« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: أيام الله (آخر رد :أبو عبد الرحمن)       :: إيران: هل هي أخطر من إسرائيل؟ (آخر رد :مرادملحة)       :: السومريون (آخر رد :مرادملحة)       :: العثمانيون بين القرصنة والجهاد................... (آخر رد :انيس القيسي)       :: الوعظ السياسى وآيات آل مبارك الممزق (آخر رد :الذهبي)       :: الحرب على ايران (آخر رد :الذهبي)       :: جريدة الأهرام المصرية إذ تتطاول على الخلفاء الراشدين (آخر رد :الذهبي)       :: الفهرس الموضوعي لتاريخ الأمة الإسلامية والعصر الوسيط (آخر رد :انيس القيسي)       :: تغريب المرأة.. الفشل لايزال مستمرًا (آخر رد :غريب24)       :: ثورة ليبيا وسقوط القذافي (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-Apr-2010, 05:45 PM   رقم المشاركة : 46
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 5)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتخذ له دفتراً يدون فيه كل عشية ما رأى في يومه لا أن يكتب ماذا طبخ و ماذا أكل و لا كم ربح و كم أنفق فما أريد قائمة مطعم و لا حساب مصرف بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار و ما اعتلج في نفسه من عواطف وأثر ما رأى أو سمع في نفسه ، لا ليطبعها و ينشرها ( فما كل الناس من أهل الأدب و الكتابة و النشر ) و لكن ليجد فيها ـ يوماً ـ نفسه التي فقدها " .
ج1 ص 17
الذكريات في كلمات ( 6 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" لقد صار الاستطراد عادة لي . أعترف أنها عادة سيئة ، و لكن ما أكثر العادات السيئة التي لزمتنا فلم نستطع الانفكاك عنها ! و لو كانت من المحرّمات لأكرهت نفسي على تركها ، فليس لمسلم يأتي المحرّمات ان يحتجّ بتعوده عليها ، و لكنها ـ لسوء حظي ـ ليست من المحرمات "
ج1 ص 19

ـــــــــــــــــــــــــ













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-Apr-2010, 07:34 AM   رقم المشاركة : 47
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 21 :

ثورة في المدرسة :
===========

مرّ على دخول الفرنسيين دمشق أربع سنين ، وجاءت الخامسة , وكانت دمشق كالحطب الجاف ينتظر ان تلامسه النار ليشتعل . ومن شان الحطب الجزل أن يبطئ دخول النار فيه ويبطئ خروجها منه ، فلا بدّ لاشتعاله من أعواد صغار , أو حزمة من القش , وكان الطلاب كهذه العيدان وطلاب (مكتب عنبر) على التخصيص . ففي سنتا الأولى فيه كانت الفورة ( ولا أقول الثورة ) على المدير الأميرالاي أي الكولونيل سابقاً في الجيش العثماني شريف بك رَمُو , وكانت محدودة بجدران المدرسة لم تجاوزها .
وفي الثانية ( وكنت في الصف الثامن ) كانت فورة أكبر , خرجت من المدرسة , فامتدت واتسعت حتى شملت البلد كله , وشارك فيها أهله جميعاً وكانت الحلقة الأولى في سلسلة النضال للاستقلال التي بدأ بها المظاهرة ( بل كانت قبلها حلقة يوم وصلت دمشق بعثة كراي الأمريكي لتقصّي الحقائق ولم أشهدها ولكن سمعت خبرها ) , ثم تعاقبت فيها المظاهرات , ثم كانت الثورة الكبرى , ثم عدنا إلى حرب الشوارع , وسلاح الاضرابات , والاضطرابات , حتى كان الجلاء التام .
أقصد جلاء الأجنبي بجيوشه عنا , حتى لم يبق غير جندي واحد يخطر على أرضنا , ولا قلعة مدافعها موجهة إلينا , ولا راية ترفرف فوق رؤوسنا . تم هذا الجلاء , ولكن لم تجل أفكاره عن رؤوس أولادنا , ولا مبادئه عن أحزابنا , ولا مناهجه عن مدارسنا , ولا قوانينه عن محاكمنا .
وهذا هو الاستعمار الذي يهون معه استعمار الديار . إن البذور التي بذرها المستعمر قبل رحيله أنبتت نباتاً لم نذق مثل مرارته أيام الاستعمار , وكان ما أبقاه بعد نزوحه عنا أشد علينا مما حمله معه لما جاءنا .
فكيف أخرجت أرضنا السم الذي يودي بنا ؟ كيف رأينا ممن خرج من أصلابنا من هو أنكى علينا من عدونا ؟ .
دعوني اقل كلمة ليست من الذكريات , لقد رأيت في هذا العمر الذي عشته من تبدل الدول , وتحول الأحوال , ما هو عبرة من العبر , لمن شاء أن يعتبر , إنه ما مر بنا عهد على كثرة ما مر من عهود , إلا بكينا فيه منه , وبكينا بعده عليه ! .
أفقدر علينا أن نستكبر الشر فنأباه , ثم نرى ما هو شر منه فنطلبه فيأبانا ؟ .
استكبرنا التقسيم في فلسطين , ثم رأينا ما هو أكبر منه فطلبنا التقسيم , وأبينا ما كان قبل سنة 1967 , ثم عدنا نطالب بإزالة العدوان , والعودة إلى ما قبل 1967 , وأمثلة كثيرة على هذا الأصل .
هذا واقع السياسة , وموقف أهلها , أما نحن , نحن المسلمين , فلا نهن وإن مسّنا الضر , ولا نحزن وإن حاق بنا الأذى ، ولا نساوم في دين الله ولا نوالي عدو الله ، ونؤمن بأن الله الذي نّزل الذكر هو الذي يحفظه , وان العاقبة للتقوى ، لا نرتاب بديننا ، ولا نشك بوعد ربنا .

******

نحن في سنة 1925 والبلاد تتمخض بالثورة ، وكانها ( برميل ) بنزين : نار كامنة لا تحتاج لتظهر إلاّ شرارة ، نفوس متوثبة مستعدة للهجوم لكنها ترقب الإشارة .
وجاءت الإشارة ، لا الإشارة للثورة فلم يئن أوانها ، بل لإحدى مقدماتها ....
هل تعرفون قصة المحتال الذي وجد غنياً مغفلاً ، فأحب أن يسلبه ماله فباعه الأهرام ؟ .
لقد اشتهرت القصة حتى جعلوا منها مسرحية ! .
إنه مجرم ، باع شيئاً لا يملكه ، وأخذ به ثمناً لا يستحقه . والذي اشترى أحمق لأنه ظن أنه ملك الشيء الذي اشتراه ممن لا يملكه ... ربما كانت القصة مكذوبة متخيله ، فما تهمني صحتها ، ولا جئت أحقق خبرها ، بل جئت أروي قصة مثلها ، من نوعها وجنسها ، ولكنها اكبر منها ، وأشد ضرراً وأعمق في الشر أثراً ، وهي بعد صحيحة لا يجادل أحد في صحتها .
قصة رجل وهب أرضاً لا يملكها هو ، ولا أبوه ، ولا قومه ، لمجموعة من اللصوص الأشرار ، ما لهم فيه ذرة من الحق ... ولا كهرب واحد ( الكترون ) من كهارب الذرة الواحدة .
وهب فلسطين لليهود الملاعين !.
وإن قلت ملاعين ، فما شتمتهم ، بل أصفهم بما خبر ربنا أنه فيهم (( لعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل ، على لسان داود وعيسى بن مريم )) .
لعن الذين كفروا نبيان من أنبيائهم ، وكل ما بقي من بني إسرائيل اليوم ، هم من الذين كفروا ، لأن القاضي الذي يحكم بقانون أبطل أو عُدّلَ ، ويرفض التعديل الذي أمر به من وضع القانون ، هذا القاضي ينزلونه من قوس المحكمة إلى قفص المتهمين .
وكذلك ، كل من اتبع شريعة رسول بعث الله رسولاً بعده يعدلها أو يبطلها .
وصول هذا الرجل واسمه ( بلفور ) إلى دمشق ، كان الشرارة التي فجرت برميل البنزين .
ما كان جمهور الناس يعرف بلفور الوزير البريطاني ، ولا وعده الذي تحمل دولته وزره ، وما كانت قضية فلسطين قد ظهرت وعرفت وصارت القضية الكبرى . الذي عرف قصة هذا الوعد الآثم هم طلاب ( مكتب عنبر ) . لقد تساءلوا من الذي أعطى هذا الرجل حق التصرف بفلسطين ؟ كيف سوغ له هذا شرفه إن كان له شرف ؟ كيف بّرره له عقله ، وله لا شك عقل ؟ .
وغضب الطلاب ، وزاد غضبهم أن هذا الرجل سيزور الجامع الأموي ...
كلا ، هذا لن يكون ، وخرجول بالمظاهرة ، وانشطرت المظاهرة شطرين ، أما أحدهما فذهب إلى الأموي فأغلق أبوابه كلها ، وأما الآخر فتوجه إلى الرجل في فندق فكتوريا ، الذي كان مقابل المصرف ، على الضفة الأخرى من بردى ، وقد ذهب الفندق الآن ومشى فوق رفاته شارع ، وركب ظهر الشارع جسر يمر عليه الناس والسيارات ودفن تحته أشهر فندق عَرَفته دمشق – أوتيل فكتوريا – على اسم ملكة الإنكليز العجوز .
******

لا تسألوني أين كنت في ذلك اليوم ؟ وأين انا من أحداثه ؟ .
إن جوابي ليس في مصلحتي ، إنني لم أكن في العير ولا في النفير ، لا في ( القافلة ) ولا مع المقاتلة .
لماذا ؟ لأنني ( صدقوني ) لم أكن أدري بشيء من كل ما حدث ! .
ومن أين أدري وأنا أعيش بين بيتي ومدرستي ، ما لي صديق أسأله ، ولا عندي صحيفة أقرؤها ، ولا كان في الدنيا إذاعة أسمعها .
لذلك ذهبت إلى المدرسة كما كنت أذهب كل يوم ، فلم أجد فيها أحداً فعجبت . وقرع جرس الدخول إلى الصف فدخلت وكنت وحدي ، وجاء المدرس لأنه لم يكن يستطيع ألاّ يجيء ، ونظر إليّ ووجهه ينطق بالازدراء لي .
أنا وعدت في مقدمة هذه الذكريات أن أقول الحق ، أقوله بلا تزيد إن كان لي ، وأقوله بلا تردّد إن كان عليّ .
لقد كان الحق مع المدرس أن ازدراني .
كيف لا يُزدرى طالب طالب يخالف إخوانه كلهم ، ويتجاهل موقف أهل بلده جميعاً ؟
من يصدق أنني لم أدر بشيء ؟ من يصدق ؟.
وخرجت أجر رِجلّي ، فوجدت باب المدرسة مفتوحاً ، فخرجت ، وكانت سوق الحميدية مغلقة ما فيها أحد ، ووصلت إلى شارع النصر – شارع جمال باشا – الذي لم يكن في دمشق شارع غيره ، فصرت في وسط اللُّج ....
بحر من الناس تلتطم أمواجه ، يهحمون ، يرجمون الجنود بالحجارة ، ولقد رأيت رجلاً أمسك بحجر ربما زاد وزنه كيل ، فقذف به من فوق الشجرات الكبار التي كانت في الشارع ....
..... فإذا كر عليهم فروا ، فإذا ولوا رجعوا ، فدخلت بين الناس علّي أعتذر أمام نفسي ، بأني شاركت الناس فيما هم فيه .
******

كان ذلك في سنة 1925 ، فاسمحوا لي أن أقفز إلى الأمام أربعة أعوام ، لأني لا أحب أن أدعكم اليوم وهذه الصورة هي صورتي في نفوسكم ، إلى سنة 1929 وأنا يومئذ في شعبة الفلسفة ، وقد نجحت في امتحان البكالوريا .
بقيت على عزلتي إلى تلك السنة ، فجئت يوماً فخبرت أن جماعة من الطلاب منهم أخونا الشاعر أنور العطار ، رحمه الله ، قد طردوا من المدرسة ثلاثة أيام ، لأنهم خالفوا أمر المراقب وسهروا محتفلين بليلة النصف من شعبان ، فلم أبال بالأمر ، ولم يباله إخواني ، لأن العقاب طفيف ، والسبب هين ، والاحتفال بليلة النصف من شعبان لم يأمر به الدين ، ولم تجرِ به السنّة .
ونمت في موعدي لا أفكر في ذلك ، حتى إذا كان السحر ، فإذا أنا بفكرة تسيطر علّي بلغ من قوتها أن أيقظتني من منامي ، هي أن أذهب إلى المدرسة صباحاً فأنتظر قرع الجرس للدرس ، فإذا قرع وقفت على واحد من هذه المقاعد المحيطة بالساحة ، فخطبت أدعو إلى الإضراب أو يعاد من طُردَ من الطلاب .
وصليت الفجر ولبثت قاعداً أرقب طلوع النهار ، فما كاد يطلع حتى وليت وجهي شطر المدرسة ، ولم يكن لي أب استأذنه ، فقد توفي أبي قبل تلك السنة ، ولم يكن لي أخ كبير أستشيره . وكنت أصدر عن رأي نفسي وحدها . ووجدت باب المدرسة مغلقاً لّما يفتح ، فمررت برفيقي محمد الجيرودي ( المحامي ) وكان يسكن بجوار المدرسة ، فأمضيت عنده ساعة ، وخضت معه في كل حديث ، ولكني لم أعرج على ما في نفسي ، ولا أشرت إليه ، وذهبنا إلى المدرسة معاً ، فلما قرع الجرس ، وهمّوا بالدخول وقفت فخطبت ، وهيجت وحمست ، ودعوت إلى الإضراب .
فاستجابوا جميعاً ، لا لما ألقيت عليهم ، بل لما كان من الاستعداد في نفوسهم ، فقد كان يلبون إن دعوا بهمسة يهمس بها صاحبها ويختبئ ، فكيف وقد دعوا ( لأول مرة ) بخطبة معلنة يلقيها صاحبها ويقف ؟.
ذلك لأنها كانت أيام نضال ، وكانت الأمة كلها كالجنود في الثكنة ، ينامون على استعداد ، ويقومون على استعداد ، لا يسمعون صوت الداعي ، حتى يفزعوا إلى أسلحتهم ويهبوا سراعاً إلى صفوفهم ، فلا ترى البلدة هادئة مفتحة أسواقها حتى تسمع من كل دكان صوت الغلق ينحدر ، وترى المظاهرات قد قامت ، ودبابات الفرنسيين قد نزلت ، والمعارك قد ابتدأت .
لم يكن مكتب عنبر في الحقيقة مدرسة ، بل كان يومئذ مجمع الشباب المثقف ، ومصدر كل حركة وطنية ، وكان لب البلد .
وكانت الاضرابات تعد في الخفاء لئلا يعرف من دعا إليها فيعاقب ، فلما رآني الطلاب أجهر وأعلن ، لا أختفي ولا أتوارى ، عجبوا مني ، وأعجبوا بي . وصرت في لحظة زعيم المدرسة ( من مقدمتي لكتاب ( مكتب عنبر ) تأليف الأستاذ ظافر القاسمي . وقد توفي سنة 1402 وهو أصغر مني سناً ، وكان في المدرسة بعدي بسنوات) .
وجربت الإدارة الترغيب والترهيب ، ولجأت إلى الوعيد والتهديد ، ونزل المراقب ، ثم المدير الثاني ، ثم المدير الأول والأساتذة ، فكنت أرد على كل محاولة بخطبة جديدة ، فوجدوا الأمر أصعب مما كانوا يقدرون ويعرفون ، فخّبروا الوزارة .
فجاء مدير المعارف الأستاذ شفيق جبري ، فألقى كلمة أدبية بليغة ، ورددت بكلمة أذهبت أثرها ، ثم جاء الوزير نفسه ، وكان أستاذنا الكبير محمد كردعلي ، فصحت من مكاني : يا معالي الوزير . فمضى قدماً ولم يلتفت إليّ .
فأعدت النداء فما وقف . فأسمعته كلاماً استوقفه ، ثم حول وجهه إليّ فسمع مني ، واجابني .
وكنت يومئذ في قمة القدرة على الخطابة والارتجال ، لا أحتاج إلاّ إلى ابتداء الكلام حتى تنثال علّي المعاني ، وتزدحم الخواطر ، وينطلق اللسان يعبر عنها ببليغ الكلام .
وكنت يومئذ فتيّ الذاكرة ، كثير المحفوظ ، لم تضعف ذاكرتي الأيام ، فكانت كل خطبة كانها قطعة ادبية من الأسلوب الفحل ، تفيض بالآيات والشواهد والأمثال ، فضعف مع الأيام جناني ، وكَلّ لساني ، على أن فيّ بحمد الله بقية ( لا تزال ) تسر الصديق ، وتكبت العدو ( من مقدمة ( مكتب عنبر ) وبقية الكلام هناك ) .
.... وفتح باب المدرسة ، فخرجت وخرجوا ورائي ، وكانوا حولي فئة من الشباب الأقوياء ، والحارس الخاص عبدالستار العلمي ( الدكتور الذي كان هنا رحمه الله ) وكان معي من يحمل سلماً قصيراً ، فحيثما تجمع الناس صعدت عليه فخطبت .
نفذنا إلى سوق الحميدية ، فالسنجقدار ، فالمرجة ، فإلى قصر الحكومة ، وحيثما مررنا ، أغلقت المخازن ومشى الناس وراءنا ، حتى أحاطت جموع لا يحصيها العاد بالقصر ، والبلدية القديمة ، وإدارة الشرطة .
وصعدت العمود التذكاري ، أمام قصر الحكومة ، أخطب وأنادي رئيس الحكومة ، ففتح باب الشرفة الكبيرة ، وأطل منها علينا ، وكان الرئيس الشيخ تاج الدين ابن الشيخ بدر الدين الحسيني ، وكانت خطبة كلماتها من نار الحميم ، وأسلوبها من هبّة العواصف .
سقى الله تلك الأيام ....
لقد أسكرني هذا الفوز ، فكدت أتدحرج فأنحدر في هذا الطريق ، لولا أن تداركني الله فأراني عاقبته ، لقد اغتررت بالحلاوة في أعلى الكأس ، فأذاقني الله طعم المرارة في أوسطها وفي قعرها .
وعد الشيخ تاج ، وشجّع ، بل وشكر ، فلما تفرق الجمع وصرت وحدي أمسكوا بي فلم أنتبه إلاّ وأنا في حاشرة ( زنزانة ) طول أرضها متر ، وعرضها متر ، وحيد فريد ، ليس حولي من أخطب له ، ولا من يصفق لي ، لا استطيع أن أضطجع ، ولا أن أمد رجلي ، وليس من حولي إلاّ جدران مغلقة ، ليس لها نافذة ، ولا معي فيها أحد .
فقعدت أفكر .
كنت في أول النهار طالباً مغموراً يمشي في جماعة الناس ، لا يعرفه أحد ، فيضره أو ينفعه ، فما جاء الظهر حتى صرت علم البلد ، وأضحيت ملء الأبصار والأسماع . فما صار العصر حتى كنت سجيناً ذليلاً مسلوب الحرية ، معرضاً للأذى .
هذه هي حياة السياسيين المغامرين : يوم في الذروة ويوم في الحضيض ، يأكلون يوم السبت البقلاوة ولا يجدون الأحد ولا الخبز اليابس ، إنهم كالذي يحتل مقعداً في الصف الأول من المسرح ، إنه أكبر ، والمنظر فيه أجمل ولكن ليس له رقم ، ووراءه من ينتظر غفلته ، ليرميه عنه ، ويحتله دونه .
أفليس خيراً منه ، مقعد في الصف الثاني ، ولكنه مرقم ، محفوظ ، إن قمت عنه رجعت إليه ، فوجدته .
وقررت من ذلك اليوم أن أقعد في الصف الثاني .







 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Apr-2010, 08:01 PM   رقم المشاركة : 48
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 7)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" و المذكّرات يكتبها أرباب المناصب و رجال السياسة و قادة الجيوش ، الذين شاركوا في صنع الأحداث فاستحقّوا أن تكون مذكّراتهم من مصادر التأريخ لهذه الأحداث ( بعد ضرب بعضها ببعضٍ و تمحيص ما ورد فيها ، لأن كل خبّاز يجرّ النار إلى قرصه و كل راوٍ لقصة يكبّر دوره فيها و يصغّر أو يمحو دور غيره ) . و لست من هؤلاء ، و إن كنت قد شاركت ـ من فوق المنبر ، أو من وراء المذياع ، أو من بين سطور الصحف و الكتب ـ في كثير من الأحداث في بلدي . شاركت فيها و لم أكن من صانعيها و لا من قاطفي أثمارها . و إني طول عمري أقرب إلى العزلة ، أعيش بين كتبي و قلة من إخواني ، ذهب جلّهم إلى رحمة الله .
ج1 ص 20













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Apr-2010, 08:02 PM   رقم المشاركة : 49
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 8)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" دمشق التي عرفتها و أنا صغير ليست دمشق التي نراها الآن ، تبدلت دُوُرها و حاراتها و أزياء أهلها و كثير من أعرافهم و أوضاعهم ، و دخل الحديث عنها في باب التاريخ . و لست أصف هنا دمشق ، فإن لي كتاباً اسمه " دمشق " فيه صور من جمالها و عبر من نضالها ، و نشرت في " الرسالة " في عشر الثلاثين من هذا القرن الميلادي ( أو الثلاثينيات كما تقولون ) مقالات كثيرة عنها .
و في الدنيا اليوم مدن كثيرة موغلة في القدم ، حتى إن التاريخ نفسه لم يدرك ولادتها ، و لكن دمشق أقدم المدن العامرة المسكونة في الدنيا . و في الدنيا مدن كثيرة بارعة الجمال ، و لكن دمشق ( في نظر أهلها على الأقل ) أجمل مدن الدنيا . أو كانت أجمل بلاد الدنيا ، فأفسدنا نحن ـ أهلها ـ جمالها .
ج1 ص 21 و 22













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Apr-2010, 08:03 PM   رقم المشاركة : 50
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 22

صفحة جديدة في سفر حياتي

دخل علينا شعبان سنة 1343 و نحن في الدار الثالثة التي استأجرها والدي في الصالحية ، و كانت أعلى من نهر يزيد فلا يصل ماؤه إليها ، و مياه الفيجة في السبل العامة فقط لم تكن قد جرت إلى البيوت فكانت البيوت تستقي من آبار يصل إليها الماء من نهر يزيد و الناس يسحبون المياه من الآبار بالمضخات و كان في ضخها تقوية لعضلات اليد و رياضة و نشاط للبدن . و لكن أبي كان يريد الراحة لأسرته ، فما كاد يسمع بوصول المحركات الكهربائية إلى دمشق حتى كان أول محرك ( موتور ) مركباً في دارنا ، اشتراه من السيد جمال القاري . و كان من يزورنا من الرجال و النساء يتعجبون منه لأنهم لم يكونوا قد رأوا مثله .
و كنا نستعد لرمضان لأن الضيوف يزدادون في رمضان ، و نحن لا نكاد نخلو منهم سائر أيام السنة . و قلما كان والدي يأكل وحده أو يأكل مع أهله ، لا في الفطور و لا في العشاء ، و ما كان يمر يوم لا يزورنا فيه عمّاي ( أعني خالي أبي ، و كنت أناديهما بالعميّن ) و أبناء أحدهما و بعض تلاميذ أبي أو بعض أصحابه فلا ترى إلا صواني الطعام داخلة إلى المجلس في وقت الطعام و في غير وقت الطعام و كانوا يمدون السماط و يأكلون على الأرض . أما الشاي فلا ينقطع فينصب السّماور و يقوم أحد الضيوف بإعداده . و كان عمّي الشيخ عبد القادر رحمه الله " يلقم " الشاي الأخضر ( و ما كنا نشرب غيره ) ثم يذوقه ، فيعدله ثم يذوقه حتى إذا ذهب نصف البراد زاده ماء و قدمه للحاضرين ! .
و كانت الدار مفروشة فرشاً دون فرش الأغنياء و لكنه فوق فرش الأوساط من أمثالنا ، و الخير كثير و المؤونة و الفاكهة و " النقل " لا تأتي إلا بالأكياس أو الصناديق .
فما مضت من شعبان إلا أيام حتى مرض أبي ، و كان ضعيف الجسد . أما صحتنا أنا و إخوتي فجيدة بفضل من الله أولاً و أخيراً ثم بالإرث من جدّي ( إن صح قانون ماندل في الوراثة ) و قد كان قوياً بالغ القوة متين البنيان و من أمي و كانت ـ بحمد الله ـ صحيحة الجسم ما رأيتها مرضت يوماً .
و ما كان في دارنا تلك على سعتها غرفة تملؤها أشعة الشمس و هو محتاج في مرضه إليها فجاء أحد تلاميذه و هو السيد كامل بكر فأخذه إلى داره ، و هي قريبة منا ، يمرّضه فيها و كان تلاميذه : الشيخ هاشم الخطيب و أخوه الشيخ عبد الرحمن ، و الشيخ محمود العقاد ، و الشيخ محمود الحفار و أخوه الشيخ عبد الرزاق و الشيخ عبد الوهاب دبس و زيت و بعض من إخوانه كالشيخ موسى الطويل و بعض تلاميذه في التجارية من الأطباء : ابن خاله الدكتور طاهر الطنطاوي و الدكتور سهيل الخياط و الدكتور محمد سالم و بعض من كان معه في ديوان المحكمة كالأساتذة صبحي القوتلي و محمد علي الطيبي و عارف حمزة و إبراهيم السيوفي ...كل هؤلاء ( و من نسيت أكثر ممن ذكرت ) لم يكونوا يتركونه بل كانوا يوالون عيادته و كانوا يسارعون ـ عن حب و وفاء ـ إلى إجابة طلباته و يتسابقون إلى تحقيق رغباته . و كذلك كان طلبة العلم مع مشايخهم فجزاهم الله ( و قد مضوا جميعاً إلى رحمته ) أفضل الجزاء .
و جاء يوم العشرين من شعبان ، جاء اليوم الذي بدّل مسار حياتي .
كنت أمشي في طريق ممهّد إلى غاية واضحة فتفجّرت قنبلة فطمست معالم الطريق فإذا أنا في قفرة لا أدري من أين أمشي فيها و لا إلى أين . كنا في خيمة تسترنا عن العيون و تظللنا من الشمس و تدفع عنا لفح الحر و لذع البرد و عصف الرياح ، فكُسر عمود الخيمة فانحطت فوق رؤوسنا ، فلما خلصنا منها إذا نحن مكشوفون معرّضون للأخطار تأكلنا الأنظار فلا تحمينا درع و لا يسترنا ستار .
في اليوم العشرين من شعبان سنة 1343 مات أبي .
كلكم يعرف معنى كلمة ( مات ) لأن كل حيّ إلى ممات و ما من أحد إلا شهد موت عزيز أو فقد حبيب. أما جملة " مات أبي " فلا تعرفون ماذا كان معناها عندي . كان معناها أن هذه الدار الفسيحة لم تعد دارنا ، أن هذه الفرش كله و كل ما في الدار لم يَعُد من حقنا ؛ ذلك لأن تركة أبي ( رحمه الله ) كانت رقماً كبيراً كان يُعَد في ذلك اليوم ثروة ، و لكنه رقم علينا لا لنا ، إنه رقم الديون التي كانت عليه لا المال الذي كان له .
كان ( رحمه الله مرة ثانية ، و رحمه ألف مرة ) يستدين ليوسع على عياله . ما كان يظنّ و لا نحن نظنّ ، أنه سيموت شاباً لم يجاوز عمره ستاً و أربعين سنة .و كان قادراً على وفاء الدين من مرتّبه الكبير لو مدّ الله في أجله ، و لكن حكمة الله أعلى و حُكمَه أمضى .
يقال إن المصيبة تبدأ كبيرة ثم تصغر .
و هذا صحيح من وجه واحد و غير صحيح من تسعة وجوه . إنها تصغر بالنسيان و النسيان من أعظم نعم الله على الإنسان و لكنها تكبر كلما ظهر أثر من آثارها و الآثار لا تظهر دفعة واحدة بل تظهر تباعاً و كلما بدا أثر جديد جدّد وقع المصيبة .
لم أدرك أول يوم مقدار ما ألمّ بنا و لم أفكر فيه لأني لم أجد وقتاً للتفكير . كنت كالضائع في الزحمة لا أحس بنفسي و لا يكاد يحس بي من كان حولي . من أين اجتمع هؤلاء الناس كلهم ؟ لقد ضاقت بهم الدار و ضاقت دور الجيران التي فتحوها لهم . و كذلك كنا في الأفراح و في الأتراح ، كانت أخوة و كانت اشتراكية صادقة لا اشتراكية المذهب أو الحزب بل اشتراكية الفطرة السليمة التي يوجهها الإسلام .
و كنت يومئذ كالذي تصيبه ضربة على رأسه فيفقد شعوره ، كنت أنظر و لكن لا أرى و أتحرك و لكن لا أفكر . لم أعلم كيف غسّلوه و لا كيف كفنوه ، ما دعاني أحد لأرى و لا حاولت أن أرى من غير أن أُدعى .كنت أمشي من هنا إلى هناك ثم أعود إلى حيث كنت ، لا أهدأ و لكني لا أعمل شيئاً ، حتى سمعت النداء بـ " لا إله إلا الله " و كانت تلك علامة سير الجنازة .
مشيت مع الناس . كان الناس يملؤون الطريق كله فلا أعرف أول الموكب من آخره ، مشى الناس على أقدامهم من الصالحية إلى مقبرة الدحداح في حينا القديم في طرف العقيبة و كانت آخر البلد ما بعدها إلا البساتين فصارت اليوم في وسطه .
من الصالحية إلى المقبرة أربعة أكيال امتلأت كلها بالناس و كلما تقدمت قليلاً انضم إليها ناس جدد . يسألون : من الميت ؟ فإذا قيل : الشيخ مصطفى الطنطاوي ، قالوا : رحمه الله ، و مشوا فيها .
ما كان من رجال السياسة و لا من أهل الرياسة و لا من ذوي الجاه و السلطان و لا من الأكابر و الأعيان و لا من الأدباء و لا من الخطباء ما كان إلا عالماً و متعلماً و لكنها محبة وضعها الله له في قلوب الناس . و ما كنت أعلم أن له في قلوبهم هذه المحبة حتى مات .
رجعنا من المقبرة و أنا لا أزال في دهشة المفاجأة . ثم بدأ توافد الناس علينا ، الباب مفتوح و الغرف كلها مُعدة و صحن الدار الواسع صُفت فيه الكراسي لا أدري من أين جاءت كل ذلك ممتلئ بالناس ، يخرج قوم فيدخل مثلهم ، أعرف منهم واحداً و أجهل التسعة .
حتى انتهت أيام التعزية و خُتم موسم الكلام و الكلام و لو كان حلواً و لو كان بليغاً لا يكلف مالاً و ذهب كل من المعزّين إلى داره و بقينا وحدنا نواجه أول آثار الحادث .

كنت في أول السنة السابعة عشرة من عمري و لكن لا مال لي ورثته و لا مورد لي أنفق منه ، و أنا أكبر إخوتي . أما عمّاي ( أعني خالي أبي ) فما كانا ـ رحمهما الله ـ ممّن يمدّ يده إلى كيسه يُخرج منه ما يقدمه إلينا ، و إن كان في الكيس ما يخرجان منه لو شاءا . أمّا عمّي الأكبر فما زاد على حلو الكلام ، دفعه إلينا و مضى . و أمّا الأصغر فقد أعاننا ـ جزاه الله خيراً ـ بجهده لا بماله ، استخرج لأبي معاشاً تقاعدياً كان ضئيلاً لأن مدّة خدمته الحكومية ( أميناً للفتوى و مفتياً في السويداء ، ثم رئيس ديوان محكمة التمييز ) لم تكن طويلة و تولى بيع كل ما كان في الدار من فرش و أثاث و بيع المحرك ( الموتور ) و لم يبق إلا المكتبة فقد وقفت دونها . و استأجر لنا داراً صغيرة في الحارة التي ولدت فيها مقابل الدار القديمة . هل قلت دار ؟ لا ، بل هي دويرة ، و ما أظن هذه التسمية صحيحة لأنها كانت أقرب إلى الإصطبل بل إنها لا تصلح أن تكون إصطبلاً و لا يوجد طبيب بيطري يوافق على ربط الدواب فيها لأن الشمس لا تدخلها أبداً ، و الدار التي لا تدخلها الشمس في الشام لا يخرج منها الطبيب .
أما ماؤها فمن نهر تورا ثاني أبناء بردى و لكنه يأتي في ساقية مكشوفة تمشي ستة أكيال قبل أن تصل إليها يُلقى فيها من شاء ما شاء . لا أقول إن ماءها ملوّث لأن كلمة ملوث أنظف من مائها ، فماذا أقول عنه ؟.
تدخل من الباب إلى ساحة صغيرة أرضها من العدسة لا من البلاط و لا الحجارة فيها غرفتان إذ دخلتهما في ساعة الظهيرة من تموز ( يوليو ) أحسست بالرطوبة و شممت ريح العفن جدرانها من الطين مملوءة بالبق . و قد باد البق الآن و لم يبق له أثر و هو حيوان صغير حشرة حمراء كأنها كيس صغير لها رأس و أرجل تمشي عليها إذا كانت جائعة رأيتها قشرة رقيقة بسُمك ورق الكتابة فإذا مست جسد الإنسان مصّت دمه فتمتلئ بالدم الأحمر .
هذه هي الدار التي استأجرها لنا عمي . لم نحمل إليها من الفرش إلا شيئاً لا يستغني أحد عن مثله مما لم يشتره أحد من فرش دارنا التي بيعت لوفاء الدين فكنا نفرش حصيراً على الأرض و فوقه بساط و فراش رقيق و كان إخوتي ينامون على هذا الفراش و أمي تسهر عليهم تذود البق عنهم تمسكه ثم تلقيه في كوب فيه الماء أو تدني منه مصباح الكاز ( إذا لم يكن في الدار كهرباء ) فترميه في بلورة المصباح و كانت اللحف لا تكفي فكانت تغطيهم بالبساط . تسهر الليل كله تذكر ما كانت فيه و ما صارت إليه ، تقطع الليل بآهاتها و تذيب آلامها في دموعها ، لا يرى بكاءها و لا يسمع شكواها إلا ربها . و كانت مؤمنة راضية عن الله صابرة على ما قضاه .
افترقت أسرتنا . أما عمتي فقد سكنت عند ابنة خال لها ، هي أم حلمي حباب ( الخطاط ) و معها جدتي . وأما نحن أنا و أمي و إخوتي فهنا و كان عمر أخي سعيد ثلاثة أشهر فقط فنشأ لا يعرف أباه . بل إن أخي عبد الغني لا يعرفه تماماً ، و كذلك أخته الصغرى . و كان بيني و بين أخي ناجي أقل من ست سنوات ، ولكنها في تلك السنّ تبدو كبيرة ، فأنا شاب و هو ولد لذلك شعرت من أول يوم أن العبء ألقي علي .
و لم يكن لنا مورد إلا معاش التقاعد الذي عين لأبي و هو قليل ، و معاش الإمامة التي كانت لأبي في جامع رستم و هو مسجد صغير إلى جنب هذه الدار فولّيت إمامته مكان أبي و كان راتب الإمامة مئة وخمسين قرشاً في الشهر . و كانت له تلاوة جزء من القرآن في جامع سنان باشا في باب الجابية فوليتها بعده و راتبها خمسون قرشاً في الشهر .
و لم نجد من يمد إلينا يداً بمساعدة إلا خالي الأستاذ محب الدين الخطيب ، صاحب " الفتح " و " الزهراء " و المطبعة السلفية في مصر ، فجعل لشقيقته ( أمي ) جنيهين مصريين في الشهر . و كان الجنيه المصري يُصرف بخمسة مجيديات عثمانية و بضعة قروش على حين تصرف الليرة الذهبية الرشادية بخمسة مجيديات فقط .
و قد رددنا إليه بعد أربع سنوات كل ما دفعه إلينا بل أكثر منه من حصة في أرض في صحنايا في الغوطة الجنوبية ورثتها أمي عن أخوالها من آل الجلاد دفعتها أنا إليه لما كنت في مصر لكن يبقى له الفضل فله منا الشكر و من الله حسن الأجر رحمه الله .
و الذي أعاننا و كان يحمل الأثقال عنا و يمد يده في كل ضيق إلينا بجهده لا بماله هو ابن خالتي الشيخ طه الخطيب و قد فرّقت الأيام ما بيننا فمن قرأ هذا الذي أكتبه عنه فليبلغه إياه ليعلم أن المعروف لا ينسى .
و انقطعنا عن الناس أعني أن الناس انقطعوا عنا الذين كانوا كل يوم في زيارتنا و الذين كانوا يُمضون شطر نهارهم في دارنا حتى إن عمّيّ رحمهما الله و سامحهما جاءا في يوم عيد فزارا جاراً لنا غنياً داره لصق دارنا و هي التي تسد مطلع الشمس علينا و ما طرق بابنا . لا أقول هذا تشهيراً و لا تشفياً بل شكر لله على أن غنانا عنهما و عن غيرهما و كتب علينا أياماً عجافاً لتكون تدريباً لنا و تمريناً و نزداد بها علماً بالأيام و طاقة على خوض غمرات الحياة .
لقد فتحت الآن صفحة جديدة في سفر حياتي : كنت لا أعرف حمل التبعات فحملتها قبل أن يقوى عاتقي على حملها و كنت أحس أني فرع من أصل فصرت أصلاً ( أو كالأصل ) لفروع.
كنت أخطُر على الشاطئ أتفرج بالنظر إلى موج البحر فرُميت في مائه و أنا لا أحسن السباحة .
فماذا صنعت ؟ و ماذا وجدت ؟ الجواب في الحلقة القادمة إن شاء الله .
من أوراق أبي :
وجدت بخطه رحمه الله مسودات عمل عظيم ، لم أعلم متى كتبها و لا كيف قدر عليها هي أنه أحصى زيادات " القاموس المحيط " على " لسان العرب " فبلغت نحو ألف مادة و يبدو أنه أكمل العمل و بيض هذه المسودات و لكني لم أجد إلا مقدمتها مكتوبة على طريقة العلماء لا بأسلوب الأدباء و هاكم صورة الصفحة الأولى منها مكتوبة بخطه .
و من شاء أن يتصور ما بذل ـ رحمة الله تعالى ـ من جهد فليقرأ القاموس المحيط كله و لسان العرب كله ، ثم لينظر ما زاد في أحدهما على الآخر . كم ترون هذه القراءة و هذه المقابلة تقتضيه من وقت مع استنفاد أكثر وقته في التدريس و في العمل و في لقاء الأصدقاء ؟ !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Apr-2010, 08:04 PM   رقم المشاركة : 51
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 9 )

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" كنت أغرف من بحر و أنا اليوم أنحت في الصخر . كان الفكر شاباً فشاخ فمن قال لكم إن الفكر لا يشيخ فلا تصدّقوه . كان قلمي يجري على القرطاس كفرس السباق لا أستطيع أن أجاريه فأمسى كالحصان العجوز أجرّه فلا يكاد يجر . كانت المعاني حاضرة و القلم مستعداً و لكن الصحف مفقودة أو قليلة و كنا نكتب بلا أجر فلا نجد من ينشر لنا فكثرت المجلات و زادت الأجور و لكن كلَّ الذهن و ثقل القلم و ضعفت الذاكرة . كنا جياعاً فقدنا الطعام فلما حضر الطعام فقدنا الشهية ! كنت كمن أقام مصنعاً جلب له أحسن الآلات و شغّل فيه أقدر العمال و أخرج منه أجود المنتجات فلم يجد لها شارياً . و مل الانتظار فباع البضاعة جزافاً و سرّح العمال و باع الآلات فأقبل عليه الشارون و تواترت الطلبات . "
ج1 ص 26













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-Apr-2010, 07:10 AM   رقم المشاركة : 52
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 23 :

لما صرت تاجراً !


قلت لكم في أول فصل من هذه الذكريات ، إن الذي يكتبها ليس واحداً ، بل كثير في واحد ، لست أعني أنني أصبت بـ ( انفصام الشخصية ) وأن علّي أن أراجع الدكتور محمد فضل الخاني ، بل أعني أن النفس البشرية في تبدل مستمر مع أنها واحدة ، مثلها مثل مجلس فيه مئة عضو ، تنتهي في كل شهر عضوية عشرة منهم ، ويأتي عشرة جدد ، أو كمثل نهر جار ، لا تقف قطرة منه ، ولا ترجع بعد ما مرت . وقد يصفو ماؤه أو يتعكر ، وقد يفيض النهر أو يغيض ، ولكن يبقى النيل مثلاً هو النيل ، صفا أو تكدر ، وعند الفيضان وفي أيام النقصان .
والإنسان يرضى ويغضب ، ويحب ويكره ، ويطمع ويقنع ، ويصح ويمرض ، ويفرح ويحزن ، وهو في كل حالة من هذه الحالات ، وأمثالها ، يصير كأنه إنسان جديد ، يتبدل نظره إلى الأشياء وحكمه عليها .
ومن هنا قلت : إن كاتب هذه الذكريات ليس واحداً .
ولقد قرأت اليوم ما كتبته في الفصل السابق , فما رضيته ! لقد جعلت قارئه يشعر أن المصاب بأبي ، قد هز أركاني ، وزلزل إيماني ، وأن قد حطم آمالي ، إعراض عَمَيّ عني ، وأن اعتمادي كان عليهما ، فلما منع أحدهما غضبت عليه ، وتكلمت عنه ، ولما منح الثاني شكرت له وأثنيت عليه ، حتى أن ذكرياتي عنهما كانت كالنهر الجياش الذي يحمل معه حطباً له شوك ، شاك بعضاً من أقربائي ، ممن أفضى إلى ربه ، فاللّهم إن كنت ظلمته فاغفر لي ، ورضّه بكرمك عني ، وإن كان الحق لي عليه فقد سامحته .
احفظ من الصغر أن ( لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع ) ولا أقول إنه حديث ، ولكن أشهد الآن ، ( وقد صار واقعاً بالنسبة لي ، ما كان ذلك اليوم غيباً ) أن الخير فيما اختاره الله لي .
إني لأنظر إلى تلك المصيبة من وراء تسع وخمسين سنة مرت عليها , فأرى أن ما قدره الله علينا كان فيه النفع لنا ، لقد تمرست بالحياة مبكراً ، وكانت الفائدة من ذلك القدر أكثر من الضرر .
لقد أدركت يومئذ ، وتحققت اليوم ، أن الحياة مثل الناعورة ، هل ترونها في الصورة ؟ دولاب كبير علقت به دلاء وسطول ( الناعورة و السطل من العامي الفصيح ، والصورة ستجيء في جزء الصور من هذا الكتاب ) ، يكون السطل منها ملآن وهو فوق ، كما كنا على عهد أبي ، فينزل فارغاً إلى الحضيض , كما نزلنا بعده .
فمن كان قصير النظر ظن أنها النهاية , ومن دقّق وحقّق ، رأى الدولاب يدور ، فما نزل يصعد , وما فرغ يمتلئ .
وإن هذي هي الدنيا : ارتفاع وانخفاض ، امتلاء وفراغ ، فقر بعده غنى ، وغنى قد يأتي بعده الفقر ، لا العالي يبقى فوق ، ولا الواطي تحت ، ولا يدوم في الدنيا حال ... والدولاب دوار ...
الأحمق يظنها حظوظاً ومصادفات ، والعاقل يدرك أنه عمل متقن ، فلا البناء الذي يحمل الناعورة أقامه الحظ ، ولا حركتها بنت المصادفات ، لكنها هندسة محكمة ، وحساب دقيق .
وما يعطى أحد في هذه الدنيا ولا يحرم ، ولا يعلو ولا يهبط ، إلاّ لحكمة بالغة ، وأمر مقدّر ، سطّره مقّدره في كتاب ، فمن اهتدى إلى هذه الحقيقة ، واطمأن إلى أنه عادل لا يظلم ، حكيم لا يعبث ، سكن واستراح .
ومن انزل غضبه بخشب الناعورة أو بحديدها ، يحسب أنها هي أفرغت إناءه ، وأراقت ماءه ، عذب نفسه ، ولم ينل منها منالاً .
قعدت الآن أكتب عما مرّ بي ، بعد موت أبي ، وقد عرفتم أني لا اعتمد في هذه الذكريات على شيء مكتوب ، ما اعتمد إلاّ على ذاكرة خرقها كر الليالي ، فصيرها مصفاة .
رجعت إلى ذاكرتي ، فهل تصدقون أن هذه المرحلة الوعرة من طريق حياتي ، المرحلة التي مشيت فيها على الأشواك فلطف الله بي ، فلم تدم منها قدمي ، وعلى الرمضاء فلم تُكْوَ بها رجلي ، هذه المرحلة كادت تمحى صورها من نفسي .
إي والله ، وذلك من نعم الله عليّ ، حتى لا أذكرها فتؤلمني ذكراها ، كنت فيها كماشٍ على الجادة المعبدة ، فعاقته العوائق عن الاستمرار فيها ، واضطرته إلى تنكبها ، وإلى السير في الوعور ، والقفز من فوق الصخور ، والتخبط في المفازات ، ثم يسّر الله له العودة إلى الجادة ، فمن فرحه بالخلاص مما كان فيه ، لم يعد يريد أن يعود إليه ولا بالذكرى ، لذلك نسيت أكثر أحداثها .
كانت كصفحات دفتر أصابها الماء فطمس سطورها ، إلاّ كلمات متفرقات بقيت واضحات ... هذه الكلمات هي التي أسجلها في هذا الفصل .
نهضة المشايخ :
كانت نهضة المشايخ قد بدأت قبل وفاة أبي ، ولقد شهدت جلساتهم معه يتداولون في أمر افتتاح المدرسة التجارية التي كان والدي مديرها أثناء الحرب الأولى ، لأن من أكبر مقاصد حركة المشايخ أو ( نهضة المشايخ ) كما دُعيت ، هو إخراج الأولاد من مدارس الحكومة ، ولا يتحقق هذا إلاّ بفتح مدارس تغني عنها ، فلذلك أنشئت ( الجمعية الغرّاء ) , وقد كانت أول الأمر بإشراف الشيخين اللذين قاما بهذه النهضة وهما : الشيخ علي الدقر ، والشيخ هاشم الخطيب ، ثم أدركها داؤنا المزمن ، الذي يصيب كل حركة إسلامية ، وهو الاختلاف والانقسام ، فاستقل الشيخ علي بالغرّاء ، وأنشأ الشيخ هاشم ( جمعية التهذيب والتعليم ) .
لقد كان يؤمل من هذه الحركة أن يكون لها آثار أعمق وأبقى ، ولكنها ( ونحن هنا للتاريخ لا للمدح والذم ، ولبيان الحق لا لصوغ المجاملات ) كانت قاصرة على كثير من المظهر ، وراءه قليل من الجوهر ، وكانت معنية بأمور من فروع الفروع ، لا بتدعيم الأسس ، وتثبيت الأصول ، كما أمر الشرع وصنع الرسول صلى الله عليه وسلم .
لقد أثمرت خيراً كثيراً ، وخرجت علماء ودعاة ، وأحيا الله بها أرض حوران والبلقاء ( الأردن ) ، ولكن كان أكثر همّ متبعيها ومن مشى تحت لوائها ، إعفاء اللحى ، وتكوير العمائم ، وأن تتخذ النساء الأزر البيض بدل الملاءات السود ، استفاد من ذلك تجار ( الشاش ) ، وباعة القماش ، وخسر الحلاقون لما نأت عنهم الذقون ... كأن هذا هو الدين ، وهذه أركانه :

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ***** يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

جعلوا مدرستهم أولاً في الريحانية ، وهي مدرسة قديمة ، كان واضع اليد عليها الشيخ عبدالجليل الدرا ، وسأتحدث عنه إن الله وفقني إلى سرد ما أعرف ، أو بعض ما أعرف من أخبار مشايخ الشام . فلما انتهت السنة المدرسية ، وجاءت العطلة ، أغروني بأن أدع الدراسة ، وأشتغل معلماً في مدرستهم .
وقبلت وكلفوني بتدريس النحو في الصف الرابع الابتدائي ثم طلب الدرس الشيخ أحمد الدقر ، فآثروه به وأعطوني درساً آخر . فأبيت ، وقلت : لماذا ؟ ألأنه ابن الشيخ علي الدقر ، ولأن أبي مات ؟ .

هلم امتحنوني وامتحنوه ، في النحو والصرف وعلوم العربية كلها ، فإن ساويته أو لم أفقه إلاّ بالشيء القليل ، فأنا أدع الدرس ، ولم أشترط أن يسبقني لأني كنت أعلم أن هذا بعيد ، فأبى الامتحان وأبَوْهُ هم ، فغضبت وتركت التعليم وعدت إلى التعلم ، وكان بيني وبين شهادة الكفاءة ( ولقد اقترحت من قديم أن تدعى شهادة الكفاية ، لأنها تشهد لحاملها بأنه رجل كَفيّ ، ثم إنه قد يكتفي بها ، وكلمة الكفاءة لا معنى لها هنا ) سنة واحدة .
وكذلك ترون أن الذي يختاره الله لعبده ، خير له مما يختاره العبد لنفسه ، فلو لم يبعث الله الشيخ أحمد ( رحمه الله ) ينازعني الدرس ، فيجعلني أعود إلى الدراسة ، لبقيت معلم مدرسة ابتدائية ، بلا شهادة في يده ، ولا أمل بالترقي أمامه .
ولما نلت شهادة الكفاية ، رأى عمي الشيخ عبدالوهاب أن أتعلم المحاسبة . وكنا نسميها حساب الدوبيا ، ( أي الطريقة المزدوجة ) لأننا نقيد كل رقم مرتين ، مرة في دفتر الصندوق ، ومرة في دفتر البضائع ، أو دفتر الذمم الذي تقيّد فيه حسابات العملاء ، وكانت هناك الطريقة المفردة ، وتسمّى الأمريكية ، أما الأولى فتدعى الإيطالية .
وتعلمت الدوبيا ، أو المحاسبة على أقدر محاسب يومئذ في دمشق ، وهو السيد كامل بكر تلميذ أبي الوفي ، الرضي الخلق ، الذي توفى أبي في داره ، وحضر معي هذه الدروس بعض الإخوان منهم السيد نظمي المجتهد ، ولم أره من تلك الأيام أي من سنة 1925 . وكنا نتخذ دفاتر كدفاتر التجار ، ونعمل الموازنات السنوية ( البلانشو ) – وهي البالانس بالفرنسية – ولا تزال هذه الدفاتر عندي في دمشق ، ولا أزال عارفاً بقواعد المحاسبة وأصولها ، وإن كنت يومئذ ( وكنت قبله ولا أزال إلى الآن ) أجهل الناس بالحساب ، وأشدهم ضيقاً به ، وكرهاً له .
وحين أتصور أني كنت محاسباً أذكر قصة بكري مصطفى ، وهو رجل تركي ماجن ( حشاش ) ، احتال مرة حتى جعلوه إماماً في مسجد ، فجاؤوا بجنازة ليصلوا عليها ، فانحنى على الميت ، واقترب من أذنه كأنه يوشوشه ، فسئل : ماذا قلت له ؟
قال : قلت له ، إذا سألوك عن أحوال الدنيا ، فلا تطل الكلام . يكفي أن تقول : بكري مصطفى إمام .

******

واختار لي السيد كامل بكر رحمه الله ، بعد أن أكملت التعليم تاجراً أضبط له حساباته ، وكان تاج أدوات كهربائية ، قبيل باب الجابية ، وأمام جامع السباهية . وكان في الجامع مدرسة أولية ، معلمها الأستاذ أحمد الكزبري من شيوخ المعلمين في الشام ، وكان عملي ساعة في الصباح ، إذ يأتي العمال ، فيأخذون أسلاك الكهرباء والقطع والأدوات التي يحتاجون إليها في يومهم ، ثم تخلو الدكان إلاّ من طالب مصباح أو زر أو شيء مما في الدكان ، فأبيعه ما يطلب وأضع الثمن في الدرج ، وأبقى منفرداً بلا عمل ، ومن سكنت جوارحه تحرك ذهنه ، فما ظنكم بشاب نشأ في طلب العلم ، واستعد ليكون من أهل العلم ، تنأى به الحياة عن غرف المدرسين في المدرسة ، وحلقات المشايخ في المسجد ، ورفوف الكتب في المكتبة ، وتحسبه في دكان بيّاع أدوات كهربائية ....
كنت حين أسمع الأولاد يقرؤون جماعة ، أحسّ بقلبي قد تقطّع بين ماض صار مجرد ذكرى ، ومستقبل لم يبق إليه سبيل ، أهذه هي النهاية ؟ بيّاع كاتب في دكان كهربائي ؟ ألهذا سهرت الليالي ، وقرأت الكتب , وحصلت العلم ؟ :

أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة ****** إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

لست أذكر كم لبثت في هذا السجن المزري ، ولكن أذكر أني ضقت به يوماً ذرعاً ، فخرجت منه ، وصرت محاسباً أو كاتباً أو ما لست أدري ، عند شريكين – مسلم ونصراني – في ( الخريزاتية ) ، وهي شعبة من سوق ( البزورية ) .
اشتغلت معهما مدة ثم اطلعت على أن عملهما غش السمن ، وخلطه بما ليس منه ، وبيعه على أنه سمن عربي خالص ، وصنع الصابون مغشوشاً . وكان الصابون يعمل بزيت الزيتون ، لم تكن قد جاءت هذه الأنواع من الصابون الإفرنجي ، المعطر الملفوف بطبقات من الورق الصقيل ، المربوط أحياناً بشريط ، فهو متعة للبصر والشم ، أما الدهن الذي صنع به ، فليس من زيت الزيتون كما كنا نصنع في نابلس وفي حلب والشام ، فهذا عمل أبناء العالم الثالث ، أما المتحضرون من أهل العالم الأول ، فيأخذون الدهن من جيف الحيوانات الميتة ، ويستخرجونه من مياه المراحيض ، يجردونه مما علق به ، ويمزجونه بعطور لا تستخرج من الورد والزهر ، بل تستخرجها الكيمياء من القطران ( هذه حقيقة علمية ) ، لها ريح الورد والفل والياسمين ، وما ثمّ ياسمين ولا فل ولا ورد .
فتركت الشريكين الغشاشين ، واشتغلت عند تاجر خيطان ، أعرفه في خان في سوق الخياطين ، فسمعت جاراً له عنده لما جئته ، يقول له : هؤلاء الأفندية من تلاميذ المدارس متعبون ، فكله قبل أن يأكلك ، ولا تدعه يقعد وراء المكتب بل شغله ينزل بضاعة ، ويرفع بضاعة ، ويأت بها ويذهب .
فأقمت عنده مدة ، ثم ذهبت فلم آت .

******

وضقت بالتجار ، وبوظيفة الكاتب أو المحاسب ، وقلت : أكون أنا التاجر ، وما خلقت والله للتجارة ، ولا أصلح لها ولا تصلح لي ، وما عندي لها المال ، ولا الخبرة .... وكانت عند أمي قطع حُليّ ، فباعتها وأخذت ثمنها ، وشاركت تاجراً كان طالب علم ، هو الشيخ رياض كيوان ، واستأجرنا مخزناً في خان العمود ، مقابل الخان العظيم ، والبناء الأثري الرائع ، خان أسعد باشا العظم . واتخذت لي مكتباً إلى جنب كبار التجار ، وكانت تجارتي بالسكر والأرز نربح بالكيس كله قروشاً معدودة لا تكفي للغداء ، فمن أين أطعم أسرة أنا كبيرها ، والمطلب مني أن أكون عائلها ؟
أمن هذه القروش التي لا تبلغ ثمن غدائي ، أحضر بها فطور أمي وإخوتي الثلاثة .. وأختي ؟ .
ورأيت أن الرجوع إلى الحق أفضل من التمادي بالباطل ، فتركت مكاني بين كبار التجار ، وخرجت من الخان كما دخلت ، والحمد لله أن استطعت الخروج .
وكانت محكمة التمييز ( محكمة النقض ) التي كان والدي رئيس ديوانها ،تنتقل من السراي إلى بناية العابد في المرجة ، إلى طريق الصالحية ، إلى البحصة ... فمررت أمامها فخطر لي أن أزورها ، فرأيت الأستاذ محمد علي الطيبي قد حلّ محل أبي ، فرحب بي , وساءلني ... فلما عرف أني تركت المدرسة عجب ، وقال : ومن الذي أشار عليك بهذا ؟ .
قلت : عمي الشيخ عبدالوهاب . فقال : الله يفرج عنا وعنه !.
لقد نبهتني هذه الكلمة ، كما ينتبه المنحرف عن الطريق إذا سمع من يسأله عن مسيره ، وعلمت أني قد غلطت ، فهل يمكن أن أصحح الغلط ؟ .
وكان قد مضى ثلثا السنة المدرسية , ودخل الطلاب الامتحان الفصلي الأول ، وهم على أبواب الثاني ، ما بقي له إلا عشرة أيام .
وذهبت إلى عمي الأكبر ، العالم الفلكي الشيخ عبدالقادر وكان عاقلاً ، هادئ الطبع ، بعيد النظر ، فقلت له : إني أريد العودة إلى المدرسة .
فضحك وقال :
- لقد أبطأت . كنت أنتظر منك هذه الأوبة ، ولكني ما قدّرت أن تتأخر إلى اليوم ، وأنا مع ذلك أعددت لك الأمر من ثلاثة أشهر . قم معي .
وأخذني إلى الأستاذ محمد علي الجزائري ، مدير مكتب عنبر ( أي مدرسة التجهيز ودار المعلمين ) , وقال له : هذا هو الذي حدثتك عنه .
فقال لي : لماذا تأخرت إلى اليوم ، ألا تعلم أن الامتحان الثاني قد اقترب ، فهل تستطيع أن تدخله مع رفاقك ؟ وهل تقدر أن تعيد الامتحان الأول بعده بعشرة أيام ؟.
قلت : أرجو الله .
قال : إذن فتوكل عليه ، وادخل صفك ، فأنا لم ألغ قيدك . إنك لا تزال من الطلاب .
ودخلت الامتحان ، وعندي الوثيقة الرسمية بأني كنت بحمد الله الأول بين الطلاب .








آخر تعديل قطر الندى يوم 25-Apr-2010 في 09:35 AM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-Apr-2010, 09:23 PM   رقم المشاركة : 53
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 10 )

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" الحياة الحب و الحب الحياة " هذا ما قاله شوقي و لكني لست في هذا معه ، فقد يموت المحبّ و يعيش ناس بلا حب . و ما أنا من أنداد شوقي ، لكن لو قال " ما العيش إلا الذكريات " لكان أصدق .
ج1 ص 27













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-Apr-2010, 09:24 PM   رقم المشاركة : 54
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 11)

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" كانت بيوتنا من خارجها كأنها مستودعات بضاعة أو مخازن تبن ، فإذا دخلت فُتح لك باب إلى الجنة بهاؤها لأهلها لا نافذة تفتح على طريق بل لقد أدركت عهداً في الشام : الدار التي يُفتح بابها على الجادة يقل ثمنها لأن الدار المرغوب فيها التي يكون بابها في " دخلة " أو " حارة " .
و كانت نساؤنا كمنازلنا ، يسترها عن العيون الحجاب السابغ فلا يبدو جمالها إلا لمن يحل له النظر إليها فهتكت الأستار عن المرأة و عن الدار ! "
ج1 ص 34













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 22-Apr-2010, 08:44 PM   رقم المشاركة : 55
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 24

مشايخي خارج المدرسة





وقفت بكم طويلاً على ذكريات أساتذتي في المدرسة ، و ما تكلمت إلا عن بعضهم و لا سردت إلا بعض أخبار من تكلمت عنهم ، و لو أفضت لأطلت و أمللتُ ، فأذنوا لي اليوم أن أقف معكم على بعض مشايخي خارج المدرسة .


تنتظرون أن أبدأ بأبي رحمه الله . و إنّ فضله عليّ لكبير ، و لكني وعدت في مطلع هذه الفصول أن أقول الحق ، لا أضيع شيئاً مما هو لي تواضعاً و لا آخذ شيئاً ليس لي تزيّداً ن و الحق أن من قرأ على أبي أو لازمه يؤكد أنه كان معلماً عبقرياً ، يُفهم الغبي من التلاميذ حتى يظن نفسه أذكى من الأذكياء ، و يبسّط المعقد من المسائل حتى تُحسب من الهينات الواضحات و ذلك بالأمثال المحسوسة و الأدلة الظاهرة .


و المعلم الذي فهم المسألة و هضمها حتى صارت ملكاً له يستطيع أن يفهمها من شاء ، يقلب العبارات و يبدل الأساليب حتى يصل إلى العبارة المبينة و الأسلوب المناسب . فإن وجدت َ معلماً يشرح الدرس فلا يُفهم عنه و يعيد الشرح فلا يصل إلى الإفهام فاعلم أنه ما فهم هو ما يدّرسه ، و إنما حفظه فهو يكرره كما حفظه لا يستطيع أن يخرج عنه .


و يظهر أن أبي كان من الصنف الأول ، هذا ما سمعته من تلاميذه سماعاً لأنه ـ رحمه الله ـ ما خصني يوماً بدرس و لا أقرأني كتاباً . يقولون : أزهد الناس في العالم أهله و جيرانه لأنهم يرونه في جده و هزله و غضبه و رضاه و البعيدون عنه لا يرونه إلا في أحسن حالاته و لا يبصرون منه إلا أجمل جوانبه . و أنا أزيد : أن العالم أزهد ما يكون في تعليم أهله و جيرانه و ربما حرص على تعليم التلاميذ و شرح الجواب للسائلين ما لا يحرص مثله على تعليم ولده و إجابته أسئلته .


لذلك كان حظي من علم أبي دون حظوظ الآخرين و ما كنت أراه إلا طرفي النهار و إن كان في الدار لم يخل من أصدقاء أو زوّار . و لو أن الله ألهمه أن يتفرغ لي أو أن يؤليني مثل الذي كان يوليه المقربين من تلاميذه لرجوت أن أنتفع به أكثر مما انتفعوا و أن يبدو أثر ذلك في أكثر مما بدا فيهم .
و كنت من يوم وعيت و أدركت ما حولي أُصبح فأرى أبي في مجلسه و عنده تلاميذ ، ما كانوا كتلاميذ المدرسة بل كانوا رجالاً بعمائم و لحى ، فكنت أدخل عليه بالشاي أو بالفاكهة يحملها لي أول الأمر نساء أهلي إلى باب المجلس و يقرعن الباب ، و يحمّلنني منها ما أطيق حمله فيثب بعضهم فيأخذه مني و يحمله عني .


ثم صرت أقعد معهم قليلاً فألتقط الكلمة بعد الكلمة ثم صرت أناولهم الكتاب بعد الكتاب فعرفت الحاشية و القاموس المحيط و تنقيح الحامدية و الجزء كذا من تفسير الخازن أو من فتح الباري أو الفتاوى الهندية ... أقول إني عرفت شكلها و اسمها لا إني قرأتها .


و كانت الحجب مسدلة بين الآباء و الأبناء لم ترفع كما رفعت اليوم و ما كنت أتبسط معه في حديث فضلاً عن أن أدخل في مناقشة و كنت أناديه ( كما كان يفعل أمثالي ممن أعرف ) بسيدي ما قلت له يوماً يا أبي ، أما " بابا " فما كنت أتصور كبيراً يقولها ، إنما يقولها الأطفال في بداية عهدهم بالكلام .


و كان أبي معدوداً من مقدمي فقهاء المذهب الحنفي في الشام و كان أمين الفتوى عند المفتي الشيخ أبي الخير عابدين ، و كان يُستفتى في حياة مشايخه . و لما صار رئيس ديوان محكمة التمييز ( محكمة النقض ) على عهد الشريف فيصل كانوا يدعونه للمشاركة في دراسة القضايا الشرعية ، سمعت ذلك من رئيس المحكمة الأستاذ مصباح محرم و من بعض الأعضاء فيها كالشيخ سليمان الجوخدار ، الفقيه القانوني الذي كان مفتي الشام قبل الشيخ أبي الخير و الذي صار رئيس محكمة التمييز و وزير العدل ، و من القاضي الوزير النصراني يوسف بك الحكيم و من القاضي صلاح الدين الخطيب الذي صار ـ بعدُ ـ حَمي ( والد زوجتي ) و من زميله في عضوية المحكمة الشيخ مسعود الكواكبي عضو المجمع العلمي ، و من عضو المحكمة الشيخ علي عياد والد الدكتور كامل عياد .


و لما مات وعدنا إلى حارتنا القديمة كان يسكن قريباً منا الشيخ أبو الخير الميداني ، و هو صديق أبي و زميله في القراءة على الشيخ سليم المسوتي ، الذي كان من كبار المشايخ المعلمين الصالحين . و هو ألباني الأصل لم أدركه و لكني أحببته لكثرة ما سمعت من أخباره من أبي و من شيخنا الميداني و عن كرمه العجيب الذي يجاوز حد التوسط بين غل اليد بخلاً و بسطها كل البسط سفهاً ، لا تعمداً منه مخالفة أمر الله ، أعوذ بالله أن يتعمد هذا مسلم و لكنها طبيعة طبعه الله عليها .


و كان يوماً في رمضان و كان مجلسه قريباً من باب الدار و كانت مائدة الإفطار قد أُعدت و دنا المغرب فقرع الباب فقيرٌ يسأل و يقسم أن أهله في البيت صيام و ليس عندهم شيء يوكل فتلفت فلم يجد حوله أحداً من أهله فتناول طبقاً و بعض الخبز فوضعها جانباً و قال له : احمل هذا كله فحمله فذهب به و دخل النساء فلم يجدن الطعام فسخطن و صِحن عليه و تكلمن كلاماً شديداً و هو صامت . و ضرب المدفع و أذّن المؤذن من جامع التوبة فإذا الباب يقرع و إذا بألوان الطعام من الحار و البارد و الحلو و الحامض تدخل عليه ! و إذا القصة أن سعيد باشا شمدين أحد كبار الوجهاء كان قد دعا ضيوفاً فلم يحضروا فأمر بحمل الطعام كله إلى دار الشيخ . فقال : أرأيتن مكافأة الصدقة ؟
أعود إلى حديث الشيخ أبي الخير . الذين يؤثرون فيك ببلاغتهم و طلاقة ألسنتهم ـ إن سمعتهم ـ كثيرون ، و كثيرون هم الذين يأسرونك بروعة أسلوبهم و سحر أقلامهم إن قرأت لهم و الذين يعجبونك بصحة محاكماتهم و إصابة آرائهم إن أنت استشرتهم . كل هذا مُشاهد في كل بلد معروف في كل زمان و لكن أعجب من هؤلاء كلهم ناس لا يتكلمون و إن تكلموا لم يكُن لهم من سحر البلاغة ما يُعجز الكاتبين و هم مع ذلك يبلغون من التأثير عليك ما لا يكون مثله لكاتب و لا لخطيب .
إنهم يؤثرون بحالهم لا بمقالهم و من هؤلاء شخنا الشيخ أبو الخير الميداني و منهم شيخه و شيخ الشام الشيخ بدر الدين الحسني و ممن عرفت في مصر شيخ مشايخنا السيد الخضر حسين الذي صار شيخ الجامع الأزهر و منهم العالم اللغوي المحقق أحمد تيمور باشا .


و عندي في هذا الباب أخبار كثيرة أروي الآن واحداً منها ، حدثني به في مصر الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب " الرسالة " عن شيخ سماه و نسيت أنا اسمه ، قال : كان هذا الشيخ مدرساً لا يعرف من الدنيا إلا الجامع الأزهر الذي يدرس فيه ( قبل أن تدخل عليه تاء التأنيث فيصير جامعة ) و البيت القريب منه الذي يسكنه و الطريق بينهما . فلما طالت عليه المدة و علت به السن و اعتلت منه الصحة احتاج إلى الراحة فألزمه الطبيب بها و أشار عليه أن يبتعد عن جو العمل و عن مكانه و أن ينشد الهدوء في البساتين و الرياض و على شط النيل .
فخرج فاستوقف عربة و لم تكن يومئذ السيارات و قال له : خذني يا ولدي إلى مكان جميل أتفرج فيه و أستريح .
و كان صاحب العربة ( العربجي ) خبيثاً فأخذه إلى طرف الأزبكية حيث كانت بيوت المومسات و قال : هنا . قال : يا ولدي لقد قرب المغرب فأين أصلي ؟ خذني أولاً إلى المسجد . قال : هذا هو المسجد .
و كان الباب مفتوحاً و صاحبة الدار قاعدة على الحال التي يكون عليها مثلها . فلما رآها غض بصره عنها و رأى كرسياً فقعد عليه ينتظر الأذان و هي تنظر إليه لا تدري ما أدخله عليها و ليس من رواد منزلها و لا تجرؤ أن تسأله منعتها بقية حياء قد يوجد أمام أهل الصلاح حتى عند المومسات و هو يسبح و ينظر في ساعته . حتى سمع أذان المغرب من بعيد فقال لها : أين المؤذن ؟ لماذا لا يؤذن و قد دخل الوقت ؟ هل أنت بنته ؟
فسكتت . فانتظر قليلاً ثم قال : يا بنتي المغرب غريب لا يجوز تأخيره و ما أرى أحداً هنا فإن كنت متوضئة فصلي ورائي تكن جماعة . و أذّن و أراد أن يقيم و هو لا يلتفت إليها فلما لم يحس منها حركة قال : ما لك ؟ ألست على وضوء ؟
فاستيقظ إيمانها دفعة واحدة و نسيت ما هي فيه و عادت إلى أيامها الخوالي أيام كانت فتاة عفيفة طاهرة بعيدة عن الإثم و راحت تبكي و تنشج ثم ألقت بنفسها على قدميه . فدُهش و لم يدر كيف يواسيها و هو لا يريد أن ينظر إليها أو أن يمسها .
و قصت عليه قصتها و رأى من ندمها و صحة توبتها ما أيقن معه صدقها فيها فقال : اسمعي يا ابنتي ما يقوله رب العالمين : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إنّ الله يغفر الذّنوب جميعاً ) .
جميعاً يا ابنتي ، جميعاً . إن باب التوبة مفتوح لكل عاص و هو واسع يدخلون منه فيتسع لهم مهما ثقل حملهم من الآثام حتى الكفر ، فمن كفر بعد إيمانه ثم تاب قبل أن تأتيه ساعة الاحتضار و كان صادقاً في توبته و جدد إسلامه فإن الله يقبله . الله يا ابنتي أكرم الأكرمين فهل سمعت بكريم يغلق بابه في وجه من يقصده و يلجأ إليه معتمداً عليه ؟ قومي اغتسلي و البسي الثوب الساتر اغسلي جلدك بالماء و قلبك بالتوبة و الندم و اقبلي على الله . و أنا منتظرك هنا ، لا تبطئي لئلا تفوتنا صلاة المغرب .
ففعلت ما قال و خرجت إليه بثوب جديد و قلب جديد و وقفت خلفه و صلت صلاة ذاقت حلاوتها و نقت الصلاة قلبها .فلما انقضت الصلاة قال لها : هلمي اذهبي معي و حاولي أن تقطعي كل رابطة تربطك بهذا المكان و من فيه و أن تمحي من ذاكرتك كل أثر لهذه المدة التي قضيتها فيه و داومي على استغفار الله و الإكثار من الصالحات فليس الزنا بأكبر من الكفر و هند التي كانت كافرة و كانت عدواً لرسول الله و حاولت أن تأكل كبد عمه حمزة لما صدقت التوبة صارت من صالحات المؤمنات و صرنا نقول : رضي الله عنها .
و أخذها إلى دار فيها نسوة ديّنات ثم زوّجها ببعض من رضي الزواج بها من صالحي المسلمين و أوصاه بها خيراً .


لقد خرجت عن الخط و لكن لا كما يخرج القطار عن القضبان فينهار و يسبب الهلاك و الدمار بل كما يميل المسافر إلى الواحة فيها الظل و الماء فيجد الراحة و الريّ . فعفوكم إن جرتني المناسبة إلى سرد قصة ليست من صلب الموضوع و لكن أرجو أن يكون من سردها متعة أو منفعة .


أعود إلى موضوعي :


كان شيخنا الشيخ أبو الخير الميداني من هذا الطراز . كان كالشيخ بدر الدين الحسني يبلغ بصمته أحياناً ما لا تبلغ ألسنة الأبيناء من الخطباء و البلغاء من الكتّاب . و أنا أقول من قديم إني أسمع واعظاً أو محاضراً يتكلم ساعة أو أكثر في موضوع يجمع أطرافه و يكشف أسراره و يظهر خفاياه بأجود عبارة و أحسن إلقاء يحشد ما لا مزيد عليه من الأدلة و الشواهد فلا يحرك شعرة مني و لا يثير فيّ ذرة من خشوع . و أسمع من راكب في الحافلة أو ماش في الطريق جملتين ما فيهما فكر و لا بيان فتصلان مني إلى أعماق القلب و تثيران فيه مكامن الخشوع و ربما أسالتا عينيّ بالدمع .


فما السبب ؟ السبب أن محاضرة الأول خرجت من عقله و لسانه و كلمة الثاني صدرت عن قلبه و الذي يخرج من القلب يدخل القلب و الذي خرج من اللسان لم يجاوز الآذان .


و شيخنا الشيخ أبو الخير الميداني كان من أرباب القلوب لا أعني قلوب العشاق بل قلوب المؤمنين المتصلة أبداً بالله الحاضرة مع الله . و كان فوق ذلك محبوباً لا يستطيع أحد أن يكرهه لأنه لا يؤذي أحداً . كان لين العريكة حلو الشخصية رضيّاً لا يغضب من أحد و لا يُغضب أحداً .كانت له نفس شفّافة . إذا أنت قعدت وراء الجدار حجب عنك ما بعده فلا تراه و لكن إن كان الجدار من بلّور حماك من البرد و المطر و لم يحجب منك النظر و هذا مثال نفس الشيخ .


كان نقشبندياً ، و النقشبندية أقرب الطرق إلى الاعتدال و أبعدها عن المخالفات و لما نُقلتُ إلى كركوك في العراق مدرساً قبيل الحرب العالمية الثانية لقيت كثيراً من مشايخها من الأكراد منهم الشيخ علاء الدين و منهم الملا أفندي و كدت أتلقى الطريقة يوماً من أحد مشايخها الكبار و هو الشيخ أبو النصر خَلَف . ثم تركتها كما تركت غيرها و قلت : أمشي على الجادة العريضة ما لي و لبُنَيّات الطريق ؟ و الجادةُ هي الكتاب و السنة و الفقه المستمد منهما .


سقى الله أيامي مع الشيخ أبي الخير ! لقد كانت من أمتع أيام حياتي . و داره الفسيحة التي لم يكن لها رونق دور الأغنياء المترفين و لكن لها سعتها و هدوؤها و زهرها و شجرها . كنت أرقب ـ النهار كله ـ ساعة الدرس في المساء و كان يحضره أربعون أو خمسون و كان درس النحو . و لقد قرأت عليه " الأزهرية " و " القطر " و " الشذور " و " ابن عقيل " و كان يشرح باللهجة العامية و لكن طريقته تثبت النحو حتى لا يمكن أن ينُسى .


كان يقول مثلاً : " جاء قاضيٌ " .... قاضيٌ ؟ أترونها سائغة ، الياء لتحت و الضمة فوق ؟ فوق و تحت معاً ؟ لا ، لا ، فلنحذف هذه الضمة . " جاء قاضين " ساكنان ؟ تصوروا التقاء ساكنين ساكتين ! هذا مجلس لا يطاق فلينصرف أحدهما . لقد انصرف فصارت : جاء قاض ٍ .
و كان أكثر الحاضرين أكبر مني سناً و لكني كنت أكثرهم علماً فأقامني معيداً للدرس و كان لد درسان في الأسبوع للحديث قرأنا فيهما الصحيحين و بعض سنن أبي داود و كان له مجلس للختم ، مجلس نقشبندي ، حضرته مرة فلم يرتح له قلبي ، فاستعفيته منه فأعفاني . و أنا و الحمد لله لم أدخل في " طريقة " من الطرق الصوفية و لا " حزب " من الأحزاب السياسية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 22-Apr-2010, 08:45 PM   رقم المشاركة : 56
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 12 )


من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :


" كنت إن برقت لي بارقة من جمال في وجوه البشر أو صفحات الكون أحسست بالعاطفة تشتعل في صدري و المشاعر تلعب بشغاف قلبي فأفزع إلى القلم لأسجّل ما أحسست به فيسابق قلمي فكري . و إن قرأت أخبار الوفاء أو الغدر أو سمعت أنباء الخير أو الشرّ شعرت بالأفكار تقرع جوانب رأسي فأسارع إلى القلم لأقيّدها فأسكّنها . و إن صافح سمعي أبيات من شاعر ينظم حبات قلبه عقود بيان ( لا كشعر هذا الزمان ) أو نغمات من مغنًّ يصوغ عواطفه طاقات من ألحان هزتني فهززت قلمي . أسمع المغني في هدآت الليل يقول " آه " فأحسّ أنه يوقظ نائم الأشجان في كل قلب عاشق هيمان ، أو مفجوع أسيان ، حتى يقول معه " آه " يقتلعها من أعماق فؤاده و إن نادى " يا ليل يا ليل " أصغى إليه الليل و توقف يستمع فما يسير و تأخر الفجر و استمهل حتى يفرغ من نداء الليل " .
ج1 ص 40 ،41













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 22-Apr-2010, 08:46 PM   رقم المشاركة : 57
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 13 )


من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :


" كان كل ما أرى و كل ما أسمع يجعلني أكتب ، أقوم من منامي و أكتب ، و أقف على جانب الرصيف لأكتب ، و لطالما كتبت المقالات و القصص على حواشي الجرائد و على كيس البقال ! لقد قرأت مرة ما كتبه الأستاذ محمد نمر الخطيب عن " بنات العرب في إسرائيل " و أنا على قوس المحكمة بعدما فرغت من المحاكمات فكتبتها على كل قطعة ورق تحت يدي لم أنتظر حتى أنزل عن القوس إلى غرفتي و لم أنزل حتى كتبت القصة كلها في جلسة واحدة . "
ج1 ص 41













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 25-Apr-2010, 08:00 AM   رقم المشاركة : 58
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 25 :

أسرة الخطيب وبعض الأسر العلمية في دمشق

تلقيت رسالة من أطرف الرسائل تقول مرسلتها ( الجوهرة ) : إنها فتاة متعلمة ، تحبني وتعتب عليّ ، تحبني كما كانت تحب جدها ، الذي فجعت بوفاته ، وأنها لما رأتني في الرائي شبهتني به ، فهفا قلبها إليّ ، وفكرت أني ربما لحقت به ، فبكت ...

******

بكتني وأنا حي ، ورثتني قبل أن أموت ... ألا ترون أن هذا هو الصواب ؟ وما أدري لماذا ينتظر الناس حتى يموت الرجل ، ليندبوه ويرثوه ويثنوا عليه ، وينحلوه مزايا ليست له ، وفضائل ما كان له حظ امتلاكها ، وإن كان كاتباً او شاعراً ، فسّروا أدبه تفسيراً لم يكن يخطر على باله ، ونسبوا إليه أفكاراً ما خرجت قط من رأسه ، بل ما دخلت إليه ...
فهلاَّ كان ذلك وهو حي يسمع ويرى ، حتى يسرّ بالثناء ، ويصحّح الخطأ ؟!
أما وجه عتبها عليّ فلأني ذكرت أبي ولم أذكر أمي إلاّ عرضاً في أسطر معدودة . ولم أُسَمّها ولم أبين كيف تزوج أبي بها .
وتسألني هل أنا على عادة الشيوخ من أهل بلدي ، أحسب أن من المروءة ألا أصرح بأسماء النساء ، لذلك يقول الواحد منهم ( الأهل ) و ( العائلة ) و ( أم الأولاد ) ، يرى عيباً أن يقول ( زوجتي ) ، فضلاً عن أن يقول ( فلانة ) باسمها ...
... إلى آخر ما جاء في كتابها .

******

وجوابي : أن لا . لست في هذا على عادة شيوخ بلدي . ومن ظن أن التصريح باسم زوجته عيب ، أو حسب أنه مُخل بالمروءة ، فإني أخشى عليه الكفر ، لأنه يكون قد نسب العيب ، والإخلال بالمروءة إلى أكمل البشر وأفضلهم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقد ورد في الصحيح أنه صرح باسم عائشة وفاطمة وأمها خديجة ، ولم ير في ذلك عيباً .
واسم أمي رئيفة بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب ، شقيقة الأستاذ محب الدين الخطيب . أما كيف تزوج بها فأنا أمتنع عن ذكره .... لماذا ؟! لأنني لا أدريه . لا تعجبوا إذا قلت لكم : أن الغرباء دعوا إلى حضور العقد ، وأنا ولدها لم أدع إليه . إي والله ، لم أدع إليه .... ولم أعلم به إلاّ بعد إتمامه بزمن طويل .
الزوج له الحق في أن يختار زوجته ، مع أنه يستطيع إذا لم يَرضَها أن يفارقها ويتزوج غيرها . وأمي لا سبيل لي إن لم تعجبني أن أتبرأ منها وأتخذ لي أماً غيرها ، فكيف إذن لم يؤخذ رأيي فيها ؟.
أليس لي أن أبدي موافقتي على المرأة التي ستكون أمي ؟ .

******

لكن لا تحسبوا أني لم أرضها ، أو أني أنكرت اختيار أبي إياها ، أو أنني لو كنت معه لما فكر في خطبتها ( أو خطبها أبوه له ، فما كان الرجل يخطب المرأة بنفسه ) لو كنت معه وسألني عنها ، لما رضيت غيرها ، رحمه الله ورحمها فلقد عهدتها ( لما عرفتها ) امرأة صالحة . كانت مثلاً عالياً للمرأة المسلمة الراضية عن الله ، الصابرة على ما قضاه ، جمعت بين الخلق ، وبين النسب ، أما الجمال فبعينه وحده ، لا بعيني أنا ، يكون الحكم عليه ، الزوج يميز جمال امرأته من قبحها ، أما الولد فلا يرى أمه إلاّ جميلة ، ولو كانت أمةً سوداء ، ولو كانت عجوزاً وجهها أخاديد وحفر ، وهذا يؤكد مذهب ( طاغور ) في الجمال ، وأنه ليس ببهاء الطلعة ، ولا بتناسق الأعضاء ، ولا بسحر العيون ، ونضارة الوجه ، كل هذا من شروط الجمال ، لا أنازع فيه ، ولكن أسأل : لماذا ترى الممثلة في المسلسلة أو الفِلم جميلة بارعة الجمال ؟ وترى ممثلة أخرى دونها جمالاً ، فتقوم الأولى بدور الكذب والمكر ، والثانية تمثل الصدق والطهر ، فلا ينقضي الفِلم حتى تصير الأولى قبيحة في نظرك ، تتمنى لو أطبقت بأصابعك على عنقها فخنقتها ، وتصير الثانية ملكة الجمال ؟.
ألي معنى هذا أن سر الجمال كما يقول ( طاغور ) هو الإخلاص .
أما أسرة أمي فهي إحدى الأسر العلمية في الشام ، حدثني خالي محب الدين الخطيب ، ثم نشر ما حدثني به ، أن أصلها من بغداد ، ثم نزلت حماة ، ونزح فرع منها إلى قرية عذراء ( عدرا ) التي ذكرها ياقوت في معجم البلدان فقال : إذا انحدرت من ثنية العقاب وأشرفت الغوطة رأيتها أول قرية تلي الجبل .
وثنية العقاب هي التي تدعى اليوم الثنايا ( التنايا ) تمر بها حين تعلو في الجبل ( جبل لبنان الشرقي ) متوجهاً إلى حمص ، وإلى جنب عذراء تقع ( الضمير ) التي ذكرها المتنبي في قصيدته التي ودع بها سيف الدولة .
والذي انتقل منهم إلى دمشق الشيخ عبدالرحيم بن محمد الخطيب المدفون في مقبرة الدحداح سنة 1199 وقد بلغت ذريته اليوم ، أي بعد مئتي سنة من انتقاله إليها الآلاف ، وغدت من أكبر الأسر الدمشقية ، وقد سخر الله عبقرياً من أبناء هذه الأسرة ، وكان رساماً فناناً ، فأحصى أفرادها ، وجعل لهم سجلاً مثل سجلات النفوس الرسمية ، في دائرة الأحوال المدنية ، لكل منهم صفحة فيها اسمه واسم أبويه وولادته وزواجه وطلاقه وأسماء أولاده ، وجعل للسجل فهرساً ، ثم صنع للأسرة شجرة رسمها بالزيت على القماش المشمع وجعل لها فروعاً ، وجعل للولد ورقة وللبنت ثمرة ، وجعلها بطناً بعد بطن حتى زادت في حياته رحمه الله على تسعة بطون . وطول لوحة الشجرة أكثر من ستة أمتار وعرضها نحو الأربعة ، وقد اشترتها منه الحكومة السورية ، وهي معروضة في متحف الفنون الشعبية ، في قصر العظم في البزورية .
وهذا الرجل هو ابن خالتي الشيخ سهيل الخطيب ، وربما عدت إليه ، فتكلمت عنه .
كان الشيخ عبدالقادر الخطيب حفيد الشيخ عبدالرحيم من علماء دمشق ، أخذ عن أبيه وعن الشيخ عبدالرحمن الكزبري ، وعن الشيخ سعيد الحلبي . وكان له أربعة من الولد كلهم علماء : أبوالفرج وأبوالخير وأبوالنصر وأبوالفتح ، والشيخ أبو الفرج هو والد الشيخ عبدالقادر خطيب جامع بني أمية ، والمدير العام للأوقاف ، يوم لم تكن لها وزارة فكان هو المرجع الأعلى فيها ، والأستاذ صلاح الدين الخطيب عضو محكمة التمييز ( أي محكمة النقض ) وهو والد زوجتي ، والشيخ أبوالنصر هو خطيب الجامع الأموي القاضي العادل الجريء صاحب النوادر ، والشيخ أبوالفتح هو ( أبو أمي ) .
قال في الأعلام : أنه ( ولي أمانة دار الكتب الظاهرية ، والتدريس والوعظ في الجامع الأموي ، وكان يميل إلى التقشف ، ويكره معاشرة الحكام ، له مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ، مخطوط في خمسة مجلدات ، وهو في الخزانة التيمورية في مصر ، بخطه ، مولده بدمشق 1250 ووفاته فيها 1315 ، وهو والد السيد محب الدين الخطيب صاحب مجلتي الفتح والزهراء ) .
قال : ( وله ترجمة في منتخبات التواريخ 706 ، وفي الأعلام الشرقية 2: 67 ) .

******

والأسر العلمية في دمشق كثيرة ، أذكر ما يخطر منها على بالي ، وربما ذكرت أسرة جليلة ونسيت أجل منها ، وربما قدّمت بالذكر من يتقدمه بالمنزلة من أخرت ، فلا تؤاخذوني ...
هذا يوم كانت الشام كما كانت أكثر بلدان الإسلام ، يتعارف أهلها ، يعرف بعضهم بعضا ، يقدمون أهل الفضل ، لا ينكرون عليهم فضلهم ، لم يكن قد اختلط الحابل بالنابل ، والأصيل بالدخيل .

بعض أسر دمشق :

فمن الأسر العلمية آل العمادي ، وقد استمر فيهم منصب الفتوى أمداً طويلاً . من أشهرهم الشيخ حامد العمادي ، وله الفتوى الحامدية ، التي نقحها الشيخ ابن عابدين صاحب الحاشية .
وقد انتزع منصب الإفتاء منهم الشيخ إسماعيل الحايك ، في قصة طريفة سمعتها من أستاذنا محمد كرد علي ، وذكرتها في مقالة عنوانها ( التشجيع ) نشرت في الرسالة في أواسط الثلاثينات ( الثلاثينات أي عشر الثلاثين 1931 – 1939 ) ، وهي في كتاب ( فكر ومباحث ) .
ومنهم آل الحمزاوي ، وهم أقدم الأسر الشامية ، ومن أشهرهم مفتي الشام محمود أفندي الحمزاوي .
وآل الكزبري نسبة إلى جدهم الشيخ علي كزبر ، وأجلهم الشيخ عبدالرحمن الكزبري . وآل الغزي وكان إفتاء الشافعية ( غالباً ) فيهم ، وآل العطار وأصلهم من حمص من أشهرهم الشيخ حامد العطار ، وأبوه الشيخ أحمد الذي ندب الناس لدفع نابليون لما حاصر عكا ، وكان عصري الشيخ عبدالرحمن الكزبري ونظيره في العلم ، وثالثهما الشيخ عبدالرحمن الطيبي ، وكان لحامد خمسة من الولد كلهم عالم معروف ، منهم الشيخ بكري العطار وهو أشهرهم وياسين وهو والد الشيخ سليم المشهور ، والشيخ ابراهيم وهو والد الشيخ رضا القاضي في المحكمة الشرعية وهو أبو الأستاذ عصام زوج بنتي رحمها الله ، وآل الشطي وهم فقهاء حنابلة فرضيون ، أصلهم من بغداد ، من أجلّهم : الشيخ حسن الكبير المتوفي سنة 1274 . أخذ عن المشايخ : مصطفى السيوطي ، وغنام النجدي ، وعبدالرحمن الكزبري ، وعبدالرحمن الطيبي . وولده الشيخ أحمد الشطي مفتي الحنابلة في دمشق . المتوفي سنة 1307 ، وهو والد صديقنا بل أستاذنا الشيخ حسن الشطي ، قاضي النبك ، وقاضي دوما ، وقاضي دمشق ، وقد خلفته في المحاكم الثلاث . والشيخ عمر ، وهو أخو الشيخ أحمد والد صديقنا الشيخ جميل الشطي مفتي الحنابلة في دمشق ، ومؤلف كتاب ( أعيان دمشق ) .
وآل السيوطي ومنهم الشيخ مصطفى مؤلف كتاب ( مطالب أولي النهى ) وأصلهم من قرية الرحيبة بجوار القطيفة ، على جانب الطريق من دمشق إلى حمص . وهو شرح كتاب ( غاية المنتهى ) للشيخ مرعي الكرمي ، نسبة إلى بلدة طور كرم( طولكرم ) ( تسعة أعشار الحنابلة من عندنا : من الشام ) المتوفي 1243 . وآل الخاني وأشهرهم الشيخ محمد الخاني الكبير ، وأصلهم من ( خان شيخون ) بين حلب وحماه .
وآل البيطار وأشهرهم شيخنا العالم النظار السلفي الشيخ محمد بهجة ، مدير المعهد العلمي في مكة ، ثم كان المؤسس والمدير للمعهد السعودي . ومن العجائب أن أباه كان صوفياً من غلاة الصوفية .
وآل القاسمي وعلمهم الشيخ جمال الدين ، صاحب المصنفات الكثيرة ، وكان عالم الشام .
وآل الأيوبي ومن صحبت منهم العالم المربي الشيخ توفيق الأيوبي ، مدير أول مدرسة شرعية فتحتها الأوقاف في الشام ، وكانت في المدرسة السميساطية على الباب الشمالي للجامع الأموي ، وكانت فيها قديماً دار عمر بن عبدالعزيز ، وأكثر رجالها من أرباب الوجاهة والمناصب ، أظهرهم عطى بك الأيوبي الذي ولى رئاسة الوزارة مراراً . وآل محاسني ومن أقدمهم موسى وكان خطيب الأموي ، وقام بالخطابة بعده ابنه أسعد 1218 ، ومنهم أستاذنا في معهد ( أي كلية ) الحقوق المحامي العالم الأستاذ سعيد ، وبعده رفيقنا الوزير المحامي الأستاذ أسعد ، وصديقنا الشاعر الذي كان معنا في مكتب عنبر ، ثم كان معنا مدرساً في مكة زكي المحاسني ، وكان التدريس تحت القبة للشيخ عبدالرحمن الكزبري ، ثم لولده الشيخ مسلم ، ثم انتهى إلى الشيخ بدر الدين الحسني وهو جد زوجتي لأمها .
وكانت نقابة الأشراف للشيخ أحمد العجلاني ، ثم للشيخ مسلم الكزبري ثم للشيخ أحمد منجك العجلاني ، ثم للشيخ صالح تقي الدين ، ثم لولده الشيخ أديب مؤلف كتاب ( منتخبات التواريخ ) ، ثم عطّلت زمناً . ثم وليها السيد محمد سعيد الحمزاوي فجدّد لها بعض مجلدها ثم ألغيت الوظيفة .
وآل الأسطواني ، وكلمة الأسطواني تقابل كلمة العمودي هنا ، أو في حضرموت ، وأجّل من عرفت منهم الشيخ عبدالمحسن الأسطواني رئيس محكمة التمييز الشرعية ، المعمّر الذي عاش مئة وثماني عشرة سنة ، وما فقد شيئاً من علمه ولا من ذاكرته ، وسأعود إلى الحديث عنه ، والفقيه الشيخ محمد شكري مفتي دمشق ، والقاضي الأستاذ وجيه الأسطواني رئيس المحكمة العليا ، وخطيب الجامع الأموي الشيخ حسن ، وحفيده زميلي في القضاء الذي توفي شاباً ، الشيخ عبدالرؤوف ، وسلفي في القضاء الشيخ عبدالفتاح .
وآل الباني ، نسبة إلى قضيب البان اشتهر منهم : الشيخ عبدالرحمن ، ثم ولده ( أستاذنا ) الشيخ سعيد الباني – وهو عالم محقّق – له كتابان : عمدة التحقيق المطبوع سنة 1341 ، وكتاب في الذهب والحرير ، وهو مفكر يحقق النص ويعمل فيه عقله ، ويجعل منه شيئاً جديداً ، وإن لم يخالف القديم . ومن آل الباني الأستاذ عبدالرحمن ( الحفيد ) ، وهو عالم ديّن كان مفتش العلوم الإسلامية في وزارة المعارف السورية ، فأدى في الوظيفة حق الله ، ووفى الأمانة ، وأفاد ناشئة المسلمين .
ومنهم آل الحسيبي وكانت فيهم نقابة الأشراف آخر القرن الثالث عشر وأول تاليه . وآل المنيني وأصلهم من طرابلس الشام ، وكان فيهم الإفتاء وتدريس القبة أوائل القرن الرابع عشر .
وآل المنيّر من شيوخهم : الشيخ أسعد المتوفي 1242 ، ومنهم اليوم أمين الفتوى الشيخ عبدالحكيم .
وآل المرادي ، وأصلهم من بخارى ، وآل السفرجلاني ، وأل الجندي وأصلهم من المعرة ، ومنهم مفتي دمشق الشيخ أمين الجندي ، وسميّه الشاعر العَلَم ، وأستاذنا سليم الجندي .
وآل المالكي ، وأل الحلبي وكان منهم الشيخ سعيد شيخ علماء الشام وولده الشيخ عبدالله ، وآل السويدي وأصلهم من العراق ، أعرف منهم الشيخ أمين سويد ( السويدي ) الذي كان مدرساً في مدارس الفلاح ، جاء به مؤسسها الرجل الذي يستحق أن تؤلف في سيرته كتب لا كتاب : محمد علي زينل ، عرفته في جدة من نصف قرن ، وفي بومباي من ربع قرن .
وآل قَزّيها كان منهم الشيخ مصطفى أمين الفتوى توفي 1257 .
ومن القرّاء الشيخ أحمد دهمان ، والشيخ محمد الحلواني ، وقد جوّدت قراءتي عليه ، والشيخ عبدالرحيم دبس وزيت ، وولده الشيخ عبدالوهاب وقد قرأت عليهما ، والشيخ عبدالله المنجد ، وهو أول من جمع في دمشق بين طريقتي الشاطبية والطيبة ، وكان أستاذه في الطيبة حافظ باشا المشير العثماني ، - فماذا يقول الذين يدعون الحكم العثماني استعماراً ، ويقرنونه باستعمار الكفار – وهو والد الصديق الدكتور صلاح الدين المنجد ، وآخر ما صدر له ( معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهو كتاب جليل .
وعندنا في الشام مجموعة أسر نجدية ، كان أهلها غالباً أدلاّء في طريق الحج ، يدعوهم الناس ( العقيل ) منهم : آل الرواف ، وآل البسام ، وآل الشبل . ومن كرام الأسر الشامية : آل القوتلي ، آل العظم ، آل العظمة ، آل البكري ، آل الشمعة ، آل المهايني ، آل حتاحت ، آل الطباع ، آل الجلاد ، آل العاني ، آل العابد ، آل شورى ، القدسي ، الركابي ، السقطي ، الحنبلي ، الدّرا ، القنواتي ، القطب ، النحلاوي ، سكر .
ومن الأسر الشامية : آل البرهان ، وآل القضماني ، وآل البارودي ، وآل شمدين ، والألشي ، والدردري ، والموقع ، وبدير ، وشيخ الأرض ، والخجة ، وأبوالشامات .
وقد نسيت أن اعد في الأسر العلمية آل عابدين ، ومنهم أعظم فقيه حنفي ظهر في القرنين الأخيرين وهو صاحب الحاشية التي هي عمدة المفتي على المذهب الحنفي ، ومنهم المفتي الشيخ أبوالخير الذي كان أبي أمين الفتوى عنده ، وولده المفتي الطبيب آخر العلماء شيخنا الشيخ أبو اليسر .
رحم الله من مات ، وثبت من بقي على ما يرضيه ، وغفر لنا ما نسينا أو أخطأنا .

------------------------







 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-Apr-2010, 08:11 PM   رقم المشاركة : 59
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 14)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" لا تعجلوا علي فتغبطوني أن انتقلت من ذلك الكُتَّاب المُعتم إلى هذه المدرسة المشرقة و من ضيقه إلى سعتها فقد يعيش المرء سعيداً في الكوخ و قد يشقى في القصر . أما أنا فقد استهللت دراستي شقياً في الكتاب و شقياً في المدرسة ."
ج1 ص 43













التوقيع

آخر تعديل أبو خيثمة يوم 26-Apr-2010 في 08:14 PM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-Apr-2010, 08:12 PM   رقم المشاركة : 60
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الذكريات في كلمات ( 15)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" كان المدير العام لهذه المدرسة ( المدرسة التجارية ) هو أبي الشيخ مصطفى بن أحمد بن علي بن مصطفى الطنطاوي ، و هذا كل ما أعرف من نسبي ، أما الباقي فاسألوا عنه أهل طنطا فإنه هناك ، و لن يعرفه أحد لأن لقب الطنطاوي أخذناه في الشام ، فماذا كان لقب أسرتنا هناك ؟
ج1 ص 44
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
الذكريات في كلمات ( 16)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" كان المدير هو أبي فهل تحسبون أني كنت مدللاً مكرماً لأني ابن المدير ؟ لا و الله و لقد رأيت أول عهدي بها ما كرّه إليّ العلم و أهله ، و لولا أن تداركني الله بغير معلمي الأول لما قرأتم لي صفحة كتبتها و لا سمعتم مني حديثاً أو خطاباً ألقيته ، بل لما قرأت أنا كتاباً ."
ج1 ص 45













التوقيع

آخر تعديل أبو خيثمة يوم 26-Apr-2010 في 08:15 PM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, أحمد, الندى, الطنطاو

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 10:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع