلاً من تاريخه , فامسكوا بأطراف الحديث , تجيء في أيديكم فصول الكتاب , وهيهات هيهات , بعدما فات منها ما فات , ومات منهم من مات .
لقد ذهب رفاقي أنا ( دع عنك قوافل مرت من قبلنا ) من لا أستطيع الآن حصر أسمائهم .
لقد أراد أستاذ أساتذتنا محمد كردعلي أن يشجع طائفة من شعراء الطلاب من زملائنا , فاختار سنة 1925 , أنور العطار , وجميل سلطان , وزكي المحاسني , وعبدالكريم الكرمي ( وهو أبو سلمى ) , وأقام لهم حفلاً في المجمع العلمي بحضور أساتذتنا : سليم الجندي , وعبدالقادر المبارك , والداوودي , والقواس , والبزم , وألقى الطلاب الأربعة قصائد جياداً , لو نشر مثلها الآن من يعدّ من كبار الشعراء لاستحسنت منه , ولا أزال أحفظ مطلع قصيدة أنور وكان عنوانها ( الشاعر ) :
خلّياه ينح على عذباته ***** ويصغ من دموعه آياته
أين هؤلاء الطلاب الشعراء ؟ وأين من شجعهم ؟ وأين من حضر الاحتفال بهم ؟ لقد ذهبوا جميعاً . ذهب أساتذتنا كلهم , وذهب الكثير من إخواننا الذي كانوا يقرأون عليهم , رحمهم الله ورحمنا معهم وختم لنا بالحسنى .
*****
لقد عشت في هذا المكتب ست سنين كانت أحفل سني حياتي بالعواطف , وأغناها بالذكريات , وكانت لنفسي كأيام البناء في تاريخ الدار , لو عاشت الدار بعدها ألف سنة لكانت كلها تبعاً لهذه الأيام , التي يرسم فيها المخطط , وتحدّد الغرف , ويرسى الأساس , فكيف أدخل ست سنين بطولها وعرضها في عشر دقائق , هي مدة قراءة هذا الفصل , كيف أجمع البحر في كأس , وأحصر الدنيا في صندوق ؟ لقد عشت فيه من الصف السابع إلى الثاني عشر , ما تأخرت ولا رسبت , ولكنها لم تكن ست سنين إلاّ بحساب التقويم المعلق على الجدار , وهل يقاس عمر الإنسان بالأشهر والأعوام ؟
إن ليلة صيف تمتد من تقدير عقارب الساعة عشر ساعات , سواء في ذلك ليل العاشق الناعم بالوصال , وليل السجين المكبل بالأغلال , مع أن ليلة الوصال في الحقيقة لحظة , ولحظة العذاب دهر طويل , أليست هذه هي نظرية النسبية ؟
لقد سرقها ( أنشتاين ) من ابن زيدون حين قال :
إن يطل بعدك ليلي فلكم ***** بِتُّ أشكو قصر الليل معك

ست سنين , ولكن كانت هي العمر .
*****
كان ( مكتب عنبر ) في دمشق القديمة , في محلة تسمّى الخراب , في السوق الطويل , الذي يصل باب الجابية , الذي طالما ذكر في تاريخ الفتوح , بالباب الشرقي الذي دخل منه خالد بن الوليد أعظم قواد التاريخ القديم , يوم الفتح : فتح دمشق .
وقد ورد في الأثر بأن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان عند المنارة البيضاء عند هذا الباب .
وهذا السوق , هو الشارع المستقيم المذكور في التوراة , أما اسم الخراب , فلأن تيمورلنك قد خرّب هذا الحي مع ما خرب من دمشق , وكثيراً ما رأيت الناس يحفرون في الأرض , فيظهر بلاط الدار التي هدمت , وتبدو البركة التي كانت فيها على عمق عشرة أذرع .
ولو أن الحفريات أجريت في هذه البقعة من دمشق , لظهرت أربع مدن أو خمس , بعضها مبني على أنقاض بعض , وقد رأينا مثل ذلك في بابل , وفي ( أور ) مدينة سيدنا إبراهيم قرب ( الناصرية ) في العراق .
ولما أرادوا إصلاح درج جامع الأموي من جهة الشرق ظهر تحته بناء , ولو أنهم تابعوا الحفر ( ولا أشير بذلك ولا أحبذه ) لوجدوا تحت الجامع الأموي بناء آخر , كما وجدوا في الجامع الكبير في بيروت من نحو ثلاثين سنة .
*****
كان مكتب عنبر هو الثانوية الوحيدة الكاملة في سورية , حتى أن طلاب حلب إذا نالوا ( البكالوريا الأولى ) قدموا دمشق فأتموا الدراسة فيه , ومن هؤلاء الأستاذ أسعد الكوراني ( وكان قبلنا بسنة ) والشيخ مصطفى الزرقا ( وكان بعدنا بسنة ) وإن كان أكبر مني سنّاً , وكان معنا رفاق من حمص وحماه وحوران , وكانت رابطة مكتب عنبر تشدهم جميعاً .
وإن من المدارس ما يجعل بين طلابه صلة أقوى من صلة الزمالة , كالأزهر في مصر , ودار العلوم , وندوة العلماء في الهند .







 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Oct-2008, 05:12 PM   رقم المشاركة : 28
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

ذكريات الشيخ علي الطنطاوي

رمضان عثمان أبوغالية



طالما سمعت عنها وطالما تمنيت أن أقتنيها، فأنا ممن يحب كتابات الشيخ الأديب الكبير علي الطنطاوي - رحمه الله - وكذلك أحاديثه الإذاعية، ومن منا لا يذكر ذلك الشيخ الشامي وبرنامجه (على مائدة الإفطار) وهو ينظر إلى ساعته بين وقت وآخر ويمتع مشاهديه بأسلوبه الشائق، أو برنامجه الإذاعي مسائل ومشكلات، ومن منا لم يقرأ كتابه تعريف عام بدين الإسلام، وصور وخواطر، وقصص من التاريخ و..... ؟

وأنا لا أنسى عندما شرفني الله بأداء العمرة منذ زمن ليس بالقصير، فدخلت إحدى المكتبات بالمدينة المنورة ووقعت عيناي على هذه الذكريات، فجلست وأخذت أقرأ وأقرأ فقررت شراءها لكنني في تلك اللحظة كنت عصي الجيب فبخلت عن شرائها وندمت على هذه الفعلة ندامة الكسعي كما يقولون. ولكن الله شاء أن يكافأني على حبي لهذا الكتاب وصاحبه ولم يؤاخذني على بخلي فيسر لي أحد الأصدقاء فأهدانيه كاملاً.

ذكريات الأديب علي الطنطاوي تقع في ثمانية أجزاء مضاف إليها ملحق بالفهارس والذي هو بحق إضافة مهمة لهذه الذكريات سهلت مهمة الباحث، الذي لا يستطيع أن يصبر على قراءتها كاملة، ويهمه منها جزئية محددة.

هذه الذكريات كما هو ظاهر من اسمها ذكريات وليست مذكرات لأنه اعتمد على ما بقي في ذاكرته فدونه بعد انقضاء زمن، ولطالما كرر تأسفه على ذلك ورغم ذلك فإن هذه الذكريات ذات قيمة عالية لما تحمله بين طياتها من سيرة ذاتية ورحلات ورُؤًى للكاتب في كثير من القضايا الأدبية والفكرية والسياسية والتعليمية والقضائية، فقد تقلد الرجل وظائف متعددة وكانت له اهتمامات متنوعة، فهو خطيب مفوه على أعلى المنابر وقاض شرعي ومدرس وكاتب صحفي وأديب كتب في أشهر الجرائد والمجلات وعاصر ورافق أكبر الشخصيات في عصره. وفي الكتاب تأريخ لكثير من البلدان والأحداث والأعلام وكذلك ُيستخرج منه معجم خاص بالشيخ؛ فالشيخ له تصوره الخاص لكثير من المفردات وخصوصاً المترجمة إلى العربية وكذلك حوت هذه الذكريات بعض الصور التذكارية النادرة.

ويغلب بل ويطغى أسلوب الأديب البارع المتمكن على هذه الذكريات وهو أسلوب السهل الممتنع، كما وصفه صهره الأستاذ عصام العطار، أسلوب لا تكلف فيه يسهل فهمه ولكن تصعب مجاراته. ويستمتع القارئ باستشهاداته الشعرية وكذلك الأمثال والحكم وخلاصة تجارب الحياة، وللقارئ أن يضحك ملء فيه أحياناً، ويستدعيه شجن الشيخ فيحزنه أحياناً أخرى. وإن كان الجو الغالب جو المرح والانبساط.

ما أحوج شبابنا اليوم الذين هجروا لغتهم وأدبهم أو قصرت بهم همتهم أن يعكفوا على هذه الذكريات وغيرها من كتب هؤلاء العباقرة الذين تركوا بصمات الإنجاز والإتقان والإحسان، وأن ينسجوا على منوالهم.

تابع الحلقة 14 قريباً بعون الله













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Oct-2008, 05:37 PM   رقم المشاركة : 29
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




(iconid:16)

الحلقة 14

في مكتب عنبر

أرأيت الماء الذي ينزل من الأنبوب قطرة قطرة ؟ يملأ كأسك في ساعة . أما إن كان يخرج منه بقوة و اندفاع فإن الكأس لا تمتلئ أبداً ، لأن الماء ينبو عنها و يتطاير منها فلا يستقرّ منه شيء فيها .

هذا مثالي لمّا قعدت أكتب عن المدرسة التجارية و حين أقعد الآن لأكتب عن مكتب عنبر . كانت ذكرياتي هناك قليلة فلم أجد منها ما يصلح لمقال ، و هي اليوم كثيرة جداً لا أدري ما الذي أدعه منها و ما الذي أختاره لهذا المقال .

مكتب عنبر في دار شامية جميلة ، في مدخلها رحبة فسيحة فيها شجرات كبار ، حولها رواق تحته مقاعد ، و كنا نلعب في وسط الرحبة ، أو نستريح على المقاعد من حولها . فإذا جُزتها رأيت الدار في صدرها الإيوان قد ازّيَّنَت جدرانها بعبقري النقوش و الألوان ، قد قام من حولها بركتها " الشمشير " و عرّشت على جدرانها دوالي العنب تبلغ السطح ، و الياسمين و الملّيسا و أبهى و أعطر ما خلق الله من النبات ، فتحسّ حين تدخلها أنها تضحك لك .

لقد درت غرفها كلها و أبهاءها ، لأن كل غرفة منها لطلاب صفّ من الصفوف ، فلي في كل غرفة منها ذكرى و في كل زاوية قطعة من حياتي التي ذهبَت و لن تعود .

فما الذي أستطيع أن أذكره الآن ؟ و ما أذكره كيف أقدر أن أُثِبته على الورق ؟ إن أجمل آثار الكاتب أو الشاعر هي التي لم يكتبها . و متى كانت الكلمات تسع العواطف و الأفكار ؟ بل متى كانت تسجّل كل مشاهد الكون ، فضلاً عن مشاعر النفوس ؟ أتقدر أن تسجّل ألوان الغروب حتى لا يفوت قارئ قصيدتك ـ أيها الشاعر ـ أو ناظر لوحتك ـ أيها الرسّام ـ شيء منها ؟

كم قال الشعراء و كم كتب الكتّاب في الحب ! فهل أحاطوا بمعاني الحب ؟ هل أدركوا أسرار الجمال ؟ هذه الكلمة المؤلَّفة من حرفين اثنين : الحاء التي تعبّر عن الحنان ، و الباء الساكنة التي ترى الفم و هو ينطق بها مجموع الشفتين كأنه متهيّئ لقبلة ! هل تحيط كلمة " الحب " بكل أشكال الحب ؟ الأم تحب ولدها ، و هذا يحب من الشعراء البحتري ، و الثالث يحب من البلاد مكة ، و الرابع يحب ركوب البحر ، و الخامس يحب القول المدمّس بالزيت لا بالسمن ، و قيس يحب ليلى ... أفهذا كله " حب " واحد ؟
وحب الله الذي هو جوهر الإيمان ، أترونه يشبه ما ذكرت من أنواع الحب ؟
و الجمال ؟ جمال الطبيعة ، و جمال البلاغة ، و جمال الشيخ الوقور ، و جمال المرأة الحسناء ، هل هو " جمال " واحد ؟
و لو جئت بمئة جميلة لوجدت مئة جمال ، كلٌّ له طعم و كلٌّ له لون و كل ٌّ من نوع ، و ما عندنا لهذا كلّه إلاّ كلمة واحدة .
لذلك نعمد إلى الأوصاف فنقول : هذا جمال وديع و هذا وحشي و هذا ما لست أدري .
إن لغات الأرض تعجز عن التعبير عن مشاعر النفوس ، فكيف نريد منها أن تعبّر عن عالَم " ما وراء المادة " ، عن " عالم الغيب " ؟


عفوكم يا أيها القرّاء ، لقد ذهبت مع خواطري و ابتعدت . لقد ابتعدت كثيراً عن موضوعي .

سألني الإخوان عن " عنبر " هذا الذي سُميت باسمه هذه المدرسة العظيمة ، التي كانت وحدها فصلاً كاملاً من تاريخ الشام الحديث . ما عنبر هذا ؟ فضحكت ، لأن عنبر لم يكُن عبقرياً و لا عظيماً ، بل هو اسم الرجل الذي بنى هذه الدار . و هكذا ترون أن الشهرة و بقاء الاسم ليسا دليل عظمة الرجال .

في جدّة حيّ من أفخم أحيائها الجديدة اسمه " حي عُنَيكش " فاسألوا من عُنيكش الذي كرّمناه فسمّينا باسمه حياً كاملاً ، و الناس إن كرّموا عظيماً سمّوا به شارعاً واحداً ؟ و بابا إبراهيم من أشهر أبواب الحرم ، ما سُمّي باسم سيدنا إبراهيم الخليل ( كما ظن من أطلق اسمه على الشارع ) بل باسم خيّاط كانت دكانه عند هذا الباب ! و أميركا ، ما سُميّت باسم كريستوفر كولومبس الذي اكتشفها بل باسم بحّار اسمه أميركو فيسبوسيو ، كان من أوائل من أبحر إليها بعد اكتشافها بخمس عشرة سنة !

أتسمّونها مصادفات ؟ أم هي حظوظ ؟ أم دليل على أن الشهرة ليست مقياس عظمة الرجال ؟

لمّا أرسل إليّ الأستاذ ظافر أصول كتابه " مكتب عنبر " لأكتب مقدمته كنت في الرياض ، في أول سنة قدمت فيها المملكة ( هذه القَدْمة الأخيرة سنة 1383 هـ ) تركت محكمة النقض ( و كنت مستشاراً فيها ) و جئت . و لم أكن أعرف أحداً و لا يكاد يعرفني أحد ، فكنت من السأم و المَلال كمن كان في ظلام السينما فطلع عليه الفيلم يعرض صور عالم كان يوماً دنياه و كانت فيه حياته .

لقد حرّكت تلك الأصول سواكنَ نفسي و بعثت لي أحداث أمسي ، و هزّتني هزاً حتى لقد أحسست كأنْ قد عادت لي مَواضي أيامي . و هل تعود الأيام الماضيات ؟ لا ، ما تعود ، و لكنْ أنا الذي عاد إليها على جناحين من ذكرى و خيال ، لأدخلها مرة ثانية فأعيش فيها في حلم ممتع فنان .

إن مدرّسي الإنشاء و مخبري الصحف و مذيعي الإذاعة لا يكادون يلقَون أحداً حتى يسألوه : ما هو شعورك ؟ كلمة تُقال و تُردد ، لا السائل يدري عمّ يسأل و لا المسؤول يدري بم يجيب ؟

و لكن إن سُئلت عن شعوري و أنا أتحدث عن مكتب عنبر ـ بعدما فارقته من ثلاث و خمسين سنة ـ لقلت إنه كشعور البدوي العاشق ، الذي طالما أنس بلقاء المحبوب على غفلة الرقيب في ظلال الخيمة المنفردة ساعة الأصيل ، و على طرف الغدير الصافي عند العشيّة و على سفح التل القريب في ضوء القمر و الليل ُ يغلّف بسكونه همسات الغرام ، ليالي المُنى ماثلات أمامه لمّا رأى حبيبه معه ، و اللذائذ كلها في يديه و ماضيه و مستقبله قد احتوتهما اللحظة الحاضرة فلم يعُد يذكر ما كان و لا يفكّر فيما يكون ...

و كذلك يصنع الحبّ بالمحبّين .

ثم يتفرق الشمل الجميع ، و ينأى الحبيب القريب ، و لا يبقى من هذه الحياة إلاّ " الأطلال " المواثل في القفرة الخالية ، قد جفّ الغدير و هُدّت الخيام و رحل الأحبّة .

ماذا يكون شعور هذا البدوي العاشق حين يجيئه من يحمل إليه رسالة من لَيلاه ( و لكل محب ليلى ) فيها وعد باللقاء و بشارة الوصول ؟ كذلك كان شعوري . غير أن البدوي يأمل أن يرجع إليه الحبيب و تعود أمسيات اللقاء و أنا أعيش بلا أمل و لا رجاء .

و هل يعود لي أمسي الذي مضى و شبابي الذي ولّى و رفاق الصبا و إخوان الصفا حيث كنا نعيش في دنيا لا تعرف الغش و لا الخداع و لا زيف الصداقات ؟ تلك حياة الطفولة الطاهرة فهل تعود ؟

و ليسَت عشيّاتُ الحِمى برواجعٍ
عليكَ و لكنْ خلِّ عينيكَ تدمَعا

كان موعد دخولي مكتب عنبر ـ كما قلت لكم ـ هو سنة 1920 و لكني لم أدخله إلاّ بعد ذلك بثلاث سنين . ما قصّرت عنه سني و لا عاقني عنه كسلي و لكن طال إليه طريقي .

إني لأذكر من رفاقي فيه سعيد الأفغاني و هو اليوم مرجع في قواعد اللغة العربية نحوها و صرفها و إن كان أبوه على صلاحه و تقواه لا يحسن العربية . و ما هذا عجباً فإن سيبويه شيخ النحو و مؤلف " الكتاب " كان فارسياً ( و إن كان كتابه معقوداً أكثره بلفظ رجل عبقري كان من أذكى أذكياء البشر هو الخليل " و شيخ الفقه أبو حنيفة كان فارسياً و شيخ الحديث البخاري و شيخ الشعراء المولَّدين بشّار و أقوام لا يحصيهم العد .

و من رفاقنا الشعراء :

أنور العطار و أبو سلمى و زكي المحاسني و جميل سلطان . و ممن كان سابقاً لنا سليم الزركلي و ممن جاء بعدنا أمجد الطرابلسي .

و من رفاقنا الأطباء :

منير شورى ، و بشير العظمة و رشاد فرعون و نصرة الشلق و عبد الحليم العلمي و عبد الستار الأول كان قبلنا بسنوات و الثاني كان بعدنا بسنوات ، و نجم الدين الجندي ، و أحمد الأسود .

و من رفاقنا القضاة و الفقهاء و المحامين :

مصطفى الزرقا ، و أسعد الكوراني ، و محمد الجيرودي ، و رضا العظمة و عبد العظيم الباجقني .

و من رفاقنا في المدرسة أيضاً :

محمود مهدي الإسطنبولي و خالد بكداش و محمد المبارك ( رحمه الله ) و كان بعدنا بثلاث سنوات ، و محمد كمال الخطيب ، و مظهر العظمة ( رحمه الله ) و بطل أبطال الرياضة محمود البحرةة و جمال الفرّا و وجيه السمان و نظيم الموصلي و أحمد الفتيح و أكثر هؤلاء وُلّي منصب الوزارة و أنور الشلاح .

لا ، لا أستطيع أن أعدّ الآن أكثر مما عددت و إن كانت أسماؤهم في ذاكرتي و ذكرياتهم في نفسي و لكن الذكريات تتبع قانون " تداعي الأفكار " فالشيء تراه أو تسمعه يذكّرك بشبيهه أو بنقيضه أو بما يتصل به و ستأتي إن شاء الله خلال الحديث أسماء من لم أذكرهم الآن و أخبارهم فلا يعتب علي من أغفلت اليوم اسمه أو يعتب ولده أو صديقه .

أما أساتذتنا فالحديث عنهم في الحلقة التالية إن شاء الله و سترون أنهم اختاروا لهذه المدرسة الواحدة لكل مادة كبارَ أساتذتها في البلد فلما كثرت المدارس اليوم و ازدادت هبطت درجتها و صار يدّرس فيها أصحاب ُ شهادات و قد كان المدرسون على عهدنا أصحاب علم صرفوا في تحصيله أعمارهم و أحيوا فيه لياليهم و أتعبوا فيه أبصارهم و صار كل منهم هو المرجع في المادة التي يدرّسها .

كانت المدارس كالبئر ضيقة الفوهة و لكنها عميقة القرار ، فصارت كالبركة الضحلة ، واسعة الرقعة لكنها قليلة العمق .

الحلقة القادمة بعون الله :

أساتذتي في مكتب عنبر













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-Nov-2008, 05:20 PM   رقم المشاركة : 30
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 15 :

أساتذتي في مكتب عنبر


قعدت لأكتب هذا الفصل , فجاءتني الجرائد التي يتفضل أصحابها بإرسالها إلي , وهي : المدينة , عكاظ , والرياض , وقصاصات يبعث بها إليّ أخي ناجي من الجرائد التي لا تصل إليّ وهي : الشرق الأوسط , والجزيرة والندوة .

فوجدت في ( الشرق الأوسط ) المرافعات العظيمة التي ألقاها المحامون عن المتهمين بقتل السادات , ووجدت في ( الندوة ) مقالة جيدة جداً عن حرية إجارة العقارات وما تجره من متاعب ومشكلات .

ووجدت أخبار المسلمين المعذبين في أفغانستان , وفي فلسطين , ومسلمين آخرين أشد منهم ابتلاءً , مع عدو أعظم خطراً وأشد كفراً ولكن لا يسأل عنهم أحد ولا تمتد إليهم يد بعون او مدد .

لما قرأت هذا فترت عزيمتي وتعثر القلم في يدي .

أنا أقعد لأكتب ذكريات لا تهم أحداً والنار تشتعل في كثير من بلاد المسلمين , والوباء يسري والغم يعم ؟

للناس قضايا يفكرون فيها , ويتحدثون عنها , وأنا أسرد ما وقع لي من قبل حين ؟

لقد كنت إن ألَم بالمسلمين خطب , أحمل سلاحي , وأسرع إلى الميدان , فمالي صرت من القاعدين ؟ لم يكن سلاحي الحسام والسنان , وإنما كان القلم واللسان , والنضال بالمقال مثل القتال بالنصال والنبال .

وفكرت أن أقطع سلسلة هذه الذكريات , ثم رأيت أنها لا تخلو إن شاء الله من نفع , وإنها ربما ذكرت ناسياً , أو أوقدت من العزائم خابياً , ورأيت أن مثلي في سني وكبري لا يطلب منه مثل الذي يطلب من الشباب , وأن لكل موظف وعامل حقاً في التقاعد فلماذا أحرم انا هذا الحق ؟ .

فهل ترون في هذا عذراً لي إن أضعت وقتكم , وملأت صحف مجلتكم بحديث ذكرياتي التي لا تهم أحداً منكم ؟ أترونه عذراً أم أنا أعلل النفس بالأوهام ؟.

ولو كانت ذكريات ملك او امير أو قائد كبير , لغذت التاريخ بإظهار الخفايا وكشف المخبآت , ولكنها ذكريات واحد من الناس , كل الذي عمله أنه قرأ وأقرأ , وأنه كتب وخطب , وما أكثر الكتاب والخطباء , إني لأخجل حين أشغل القرّاء بنفسي , لذلك أفر إلى وصف أحداث البلد وأخبار الناس .
وهذا ما لامني عليه رئيس التحرير , لوّح باللوم ولّمح , ولكنه ما صرّح ولا وضّح .

أتكلم اليوم عم أساتذتي في مكتب عنبر , لقد كان أول درس حضرناه فيه للشيخ عبدالرحمن سلام , البيروتي , فاستقبلنا رحمه الله بخطبة رنانة أعلن فيها أنه غدا ذلك اليوم مدرساً للعربية حقّاً , ذلك أن من كان قبلنا قد درسوا في العهد التركي , فنشأوا ( إلاّ من عصم الله ) على ضعف بالعربية , ومن كانوا معنا درس اكثرهم في العهد العربي , فكانوا أقوى ملكة , وأقوم لساناً .

رحمة الله على الشيخ سلام فلقد كان نادرة الدنيا في طلاقة اللسان وفي جلاء البيان . ولقد عرفت بعده لُسُن الأدباء ومصاقع الخطباء فما عرفت لساناً أطلق ولا بياناً أجلى , ولست أنسى خطبته عندما أطل من شرفة النادي العربي قبل يوم ميسلون , على بحر من الناس يموج موجان البحر , قد ملأ ما بين محطة الحجاز والمستشفى العسكري ( الخستة خانة ) في بوابة الصالحية ( المحطة باقية وهي من اجمل أبنية دمشق , وأختها الصغرى في المدينة , أما المستشفى فقد قامت في مكانه عمارة الأركان ) وسراي الحكومة ( وهي باقية أما شارع بغداد فلم يكن قد فتح ) وحديقة الأمة ( المنشية ) , وكبر تكبيرة ردّدتها معه هذه الحناجر كلها , وأحسسنا كأن قد ردّدتها معه الخمائل من ( الغوطة ) والأصلاد من ( قاسيون ) , ثم صاح صيحته التي لا تزال ترن في أذني من وراء اثنتين وستين سنة ( كانت هذه الخطبة أوائل سنة 1920 ) حتى كأني أسمعه يصيح بها الآن : ( غورو لن تدخلها إلا على هذه الأجساد ) .

ولكن غورو دخلها ... !

دخلها لما حسبنا أن الحرب تكتسب بالحماسة والخطب ثم خرج قوم غورو لما عرفنا كيف تكتسب الحروب .

غورو هذا وقف على قبر ( صلاح الدين الأيوبي ) الذي غلب أوروبا كلها مرتين , مرة بسيف القتال ومرة بنبل الفعال , وقف يفاخر عظامه ميتاً وقد كان قومه يرتجفون من بأسه حياً , ولا يفاخر الأموات إلا الجبناء , يقول : يا صلاح الدين لقد عدنا .

حسب من غروره أنه ملك الشام إلى الأبد , كما يحسب هذا المغرور المأفون ( بيغن ) أنه ملك القدس إلى الأبد .

فأين من يذهب فيبحث عن حفرة غورو فيقف عليها ليرد عليه بالحق كلمته التي قالها بالباطل , ليقول له : كلا , بل لقد طردتم .. !

وليستعد من الآن من سيقوم غداً على حفرة ( بيغن ) ليقول له : أين غرورك وأين ادعاؤك ؟! إن القدس قد رجعت على رغمك إلى أصحابها المسلمين .

نعم إنها سترجع إليهم , إن رجعوا إلى دينهم , ولقد بدت بوادر الرجوع إلى الدين .

لقد أقام الشيخ سلام معنا أشهراً ثم عاد إلى بلده , فعُيّن أميناً للفتوى في لبنان , وجاءنا من بعده الأستاذ سليم الجندي ولما أصدرت أول كتاب لي سنة 1930 وهو ( الهيثميات ) أهديته إلى روح المنفلوطي , سيد كّتاب العصر , وإلى علمي العربية : الجندي , والمبارك.

لقد ماتا وما أعرف تحت قبة الفلك , اعلم منهما بالعربية وعلومها , ولقد كانا أشد المدرسين تأثيراً في تكويني اللغوي والأدبي , رحمة الله عليهما وعلى أساتذتنا جميعاً .
*****

أما المبارك فقد كان الإمام في اللغة والمرجع فيها , قيد أوابدها وجمع شواردها , وحفظ شواهدها , وكان أعلم العرب بالعرب , عرف أيامهم ( أيام العرب حروبها ) وروى أشعارهم , وكان المفرد العلم في بابته ( يقال : هو من بابة فلان إذا كان الأصمعي وأبا عبيدة قد تمثلا لك في جبته , وكأن ما كنت تقرؤه من أخبار الرواة والحفاظ قد عاد لك حتى رأيته بالعيان .

لقد كثر اليوم الأساتذة من حملة الشهادات , وأصحاب الدكتورات ولكن ذلك الطراز لم يعد له وجود .

أما درسه فما حضرت على كثرة ما حضرت من الدروس درساً اكثر منه حياة , وأبقى في نفس سامعه أثراً , إن نغمته لا تزال إلى اليوم في أذني وكلماته في قلبي .

كنا ندخل الصف في مثل ( العرضة ) : أصوات عالية متداخلة وضجيج صاخب مزعج , وكان المدرسون يجدون مشقة في إسكات المتكلمين وتهدئة الصاخبين , فإذا كان درس الشيخ المبارك , رأى التلاميذ الباب قد انفرج مصراعاه وبد من بينهما جبين عريض من فوقه خط أبيض , ثم ظهر وجه الشيخ وعمامته , وجلجل صوته الذي كان يعرف من بين أصوات البشر جميعاً بضخامته وجهارته , بصدر بيت من الشعر فيسكت الطلاب ليسمعوا , فيخطو الخطوة الثانية فيكون في الصف ( أي الفصل ) ويتم البيت ويشرع بالدرس .

والغريب أنه لم يكن يدرسنا العربية بل الفقه , يقرئنا ( مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ) .

هذا مثال من الكتب التي كنا نقرؤها في السنة التي تلي سنة الشهادة الابتدائية وهو كتاب أحسب انه لو قرّر اليوم لطلبة الجامعة لشكوا من صعوبته .
ولم يكن الشيخ يقتصر في درسه على الفقه بل كان فيه مع الفقه تفسير وحديث وقواعد أصولية يسوقها بعبارات موجزة بليغة , يلقيها ويردّدها ويكتبها بخط الثلث , على اللوح ( السبورة ) بعرض الحوارة ( لا تعرف في الشام إلا اسم الحوار لما يدعى ( الطباشير ) وهي كلمة عربية لأن التحوير هو التبييض وإن كان شيخنا المبارك يسميه ( الحكك ) وهي لفظة ولدت ميتة ! ) وكان يتخذ لكل شيء ضابطاً , جملة موجزة تجمع الأحكام وتسهل على اللسان , ولا تذهب من الأذهان .

ولطالما دلنا على كتب قراتها وانتفعت بها وهي رأس مالي في العلم والأدب ولولاه ما سمعت بها .

ثم درسنا الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا , فكان يشرحه شرحاً عجيباً تجعل كل حكم من أحكام الزواج والطلاق ( قصة .. ) يؤلفها كما يؤلف الأديب قصصه , ويجعل لها قواعد تحفظ فلا تنسى , مثالها ( لا يخلو زواج من عُقر أو عقر ) أي لابدّ من مهر في النكاح أو حد في السفاح .

ثم درسنا السيرة فجاء بشيء ما رأيت والله ولا سمعت بمثله , يصور الوقائع ويصف أمكنتها , ويشرح ما قيل فيها ويدل على مراجعها فكأننا كنا فيها .

وكنت أستوعبها استيعاب التربة العطشى ماء المطر , وكان يدلنا على الكتاب فأسرع إلى قراءته إن كان في مكتبتنا , أو إلى شرائه إن لم يكن عندنا , ولقد سمّى لنا كتاب ( الروض الأنف للسهيلي ) فشريته عند خروجي من المدرسة وما بت حتى تصفحته وقرات صفحات كثيرة منه . اما حفظه فقد صدقت منه ما يروى عن حماد الراوية وابن الأنباري والمعرّي .

لقد كنا نقلد لهجته ونحكي صوته حتى صارت هي لهجتي في التدريس وأنا لا أدري .

لما كنت أدرس في بغداد , أقيمت حفلة سمر في آخر سنة 1936 , فسأل الطلاب مدرسيهم على عادة اعتادوها : هل يأذنون لهم ان يقلدوهم ؟ .
فكان منهم من أذن , ومنهم من أبى , وكنت فيمن أذن , فقام طالب يقلدني بزعمه , ولكنه قلد شيخنا المبارك .
فقلت : ويحك هذا شيخنا المبارك .
وإذا بالطلاب يصيحون من الأركان الأربعة : بل هذا أنت , هذا انت .
وإذا لطول ما حاكيت الشيخ قد صرت مثله ... أعني مثله في لهجته ونغمته , لا في علمه ولغته , أين أنا من علم الشيخ ؟.
واتصل حبلي بحبله , إلى أن توفاه الله , أزوره في داره , ويتفضل فيشرفني بزيارتي في داري .

والشيخ من أصحاب النوادر , وأستطيع أن أسوق من نوادره وغرائبه ما يملأ صحفاً كثيرة .

وكان عليّ يوم توفى سنة 1945 أن أُلقي كلمة التأبين في مقبرة الباب الصغير التي دفن فيها معاوية وجلّة من الصحابة , فرأيت في المقبرة أستاذنا محمد كردعلي متأثراً حزيناً , وما أعرفه إلاّ مرحاً مزّاحاً , ثم عرفت أنه كان سنين ( سنين الرجل : أي من كان في مثل سنه ) المبارك , وأنه كان رفيقه في الدراسة عند أبيه الشيخ محمد المبارك فأمرني أن أوصله إلى داره فلم اخطب .

وكان الشيخ المبارك هذا وهو جزائري الأصل أحد أفذاذ الأدباء في عصره , له نثر وله شعر وله آثار مروية تدل على فضله وملكته .

أما أخوه محمد الطيب فكان عالماً صوفياً , وقبره كان في أحلى مكان في دمشق , في طرف ( المزة ) من جهة الربوة .

ألا تعرفون ما الربوة ؟ اقرأوا وصفها في كتابي ( دمشق ) وقبر الشيخ محمد المبارك في مقبرة الصالحية , يشرف على دمشق والغوطتين .

والشيخ الطيب كان تلميذ جدنا الشيخ محمد الطنطاوي الذي قدم دمشق من مصر , وقد ذهب معه بأمر الأمير عبدالقادر الجزائري إلى ( قونية ) في الأناضول , وأحضرا منها نسخة الفتوحات المكية لمحيي الدين بن عربي .

والنسخة التي قوبلت على نسخة مؤلفها وطبعت المطبوعة عنها , وضعتها في مكتبة مجمع اللغة العربية في دمشق من عهد بعيد .

رحم الله شيخنا المبارك ورحم أباه وعمه ورحم ولده رفيقنا الأستاذ محمد الذي توفاه الله من شهرين ( توفي رحمه الله سنة 1401هـ ) ودفن في البقيع . لقد صحبت الشيخ نحواً من ربع قرن , أزوره في داره وأذهب معه إلى مجالس أصحابه وألازمه أكثر مما لازمه أولاده : محمد رحمه الله وقد كان معنا في المدرسة , ولكنه كان بعدنا , وعدنان وهاني وكانا تلميذيّ سنة 1940 , ومازن وقد كان صغيراً عندما كنت أزور الشيخ وهو اليوم خليفته في أستاذيته , اما عبدالهادي فقد كان يومئذ أصغر من أن يدخل علينا مجلس أبيه , أو لعله لم يكن ولد :

ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى ***** والعيش بعد أولئك الأيام

سقى الله تلك الأيام ......







آخر تعديل قطر الندى يوم 01-Mar-2010 في 11:39 AM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, أحمد, الندى, الطنطاو

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 07:22 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع