« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قصيدة لغتنا الجميلة كاملة (آخر رد :sarah elshik)       :: مشاهده برشلونة وريال مدريد مباشرة 29/8/2012 (آخر رد :مروة سكري)       :: دور اليهود في الكشوفات الجغرافية في القرن 15م (آخر رد :عبد الكريم ب)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: تواصل بالابيات الشعرية (آخر رد :sarah elshik)       :: استمع للقرأن الكريم كامل بأصوات جميع القراء (آخر رد :مروة سكري)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: آثار وأسـرار الحضارة الفرعونية (آخر رد :النسر)       :: تحرير المرأة - حركة مشبوهة ونهج تغريبى - الباحث / طارق فايز العجاوى (آخر رد :النسر)       :: مؤسس المذهب البروتستانتي مـارتـن لوثـر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-Nov-2008, 08:35 PM   رقم المشاركة : 31
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 16

أساتذتي في مكتب عنبر أيضاً

خبّروني ، هل تحفظون من أخبار أساتذتكم مثل الذي أحفظ من أخبار أساتذتي هؤلاء الذين أحدّثكم حديثهم ؟ هل يبقى من ذكرياتهم في نفوسكم بعد ثلاثين سنة من ابتعادكم عنهم كالذي بقي في نفسي من ذكريات أساتذتي التي أكتب اليوم عنها بعد ستين سنة من تاريخها ؟ و إن هي بقيت في نفوسكم و حدّثتم بها فهل تحملون لهم من الحب كالذي أحمل لأساتذتي ؟

إني أحبهم و إلا فلماذا أثني عليهم و أمدحهم ؟ الشعراء كانوا يمدحون الملوك و الأمراء و هم أحياء أملاً بالمكافأة و العطاء ، فهل أطمع بعطيّة من أناس مضوا إلى رحمة ربهم ؟

و ما أنا بالشاعر و ما صناعتي نسج التهاويل ، ما أنا إلا مصوّر يتأبط آلته يطوف بها ، يصّور مشاهد الحياة و مشاعر النفس ، مصّور ( فوتوغرافي ) مسكين ينقل صوره نقلاً و لست المصّور المبدع الفنان الذي يحمّل لوحاته ما لم يكنُ و لا يكون . أنا إنسان يدبّ على أرض الواقع ، على حين يضرب الشعراء أمواج الجو بأجنحة النسور .

فأين أنا من جواء الشعراء الذين يحسبون أنهم يتعالون عن واقع الحياة ؟

أني أفكر فيما صرت إليه و ما كنت في صغري فيه فأرى الفضل لله أولاً و أخيراً و لكن السبب فيه هؤلاء المدرّسون و أمثالهم ( و إن قلّ أمثالهم ) الذين قعدت بين أيديهم و أفدت منهم ، في المدرسة مضطراً و في حلقات المساجد مختاراً أو قابلتهم في مسالك الحياة مصادفة فكان لهم لقوّة شخصياتهم و نبل صفاتهم و طهر قلوبهم أعمق الأثر في فكري و في عاطفتي و في سلوكي و في تكويني لم أحسّ به في حينه و لكن عرفته بعد حين.

و إذا كان كثير من المعلمين يعملون ليأخذوا الراتب و كثير من الطلاب يقرؤون ليحملوا الشهادة و كان في المدرسين المهمل المسيّب و كان فيهم زائغ القلب فاسد العقيدة فقد كان أكثر معلمينا يعلموننا ابتغاء ثواب الله و حباً بنشر العلم و كنا ( أو كان أكثرنا ) نتعلم حباً بتحصيل العلم و رغبة في الأجر من الله . و كانوا كالآباء لنا يهتمون بدنيانا و أخرانا .

فهل تستكثرون عليّ أن أنضح بالدمع قبورَ رجال هم ملؤوا قلبي بالعاطفة التي ينبع منها الدمع ؟ لقد بكيتهم يوم ماتوا بصوب قلبي لا بماء عيني . فيا ربّ ارحمهم و ارحم كل الذين علموني و ارحم أبي لأنه كان أبي و كان معلمي و اجزهم عني خير الجزاء .

كان أساتذتنا في مكتب عنبر أصنافاً .

أما مدرّسو العربية فكانوا أئمتها في البلد و كانوا المرجع فيها : الشيخ عبد الرحمن سلام الخطيب الشاعر ، و الشيخ المبارك اللغوي الراوية ، و الشيخ سليم الجندي أستاذ اللغة و النحو و الصرف و العروض . و قد سبق الكلام عن المبارك و سلام ، و سأتكلم عن الجندي .

و الشيخ الداودي ، و لم نقرأ عليه و لكن عرفنا من تلاميذه أنه كان يشرح الدرس على طريقة العلماء الأزهريين ، في لطف ظاهر و خُلُق عظيم و قلب رقيق ، و كان شيخاً كبير السن مريض الجسم ، يستنفد الدرس قوته فيخرج من غرفة التدريس فيستلقي على الأريكة يستريح .

و كان يأتي المدرسة على أتان ( حمارة ) و كانت يومئذ للعلماء كالسيارة اليوم للأغنياء ، فإذا دخل الباب تسابق الطلاب يعينونه على النزول عنها و يقبّلون يده و يمشون معه ، و كان محبوباً ما رأيت له كارهاً . و لما توفي سنة 1926 نظم رفيقنا الشاعر أنور العطار قصيدة في رثائه ألقيتها أنا على قبره في كلمة تأبين لي .

و الأستاذ محمد البزم ، الشاعر الفحل الذي كان يُعَدّ يومئذٍ أحد شعراء دمشق الأربعة ، و هم : خير الدين الزركلي ، الذي صار بعدُ من أركان وزارة الخارجية السعودية ، مؤلف الكتاب العظيم " الأعلام " أحد الكتب العشرة التي يفاخر بها هذا القرنُ القرونَ السابقات ، و كتاب " شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز " و كتب أخرى معروفة . و خليل مردم بك ، رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق ، العالِم المؤلف والد الصديق الشاعر عدنان مردم بك . و شفيق جبري ، أول عميد لكلية الآداب في جامعة دمشق و ركن وزارة المعارف قبل ذلك مؤلف كتاب المتنبي و الجاحظ .

و العجيب أن البزم لم يُعرف في غير سوريا ، و قد كان أمثاله ( بل لقد كان تلاميذه ) معروفين ، و لما نشر في " الرسالة " في أوائل الثلاثينيات وضع الزيات في رأس مقالته " للأديب محمد البزم " مع أنه كان يكتب لي ، و أنا بمثابة تلميذ للبزم ، " للأستاذ فلان " .

و لم نقرأ عليه . لقد قرأ عليه من جاء بعدنا من التلاميذ و كان منهم أخي ناجي و أخي عبد الغني فخبّرونا أنه كان مدرّساً نادر المثيل . كان فصيح اللهجة بيّن الأسلوب ، تعرف ذلك من سلامه و من كلامه ، لا يتكلم إلا اللغة العربية البليغة .

و لقد اتصل حبل المودة بأخَرة بيني و بينه ، و كنت قد جافيته أولاً ؛ ذلك أنه كان يكتب في مجلة " الميزان " كلمات يتناول فيها الأدباء بالتجريح ، لا يكاد يسلم من لسانه أحد . فكتب عن أستاذنا الجندي أنه " يهدم للمعري قصراً فخماً ليقيم من أنقاضه كوخاً حقيراً " فأخذتني الحميّة لأستاذي و كتبت عن البزم : " إنه يعرف في النحو ما يجهله الناس و يجهل ما يعرفه الناس ، و إن شعره جدار من الحجارة الصلد و لكنها مركومة ركماً ليس بينها ملاط " ! فغاظه ذلك مني و كفّ عن الجندي ، مع أنه كان في خصام دائم مع الأدباء . نظم أرجوزة نحَلها الشيخ المبارك و جعلها على لسانه و سارت في الناس و أضحكتهم على الشيخ . و لقد سألت المبارك عنها فأبدى ألمه منها ، و لكنه صرّح لي بأنه كان يتمنى أن يقدر على نظم مثلها !

و هجا مرة الأستاذ شفيق الجبري بقصيدة قافيتها على الزاي المضمومة : لَمزُ ، وَخْزُ ، طَنزُ عَجزُ ... فيها هذا البيت :

و لو شئتُ سيّرتُ القوافي جَحافلاً
و أوقرتُ أسماعاً و كانَ لي الفوزُ

و نُشرت أيام الثورة و كانت " البعثة " ( أي دار مندوب المفوّض السامي الفرنسي ) تراقب المطبوعات و كان المراقب نصرانياً ضعيفاً في العربية فلم يفهمها و حار في رفع تقريره عنها فسأل زميلاً له أعلم منه فقال له : إن الجحافل هي الجيوش . فكتب أن البزم يدعو لحشد الجيوش لحرب فرنسا ! فقبضوا عليه و بيّتوه في السجن فما أنقدته إلى شفاعة الجندي و جبري !

و لعلّ سبب هجومه على الأدباء الأحياء و على أئمة النحو الأموات أنه نشأ بعيداً عن العلم و الأدب ثم اشتغل بهما بعد أن بلغ العشرين فكان يحسّ في نفسه أنه دخيل عليهم غريب فيهم فيريد تثبيت منزلته بالحط منهم و التعالي عليهم .

و لا تعجبوا ، فربما كان عنف الهجوم دليلاً على الشعور بالنقص في نفس المهاجم ، و إسرائيل مثل ذلك ، أعني إسرائيل الدولة الظالمة الغاصبة لا إسرائيل النبي الذي هو يعقوب عليه السلام . و ما لحكّام دولة إسرائيل و يعقوب ؟ ما لبيغن هذا و ما لقومه و أرض فلسطين ، و ما له ببني إسرائيل صلة قرابة و لا نسب ، و لا له في تراب الأرض المقدسة ذرّة من بقايا عظام أبٍ واحد ، إنما هو من " الخَزَر " الذين تهوّدوا طلباً للدنيا من طريق التهوّد .

أستغفر الله أن أقرن اسم محمد البزم الشاعر الفحل العربي المسلم باسم بيغن ، و لكن جرّته القافية . و نسأل الله لنا و له العافية ، و رحمة الله عليه ، و اللعنة على بيغن و كل معتدٍ ظلوم كفّار .

لقد أصابت البزمَ في آخر عمره مجموعة ُ أمراض ذهبت ببصره و أوهنت جسده القوي و ألقته على الفراش أمداً طويلاً ، و لكن الله ألهم الشيشكلي جزاه الله خيراً ( و كان حاكم البلد ) فأدخله المستشفى العسكري و بقي فيه مخدوماً مرعياً حتى توفاه الله فقيراً ، ما ترك إلا ديوانه الذي طُبع بعد موته .

أما مدرّسو العلوم ( أي الطبيعة ) و الرياضيات و التاريخ و الجغرافيا ، فكان أقلهم من الأطباء و أكثرهم من الضباط العرب في الجيش العثماني .

الأطباء الدكتور يحيى الشمّاع ، و كان مدرّس الكيمياء ، و الدكتور جودة الكيّال ، و كان يدرّس الفيزياء ، و كنا نسميها " الحكمة الطبيعية " و ننطقها بالتاء المبسوطة فنقول الحكمت و الكيمياء . أما كلمة " فيزياء " فقد وضعها بعد ذلك الأستاذ عز الدين التنوخي ( و سيأتي الكلام عنه ) ، و هو الذي وضع كلمة " البرمائية " منحوتة من البرية و المائية ، و غيرهما .

و لما كنا في الصف الثامن ذهب الشماع و الكيال إلى لوزان لاستكمال دراسة الطب ، و كان معهما الدكتور حسني سبح ، الرجل العالم المحقق ، و هو اليوم رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق ، و هو أقدم المجامع العربية . فلما عادوا حيّاهم الشيخ الداودي بقصيدة مطلعها :
دَعْ ذكرَ ذاتِ الحليِ و الخَلخال
و الفاتنات ـ أخا النُّهى ـ بالخالِ
و جمعَ أسماءهم في هذا البيت العجيب :
يحيى بن الشماع حسني من بني
سبحٍ و جودةُ من بني الكيّال ِ
و كنا نسمع تلاميذ الداودي من الشعبة التي يدرّسها ينشدون القصيدة على نغمة " البردة " :
أمِن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ
مَزجتَ دمعاً جرى من مقلة ٍ بدم

و هي نغمة معروفة في الشام ، نعلّمها التلاميذ في درس العَروض ليضبطوا بها بحر البسيط . و أقول ـ بالمناسبة ـ إن الصديق الأستاذ أحمد عبيد نظم قصيدة أيضاً جاء فيها ببيت كان أشعر و أسير من بيت الداودي ، و هو:

الطبُّ بحرٌ طما
و فيهِ حسني سَبَحْ

أما الرياضيات فكان يدرّسها اثنان : جودة الهاشمي و هو أشهر مدرسي هذه المدرسة ( و قد سميت باسمه أكبر ثانوية في سوريا ) و كان عالماً بالرياضيات ، هضمها ـ كما يقولون ـ هضماً و قتلها فهماً ، و أحسن فيها تعليماً و تفهيماً ، و أعانه على ذلك سكوت التلاميذ في درسه و استماعهم لقوله ، فأفاد و استفاد .

و كنا نتوارث هيبته و الخوف منه ، يتواصى بذلك الطلاب ، الخلف منهم عن السلف .

أما الثاني فهو مسلّم عناية ، و هو عبقري من أفذاذ الرجال ؛ كان من كبار الضباط أركان الحرب و هو من أعلمهم بالفنون العسكرية ، و كان أستاذاً في العلوم الطبيعية و في الكيمياء خاصة ، يرجع إليها مدرسوها في معضلات مسائلها ، لا يكتمون ذلك عنا و لا يتحرجون من ذكره أمامنا . و كان أستاذاً في " الطبوغرافيا " و أستاذاً في علم الموسيقى ، و كان يتقن التركية و كان أديباً فيها و الفرنسية و كان يدرّسها في مدرسة الشرطة و الألمانية و كان يُحسنها .

و لكنه كان ـ على هذا المزايا كلها ـ بعيداً عن التوفيق في التدريس عاجزاً عن ضبط التلاميذ ، له في الفوضى نوادر عجيبة .

لقد كان أكبر من أن يكون مدرساً في مدرسة ثانوية ، فعجز عن الهبوط إلى " مستوى " عقول التلاميذ ليفهمهم و عجزوا عن الصعود إليه ليفهموا منه ، فبقي بينه و بينه فراغ ملؤوه بالشغب و الضجيج و إفساد الدرس . رحمه الله ، فلقد عشت حتى بلغت هذه السن ، و تنقلت في البلاد و لقيت العلماء و الأدباء و الأذكياء فما صادفت أشدّ منه ذكاء .

و أنا أعرّف " الذكاء " بأنه سرعة المحاكمة و " العقل " بأنه صحّة المحاكمة ، و مسلم بك أذكى من عرفت و إن كان ذكاؤه أكثر مما ينبغي . لا تعجبوا من هذا الكلام ، فإن الذكي كالفارس يقفز فيجيء على ظهر الفرس و الغبي يقصر فيقع دونها فإن كان ذكاؤه أكثر مما ينبغي كان كالذي يقفز قفزة أوسع فيقع بعد الفرس .

و كذلك كان مسلّم بك ؛ كنا نقول له كلمة لا نقصد بها سوءاً فيولّد له ذكاؤه مقاصد لم تخطر لنا على بال ، فيغضب منا أو يُعرض عنا . و لولا الفوضى في درسه لاستفدنا منه الكثير .

و كان مثله في الفوضى مدرّس الموسيقى ، مع أنه مدرس بارع و ملحّن ممتاز و أستاذ العزف على القيثارة هو مصطفى الصواف . و كان يدرّسنا الموسيقى كما تُدرّس في المعاهد الموسيقية و لقد درسَنا السلم الموسيقي و الإشارات كلها ، و سلّم " دو " الكبير و سلّم " فا " و سلّم " صول " ، إلخ ، و سلّم " الراست " في الموسيقى العربية ، و الموازنة بينه و بين سلم " دو ماجور " و التأليف الغربي و التأليف العربي و المقامات و الضروب بأنواعها .

كل ذلك كان يُدرّس في الثانوية ، و لكنا ما استفدنا منه كثيراً لأن الأستاذ لم يكن يستطيع ضبط " الفصل " و لأننا لم نكن ننظر إلى الموسيقى نظرة احترام و تقدير ، و لأننا كنا ( أو كان أكثرنا ) يأبى التدرب على الآلات الموسيقية . فاقتصر انتفاعي بها على العلم النظري فقط . و ما ندمت على ما أضعت منها ، لأني ما أضعت شيئاً يؤسَف على فقده .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

آخر تعديل قطر الندى يوم 01-Mar-2010 في 11:39 AM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Nov-2008, 08:33 AM   رقم المشاركة : 32
التاريخ
مشرف
 
الصورة الرمزية التاريخ

 




افتراضي

عجيب هذا التذكر لأساتذته في مكتب عنبر..
وأعجب منه هذا الحب الكبير والوفاء الجليل لهؤلاء الثلة المميزة من أساتذة الزمان لا عصره فقط..
ومن كان هؤلاء أساتذتهم فحق لهم أن يكونوا سادة زمانهم من بعدهم..
رحمك الله يا أستاذنا الطنطاوي.







آخر تعديل أبو خيثمة يوم 13-Nov-2008 في 08:08 PM.
 التاريخ غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 16-Nov-2008, 07:21 AM   رقم المشاركة : 33
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 17 :

من مصر إلى الشام :


أما ترون الإذاعات تقطع برامجها أحياناً لتذيع خبراً طارئاً ؟ إني أتبع اليوم سنة الإذاعات , فأقطع سلسلة ذكرياتي لا لخبر طارئ , فما عندي أخبار أذيعها ولكن أقطعها لأن هذه الأيام تعيد إلى ذاكرتي حادثاً أحب أن أقف عنده قليلاً .

ففي يوم الجمعة 23 من جمادى الأولى حدث حادث كان له الأثر الأكبر في حياتي ولكنه لا يدخل في ذكرياتي .

حادث تسعة أعشار القرّاء لم يعرفوه , لأنهم لم يدركوه , والذين أدركوه لم يعرفوه لأنهم لم يسمعوا به , والذين سمعوا به لم يبالوا أن يعرفوه , لأنه حادث عادي يقع مثله كل يوم , وفي كل بلد , وقع لقوم عاديين لم يكونوا من ذوي الشأن ولا من أهل الغنى والسلطان , ووقع في طرف حي صغير من أحياء دمشق , في دار فقيرة , ولكنها ليست حقيرة , لأنها دار شاب عالم , يكرمه الناس , ويقصده طلبة العلم , فيعقد لهم حلقات دروس مجانية , في الصباح وفي المساء , في هذه الدار وفي مسجد الحي , يعطيهم الكثير من علمه , ولا يأخذ لا كثيراً ولا قليلاً من أموالهم .

هذا الحادث هو أن زوجة هذا العالم وضعت غلاماً ففرح به أبوه وجده وعمته وجدته وكانوا هم والأم سكان هذه الدار .

ولدتها قابلة ( داية ) الحي ولم يكن في دمشق يومئذ قابلات كثيرات يحملن شهادة , ولم يكن يولد النساء طبيب , ولا يجوز في دين الله , إلاّ أن تكون ( ضرورة ) أو ( حاجة ) تشبه الضرورة ولا يكون ثمة طبيبة أنثى .

والعجيب حقاً أني لا أذكر عن هذا الحادث شيئاً .

بل أنا ( لضعف ذاكرتي ) لا أعرف كيف كان شعوري لما خرجت من عالمي الصغير وهو بطن أمي إلى هذه الدنيا الواسعة , ولا أعرف كيف سيكون شعوري عندما ( أولد ) مرة ثانية فأخرج من ( بطن ) هذا العالم الأرضي إلى سعة عالم الآخرة .

تلك الولادة يسميها الناس موتاً , لأنهم لا يعرفون من الوجود إلاّ هذه الدنيا , ولو كان في البطن توأمان فسبق أحدهما بالخروج وسئل الثاني عنه , لقال أيضاً إنه مات ودفن في أعماق الأحشاء ! .

فهل تتشابه الولادة والوفاة , أم هي خيالات أديب ؟..

قلت لكم إني لا أذكر هذا الحادث ولكن رأيت خبره على باطن جلدة المصباح المنير وهذا نص الخبر :

( رزقنا الله فجر يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة 1327 غلاماً سميناه عليّاً ) .


******
كتب ذلك مصطفى بن أحمد سبط الطنطاوي .

فمن هذا (الطنطاوي) الذي ننسب إليه , ونحمل لقبه ؟ إنه جد أبي لأمه وهو عم جدي وهاكم قصته من أولها .

******

في سنة 1255 هـ وصل إلى دمشق شاب مصري لم يسجل اسمه على الحدود ولم يطلب منه جواز سفر , لأنها لم تكن بين مصر والشام حدود على الأرض , ولا فروق بين السكان , ولم تكن الأسفار تحتاج إلى ( جواز ) بل كانت كلها بلداً واحداً , ترف عليه راية واحدة , هي الراية الحمراء ذات النجم والهلال , راية بني عثمان , وكان بنو عثمان حكاماً بشراً , لهم حسنات ولهم سيئات , وما حسناتهم ( في جملتها ) بأقل من حسنات من حكموا ديار الإسلام على سعة رقعتها , وامتداد زمانها , ولا سيئاتهم بأكثر من سيئاتهم , ولكن اليهود ( وأصل كل بلية في الدنيا إبليس واليهود ) لما صدهم السلطان عبدالحميد وضرب وجوههم بأموالهم التي جاؤوا يساومونه بها على دينه , افتروا عليه , وبهتوه , والافتراء والبهتان من خلائقهم .

لما كان ذلك ذهبوا يشوهون تاريخه وتاريخ قومه , وصدق ذلك ناس منا , بل من أفاضلنا .

هذا الشاب الذي وصل دمشق سنة 1255 هـ ولد في طنطا , التي كان اسمها طندتا , وأنا لم أدركه , وكيف ؟! وقد مات سنة 1306 أي قبل أن أولد بإحدى وعشرين سنة ؟ .

ما أدركته ولكن سمعت خبره من شيوخ أسرتي , من ولديه الشيخ عبدالقادر والشيخ عبدالوهاب وهما خالا أبي , وممن أدركت من تلاميذه كالشيخ عبدالمحسن الأسطواني والشيخ محمد شكري الأسطواني مفتي سورية .

ومن ترجمته في الكتاب القيم ( روض البشر ) للشيخ عبدالرازق البيطار جد شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار , وكتاب الحدائق للشيخ عبدالمجيد الخاني وهما تلميذاه , وكتاب الشيخ تقي الدين , ومما كتبه عنه الأستاذ محمد كردعلي .

ومن نظر في تراجم علماء الشام في القرن الماضي في هذه الكتب وغيرها وجد الكثير منهم قد قرأ عليه وقعد بين يديه .

قالوا في ترجمته : ( هو محمد بن مصطفى الطنطاوي مولداً , الدمشقي موطناً , الشافعي مذهباً ) .

لقب ( الطندتائي ) كما كان يكتب عن نفسه أو ( الطنطاوي ) كما سار على ألسنة الناس , لقبوه به في الشام , فماذا كان لقب أسرته في بلده ؟ .
لا أدري , ولكن الذي سمعته في صغري ولا أتبينه ولا أحقّق الآن مصدره أن اسم أسرته كلمة فيها ( شين ونون ) لا تضحكوا , إني أقول الحق , لعلها الشناوي أو المنشاوي أو الشنواني , لا يعرف ذلك أحد , وكيف وقد مضى على نزوحه منها قرن ونصف القرن , وما كان علماً من الأعلام حتى يهتم بحلّه وترحاله , ما هو إلاّ رجل من أوساط الناس .

ولو بحثتم عن المصريين الذين سكنوا الشام وعُدُّوا من أهلها , والشاميين الذين سكنوا مصر , والمغاربة الذين هاجروا إلى المشرق لوجدتم الكثير .
ذلك لما كانت بلاد المسلمين داراً واحدة , يسافر من شاء إلى حيث شاء .

أما الآن فيا أسفي .. لقد فرقت السياسة الأسرة الواحدة فأنا سوري وبنتي أردنية وبناتي الأخريات سعوديات .

ولقد سافرت نصف ساعة في القطار من آخن ( اكس لا شابيل : عاصمة شارلمان وفيها آثاره ) في المانيا إلى لييج في بلجيكا فتغير علّي كل شيء : اللغة ومناظر البلد ووضع الشوارع وقواعد السير .. لقد شعرت أني انتقلت من بلد إلى بلد .

وأسافر من الرياض إلى بغداد أو إلى الكويت أو إلى عمان أو إلى دمشق أو إلى مصر فلا (أكاد) أشعر بتغير حقيقي إلاّ التغير الذي يشعر به من يسافر من مدينة إلى مدينة في الدولة الواحدة .

قالوا : إنه ولد في طنطا ( من أعمال مصر القاهرة ) ونشأ يتيماً في حجر أخيه الأكبر وكان اسمَه علي . فمن أبوه ؟ وما عمله ؟ وما خبره ؟ الله أعلم .

أما علي هذا , علي بن مصطفى الذي سميت باسمه وسمي أبي باسم أبيه والذي هو أبو جدي , فلا أعرف عنه إلاّ أطراف أخبار , لم أستقصها ولم أتحقّقها .

منها أنه كان ( والله أعلم ) في جيش إبراهيم باشا وأنه لما سكن دمشق فتح دكاناً في خان الجمرك وهو سوق مسقوف قريب من الأموي على شكل زاوية قائمة في وسط مخزن واسع , لما أراد ( أبوخليل القباني ) أن يقيم مسرحه , وكان أول مسرح في الشام , جعله في هذا المخزن , فلما أبى أهل دمشق أن يفتح فيها هذا الباب للفساد واضطروه إلى إغلاقه رحل إلى مصر عام 1884 وفيها راجت سوقه وعلا نجمه واشتهر اسمه . وكان يقتبس الرواية أو يؤلفها ويلحنها ويمثلها فكان مؤلفاً وملحناً وممثلاً .

كان في خان الجمرك , سوق القماش , وكان يرتاده النساء لذلك كانوا يدعونه أحياناً ( سوق النسوان ) فكان جدنا هذا الذي لا أعرفه إذا جاءته امرأة فكشفت وجهها لترى القماش أو مدت يدها لتلمسه زجرها وأمرها بالستر , فتركه النساء , فاضطر إلى ترك الدكان وعاد إلى مصر .

ويظهر أنه كان فقيراً لأن أخاه ( الشيخ محمد الذي أتكلم عنه ) كان يعيش في الجامع الأحمدي في طنطا على خبز الجراية ومرق المخلل لا يجد غيرهما .

وقد ( حفظ هنالك القرآن , وحصل بعض العلوم النقلية والعقلية , ثم سافر إلى حلب ) .

ويظهر أن حلب كانت مثابة للعلم والفن , فهذا الرجل قد قصدها لتلقي العلم من علمائها , وبعض كبار أهل الفن أموها لأخذ الفن عن موسيقييها , ومن هؤلاء محمد عبدالوهاب كما ذكر عن نفسه , ومصادر الغناء اليوم ( فيما أعلم أنا ) الموشحات الأندلسية والأدوار والأغاني المصرية والقدود الحلبية والمقامات العراقية والعتابا والمواويل السورية واللبنانية .

كيف ذهب إلى حلب ؟ ولماذا ؟ لا اعلم وقد ( قرأ في حلب على الشيخ أحمد الترمانيني وغيره وأجازوه ) .

وهذه الإجازات كانت بمثابة الشهادات الجامعية اليوم ( وكان من طريقتهم أن الشيخ يمتحن الطالب فيما قرأ , ثم يجيزه به , والإجازات على درجات : منها الإجازة العامة , ومنها الإجازة الخاصة , وليس للإجازة العامة اعتبار الإجازة الخاصة بل كان من العلماء يستنكفون عن العمل بها : ( من كتابي ( الإمام النووي ) في سلسلة ( أعلام التاريخ ) التي كنت أصدرها ) ) .

ثم قدم دمشق سنة 1255. ( فأقام بها خمس سنين وتلقى الطريقة النقشبندية عن الشيخ محمد الخاني الكبير وبقي نزيله هذه المدة ) .

وكذلك كان يصنع العلماء الأغنياء , ينزلون الطالب ويعلمونه وينفقون عليه كما كان يصنع الإمام محمد بن الحسن ( صاحب أبي حنيفة ) مع أسد بن الفرات وغيره . قرأ على محدث الشام في تلك الأيام الشيخ عبدالرحمن الكزبري أستاذ الأساتذة والشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبدالرحمن الطيبي وهؤلاء كلهم أعلام يعرفهم أهل الشام .

ثم عاد إلى مصر ولزم الجامع الأزهر خمس سنين , قرأ فيها على الشيخ إبراهيم الباجوري , شيخ الجامع الأزهر صاحب الحواشي المشهورة , والشيخ إبراهيم السقا خطيب الجامع الأزهر , والشيخ محمد الخضري الكبير وهو فقيه عالم بالعربية والفلسفة والعلوم وهو رجل عبقري أصابه الصمم فاخترع طريقة للكلام بإشارات اليد وعلمها من حوله فكان يخاطبهم ويخاطبونه بها وقد تلقى جدنا منه العلوم الرياضية والفلك .

ثم رجع إلى دمشق واتخذ له حجرة في مسجد ( سيدي صهيب ) في أول حي الميدان فكان يعلم فيها نهاره كله واستمر في ذلك سنين حتى دعاه الأمير عبد القادر الجزائري فدخل البلد واستأجر له داراً واسعة ( وهي الدار التي آلت فيما بعد للمحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني وتوفي فيها ) . و ( عين له معاشاً ) وأرسل إليه أولاده ليقرئهم فاتخذ حجرة في المدرسة البادرائية , ولإنشاء هذه المدرسة قصة طريفة ليس هذا موضعها , فكان يعلم فيها أولاد الأمير وغيرهم من طلبة العلم .

قالوا : ( وكان مشاركاً في كل علم وله فيه تدقيقات وتحقيقات ) ( ومن آثاره البسيط الموضوع في منارة العروس وهي المنارة ( الرئيسية ) في الجامع الأموي ) .

وكان هذا البسيط صالحاً إلى سنة 1292 فطرأ عليه الخلل , فكلفوا جدنا بإصلاحه فانكسر في يده , فشنّع عليه ناس من أهل الشام وهجاه الشيخ عبدالسلام الشطي رحمه الله بقصيدة مطلعها :

كسر البسيط برأيه المعكوس ****** ----------------------------

وكان الأمير عبدالقادر يتصرف كانه حاكم فأمر به فأقيم عليه حد القذف أو ما يشبه هذا فما أروي إلاّ ما سمعته , ولا أتهم في هذا بريئاً ولا أدافع عن معتد وقد ذهب الجميع إلى لقاء ربهم والأمير معروف جهاده ومعلومة مناقبه , والشيخ عبدالسلام عالم من أسرة علم فغفر الله لمن أساء وعوض من أسيء إليه .

******
وقد صنع جدنا بسيطاً آخر , أجود من الأول حسبه على الأفق الحقيقي وزاد فيه قوس الباقي للفجر , ووضع مكانه في يوم مشهود , وقد نظم الشيخ الخاني قصيدة عارض فيها قصيدة الشطي مطلعها :

صنع البسيط بغاية التأسيس ****** شيخ الشأم رئيس كل رئيس

وأرخ لذلك على طريقة حساب الجمل في آخر بيت فيها فقال :

ما قال أهل الشام في تاريخه ****** تم البسيط بنفحة القدوس

أي سنة 1293 ثم صنع بسيطاً آخر لجامع الدقاق الذي يؤم فيه ويخطب شيخنا الشيخ بهجة البيطار .

وكان يعيش على الراتب الذي يأخذه من الأمير , فلما مات الأمير جعلت له الحكومة راتباً , فلم يأخذه , ونهى ولديه عن أخذه ولست أدري لماذا ؟ ولا أعرف لرفضه وجهاً شرعياً , ولا من باب الورع , فالحديث صريح بجواز أخذه بل بالحث عليه .

وجعل يبيع كتبه وهي أعز شيء عليه , ويعيش منها , حتى توفاه الله آخر ربيع الثاني سنة 1306 هـ ( وصُلي عليه في الجامع الأموي بمشهد عظيم ودفن في مقبرة الباب الصغير ) وترك كتباً صغيرة , أكثرها في الفلك والرياضيات منها : ( حساب البسيط ورسمه ) , ( حساب الربع ورسمه ) , ( كشف القناع عن معرفة الوقت من الارتفاع ) .

وله كما قالوا ( تقريرات على كافة الكتب التي أقرأها مشتملة على حل مشكلات وإيضاح مبهمات ) رحمه الله .

******

وأنا أكتب هنا للحق وللتاريخ , فلا استطيع أن أختم الكلام عن جدنا من غير أن أعرض إلى أمر صنعه , ما أدري هل أحسن فيه أم أساء ؟ هو ان الأمير عبدالقادر العالم المجاهد كان ( وليته لم يكن ) ممن يقول بوحدة الوجود .

وشيخ القائلين بها ابن عربي ( قالوا في المشرق ابن عربي ليميز من ابن العربي الإمام الفقيه المحقق المعروف ) وأكبر كتبه الفتوحات المكية وكان منه نسخة كاملة في ( قونية ) بخط المؤلف فبعث الأمير جدنا الشيخ محمداً وتلميذه الشيخ محمد الطيب ( المدفون في المزة في اجمل بقعة منها ) إلى قونية لنسخ صورة عنها , وطبعها .

هذا هو الذي صنعه وللأمير عبدالقادر كتاب اسمه ( المواقف ) مملوء بمذهب ( وحدة الوجود ) ألزمت وأنا صغير بالمشاركة بتصحيح تجارب طبعه فلما رأيت ما فيه استعذت بالله وتركته .

ولقد كتبت في الرسالة من أكثر من أربعين سنة أن كفر كفار قريش ليس أكثر مما في هذه الكتب , فقام عليّ مشايخ من مشايخي وكانت بيني وبينهم مناظرات , ثم اقترحت اقتراحاً , أعيد ذكره الآن :

إن ابن عربي واحد من الكتّاب الخمسة الذين هم أعظم كتاب العربية : الجاحظ , وأبوحيّان التوحيدي , والغزالي وابن خلدون .

وهو فيلسوف لا يبلغ سبينوزا إلاّ أن يكون تلميذاً له , وكتابه الفتوحات كتاب عظيم ولكن يفسده ويذهب بخيره ويمحو جماله ما فيه من كلام لا يشك في أنه كفر , وأنه أخذ الأفلاطونية الجديدة لأفلوطين ( plotin ) فجعلها من الدين .

والاقتراح هو أن نأخذ الفتوحات , فنمحو منها هذا كله , وهذا كله لا يبلغ عشر الكتاب , ثم نطبعه طبعة جديدة , ونكتب على غلافها ( مهذب الفتوحات ) فنستفيد منه ونستمتع بالخير فيه , ونسلم مما فيه من الشر , فما رأيكم دام فضلكم ؟ .







آخر تعديل أبو خيثمة يوم 17-Nov-2008 في 01:01 AM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Feb-2010, 10:06 PM   رقم المشاركة : 34
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

سنتابع بعون الله عز و جل هذا الموضوع ابتداء من الأسبوع المقبل













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 21-Feb-2010, 03:04 PM   رقم المشاركة : 35
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 18:

جدي الشيخ أحمد الطنطاوي

تكاثرت الظباء ُ على خراشٍ فما يدري خِراشٌ ما يَصيدُ

هذا هو مثالي اليوم . و أنتم تعلمون ممّا بقي في أذهانكم من دروس البلاغة ( إن كان قد بقي فيها شيء منها ) أن المشبَّه لا يكون كالمشبَّه به في جميع صفاته ، بل فيما هو " وجه الشبه " . فإن سمعت مغنياً يقول : " يا غزالاً صادَ قلبي " لا تتصوّر أن لهذه الحبيبة التي صادت قلبه ذنباً كذَنب الغزال أو أنها تمشي على أربع ! و إن شبّهوها بالقمر ليلة أربعة عشر لم نتصور وجهها دائرة كاملة كوجه القمر ، و لا أنه مثله ـ كما زعموا ـ فيه الصخر و الحجر !

أنا مثل خراش في ترددّه و حيرته ، لا في خَلْقه و صورته ، لأنه كما تعرفون ( أو كما لا تعرفون ) كلب و أنا بحمد الله بشر . و إن كان في البشر من يَحسن به أن يعود فيقرأ كتاب " تفضيل الكلاب على كثير ممّن لبس الثياب " .

لقد وصلت في هذه الذكريات إلى مفرق الطرق ، ففتحت أمامي مسالك لا أستطيع أن أمشي فيها كلها معاً و أحار فلا أدري أيها أختار : هل أكمل الكلام عن مكتب عنبر و عن أساتذتي فيه ؟ أم أتكلم عن نهضة المشايخ ؟ أم الثورة السورية ؟ أم أُتّمّ ما شرعت فيه في الحلقة السابقة ليتصل الحديث و يتسق ؟

أتم ما شرعت فيه .

قلت لكم إن الذي قدم الشام من طنطا في مصر هو الشيخ محمد ، و قد جاء معه أحمد ابن أخيه الكبير . و الشيخ أحمد هذا هو جدي الذي توفي سنة 1914 و في ذاكرتي عنه بقايا صور قليلة و لكنها واضحة و كذلك تكون الصور التي ترتسم في عهد الصغر .

و لقد ساءلت نفسي : لماذا أحدث القراء عنه و ما انتفاعهم بهذا الحديث ؟ ثم رأيت أنه كان نوعاً من الشخصيات لا يخلو من طرافة أو غرابة ثم إنه جدي و الكلام عنه حلقة لا بدّ منها في سلسلة الذكريات .

كان جدي إمام طابور متقاعداً في الجيش العثماني . و كان للوعاظ و الأئمة في هذا الجيش رُتب مثل رتب الضبّاط و أعلاها رتبة مفتي ألاي و أحسبها تقابل وظيفة قاضي العسكر قديماً .

و لا أعرف أنا ممّن نالها إلا الشيخ رضا الزعيم ، و هو رجل يستحق أن أقف عليه وقفة قصيرة فقد كان صادقاً مع الله صدّاعاً بالحق جريئاً جرأة نادرة المثيل و كذلك كان ولداه : الولد الصالح هو الصديق الداعي إلى الله الشيخ صلاح الدين رحمه الله و الولد الـ .... و هو " المشير " ... حسني الزعيم الذي ابتدع في بلاد العرب بدعة الانقلابات العسكرية سنة 1949 و إن كان قد سبقه الفريق بكر صدقي في بغداد سنة 1936 بانقلاب جزئي غير كامل و قد حضرت الانقلابين و ربما تكلمت عنهما .

شارك الشيخ رضا في حرب الترعة لمّا أعدّ جمال باشا ـ بأمر جماعته الاتحاديين و ضغط حلفائهم الألمان ـ حملة حشد لها ما استطاع من العدد و العُدد لاجتياز ترعة السويس و تحرير مصر من الإنكليز . خطب الشيخ رضا الجند و ذكّرهم الله و دعاهم ليصححوا نياتهم في الجهاد . و تلك سنّة المسلمين قبل كل معركة ليخوضها الجندي على بصيرة فإذا مات لم يخسر الدنيا بالموت حتى يكون قد ربح الجنة بالشهادة .

و هذا ما يجب أن يعرفه كل جندي مسلم و كل فدائي و كل من يتعرض للمنايا ينال إن ظفر الثواب و يحظى إذا قُتل بالشهادة .

و ليس الشهيد الذي يقاتل لمجرد استرداد البلد السليب و لا الذي يموت خدمة للعلم و لا تضحية للوطن و لا دفاعاً عن مجد العروبة بل الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله و يموت في سبيل الله . و لو كان هذا قولي أنا لما ألزم أحد منكم باتباعه و لكنه قول من يُلزم باتباعه كل واحد منكم : رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لم يخطب الشيخ رضا الجند ليحمسهم و يدفعهم إلى الموت ثم يأوي إلى خيمته ليأكل و ينام بل خطبهم و صاح الله أكبر و أقدم فطارت به قنبلة مدفع من مدافع الإنكليز فما وجدوا له جسداً يدفن ، لم يُقَمْ له قبر و لكن أقيم له في قلوب الناس حُسن الذكر ، و ثبت له عند الله جزيل الأجر و هذا دعاء لله و ليس تألياً على الله .

أعود إلى حديث جدي . كان جدي نظامياً بطبعه ، و زاده عمله في الجيش التزاماً بالنظام و حرصاً على الترتيب فكانت حياته كحياة تلميذ في مدرسة داخلية ، كل حركة فيها بحساب و كل عمل له وقت . فكأنها كانت ـ على طولها ـ يوماً واحداً يتكرر ، منامه في موعد محدد ، و قيامه في موعد محدد . كانوا يومئذ يأكلون مرتين فقط ، الفطور بعد صلاة الفجر ، و العشاء بعد العصر . كان عشاء مبكراً أو غداء متأخراً ، فليس المهم الاسم بل أن يكون الساعة الثامنة الغروبية ( إذ لم يكن التوقيت الزوالي مألوفاً ) لا يتقدم عنها و لا يتأخر ، إلّا إذا خرجت الأرض عن مدارها أو أسرعت في مسارها ، أو غابت الشمس قبل حين غيابها . و طالما كان يولم الولائم يدعو إليها كبار قادة الجيش أو وجهاء البلد فإذا بلغت الساعة الثامنة باشر الأكل مع من حضر و إن لم يحضر أحد شرع يأكل وحده .

إنه مثل كانط الذي كانت تُضبط الساعة على موعد خروجه من داره ، و إن كان ابن بلده هاينه يقول إنه ليس إنساناً يشعر بل آلة تتحرك ، و شاعرنا ( أظن أنه حافظ إبراهيم ) يقول :
و لذيذُ الحياة ما كان فوضى ليس فيه مسيطرٌ أو نظام
و الله أعلم بصحة ما قاله .

سكن جدي أولاً مع عمّه في داره الكبيرة و تزوّج ابنته لذلك كان أبي يُعرّف نفسه بأنه " سبط الطنطاوي " أي ابن ابنته .

و كان أهل الشام يحرصون على اجتماع الأسرة كلها في الدار الواحدة ، الجد و الجدة و الأولاد و زوجاتهم و أبناء هؤلاء الأولاد و بناتهم لكل منهم جانب من هذه الدار الواسعة و كلهم يأكل من قدر واحدة تغرف كل أسرة صغيرة و تذهب بطعامها إلى غرفتها . و كان عمل الدار مقسماً بين نسائها لكل واحدة يوم في الأسبوع أو يومان أو ثلاثة . تبعاً لكثرتهن أو قلتهن . و إذا اجتمعوا عند الجد قعدوا متأدبين خاشعة أصواتهم لا يخالفون له أمراً و لا يجرؤون عليه بطلب و لا يبدؤونه بحديث ، بل إني سمعت من أبي ( كما سمعت عنه من أصحابه بعد وفاته ) أنه لا يعرف ما لون عيني أبيه لأنه لم يرفع بصره إليه قط .
و لست أحبّذ هذا الذي أصفه و لا أرى أنه الصواب و لكن أذكر ما كان .
أما الذي أحبّذه و أرجو أن نحافظ عليه فهو ألا ننسى أن ابن العم أجنبي عن ابنة عمه و لو جمعتهما الدار الواحدة و أنه إن جاز ( عند الحاجة ) أن تشاركه مجلس الأسرة فلا يجوز في دين الله أن تكشف أمامه عن أكثر من الوجه و الكفين و لا أن تنفرد به و عليه أن يغض عنها بصره و تغض هي بصرها .

و كانت تقع الخصومات و تحدث المشكلات بين أطفال هذه المجموعة فتنتقل إلى الأمهات و قد يشارك فيها الآباء . و هذا شيء ما منه بد حتى لو انفرد الرجل بزوجته و ولده . و لو خلت دار من مثل هذه المشكلات لخلت منها أشرف دار قامت على ظهر هذه الأرض ، دار رسول الله عليه صلاة الله ، فقد كانت فيها أشياء منها .

و لكنها كانت كاصطدام الغصن بالغصن في الدوحة الباسقة و الموجة بالموجة في البحيرة الصافية و أصلُ الشجرة واحد و ماء البحيرة واحد و لكنها ريح الصبا هبّت في الأصيل فأزاحت الملل و جاءت بالأمل . و هل الحياة إلا الحركة ، و هل في الحركة غالباً إلا البركة ؟ خلاف و لكنه على السطح و ما في الأعماق إلا الألفة و الاتفاق .

و كان جدي يحب أن يكون له المكان الأول و هو في هذه الدار الكبيرة لا يكون إلا الثاني لذلك استأذن عمه و انفرد بنفسه و أهله و أخذ داراً صغيرة ( دويرة ) من أملاك وقف جامع التوبة .

و في دمشق مسجد جامع يُعد من مساجد الإسلام الكبار بل هو أكبرها و أقدمها بعد الحرمين : و هو الجامع الأموي . و مساجد تليه ، في كل حي من أحياء دمشق ، جامع التوبة لحي العقيبة و ما والاها ، و مسجد القصب للعمارة و باب السلام ( و كان اسمه باب السلامة ) و جامع السنانية لباب الجابية و ما اتصل به و جامع باب المصلى ، حيث كان مصلى العيد في أول ميدان الحصى ، و جامع منجك ، و جامع الدقاق للميدان ، و جامع الشيخ محي الدين ، و جامع الحنابلة ، و جامع الشيخ عبد الغني النابلسي و جامع ركن الدين و هي لأحياء سفح قاسيون و جامع تنكز و جامع يلبغا في المرجة أو بجوارها .

و حي العقيبة حي صغير فقير في طرف دمشق و في طرفه ثلاث حارات أو لعل كلاً منها مجموعة حارات . أولها الديمجية أي صناع الديما . و لو نظرتم في كتاب قاموس الصناعات الشامية للقاسمي (1) لرأيتم أنه كان في الشام صناعات جليلة أصيلة نسيناها بل لقد نسينا اليوم أسماءها . و رحم الله القاسمي الذي ألهمه الله تأليف هذا الكتاب في وقت لم يكن يهتم فيه أحد بمثل هذه الموضوعات و شكراً لأخينا الأستاذ ظافر رحمه الله أن طبعه و نشره .

كان في الشام أقمشة تُنسج على المنوال و تباع قطعاً كل قطعة لثوب واحد تسمى " الصاية " منها الرخيص المصنوع من القطن و نحوه و هو " الديما " و الغالي من الحرير و شبهه و هو " الألاّجة " و هو القماش المخطط اللمّاع الذي تُصنع منه " قفاطين " المشايخ في مصر ، و كنا نلبسه في الشام في الأعياد . تتعدد فيه ألوان القماش و الخطوط المرسومة على القماش و أشكال هذه الخطوط فيكون منه عشرات و عشرات من الأنواع و هو متين يكاد يعيش مع لابسه شطر عمره و لا يبلى .

فالديمجي هو صانع الديما . و لما درّسونا التركية أيام الحرب الأولى علّمونا أن النسبة إلى الصناعات تلحقها غالباً جيم قبل ياء النسبة فنقول : بندقجي و كندرجي و إلى البلدان بزيادة لام قبلها ، فنقول : إزميرلي ( نسبة إلى أزمير ) و أورفلي ( نسبة إلى أورفا و أورفا هي الرُّها قديماً ) . و أنا أكتب هذه الذكريات كلها من ذهني ما عندي شيء مكتوب أرجع إليه و أعتمد عليه فإن أخطأت أو بدّل الترك ما تعلمناه يومئذ من قواعد لسانهم فسامحوني .

و إلى جنب الديمجية حارة تسمى " حارة تحت المئذنة " كان فيها من مشايخنا و من أصدقائنا الشيخ أبو الخير الميداني و الشيخ محمود ياسين الحمامي . و حارة اسمها " السمّانة " و هي أكبر من حارة ، إنها حي صغير . و بينهما طريق ضيق متعرج يضل فيه الخرّيت ، لذلك كان اسمه الذي يُعرف به بين الناس هو " محل ما ضيّع القرد ابنه " !

و في حارة السمّانة كان منزل آل الزعيم ، و منزل رفيقَي العمر : الشاعر أنور العطار و الأستاذ أحمد مظهر العظمة رحمهما الله . و كان في دمشق ( كما كان في أكثر البلاد ) أحياء و حارات يتجمع فيها أرباب الصناعة الواحدة فتُعرف بهم و تنسب إليهم ففي الشام و سوق القطن و سوق الحبوب و سوق الحرير و سوق الصاغة و الحدادين و المناخلية و سوق النحاسين . و قد وجدت في " فتوح البلدان " للبلاذري أن " قصر البَريص " كان ـ كما يقول ـ في موضع سوق النحاسين مقابل باب الفرج . و باب الفرج هو باب المناخلية و هما بابان : باب في السور الداخلي و آخر في السور الخارجي و هما باقيان إلى الآن . فالسوق إذن في موضعه الذي كان عليه قبل الإسلام .
و سوق القباقبية حيث تُصنع القباقيب و قد كان في موضعه " الدار الخضراء " دار معاوية و أكثر الخلفاء من بني أمية ، جنوبي الجامع و وراء جدار القبلة ، و لا يزال الباب الذي كان يدخل منه الخلفاء إلى المقصورة ظاهراً و لكنه مسدود . أما عمر بن عبد العزيز فقد كانت داره في موضع المدرسة السميساطية شمالي الجامع ، و هشام كانت داره في موضع مدفن نور الدين زنكي في سوق الخياطين .

كل ما في الدنيا يولد و يموت ، يقوى و يضعف ، يعزّ و يذلّ ، فالدار الخضراء التي كانت يوماً عاصمة الدنيا و سرة الأرض و منزل الخلفاء من بني أمية الذين كانوا يحكمون ما بين قلب فرنسا و قلب تركستان و أطراف باكستان و كانت محط الآمال و مطمح أنظار الرجال و صارت سوقاً للقباقيب !
و لم يبق من اسم الخضراء إلا مصبغة صغيرة تحت الأرض هي المصبغة الخضراء !


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ اختصرته و نشرته بالمنتدى بفضل الله تعالى ( أبو خيثمة )













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 24-Feb-2010, 09:34 PM   رقم المشاركة : 36
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات (1)

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" كان نشر هذه الذكريات إحدى أماني الكبار في الحياة ، و لطالما عزمت عليها ثم شغلت عنها و أعلنت عنها لأربط نفسي بها فلا أهرب منها ، ثم لم أكتبها ، بل أنا لم أشرع بها ، لأني لا أكتب إلا للمطبعة . لذلك لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع عند تدوين الذكريات إليه و أعتمد عليه و ما استودعت الذاكرة ضعفت الذاكرة عن حفظه و عجزت عن تذكره ، لذلك أجلت و ماطلت و حاولت الهرب من غير إبداء السبب .... "
ج 1 ص 13 و 14













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Mar-2010, 11:38 AM   رقم المشاركة : 37
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 19 :

عود للحديث عن مكتب عنبر


أعود إلى الحديث عن ( مكتب عنبر ) ولعلي لا أخطئ إن قلت إن الحديث عنه وعن أساتذتي فيه أشهى إلى النفس من الحديث عن داري وأهلي فيها ... ولقد فكرت أم لماذا أحن إلى الماضي ؟ .
لماذا أجد كلما سمعت في الأذاعة , أو قرأت في الصحف حديثاً مع شيخ مثلي عالي السن , لماذا أجده يفضل أيامه الخوالي على الحواضر من أيام الناس ؟ .
هل كان الأمس دائماً خيراً من اليوم ؟ هل كانت الأخلاق كلها أفضل ؟ والناس جميعاً أكمل ؟ والحياة بكل ما فيها أجمل ؟ .
هل كان الطلاب كلهم أكثر جداً واجتهاداً ؟ وكانت المناهج أغنى بالعلوم وأحفل ؟ .
هل كان المدرسون جميعاً أعلم بما يدرسون من مواد وكانوا أشد إخلاصاً وأكثر عناية بالطلاب وحرصاً على نفعهم ؟.
وهذا يجرني إلى سؤال , لا أجيب عنه الآن بل أدع جوابه لحلقات آتيات من هذه الذكريات , هو :
هل كان علماء القرن الذي ودعناه من قريب خيراً من علماء اليوم ؟ .

***
أما الحنين إلى الماضي فهو شيء طبيعي ( القياس أن نقول طبعي ولكن علماءنا قالوا من القديم طبيعي وبديهي ) , لأن الإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلاّ عند فقدها : الطعام الآن أمامك والشراب البارد تحت يدك , فهل تقدرهما كما تقدرهما وأنت صائم في نهار الصيف الطويل ؟ هل تعرف قدر نعمة الأمن إلاّ عند الخوف , والصحة إلاّ عند المرض , والأقامة إلاّ عند السفر .... كذلك الشيخ لا يعرف قيمة الشباب إلاّ عند فقده .
الشباب في الشام والعراق لهم نشيد مشهور هو ( نحن الشباب لنا الغد ) . فما لنا نحن الشيوخ غير الأمس ؟ .
لذلك نأسى عليه ونحنّ إليه , ومن هنا سمّى العرب الشيخ الكبير ( الكنتي ) لأنه يكثر أن يقول : كنت وكنت ....
أما المناهج فلقد درسنا في الثانوية من المواد ما يدرسه الطلاب اليوم , ودرسنا ما لا يدرسه الطلاب اليوم , كعلم آداب البحث والمناظرة , و(الطبوغرافيا) أي علم التخطيط ووضع الخرائط , والحساب التجاري وكنا نسميه علم ( مسك الدفاتر ) أي المحاسبة , ودرسنا في الكيمياء والفيزياء والفلك آخر ما وصل العلم إليه في أيامنا ولكن العلم العلم تقدم واتسع , ولقد شاهدت من سنين درس كيمياء في الرائي , فرأيت شيئاً جديداً , ولقد سالت صاحبه أن يعلمنيه أو أن يدلني على كتاب مفهوم أتعلم منه فحسب اني أمزح , وأخذها على أنها نكتة .. !
وما كنت مازحاً بل كنت جاداً كل الجد , فأنا أحب ان اتعلم كل شيء .
أما إقبالنا على العلم , فقد كان أكبر من إقبال الطلاب الآن من غير شك وسبب ذلك أمران :
الأول : إننا كنا في بداية يقظة فكرية جاءت بعد نوم طويل , والثاني : أنه لم تكن عندنا هذه الصوارف التي تصرف الطلاب عن العلم والمعلمين عن حسن الاستعداد للتعليم .
ما كانت إذاعات ولا كان هذا الرائي ولا كان شريط تسجيل , ولا كانت هذه المجلات , ولا كانت الأسفار بالطيارات ولا الجولات في السيارات .
نعم كان عندنا داران للسينما الصامتة لا يدخلهما إلاّ من سفه نفسه , وكانت دمشق عدا المرجة وما حولها , وباب توما والقصاع وهما مسكن النصارى , كانت تنام من بعد صلاة العشاء . حتى المقاهي الشعبية لم يكن يسهر روادها إلى أكثر من الساعة الثالثة أو الرابعة ( بعد غروب الشمس ) يستمعون إلى الحكواتي أو يشاهدون ( كراكوز ) ( ومعنى الكلمة بالتركية العين السوداء , ولخيال الظل في كتب الأدب والتاريخ حديث طويل وقد عرض لذكره الإمام الغزالي وأشهر من كان يؤلف رواياته وينظم أناشيدها ويلحنها ابن دانيال طبيب العيون ) وهو خيال الظل , ثم يمضون إلى بيوتهم , وما وراء ذلك من اللهو لم أكن أعرفه .
أما المدرسون فكان منهم أئمة في المواد التي يدرسونها , كالمبارك الذي سقت طرفاً من حديثه , والجندي الذي جئت اتحدث عنه , ومنهم أساتذة ما بلغوا هذه المنزلة , ومنهم من هو أقرب إلى العامية , ومنهم السيء وحسبكم مثالاً على ذلك : مدرس رسم جاءنا به الفرنسيون , وهو ولد خليع ماجن أبوه صاحب خمارة , ولكن الطلاب أصلوه من هزئهم به , واحتقارهم إياه , ناراً دفعه لهيبها إلى باب المدرسة فولى هارباً ....
أما مدرس الرسم الذي لا ينسى فهو الأستاذ عبدالوهاب أبو السعود , وما كنا نبالي الرسم , ولا نقيم له وزناً , ولا كان القائمون على التعليم يعدلونه بالعلوم الأخرى , ولكن عبدالوهاب يضطر جليسه أن يباليه وأن يلتفت إليه فكيف بمن هو تلميذه , لقد كان أحد رواد التمثيل الأوائل , وكانت له فرقة للمسرح والموسيقى , اخوه يتولى الجانب الموسيقي منها , وكانت تنازعه فرقة العطري , وما كان أطرف ما يأتي منه حين يذكر له هذا المنافس , فقد كان يمثل كأنه على المسرح ويأتي بمبالغات وعجائب , ولقد رأيناه في روايات كثيرة مترجمة عن الأدب الفرنسي ممثلاً مجوداً على طريقة يوسف وهبي .
أما في الرسم فأشهد أنه فنان بارع , وهو أول من رسم ( من خياله ) صورة المعري وأبي نواس وغيرهما , وطبعت وتداولها الناس , وله لوحة بارعة لسوق عكاظ كما تخيلها . وكانت في دمشق مجلة هزلية لصحفي ( حقيقي ) اسمه حبيب كحالة , هي مجلة ( المضحك المبكي ) ينشر في كل عدد منها صورة كاريكاتورية , في الموضوع الذي يشغل الناس , تبقى الأسبوع كله حديث البلد , وبطلها تاجر وجيه اسمه أبودرويش سويد , عبقري في ابتكار النكتة , ما رأيت له مماثلاً ولا في مصر بلد النكتة كما يقولون .
أما اللغة الفرنسية فقد درسناها كما يدرسها الطلبة الفرنسيونفي فرنسا , المناهج هي المناهج والكتب هي الكتب .
وكان يعلمنا الفرنسية أول عهدنا بمكتب عنبر , رجل فرنسي عجوز له لحية بيضاء طويلة , وهو أحمق لا يضبط صفاً ( أي فصلاً ) , ولا يصغي إلى درسه أحد , وكان يسكن الدار المواجهة للمدرسة , يؤذيه الطلاب فيتحمل الأذى صابراً , اسمه المسيو ميشيل .
ثم جاءنا مدرس لبناني نصراني , قصير القامة , غريب الشكل , له شاربان دقيقان مفتولان , يأتيان من تحت منخريه , ويمتدان إلى الأمام , كأنهما رجلا عنكبوت , يخرج صوته من أنفه ويمر على شاربيه , بالكلمة الفرنسية يلحق بها ترجمتها العربية , بصوت ثاقب , كأنه صوت دجاجة جاءت تبيض فعلقت البيضة بـ ..... أعني بمخرجها منها , ولم يطل بحمد الله , مقامه بيننا , وصرف الله غلاظته عنا .
ثم جاءنا الرجل الديّن المهذب الأنيق , الذي يضرب بأناقته المثل , الذي يحسن الفرنسية كأحسن أهلها , والذي كان ضابطاً في الجيش العثماني ثم في جيش الشريف الحسين بن علي وبقي معنا حتى خرجنا من المدرسة , وقد توفي من سنتين وهو شكري الشربجي .
وجاءنا بعدع فرنسي استعماري جاهل بلسان قومه يبدو انه من أجلاف الريفيين في فرنسا هو تريس tresse , وكان يدرس في الفصول الأخرى أستاذ جزائري ندعوه المسيو علي , درست عليه أيام حكم الشريف فيصل قبل ميسلون , وهو رجل رقيق الحاشية , حيي الطبع , مهذب اللفظ , توفي من عشرين سنة , وأستاذ تونسي ندعوه المسيو صالح ( بفتح اللام ) , بدين نبيل عظيم الشاربين جهير الصوت , ناري الطبع , يؤلف الجملة الواحدة من كلمات عربية وكلمات فرنسية يقول ( شاكان يقعد في بلاسه واللي يحكي نعمل له البونيسيون ) شاكان chacun أي كل واحد , بلاسه أي محله , البونيسيون punition أي العقوبة وكانت لهجته تونسية , أخرج طالباً مرة إلى اللوح ليترجم فقال له : ( ملك عطش ملقاما ) أي ملك عطش ما لقي ماء , سكن حروفها كلها , ودمج كلماتها دمجاً , ووصل أوائل تواليها بأواخر أواليها ( الأوالي : الأوائل ) , فما فهم الطالب فغضب وقال : نكلموك بالعربي ما تفهم ؟ .
وقد درسنا قواعد الفرنسية ( الكرامير ) ولا أزال أحفظ أكثر ما درست , وفقه اللغة philology , والتجويد phonetique , ودرسنا أدبها دراسة عميقة : الأدب الاتباعي ( الكلاسيكي ) وحفظنا طائفة صالحة من كورناي وراسين وموليير ولافونتين وبوالو , وخطب بوسويه , وأقوال لاروشفوكلد ولابرويير .
ثم درسنا مونتسكيو , وفولتير وديدرو وبوفون , ثم درسنا روسو , وشاتوبريان , ولامارتين , وموسه , وصاحبته جورج صاند ( هي أديبة معروفة تسمت باسم رجل هو جورج صاند وكانت صاحبة موسه كتب عنها وكتبت عنه ) , وهوغو , ولا أزال أحفظ قصيدته ( نابليون الثاني ) وكلماته الرائعة لنابليون عن المستقبل , ودرسنا دوماس وبلزاك وفلوبير وموباسان , ودرسنا مذاهب سانت بوف , وتين , وبرونتيير في النقد لكن لا تسألوني اليوم عنها , ولا تمتحنوني فيها , فقد مر علي مذ ودعت الدراسة الثانوية وطويت كتب الفرنسية ثلاث وخمسون سنة ( من سنة 1928 إلى الآن ) .
وأنا من الأصل لم أحسن النطق بها , لأني كنت أضن بكرامتي أن أخطئ فيسخر السامعون مني , لذلك أقمت في مصر سنوات ( متفرقات ) وفي العراق سنوات وفي لبنان سنة وفي السعودية الآن نحو عشرين سنة متصلة , وما تعلمت في ذلك كله شيئاً من لهجات البلاد ولا بدلت من لهجتي شيئاً , أما السبب فهو الذي ذكرت .
أما أجل ما استفدته من ( مكتب عنبر ) فهو التمكن من العربية وعلومها , والعفو منكم فما أقول هذا ادعاءً ولا فخراً ولكن تحدثاً بنعمة الله عليّ .
وأكبر الفضل في ذلك بعد الله للمبارك والجندي .
أقيمت حفلة تأبين للجندي في جامعة دمشق سنة 1955 , ألقيت فيها كلمة طويلة , كان مما قلت فيها :
( لقد مضى الرجل الذي لم يبق تحت أديم السماء , فيمن أعرفه أو اسمع به من الناس , من هو اعلم منه بلسان العرب , لغة واشتقاقاً ونحواً وبلاغة وعروضاً ورواية وضبطاً ولا من هو أوفى لها , وأغير عليها , وأنه لم يعد في ديار الشام من أذهب إليه أنا والأفغاني والعطار ( رحمه الله ) كلما دهمتنا المشكلات في العربية نحملها إليه ليحل لنا عقدها , وأن علينا بعد اليوم أن نعتمد على أنفسنا , كما يعتمد الضابط على نفسه حين يفتقد القائد العبقري , وسط المعمعة الحمراء , وهيهات أن يسد أحد مكان قائد المعركة بين العربية والعجمة , حجة العرب سليم الجندي ) .
الثلاثة الذين منّ الله بهم عليّ في مكتب عنبر فقبست منهم وأخذت عنهم : سلام , والمبارك , والجندي .
أما الشيخ عبدالرحمن سلام فهو الذي ( جرأني على امتطاء صهوات المنابر ومقارعة الفرسان في ميادين البيان ) ( والذي كان عجباً من العجب , إذا احتاج أن يتكلم في موضوع لم يكن عليه إلا أن يفتح فمه ويحرك لسانه فإذا المعاني في ذهنه والألفاظ على شفتيه , والسحر من حوله , والأنظار متعلقة به , والأسماع ملقاة إليه , والقلوب مربوطة بحركات يديه , وكان يرتجل الشعر كما يرتجل الخطب , شعراً دون أشعار المطبوعين المجودين وفوق شعر الفقهاء . وكان يرمي الكتاب ( كتاب النحو ) لا يحفل به . ويتكلم من أول الساعة إلى آخرها في اللغة وفي الأدب وفي كل شيء , كأنه كان يريد أن يربينا على السليقة العربية بالمحاكاة والمران , وينفخ فينا من سحره ليجعلنا أدباء قبل الأوان .
وأما المبارك فما رأيت وما أظن أني سأرى مدرّساً له مثل أسلوبه في الشرح والبيان , وفي امتلاك انتباه الطلاب , وفي نقش الحقائق في صفحات نفوسهم بهذه الضوابط المحكمة العجيبة التي تلخص في جملة واحدة فصلاً من فصول العلم .
وفي يوم من أيام سنة 1923 دخل علينا الشيخ سلام ولكن لا كما كان يدخل كل يوم , وألقى خطبته ولكن لا كما يلقي , دخل حزيناً وألقى خطبة الوداع ثم ذهب وذهبت معه قلوبنا .
وجاءنا مدرس جديد فقعد على الكرسي , وما كان الشيخ سلام ولا الشيخ المبارك يقعدان أبداً , وفتح كتابه وجعل يقرر الدرس , بصوت خافت , لا يكاد يسمع , وكان هو الأستاذ سليم الجندي .
.... وكانت صدمة , وكانت خيبة للآمال وكانت فجيعة .... ووصل إليّ الدور فأقامني على اللوح , وأملى عليّ بيتين للمعري , وقال : إقرأ وفسر وأعرب .
وانطلقت أخطب في موضوع البيتين خطبة حماسية مجلجلة كما علمنا الشيخ سلام , وإذا بالأستاذ الجديد يبتسم ابتسامة أحسست كأنها كوب ماء على نار حماستي , بل كأنها سكين غرست في قلبي , وقال بهدوئه الساخر , ولهجته التي لها نعومة السكين وحدها , وقال : بعد , بعد , فسر أولاً معاني الكلمات الغريبة . فوقفت , ثم سألني عن دقائق الأعراب فوقفت وقفة أخرى , فقال لي : أرأيت ؟ أتبني الدار قبل نحت الحجارة ؟ .
ورأيتني حقاً أبني الدار قبل نحت الحجارة . أي أبني دوراً في الهواء وصغرت عليّ نفسي بمقدار ما كبر الأستاذ في نظري .
وعدت أبدأ قراءة النحو والصرف من جديد , وكان الكتاب الذي نقرؤه هو قواعد اللغة العربية وهو الجزء الرابع من الدروس النحوية لحفني ناصف وإخوانه وقد قرأت الأجزاء الثلاثة من قبل .
وهذا الكتاب يغني الطالب بل المدرس بل الأديب عن النظر في غيره , وهو أعجوبة في جمعه وترتيبه وإيجاز عبارته واختياره الصحيح من القواعد , وهو أصح وأوسع من شذور الذهب ومن أبن عقيل .
وعكفنا عليه وملأنا حواشيه البيض بتعليقات الأستاذ وفوائده , ثم ضاقت عنها فألحقنا بين كل صفحتين من الكتاب صفحتين أو أكثر نملؤها بما نستفيد منه , وعرفنا يوماً بعد يوم مقدار النعمة التي انعم الله بها علينا حين جعلنا تلاميذ سليم الجندي .
وكنا نفاخر إخواننا الذين يقرئهم الشيخ الداوودي , ونأتي بالصعاب والمعضلات نتصيدها من كتب الأدب وأفواه العلماء فنطرحها عليهم فنحظي نحن من الجندي بأجمع الجواب بلا مراجعة ولا كتاب ويرجعون هم بلا جواب .
وما انتقص الداوودي رحمه الله فلقد كان معلماً فاضلاً وكانت له أخلاق أعطر من زنبق الحقل , وأطهر من ثلج الجبل , وله قلب أثمن من الذهب , ولكنه ليس من بابة الجندي والذهب ذهب ولكنك إن قابلته بالجوهرة المفردة وارى بريقه حياء .
وأحببت الأستاذ الجندي حب الولد أباه , وعرفت قدره , فكنت لا أكف عن سؤاله , أسأله في الصف وألحقه في الفرصة , وأدخل معه غرفة المدرسين , أشرب من معين علمه ولا أرتوي , أتزود من هذا المنهل العذب لسفري الطويل في بيداء الحياة .
أسأله عن الغر يب فلا تغيب عنه كلمة منه , كأنه وعى المعاجم وغّيبها في صدره , وأسأله عن التصريف والاشتقاق فيجيب على البديهة بما يعيي العلماء جوابه بعد البحث والتنقيب , وأسأله عن النحو فإذا هو إمامه وحجته , وألقي إليه بالبيت اليتيم أجده في كتاب فإذا هو ينشد القصيدة التي ينتمي إليها أو أكثرها ويعرّف بالشاعر الذي قالها .
لقد كان مدرساً للعربية ولكنه كان أكثر من مدرس وكان عالماً من علماء البلد بل كان أكثر من عالم ورب مدرس لا يكون عالماً ورب عالم لا يكون عالماً إلا في بلده وبين أقرانه , ورب عالم لا يكون عالماً إلا بالنسبة إلى عصره وزمانه .
أما الجندي فكان من أعلم علماء العربية في هذا العصر وكان واحداً من علماء العربية الأولين ولكنه ضل طريقه في بيداء الزمان فجاء في القرن الرابع عشر لا في القرن الرابع .
أقرر هذا بعدما مشيت في البلاد وجالست العلماء , فما ثم عالم مشهور في العربية في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وماليزيا وأندونيسيا إلا عرفته , لقاء به أو قراءة له أو سماعاً به . عرفت في مصر علماء الجامع الأزهر والجامعة والأدباء والكتاب أعني الكثير منهم , وأنا أؤكد القول صادقاً إن شاء الله أني لم أجد فيهم من يفوق في حفظه وضبطه وأمانته وملكته وإحاطته الأستاذ سليم الجندي .
وكشفت فيه يوماً بحر علم لم أكن أعرفه من قبل .
سألته عن مسألة أصولية فإذا هو أصولي , وإذا هو عارف بالفقه راو للحديث عارف بالتفسير .
ومن هنا جاء علمه بالعربية , إن العربية لا تنفصل عن الإسلام .

***
أذكر أنه لما قدم علينا حفظنا قصيدة المتنبي : وا حرّ قلباه ممن بقلبه شبم .
فلما كان الدرس التالي قال لنا : المتنبي شاعر مولد لا يحتج بعربيته , فأعرضوا عن هذه القصيدة , وحفظنا ( ولا زلت أحفظ الكثير منه ) المنتقى المختار , من شعر الشعراء الجاهليين والإسلاميين , ممن يحتج به في اللغة , وكان ينهانا عن قراءة الصحف والمجلات خشية أن تفسد ملكاتنا وتدخل اللحن علينا .
جزى الله عني الشيخين المبارك والجندي خيراً وجزى الخير كل من علمني قبلهما أو بعدهما , فمنهما أخذت جل بضاعتي في العربية .








 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Mar-2010, 12:07 PM   رقم المشاركة : 38
الذهبي
المشرف العام
 
الصورة الرمزية الذهبي

 




افتراضي

حصل الرجل ـ رحمه الله ـ من أساتذته كل ذلك فلا عجب أن يتذكرهم بعد 30 سنة أما شباب ورجال اليوم فلم يحصلوا من أساتذتهم شيئا فبم يتذكرونهم ؟!!







 الذهبي غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Mar-2010, 03:05 PM   رقم المشاركة : 39
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي

إن من العلماء من كان يواجه بكلمة الحقّ الملوك والأمراء ويصبر على ما يلقى منهم من ضروب الإيذاء, وهذا صعب, ولكن أصعب منه أن تجابه بها العوام, وأصعب منهما أن تصرف النساء عمّا توجبه العادات, لا سيما إن كان لهم عليك حقّ القرابة وفضل السن. [ذكريات الطنطاوي/الجزء الثاني]













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

للحصول على الكتاب في السعودية
في جميع فروع مكتبة جرير

والكتاب متوفر في جميع المكتبات الكويتية

www.neelwfurat.com

 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Mar-2010, 03:05 PM   رقم المشاركة : 40
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي

... أمَا تفرح إن أعطاك صاحب الملايين ألف ليرة؟ فأعطِ أنتَ المُعدَم عشرَ ليرات. إن الليرات العشر كالألف لك, والألف عند "المليونير" كالعشر عندك. والثوب القديم الذي تطرحه قد يكون ثوبَ العيد عند ناس آخرين, فلماذا لا تسرّهم بشيء لا يضرّك ولا تحس بفقده؟ [من حديث النفس]













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

للحصول على الكتاب في السعودية
في جميع فروع مكتبة جرير

والكتاب متوفر في جميع المكتبات الكويتية

www.neelwfurat.com

 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Mar-2010, 03:07 PM   رقم المشاركة : 41
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي

حسبوا الانتفاضة فورة حماسة تستمر ساعات ثم تخمد، فإذا بها تستمر الشهر والشهر الذي بعده، والشهور تتوالى، والانتفاضة لا تزداد إلا قوة. كتاب "هتاف المجد"













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

للحصول على الكتاب في السعودية
في جميع فروع مكتبة جرير

والكتاب متوفر في جميع المكتبات الكويتية

www.neelwfurat.com

 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 01-Mar-2010, 09:36 PM   رقم المشاركة : 42
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 2)

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" بدأت كتابة الذكريات و ليس في ذهني خطة أسير عليها و لا طريقة أسلكها و أصدق القارئ أني شرعت فيها شبه المكره عليها ، أكتب الحلقة و لا أعرف ما يأتي بعدها ، و كثيراً ما كنت أنسى ما الذي كتبته في التي قبلها ، فجاءت غريبة عن أساليب المذكرات و طرائق المؤرخين "
ج1 ص 15













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Mar-2010, 03:06 PM   رقم المشاركة : 43
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 20 :
شغلي الدائم المطالعة :
يقرع التلاميذ اليوم أبواب المدارس المتوسطة و ما معهم من العلم إلا ما كان في كتب المدرسة الابتدائية . و كثير منهم لم يقرأها كلها ، أو قرأها و لكن لم يفهمها كلها ، أو فهمها و لكن لم يحفظها كلها . و ما ذلك لأنهم أقل منا ذكاء أو أضعف إدراكاً بل لأننا كنا أشد منهم رغبة في العلم و تقديراً له و حرصاً عليه . كنا نفرح إن ازددنا علم مسألة لم نكن نعلمها ، و هم يفرحون إن حُطّت عنهم مسألة كانوا سيكلّفون علمها .
ثم إننا لم نكُن نجد ملهاة تصرفنا حقاً عن التحصيل ، و هم لا يجدون ـ لكثرة الملهيات و وفرة التسليات ـ وقتاً للتحصيل .
أنا لما وردت مكتب عنبر كنت أحمل مع الشهادة الابتدائية في يدي ذخيرة من المعلومات في رأسي لا يقوى على حمل أكثر منها فتى في سني . و ما ألزمتني المدرسة بها و لا حصّلتها فيها بل جمعتها أو جمعت أكثرها وحدي من خارجها .
لقد قرأت قبل مكتب عنبر و في سنواتي الأولى فيه كتباً لا أكون مبالغاً و لا مدّعياً مغروراً إن قلت إن في الأساتذة اليوم من لم يقرأها ، ذلك أني كنت أمضي وقتي كله ( إلا ساعات المدرسىة ) في الدار . لم أتخذ لي يوماً رفيقاً من لداتي و لا صديقاً من أقراني ، و لم أكن ( بحكم تربيتي و وضع أسرتي ) أعرف الطريق إلى شيء من اللهو الذي كان يلهو بمثله أمثالي فلم يكن أمامي عمل أنفق فيه فضل وقتي و أشغل به نفسي إلا المطالعة .
و كانت في دارنا مكتبة كبيرة ، و هي دانية مني كتبها كلها تحت يدي و لم أكن ـ لشغل أبي عني ـ أجد من يرشدني و يدلّني ، لذلك كنت ( كما قلت من قبل ) أسحب الكتاب لا أدري ما هو فأفتحه فأنظر ما فيه ، فإن لم أفهمه ( أو فهمته و لكن ما أسغته ) أعدته و قد علق في ذهني اسمه ، و إن فهمته و أسغته قرأته .
و كان أول ما قرأت كتاب " حياة الحيوان " للدّميري ، و هو كتاب عجيب فيه فقه ، بل هو أقرب مرجع لمعرفة الحكم الشرعي في الحيوان الذي يؤكل لحمه و الذي لا يؤكل . و فيه تاريخ و فيه فوائد و فيه خرافات .... ثم قرأت " المستطرف " و " الكشكول " و هما من أدب عصور الانحطاط و التأخر . ثم وقعت يدي على " الأغاني " لأبي الفرج فعلقت به و قرأت أكثر أجزائه ، لا أزعم أني فهمت كل ما فيه و لا أني أحطت به ، بل أقول إن الذي فهمته منه نُقش على صفحة ذهني . و كنت بحمد الله أحفظ كل ما قرأت و أكثر ما سمعت لأن ذاكرتي بصرية لا سمعية ، فأنا يوم الامتحان أذكر مكان المسألة من صفحة الكتاب . و كنت أعرض عن الأسانيد و أتتبع الأخبار فحفظت من أسماء الشعراء و المغنين و العلماء و الرواة الكثير و حفظت كثيراً من الشعر أخذت بعضاً منه بلا ضبط و لا تحقيق . و قد سمعت أستاذنا الجندي مرة يروي بيتاً فيه لحن ، فأبديت عجبي فضحك و قال : سببه أني حفظته كذلك منذ الصغر ! .
و نظرت على مدى السنين في أكثر كتب اللغة و الأدب التي كانت مطبوعة في تلك الأيام لأن جدي كان مولعاً بالكتب فلا يسمع بكتاب ظهر إلا اشتراه و أودعه مكتبته و تبعه أبي في ( بعض ) ذلك . و كانت أكثر الكتب عندنا " ميرية " من طبعة بولاق .
و الكتاب المطبوع في المطبعة الأميرية في بولاق يباع بأضعاف ثمن المطبوع في غيرها ( أي البرّاني ) ذلك لأن المصححين فيها كانوا من أعلام العلماء و حسبكم أن يكون منهم الشيخ نصر الهوريني صاحب " المطالع النصرية " أوثق و أوسع كتاب أعرفه في قواعد الكتابة و كل من كتب فيها بعده أخذ منه و نقل عنه .
و أجمع كتاب بعد المطالع هو كتاب " أدب المُملي " و الشيخ الهوريني ( المتوفى سنة 1291 هـ ) هو شارح مقدمة القاموس المحيط . و كان يحسن الفرنسية تعلمها لمّا أرسل إلى فرنسا إماماً لإحدى البعثات . و تلك سنة حسنة تركناها هي أن يصحب كل جماعة من المبتعثين إمام يشرف عليهم و يفتيهم .
أما الأدب الحديث فما عرفت منه إلا ما وجدته في مكتبتنا ، و هو ما كتب المنفلوطي رحمه الله و ما تُرجم له فصاغه بقلمه صياغة جديدة ( و لكنها فصلته عن أصله و أبعدته عن مراد كاتبه ) و شيئاً آخر : مجلداً نادراً ما أحسب أنه بقي منه إلا نسخ قليلة هو مجلد السنة الأولى من مجلة " الرابطة الأدبية " التي تألفت في دمشق سنة 1921 ( و قد وضعَت لها قانوناً صادقت عليه الحكومة في 12 / 3/ 1921 ) و لا بدّ لمن شاء أن يؤرخ للنهضة الأدبية في سوريا من دراسة هذه المجلة . و كان من أعضاء الرابطة الأساتذة : سليم الجندي ، و شفيق جبري ، و خليل مردم بك ، و عز الدين التنوخي ، و أحمد شاكر الكرمي ، و زكي الخطيب ، و عبد الله النجار ، و حبيب كحالة ، و محمد الشريقي ، و ماري عجمي ، و حليم دموس ، و نسيب شهاب .
و قد وجدت في المكتبة كتاباً صغيراً كشف لي طرف الستار عن عالم خفي مثير هو ما يُدعى اليوم " مسائل الجنس " و لكني ما فهمت عنه من الكتاب إلا القليل ، فأعدت قراءاته حتى كدت أحفظ عباراته و لكني ما جاوزت في فهمه هذا القليل ، و هو كتاب " البيان في أصل تكوين الإنسان " مؤلفه العالم الفقيه و المحامي الوجيه أحمد بك الحسيني . و تمنيت أن أجد من يشرحه لي و لكن أنّى ؟ !
جئت مكتب عنبر و معي هذه الذخيرة و معي أيضاً ما ألزمت حفظه من المتون : ألفية ابن مالك و الجوهر المكنون و كفاية الغلام و الجوهرة و غيرها . و أقول آسفاً إني نسيتها كلها .
و معي حصيلة ما كنت أسمعه من أبي و من أصدقائه و تلاميذه في مجلسه و مجالس إخوانه التي يأخذني معه إليها من الفوائد و الفرائد و الطرائف و اللطائف و مجموعة كبيرة من أخبار علماء الشام في القرن الماضي .
و كنت واثقاً من ذاكرتي فلم أستودع الورق ما قد تضيّعه الذاكرة . و كان و لا يزال من عيوبي التأجيل فكنت أزمع كتابتها ثم أؤجل الشروع فيها ، حتى وقع المحذور فجئت أدونها في هذه الذكريات فإذا أنا نسيت ما كنت أحفظه و أملأ المجالس بروايته و لم أجد ورقة مكتوبة أرجع إليها . و مع ذلك فإني أشكر الله الذي ألهم الأستاذ زهير الأيوبي إلزامي كتابتها فلأن أكتب منها أقلها خير من أن أفقدها كلها .
مشيت في دراستي من أول يوم في الطريقين معاً ، طريقة المشايخ و هي على الأسلوب الأزهري القديم و طريقة المدارس النظامية التي سلكتها من أدنى الابتدائية إلى أعلى الجامعة و أخذت من الاثنين خير ما وجدته فيهما . و لكن الذي كان أجدى علي و أنفع لي منهما أو هو في النفع مثلهما هو المطالعة .
فأنا اليوم و أنا بالأمس كما كنت في الصغر أمضي يومي أكثره في الدار اقرأ و ربما مر علي يوم اقرأ فيه ثلاثمئة صفحة . و معدل قراءتي مئة صفحة ، من سنة 1340 إلى هذه السنة 1402 هـ . اثنتان و ستون سنة ، احسبوا كم يوماً فيها و اضربوها بمئة تعرفوا كم صفحة قرأت . اقرأ في كل موضوع حتى في الموضوعات العلمية بل و الفنية و الموسيقية ..هذا غير النظر في الجرائد و المجلات .
و قد قابلتنا المشاق أول عهدنا بمكتب عنبر لأننا كنا في مطلع العهد العربي و لم تكن لدينا كتب عربية مطبوعة فكنا نصنع شيئاً لا يعرفه ( بل لا يتصوره ) الطلاب اليوم هو أننا كنا نأخذ أمالي المدرسين ممن سبقنا من الطلاب فننسخها بأيدنا . و لقد كتبت آلافاً ( آلافاً حقيقة لا مبالغة ) من الصفحات . في التاريخ القديم و الأوسط و الحديث و الجغرافيا الطبيعية و السياسية و الاقتصادية و الكيمياء المعدنية و العضوية و الفيزياء و علم الحيوان و النبات و الجبر و المثلثات و الهندسة المسطحة و الفراغية و النسبية و سائر العلوم . فضلاً عن الفرنسية التي كنا ندرسها كما يدرسها الفرنسيون في بلادهم : المناهج و الكتب هي الكتب .
سهرنا الليالي الطوال نكتب ما يجده الطلاب اليوم مطبوعاً أجمل طبع موضحاً بالصور و الخرائط في كتب توزع عليهم ( هنا في المملكة ) بلا ثمن .
و لقد شهدت في السنة الأولى من مكتب عنبر شيئاً لم أرَ مثله من قبل . رفض الطلاب يوماً الدخول إلى غرف الدراسة و عمّ الهرج و المرج و الصياح ، و أنا مثل الأطرش ( أي الأطروش ) في الزفّة ، يرى و لكن لا يسمع ما يُقال . و أنا أرى و أسمع و لكن لا أفهم ما القصة . رأيت حركة : ناس يدخلون و ناس يخرجون ، و رجال يأتون إلى المدرسة يحاولون تهدئة الطلاب ثم يرجعون .
و كنت صغيراً مبتدئاً فلم أدر ما الذي يجري و لم أسأل لأني ـ من تلك الأيام ـ متوحد منفرد لا أعرف أحد من الطلاب الكبار لأسأله و رفاقي الصغار مثلي لا يعرفون . ثم فهمنا أن الثورة قد نجحت و أن المدير قد ذهب ، و تولى الإدارة المفتش العام للمعارف في سوريا ، المربي الكبير ، أستاذنا في السلطانية الثانية على عهد الشريف الأستاذ مصطفى تمر .
و كذلك نرى في كل يوم دليلاً جديداً على أن هذه الأمة أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) و الشعب العربي منها على التخصيص ، لا تؤخذ بالعنف و لا تصبر على الضيم ، و إن هي اضطُرّت إلى الصبر حيناً فستثور عليه حتماً . فإن هي ثارت فلمن ظلمها الويل لأنها لا تبالي حينئذ بشي و لا يقف أمام ثورتها شيء لأن الحق معها و من كان الحق معه فإن الله معه و من كان الله معه لم يُغلب أبداً .
الحق لا يهزم و الإسلام لا يذل و أهله هم أصحاب العزة . و لكن الله يمتحنهم لتقوّيهم المحن أو يؤدّبهم في الدنيا ليُضعف لهم الأجر في الآخرة . أمّا الخاسر فهو الظالم و إن له في الدنيا الويل و الذي ينتظره بعد الموت يجعله يتمنى هذا " الويل " !
مصطفى تمر كان من أجل رجال التربية الذين عرفتهم ديار الشام . و كان الركن الركين في المعارف العالم المتمكن المفضل على أكثر المعلمين في ذلك العهد . لمّا مات لم يمشِ في جنازته عشرة رجال !
رحمه الله ، فإن دعوةً بالرحمة لمؤمن مات من مؤمن ينتظر الموت أجدى عليه من حفلات التأبين و قصائد الرثاء و كل ما يتوهّم الناس أنه الطريق إلى تخليد ذكرى العظماء . كل ذلك زائل و لا خلود إلا للمؤمنين في الجنة و للكفار في النار .
اللهم بفضلك و رحمتك ـ لا بعملي ـ أجرني من النار و أدخلني الجنة أنا و من قال : آمين .
كانت " وزارة " المعارف كلها في أربع غرف كبيرة من قصر الحكومة ( أي السراي ) : غرفة الوزير ، و غرفة الأستاذ شفيق جبري شاعر الشام ( و كان في منزلة الأمين العام للمعارف أي وكيلها ) و الأستاذ مصطفى تمر المفتش العام و غرفة كبيرة تقسمها إلى غرف صغار حواجز من الخشب فيها الديوان ( و رئيسه الأستاذ عبد النبي القلعي ) و المحاسبة ( و رئيسها الأستاذ مصطفى القبّاني ) و غرفة مثلها للمستشار و كان معاونوه كلهم من النصارى ( و ما كان ذلك اتفاقاً بل كان شيئاً مقصوداً و كان مستمراً في كل حين و مع كل حاكم أجنبي أو ماش على مذهب الأجنبي ) رئيس ديوانه إسبرزمباكوس و ترجمانه ميشيل السبع . و كان مجموع العاملين في المعارف أحد عشر فقط ، و معهم المستشار الفرنسي الذي كان هو الوزير الحقيقي و هو الآمر الناهي ، و أعوانه النصارى .
أقام معنا الأستاذ مصطفى تمر قليلاً حتى إذا هدأت الحال كُلّف بإدارة المدرسة أستاذنا جودة الهاشمي و هو جزائري الأصل ثم عيّن لإدارتها جزائري آخر أستاذ رياضيات قديم أسن من جودة بك و لعله كان ـ كما سمعنا ـ أستاذه فأدارها حتى خرجت أنا منها .
و كان للمدرسة مدير ثان يأتمر بأمر المدير الأول و يتولى الأعمال الإدارية و كان المدير الثاني عند دخولي المدرسة الدكتور كامل نصري ثم الأستاذ عبد الفتاح ملحس و هو فلسطيني و هو أخو الأستاذ رشدي ملحس ثم الأستاذ عبد الرحمن السفرجلاني ابن الشيخ عيد السفرجلاني و كان الأستاذ عبد الرحمن شيخ المعلمين بعد الأستاذ سعيد مراد الذي كان مديرنا في السلطانية الثانية سنة 1918 .
عاش الأستاذ عبد الرحمن حتى رأي من تلاميذه من جاوز السبعين و من وصل إلى أعلى المناصب و لقد كنت مرة في زيارة شيخ قضاة سوريا الأستاذ مصطفى برمدا رئيس محكمة النقض و كان عنده الأستاذ عبد الرحمن و الأستاذ جميل الدّهان المدير العام للأوقاف في سوريا و كان الحديث عن أيام المدرسة و اشترك فيه الثلاثة ، فقلت : هل كنتم في مدرسة واحدة ؟ قال الأستاذ عبد الرحمن : نعم . قال مصطفى بك : نعم ، و لكنا كنا تلاميذ و كان هو أستاذنا .و دخل فجاء بصورة قديمة فيها الأستاذ عبد الرحمن قاعداً مع المدرسين و له شاربان كبيران و هما مع التلاميذ .
و من تلاميذه شكري بك القوتلي الزعيم الوطني و رئيس الجمهورية . رحم الله الجميع و قوّاني على إكمال هذا الحديث و أعان القرّاء على احتماله .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Mar-2010, 03:06 PM   رقم المشاركة : 44
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 3 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" الدنيا فيها صحو و مطر ، و مسرة و كدر ، و يسر و عسر ، و ضحك و بكاء ، و شدة و رخاء . لكن هل يأتي ذلك على ترتيب معروف و نهج واضح ؟ كذلك جاءت ذكرياتي "
ج1 ص 15













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 28-Mar-2010, 03:07 PM   رقم المشاركة : 45
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 4 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" هذه ذكريات و ليست مذكّرات ، فالمذكرات تكون متسلسلة مرتبة ، تمدها وثائق معدّة أو أوراق مكتوبة و ذاكرة غضة قوية . و أنا رجل قد أدركه الكِبر فكلّت الذاكرة و تسرب إلى مكامنها النسيان . و النسيان آفة الإنسان ، و إن كان نعمة من الله . و لولا أن المرء ينسى آلام الحياة ما استطاع السكون إليها و لا الرضا بها ."
ج1 ص 17













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, أحمد, الندى, الطنطاو

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 04:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع