« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قائمة المتميزين الجديدة (آخر رد :النسر)       :: شاركوا معنا في هذه الحملة (آخر رد :الذهبي)       :: تجدد المظاهرات المطالبة بإسقاط صالح (آخر رد :النسر)       :: أبحاث علمية (آخر رد :النسر)       :: حقيقة الأهرامات وزيف حضارة اسمها الفراعنة‎ (آخر رد :إبن سليم)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)       :: ليش ماتشاركونا (آخر رد :النسر)       :: ثورة ليبيا وسقوط القذافي (آخر رد :النسر)       :: العربي التائه! (آخر رد :النسر)       :: اربيل "مدينة الاحلام" فى كردستان العراق (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 22-May-2010, 08:41 PM   رقم المشاركة : 76
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 28)

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" يا لله كم في حياتي من منعطفات ! و كلما انعطف بي الطريق مرة في وادي العمر تبدلت المناظر من حولي . كنا في المدرسة التجارية نتعلم اللغة التركية فصرنا هنا ندرس اللغة العربية و كنا نهتف في الصباح " باديشاهم جوق يشا " فصرنا نهتف " يعيش الاستقلال العربي " و كنا قد بدأنا نتلقى مبادئ اللغة الفرنسية فصرنا نتلقى مبادئ الإنكليزية " .
ج1 ص 73













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jun-2010, 02:07 AM   رقم المشاركة : 77
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 29 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" و كان في دمشق مدرسة سلطانية واحدة هي " مكتب عنبر " ثم فُتحت في أواخر حكم الأتراك مدرسة أخرى . و كنا نسمي المدرسة " المكتب " و " السلطاني " معناها الثانوي و هذه المدرسة هي " المكتب السلطاني العربي " و قد كانت في طريق " ستي زيتونة " و ممن أعرفه درس فيها أستاذنا الشيخ زين العابدين التونسي و الشيخ عصام الدين الحسني و هو ابن الشيخ بدر الدين الحسني و الأخ الأكبر للشيخ تاج الدين الذي صار رئيس الجمهورية السورية و والد الصديق الشيخ فخر الدين مدير دائرة الإفتاء في سوريا سابقاً " .
ج1 ص 74













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jun-2010, 02:08 AM   رقم المشاركة : 78
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 30 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" أما السلطانية الثانية التي دخلتها فقد فُتحت بعد دخول الشريف فيصل بن الحسين و لورانس الإنكليزي دمشق و كانت ابتدائية و سلطانية ( أي ثانوية ) مدير القسم الابتدائي الأستاذ شريف آقبيق ( و قد سمعت أنه لا يزال حياً ، قواه الله ) و مدير الثانوي و " المدير العام " هو شيخ المعلمين الرسميين في الشام الأستاذ سعيد مراد " .
ج1 ص 75













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jun-2010, 02:09 AM   رقم المشاركة : 79
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 31)

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" و ذهبت مدرستنا مع ما ذهب و ذهبت معها قطعة من حياتي . و كم كانت لنا فيها من آمال و كم حملنا فيها من آلام فأين آمالنا فيها و أين آلامنا ؟ لقد كانت دنيانا كلها مختصرة فيها كما يُختصر الكتاب في صفحات و كما تقطر قارورة العطر في قطرات فأين دنيانا تلك يا ناس ؟
أين من كانوا يقعدون فيها على المقعد الواحد ؟ لقد رفع الدهر منهم قوماً و وضع آخرين ، اغتنى ناس و افتقر ناس و ربما صار ( بل لقد رأينا بأعيننا ) ابن الآذن ( الفرّاش ) قد صار هو الرئيس ، و ابن الرئيس قد أمسى فرّاشاً أو مثل الفرّاش !
هذه هي الدنيا فالأحمق من اطمئن إليها و وثق بدوامها و لم يحسب حساباً لتداول الدول و تبدل الأحوال و ظنّ أن ما نال منها من مال و مجد و سلطان باق له ما علم أنه لو دام على من قبله ما وصل إليه ".
ج1 ص 82













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jun-2010, 02:09 AM   رقم المشاركة : 80
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 32 )

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" لقد كانت معركة ميسلون منعطفاً خطيراً في تاريخ بلادي و ما أكثر المنعطفات في قصة حياتي ! ذلك لتعلموا أن حياة الإنسان لا تقاس بطول السنين بل بعرض الأحداث فلقد بلغ عمري في التاريخ الذي أكتب عنه اثنتي عشرة سنة فقط و لكني رأيت فيها حكم الأتراك و حكم العرب و من ورائهم الإنكليز مستخفين بأشخاصهم ظاهرين بأعمالهم كالوسواس الخنّاس مع الناس . و سأشهد قريباً حكم الفرنسيين و هم ظاهرون ظهوراً قوياً و لكن أثرهم ـ إن قيس بأثر أولئك ـ كان ضعيفاً " .
ج1 ص 90













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jun-2010, 02:11 AM   رقم المشاركة : 81
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الحلقة 30
النجاح في البكالوريا و السفر إلى مصر
مرت بمكتب عنبر قبلنا أفواج و أفواج لكن لم يلق واحد منها ما لقيناه من عقبات عند دخولنا إليه و خروجنا منه .
كان من قبلنا يدخلون إليه من الباب المفتوح فما هي إلا أن يبرزوا الشهادة حتى يُدعوا إلى الدخول فوضعوا أمامنا نحن سداً لم نستطع أن نتخطاه بشهاداتنا وحدها بل بمسابقة أجروها بيننا فلم يدخله إلا السابقون منا .
و كان من قَبلنا يمتحن في المدرسة بما تعلم فيها فيُمنح إجازتها و يخرج منها فلما عُدت إلى المدرسة بعد ابتعادي عنها و اشتغالي بالمحاسبة و بالتجارة كان ذلك في سنة 1927 و كانت عودتي إلى شعبة الأدب و وفّق الله و كنت الأول بين رفاقي . في آخر تلك السنة حين لم يبق منها إلا شهران فوجئنا بإحداث نظام البكالوريا و بقرار الفرنسيين أن تطبق علينا المناهج التي تطبق على طلاب فرنسا و أن تُقرر لنا الكتب التي كانت مقررة لهم .
و استعدّ لها من كان أمامنا الاستعداد الذي قدروا عليه في المدة القصيرة التي كانت قد بقيت بينهم و بينها و كانت نسبة النجاح ضئيلة بل كانت مرعبة إذ كان الناجحون فيما أذكر لا يزيدون على ثلث الطلاب و كان منهم أو كان فيمن يخطر على بالي الآن منهم جميل سلطان و زكي المحاسني و عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) و بشير العظمة و منير شورى و عبد الباسط العلمي و من حلب أسعد الكوراني .
و كنا نحن بعدهم فتهيأنا من أول السنة لامتحان البكالوريا و من العجائب أني تركت شعبة الأدب و دخلت البكالوريا في شعبة العلوم ! و مرت السنة و ساقونا إلى الامتحان في البناء الذي كنت حدثتكم عنه لما انتقلت إليه مدرستنا السلطانية الثانية سنة 1919 . هذا البناء القائم بين التكية الكبرى تكية السلطان سليمان القانوني و التكية الصغرى تكية السلطان سليم على نهر بردى بعمارتها التي تشبه قصراً صغيراً من قصور أوربا في القرون الوسطى .
جمعوا فيه لهذا الامتحان الرهيب طلاب الثانوية الرسمية مكتب عنبر و المدارس الأهلية الإسلامية و المدارس النصرانية العازارية و الفرير و اللاييك و غيرها و طالبات هذه المدارس كلها و جاء اليوم الذي لا أنساه يوم وقفنا نستمع إلى دنلوب سوريا المستشار المسيو راجيه يقرأ أسماء الناجحين و كان قلبي كما قال الشاعر :
كأن قطاة رُكّبت بجناحها على كبدي من شدة الخفقان
و يظهر أن الشاعر من كثرة اضطرابه خلط بين الكبد و بين القلب ( و العرب تسمى القلب كبداً) و كانت كل خلية في جسدي أذناً مرهفة تستمع أتصور الرسوب فأنظر أين أهرب حتى لا يراني الناس و إلى أين أهرب حتى لا يعيّروني برسوبي تمر علي الخواطر كأنها شريط سينما قد أفلت فهو يكر بسرعة حتى ما يستطيع الناظر إليه أن يتبين مشاهده لا أنظر إلى أحد و لا ينظر إلي احد قد شُغل كلٌّ بنفسه . و فجأة سمعت المستشار ينادي : بوش غا كود سي آلي تان تاوي ( أي بشرى قدسي ، علي الطنطاوي ) .
لما سمعت اسمي لم أعد أبالي بشيء و صار همي أن أجد طريقاً لأحمل فرحتي و أخرج بها لئلا تسقط مني وسط الزحام . لقد كانت إحدى الفرحات القليلة التي أحسست بها في حياتي فهل يُكتب لي أن أسمع اسمي مع الناجحين مرة ثانية في الامتحان الأخير الذي ليس له دورة ثانية و لا لمن خسر فيه سبيل إلى إعادته ؟ و الله ما لي عمل أقدمه لأستحق به النجاح في ذلك اليوم ما أتكل إلا على كرمك يا كريم يا أكرم من كل كريم يا رب .
ثم كانت مفاجأة أخرى ! جاء كتاب من خالي محب الدين يخطب أختي لشريكه عبد الفتاح قتلان فوافقت هي و وافقنا و دعاني أن أذهب بها إلى مصر .
إنكم لا تدرون ماذا أثارت هذه الدعوة في نفسي من مشاعر و في ذهني من خواطر . كانت مصر في خيالنا يومئذ دنيا مسحورة فيها العجائب و كل مرغوب فيه يأتينا منها ، المجلات و الصحف ، الحركات الفكرية و الوطنية تنبثق منها ، الرجال الذين نقرأ لهم و الشعراء الذين نحفظ شعرهم منها ... و كان تخيّل ذهابي إليها أكبر من أن يمر وصفه من شق القلم و التعبير عنه مهما كان بليغاً لا يبلغ حقيقته .
و كنت أسمع أن الأحرار من أرباب الأقلام و من عُشاق الحرية يؤمون مصر : أستاذنا محمد كرد علي و من قبله شيخ مشايخنا السيد رشيد رضا و من بعده خالي و أستاذي محب الدين يأتون من كل مكان من المغرب ، من الجزائر ، من تونس ، من ليبيا ... فلما طلب إلي أن أسافر إلى مصر تراءى لي هذا الحلم دانياً كأني ألمسه . و لكن كيف أترك أمي و ما عشت يوماً بعيداً عنها و قد صرت أنا رجل البيت كما يقولون بعد موت أبي ؟ و كيف أفارق دمشق و أنا لم أخرج منها إلا إلى ضواحيها و قراها ، حتى بيروت أقرب المدن إلينا و أمسها صلة بنا ما زرتها و لا عرفتها ؟ و إذا كنت أعجز عن السفر وحدي فكيف أتولى أمر أختي و حمايتها و حمل أمانة صيانتها و إيصالها ؟
و أعُد جواز السفر و لا يزال عندي في دمشق بأختامه و سماته و تأشيراته . كنت على عتبة العشرين و كانت أختي أصغر مني بما لا يزيد إلا قليلاً عن أربع سنين و لكني مع ذلك أذكر يوم ولادتها أراه واضحاً من وراء سبعين سنة فكيف أذكره و قد كنت ابن أربع سنين ؟
كنت مع عمتي في دار الشيخ عبد الوهاب و هو خال أبي و لكني أدعوه عمي . و كانت لنا جارة من فرط حبها لنا وَصِلَتَها بنا و أنها ربتني و أولتني من حبها لا أقول مثل الذي أولتني أمي و لكن قريباً منه ، لقد كبرت و لا أعتبرها إلا قريبة لي . جاءت تخبرنا أن أمي في المخاض و هي تريد أن تأخذنا إليها و تأخذ القابلة في طريقها . و كانت بين الأحياء بوابات تغلق بعد العشاء و يقوم الحارس من ورائها فلا يفتح إلا لمن عرفه و اطمأن إليه فنادينا من وراء البوابة : " قضية ولادة ، نريد أن نأتي بالقابلة " ففتح لنا .
و كنت أسمع من صغري أن لي عماً في إسطنبول يلاحق دعوى قضائية على وقف بيننا و بين آل الصلاحي بقيت في المحاكم ما بين دمشق و إسطنبول ... تدرون كم ؟ قد لا تصدقون إن قلت لكم ( و ما أقوله الحق ) ثلاثاً و ثمانين سنة ! مات من أقام الدعوى و مات من أقيمت عليه و مات أولادهم و جئنا نحن فما أدري و الله هل كان الحق معنا أم كان علينا و لكن أهل " باب المصلى " في دمشق يسمون البستان المتنازع عليه " جنينة الطنطاوي " و الله أعلم . فما قيمة حق يصل إليه صاحبه بعدما يموت هو و يموت ولده ؟ أتدعو ضيفاً إلى عشاء فتؤخره حتى يموت من الجوع ثم تتصدق به على قبره ؟ و كنت أسمع أن لي خالاً في مصر يكتب في المصحف في المؤيد و الأهرام و له مطبعة و له مجلة ثم قدم أيام الاستقلال ثم حُكم عليه بعد ميسلون ففر إلى مصر . و كنت أحب السفر إلى مصر لألقاه .
و جاء يوم السفر و كان اليوم الثامن و العشرين من أيلول سبتمبر سنة 1928 و جئت محطة الحجاز هذه العمارة التي كانت ( و أظنها لا تزال ) تحفة في فن البناء ، و مثلها ( و إن كانت دونها في جمالها ) محطة العنبرية في المدينة . و قد سمعت أنهم يفكرون في هدمها فإذا قبلتم مني فدعوها دعوها فكأنكم إن هدمتموها قتلتم رجلاً في ذهنه تاريخ و في جعبته تحف و معه قطعة من بلادكم فلا تبتروا قطعة عزيزة من جسد بلادكم .
و كانت المحطة مائجة بأهلها كما يموج البحر بمياهه فمن مسافر عجل و من مودع باك و من بائع ينادي و من آت و ذاهب و طالع و نازل و كنت منزوياً في ركن من أركان القطار المسافر إلى حيفا و إلى جانبي أختي الصغيرة أنظر إلى بعيد فأرى هناك في أخريات الناس امرأة تمسك بيدها طفلين متلفعة بملاءة لا تبدي منها شيئاً و لكن وراء هذا القناع الأسود عينين تفيضان بالدمع عالقتين بمكاننا في القطار و خلال تلك الضلوع قلباً يخفق شوقاً و يسيل حباً و وراء هذه الوقفة الساكنة الهادئة ناراً تضطرم في الجوف و زلزالاً يدك نفسها دكاً بيد أنها صبرت على هذه كما صبرت على غيرها فأجزل اللهم لها الأجر على هذا الصبر .
و صفر القطار يحملنا إلى مصر فازداد القلب خفقاناً و اضطراباً ثم نفث دخانه كأنما هو حي تملكه موقف الوداع فزفر زفرة الحزن الدفين و الألم الحبيس ثم هدر و سار و راحت المحطة تبتعد عنا و عيني عالقة بيد تلك المرأة التي تلوح لي بمنديل أبيض .. حتى غاب عني كل شيء
و تلفّتت عيني فمذ خفيت عنّي الطّلول تلفّت القلبُ
هنالك رأيتني وحيداً و رأيت القطار يجد لينأى بي عن أهلي و بلدي .
كان القطار يسير من دمشق إلى حيفا النهار بطوله فإذا وصل حيفا مساء بات المسافر فيها حتى يصبح فيركب قطار فلسطين الذي يخرج في الثامنة صباحاً فيمشي إلى حدود القناة و هنالك ينزل منه المسافرون فيركبون " معدّية " تنقلهم إلى الضفة الأخرى منها فيجدون قطار مصر الذي يصل القاهرة الساعة العاشرة و النصف ليلاً .
خلفت ورائي عالمي الذي أعرفه كله و أقبلت على عالم كله جديد و كنت موزع اللب بين حزن الفراق و حماية الأخت و التطلع إلى ما أنا مقبل عليه .
و أنا لا أحب السفر إلا في القطار فإنك تستطيع أن تقوم فيه و تقعد و إذا نعست قدرت أن تنام و إذا جعت و كان معك مال قصدت المطعم . و أنظف المطاعم عادة و أغلاها مطاعم القطارات تأكل و الدنيا تمر بك تمشي أمامك مشي الجند أمام القائد الذي وقف يعرضها أي يستعرضها تبدأ غداءك أو عشاءك في بلد و تنتهي منه في بلد و إذا وقف القطار في محطة استطعت أن تخرج فتمشي فيها .
لا كراكب الطيارة الذي يسافر كأنه محبوس مصفد الأغلال عالمه الذي يستطيع أن يتحرك فيه ما بين مقعده و الحمام أو موضع التدخين و إن كان سفرك طويلاً و كان جارك مزعجاً أو كانت أماً معها أولاد لا يسكنون و لا يسكتون كانت السفرة تعذيباً و عملاً شاقاً . و لقد ضايق الأولاد المضيفة مرة يعدون بين رجليها يكادون يسقطون طباقها و كؤوسها فقالت لهم : يا أولاد اقعدوا أو اطلعوا العبوا " برّا " .
و كنت أنا و أختي من ركاب الدرجة الثالثة اخترناها لأن القطار لم يكن فيه درجة رابعة ! و ما أكلنا في المطعم و لا عرفنا أن في القطار مطعماً يأكل فيه الناس و ما أدري فلعل قطارات تلك الأيام لم تكن فيها مطاعم .
كنت مقدماً على عالم مجهول فلا أخطو خطوة إلا بعد التفكر في عواقبها و وصلنا حيفا و رأيت البحر أول مرة في عمري ما رأيته قبلها . و كنت خائفاً و لكني أتجلد و أتظاهر بالجرأة و المعرفة . هل أُطلع أختي على تهيبي و خوفي ؟ و مشينا و أنا أوهمها أني أدري إلى أين أسير و ما كنت أدري شيئاً حتى رأيت لوحة فندق فدخلته و كان أول فندق أدخله في حياتي .
قلت لكم إني لم أخرج من دمشق من قبل إلا إلى ضواحيها و قراها فمن أين لي معرفة الفنادق و ما الذي يدعوني إلى دخولها ؟
أخذنا غرفة وضعنا فيها حقائبنا و خرجنا فوجدت مطعماً أعني مكاناً يبيع الحمّص و الفول و كان فارغاً فقعدنا و أكلنا و هي لا تعرف كيف تأكل و الناس ينظرون إليها : أتكشف وجهها أم تأكل و الخمار مُسدل عليها ؟ و مر الأمر بسلام فلم يكن هناك أحد .
و خرجنا نرى البلد فمن جهلي دخلت المرفأ المظلم بدلاً من أن أقصد الشوارع المضيئة ثم خفت أن يظن الناس بنا شراً إذ يرون شاباً و بنتاً منفردين في المرفأ الخالي فخرجنا و لم أهتدِ إلى طريق البلد فأظهرت أني أريد النوم حتى ننهض مبكرين لنلحق القطار مع أن محطة القطار إلى جنبنا ما فارقناها و لا ابتعدنا عنها .
و أصبحنا فركبنا قطار فلسطين و مر على تلك البلاد و البساتين التي كانت جنات أضعناها لما تركنا الواغلين يدخلون علينا و بعناهم أرضنا و اختلفنا و تنازعنا حتى اتحدوا علينا و أعانهم ناس ليسوا من دينهم و لكن عداوتنا و بغضهم لنا وحدّهم علينا .
و لمّا قطعنا الترعة وصرنا في قطار مصر أمنت و سكنت نفسي . لقد عرفت أني سألقى من يستقبلني و يدلني و سأطرح ثقل الأمانة عن عاتقي . و مررنا بالقرى و المدن فصرت أتطلع إليها مطمئناً و أتأملها و أستمتع بجدّة المناظر و الوصول إلى ما كنت أعدّه من المجهول حتى إذا قيل هذه مصر و رأيت محطة باب الحديد رأيت شيئاً عظيماً كان فوق ما كنت أتخيل .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ












التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 30-Jun-2010, 02:12 AM   رقم المشاركة : 82
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 33 )

من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :

" أما المنعطف الصغير في حياتي أنا فهو نقلي من المدرسة السلطانية الثانية ( الرسمية ) إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني ( الأهلية ) و كانت في الجَقمَقية " .
ج1 ص 93













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-Sep-2010, 11:14 PM   رقم المشاركة : 83
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الحلقة 31 :

اليوم الأول في مصر :
============

كانت سفرتي إلى مصر سنة 1928 أكبر حادث حدث لي في شبابي ، ترك أعمق الآثار في نفسي وفي فكري وفي سلوكي ، ولكن الخسارة التي لا تعوض أني لم أدوّنها في حينها .

كنت كالذي زعموا أنه وصل إلى ( الكنز المرصود ) فوجد ركاماً من الذهب والحلي ، وأكواما من الجواهر والألماس ، فلم يحمل ما يقدر على حمله منها ، بل دفعه الطمع إلى أن يبحث عن غيرها ، علّه يجد أغلى منها ، فلما تركها وابتعد عنها ، ضلّ طريق العودة إليها ، فلم يبلغها ولم يرجع بشيء منها .

فخذوها نصيحة مني ، نصيحة من مجرب يريد ان يجنبكم عواقب السيّء من تجاربه : دوّنوا كل ما يمر على أذهانكم من أفكار ، وما يعتلج في نفوسكم من مشاعر ، اكتبوه في حينه ، فإنكم إن أجّلتموه فتّشتم عنه فلم تجدوه .

فيا ليتني كتبت ما أحسسته وما فكرت فيه ساعة وصولي مصر .

تقولون : اكتبه الآن .
الآن ؟ هيهات ! فلا أنا الآن ( أنا ) في ذلك اليوم , ولا مصر مصر ، ولا أهلوها أهلوها ، لا أقول إنهم كانوا أحسن ، أو إنهم كانوا أسوأ ، بل أقول إنهم تغيروا ، ومنذا الذي يا عزَّ لا يتغير ؟ .

وهب أن مصر ما تبدلت ، أفما تبدلت أنا ؟

نحن نرى الدنيا من خلال نفوسنا ، كالذي يبصر وعلى عينيه النظارات : إن كانت النظارة دخانية رأى الدنيا معتمة ، وإن كانت زهراء رآها مشرقة ، وإلا فلماذا يصف الشاعر الفرح الدنيا ضاحكة ، ويصفها الحزين باكية ، والدنيا هي الدنيا ما ضحكت ولا بكت ، ولو كانا مصورين لملأ الأول لوحته بالألوان القاتمة ، وجعلها الثاني زاهية الألوان ، والمشهد واحد أمامهما ، ألا يمكن أن تكون فلسفة التشاؤم عند بعض الفلاسفة ، آتية من صداع ملازم ، او عسر هضم ، سوّأ عيشة وسوّد الدنيا أمامه ؟ فما قيمة فلسفة كان يهدمها دواء مسكن ، أو عقار هاضم ثمنه نصف ريال ! .

لقد كانت صورة رائعة لمصر تلك التي انطبعت في نفسي ساعة وصلت إليها ولكني لم أستخرجها وأحتفظ بها ، بل صورت المشهد بعدها من غير أن أدور ( الفلم ) فجاءت عشرات من الصور ، بعضها فوق بعض ، فتداخلت خطوطها واختلطت معالمها ، ولم أعد أستبين واحدة منها .

فها أسجلها الآن بعدما مر عليها أربع وخمسون سنة ؟ بعدما فقدتها ؟ لقد سقطت مني في مسالك الحياة ، وفي مسارب العمر . إن الذي يسقط منه شيء يعود أدراجه يفتش عنه في الطريق الذي جاء منه ، فمن لي بأن أعود لأسلك كرة أخرى طريقي في الحياة ؟

أعود إلى الشباب ؟ إلى سنة 1928 وما بعدها ؟.

لقد أنقضت تلك السنون وأهلها **** فكأنها وكأنهم أحلام

في الحلم يغفل العقل ، أي يغيب الرقيب ، فتنطلق الأماني المحبوسة ، وتتكثف وتتجسد أمامك حتى تحس بها : تراها ، تلمسها ، تكلمها ، تعيش فيها ، كل ما كنت تتمناه تراه قد جاءك من غير أن تمد يداً أو تخطو إليه بقدم .
إن كنت فقيراً تمنى الغنى تدفق عليك المال ، وإن كنت عاشقاً بلغت الوصال ، تشعر أنك تطير على ظهر الرياح ، بلا طيارة ولا جناح .
ثم يصحو النائم ويتصرم الحلم ، فإذا العالم الذي كنت تعيش فيه ، ليس إلا صورة في فلم ، أو مشهداً في لوحة راء انقطع عنه التيار ، فإذا اللوحة بيضاء ! .
إن الذي فات مات ، كما تقول المسرحيات ، ويستحيل أن يرجع في الدنيا الأموات .

*******

تركتكم في الحلقة الماضية في محطة باب الحديد ، بلغتها بعدما ظننت أني لن أبلغها ، فقد كانت تلك السفرة أمتع وأقسى ما مر بي ، كنت كالغريق فلما رأيت خالي ومن جاء معه لاستقبالي أحسست كأن يداً تمتد إلي تمسكني ثم تنقذني ، وخرجت معهم ، وهو يسألونني عن سفري ، وأنا أجيب بنصف ذهني ، ونصفه مشغول بتأمل ما أرى ، كنت في مثل نشوة الحالم ، فأنا معهم بجسدي ، وأنا بعيد عنهم بنفسي ، كنت اعلم أن الحلم يمحي إن تيقظ الحالم ، فما لهذا الحلم العجيب يبقى معي ، أحيا فيه ولست نائماً ؟ .

ألا ينام أهل مصر ؟ !

لا تعجبوا فإن السياح الذين يجوبون أقطار الأرض ، والذين جزعوا مشرقها ومغربها ، يجدون في مصر إذا جاؤوها ما يرغبهم فيها ، ويشدهم إليها ، فكيف بشاب على أبواب العشرين ، لم ير في عمره بلداً غير بلده دمشق , ودمشق على جمالها وبهائها لم يكن فيها يومئذ مثل ما في مصر من الميادين والشوارع والحدائق والمتاحف ولا كان ذلك في شيء من مدن الشام والعراق .

وأول ما أدهشني أننا خرجنا من المحطة وقد انتصف الليل أو كاد ، في الساعة التي تغلق فيها الحوانيت في الشام ، وتخلو الطريق ، وتنام المدينة ... فإذا الشوارع هنا مزدحمة بالناس و حافلات الترام ممتلئة ، والدكاكين مفتوحة ، أفلا ينام أهل مصر لا في الليل ولا في النهار ؟ .

ووصلنا الدار في موهن من الليل فزاد دهشتي أني وجدتهم يعدون العشاء ، ورأيت بعد أن هذه عادتهم كل يوم : يبقى خالي في المطبعة إلى أن يمضي ثلث الليل والشغل دائر ، والطبعة شغالة ، ثم يخرج إلى ميدان باب الخلق حيث عربات بياعي الفواكه ، التي تدفع باليد ، وعلى كل عربة مصباح من مصابيح الغاز التي تدعى في مكة ( الأتاريك ) فيشتري بعض ما يجد : بلحاً أو عنباً أو تلك التي كرهت ريحها من أول يوم فما أكلتها ، الجوافة ، ويأخذ البياع ورقة يلفها على هيئة القمع الكبير ، يضعها فيها ، ونصعد بها إلى الدار ، وكانت الدار فوق المطبعة ، فنجد العشاء .

وأوينا إلى مضاجعنا عشية وصولي مصر وقد شاخ الليل , ودنت ساعة السحر ، ولكني لم أنم . إن الذي تبدل وسادته أو تغير غرفته لا ينام ، فكيف بمن ودع حياة ألفها وعرفها في بلده ، وجاء يبدأ حياة في بلد آخر لم يألفها ولم يعرف عنها إلاّ أقل من القليل ؟ .
وجعلت أتقلب على الفراش ، حتى سمعت أو خيل إلي أني سمعت أذان الفجر ، فقمت لأتوضأ وتحققت من دخول الوقت ، فصليت وعدت أحاول النوم ، وما قام للصلاة أحد ممن كان في الدار ، وكان ذلك ثاني ما أدهشني .

وبلغ مني النعاس .. بعد مشقة السفر ، وطول السهر ، ولكني لم أنم إلا لماماً . إن من يصل ليلاً إلى البلد الجديد ، يبيت متطلعاً يرقب ضياء النهار ليرى ما الذي كانت تخفيه ظلمة الليل ، وإن كان ليل القاهرة ما فيه ظلام ..

إن شعوره كشعور من تأتيه الهدية يعرف نفاستها ولكن يجهل نوعها فهو يفك شريطها ، أو يفتح صندوقها ، تتجاذبه فرحتان : انتظار الشيء النفيس ، وكشف المجهول الجميل ، أو كمن يشتري القصة البارعة ، حين يفتح أول صفحة منها .

*******

ونهضت ( كما نهضوا ) ضحى ، فأكلنا الفول ، وفول مصر صغير لذيذ ، وفول الشام كبير ، ولهم في إعداده طريقة غير طريقة أهل الشام ، أما ثمنه قيكفي أن أقول لكم : إن خالي كان يسلم زوجته كل صباح ريالاً ، تشتري منه الغداء والعشاء ، ولا بدّ فيهما من – طبخ ورز ولحم – والفاكهة والأنقال ، لثمانية أشخاص ، وقد تبقى من الريال بقية ...
ونزلت إلى المطبعة في شارع الاستئناف ، فخرجت منه إلى ميدان باب الخلق ، وكان أكبر من ( المرجة ) الميدان الوحيد في دمشق ، أبصرت فيه النيابة والمحافظة من هنا ، ودار الكتب ، والمتحف الإسلامي من هناك ..

وكانت مصر ( أعني القاهرة ) كبيرة في تلك الأيام ، ليست مدينة ولكنها في حقيقتها مدن في مدينة .

مدن مشت من حيث مشى التاريخ ، أولها اول التاريخ الإسلامي في مصر ( الفسطاط ) التي بناها الصحابي الفاتح عمرو بن العاص وهي مصر القديمة ، ثم امتد التاريخ وامتدت القاهرة فجاء أحمد بن طولون فبنى مدينة القطائع ، وهي حي السيدة ، ثم جاء جوهر قائد المعز العبيدي فبنى القاهرة ، ثم كانت أيام الحملة الفرنسية فسكنوا عند العتبة والأزبكية .

ثم تواصلت هذه المدن ، وتداخلت . وكانت مصر الجديدة في سنة 1928 منفصلة عن القاهرة ، وشبرا كانت مثلها .

ولو ترك الأمر إلى خالي لما رأيت من مصر شيئاً ، لأنه ما كان يخرج من مطبعته إلاّ إلى جمعية الشبان المسلمين التي سيأتي قريباً حديثها ، ولكن شريكه صهري الجديد ، وزوج أختي هو الذي أراني ملامح القاهرة .
أخذني إلى النيل ، ففهمت لماذا يدعوه المصريون بحر النيل ، ما رأيت قبله مثله ، وهل رأيت قبله إلا بردى ؟ وكان بردى وأولاده جميعاً ( يزيد وتورا والقنوات وباناس والقناة والديراني ) ، كانت كلها أصغر من ترعة واحدة من ترع النيل ، ولكن لا أحب أن أظلم بردى ، أنه فقير ولكنه جواد كريم ، إنه يخرج من أرضنا نبعاً ، ثم يدخل في أرضنا ليعود فيخرج زرعاً ، لا نضيع قطرة منه ، وإن قرأتم في كتب الجغرافية أنه يصب في بحيرة ( العتيبة ) فأعلموا أنه يصل إليها مرة في كل خمسين سنة ، إنه يصب في الأرض الطيبة ليخرج الله به الثمر الطيب ، على حين يحمل النيل العظيم ، ماءه الكثير ، ليرميه في البحر .

الأوبرا والعتبة الخضراء


ذهبنا إلى العتبة الخضراء : وكانت قلب البلد ، وإلى جنبها ميدان الأوبرا ، ورأينا ( وكانت هنا الدهشة الثالثة ) رأينا الأصنام والتماثيل ، وسط الميادين والساحات ، ورأينا متاجر ما عرفنا في دمشق مثلها ، عمارات كاملة فيها كل شيء مما يؤكل أو يلبس أو يفرش او يكون زينة وحلية وتحفاً : أوروزدي باك ( عمر أفندي ) وصيدناوي ، وشيكوريل ، وما فيهم مسلم عربي ولا مصري أصيل ، وما سمعت من العجب أو أوروزدي باك أشترى اسم عمر أفندي ، وكانت تلك أول مرة أسمع فيها أن أسماً يباع .

ثم درنا من حول ( درابزين ) حديقة الأزبكية ، حيث تباع الكتب القديمة كما تباع على نهر السين في باريس ، وكانت الأزبكية نظيفة مخدومة ، وسلكنا شارع فؤاد ورأينا على جانبيه كل بضاعة يحتاج إليها أو يرغب فيها ، معروضة عرضاً يغري المستغني عنها بطلبها .

إلى أن وصلنا إلى الجسر ( ويسمونه هناك باسمه التركي : الكوبري ) وهو من الحديد مسقوف بعمد الحديد ، فجزناه من فوق النيل الكبير إلى الزمالك ، حيث تقوم بقصورها غير بعيدة عن بولاق بأكواخها ، إلى النيل الصغير ، على جسر كانوا يسمونه ( كوبري بديعة ) نسبة إلى رقاصة من شتورا في سهل البقاع ، بين لبنان الشرقي والغربي ، جاءت مصر فأعطتهم مرقصاً أقامته ، كان مفسدة للشبان لما يستباح فيه من المحرمات ، وكان مدرسة من مدارس إبليس لتخريج الراقصات ، وأخذت منهم مالاً كثيراً ، واسماً جعلوه مشهوراً .

وعدنا يمشي بنا (الترام) إلى جانب النيل وهو عن شمائلنا وما على إيماننا ( كما أذكر ) بناء ولا عمران ، إنما هي حدائق أو بسائط من الأرض ، حتى بلغنا أجمل وأعجب مكان في مصر يومئذ وأحبه إلى السائحين والزائرين : حديقة الحيوان ، لما كانت في عزها ، وكانت رابعة حدائق الحيوان في العالم في سعتها وبهائها ، وكثرة ما فيها من الحيوانات ، وكان يمضي المرء يومه كله فيها فلا يحيط بها ولا يملها ، ثم وصلنا الجيزة ، وما بعدها شيء إلاّ ( تراماً ) يمشي في خلاء من الأرض إلى الهرم ، وما دون الهرم مساكن ولا سكان ، وقد سمعت أنه صار الآن شارعاً معموراً لا عمران العلم والفضيلة والإيمان ، بل الفن واللهو والخسران ، والله أعلم بصحة ما سمعت .

*******

ولما كان مساء اليوم الأول من أيامي في مصر ، أخذوني في جولة أخرى ثم دخلنا حديقة الأزبكية ، إلى زاوية منها كانت مقهى ومسرحاً ، فلما وصلت إليها أحسست وكأني أدخل ماخوراً ، أو كأني العذراء تلج دار الفواحش ، وفررت مذعوراً .

قالوا : مالك ؟ قلت : قهوة ؟ أنا أقعد في قهوة ؟ .

كانت القهوة عندي في منطقة الممنوعات ، أفترون هذا صواباً ؟ لقد عرفت بعد حين أنه كان بعيداً عن الصواب .

إن الصعوبة في تخطي الحدود ، فإذا بدلنا مكانها ، وأدخلنا المكروهات في دائرة المحرمات ، سهل على مرتكب المكروه اقتراف الحرام ، وطال جدالنا ، وتجمع الناس من حولنا ، ثم غلبت على أمري فدخلت . ولم تمض إلاّ ربع ساعة حتى أطفئت الأنوار ، وبدأ عرض فلم من أفلام السينما .

والغريب أني لم أنكر السينما مثلما أنكرت المقهى ، لأنهم أرونا ونحن صغار أيام الحرب العامة الأولى فلماً عن حرب ( شناق قلعة ) ، خلال الحرب الأولى ، فتعودت رؤية الأفلام ، والعادة تثبت من مرة واحدة .

وكانت سينما صامتة ، لم تكن قد نطقت بعد ، وأظن ظناً لا أحقق تحقيقاً ، أن السينما نطقت بعد ذلك بقليل ، وأنها حين نطقت ظهر ( الفلم العربي ) في مصر .

*******

في تلك الأيام كانت الدعوة الإسلامية تتمخض في مصر ، لتأتي بمولود جديد ، وكان ظهور كتاب ( الشعر الجاهلي ) ، ومن قبله كتاب ( الإسلام وأصول الحكم ) ، مثل أجراس الإنذار ، وصيحات التحذير ، فنبهت النائمين من العلماء والمصلحين ، وكان إنشاء مجلة الفتح ، ثم ولد المولود الجديد : جمعية الشبان المسلمين .

وكانت بداية الدعوة الإسلامية النظامية ، وفي الحلقة القادمة القليل الذي أعرفه عنها .







 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Sep-2010, 09:06 AM   رقم المشاركة : 84
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الشعب لا ينام اخت قطر ولكن السلطه تريدنا ان نغفو للأبد

اثرت في قلبي الشجون والحزن













التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2010, 03:43 PM   رقم المشاركة : 85
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 34 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" في هذه المدرسة اتضح لي طريق الجمع بين القراءة على المشايخ على الأسلوب الأزهري القديم و الدراسة في المدارس على الأسلوب الجديد .
و لقد كنت ـ منذ وعيت ـ أجد إذا أصبحت مشايخ بعمائم و لحى يقرؤون على أبي ، و كنت أدخل بالماء أو بالشاي فألتقط كلمة بعد كلمة ، لا أفهم معناها و لكن تبقى في نفسي ذكراها ثم صار أبي يأمرني أن أناوله الجزء الأول من حاشية ابن عابدين أو الثاني من الفتاوى الهندية أو جزءاً من القاموس أو تنقيح الحامدية ...فعرفت بعض أسماء الكتب " .
ج1 ص 97













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2010, 03:44 PM   رقم المشاركة : 86
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات (35 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" عهد المدرسة الجقمقية مدرسة معلم الشام الشيخ عيد السفرجلاني عهد جديد في حياتي دخلت قبله كتّاباً و مدرستين و مررت بجماعة من المعلمين و المدرسين و قد ترك ذلك في نفسي أثراً بلا شك و لكني لم أدركه في حينه و لا أذكره الآن إمّا لصغر سني و إما لأني لم أصادف المدرس الذي أعطاه الله القدرة على فرض نفسه على تلاميذه و أول عهد شعرت بأثره فيّ هو هذا العهد . "
ج1 ص 99













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2010, 03:45 PM   رقم المشاركة : 87
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 36 )
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" تجوز الصحراء فلا ترى إلا أرضاً جرداء لا ظل و لا ماء و لا نبتة خضراء فإذا نزل المطر اهتزت و ربت و كُسيت ثوباً أخضر من العشب و الزهر و صارت مرعى للسوائم و متعة للنظر فمن أين ترونه قد جاء هذا النبات ؟
من بذور صغار قد لا تأخذها من دقتها الأبصار قد ركّب الله لبعضها ما يشبه الأجنحة القصار تحملها الرياح فتلقيها بين حبات الرمال فلا ترى إلا تلالاً من الرمل تتلظى تحت وهج الشمس . فإذا أنزل الله الأمطار و جمع الله لها الظروف التي جعلها سبب الإنبات كان منها هذا النبات و كان منه الزهر البارع و الثمر اليانع أو كان منه الشوك الجارح و السم الناقع .
و كذلك كل ما تسمعه لا سيما إن سمعته في الصغر إنه بذرة خير أو بذرة شر إذا جاءها الظرف المناسب وضعتك على طريق الجنة أو على سبيل النار .
فانتبهوا يا أيها القراء لما تنظرون فيه من كتب و مجلات و ما تسمعونه من إذاعات و محاضرات و ما تشاهدونه من مسلسلات و مسرحيات و لا تظنوا أن أثر ذلك يذهب مع إكمال الكتاب أو انتهاء المحاضرة أو إسدال الستار على المسرحية بل إن بعضه يبقى ما بقيت الحياة "
ج1 ص 100 ـ 101













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-Oct-2010, 03:45 PM   رقم المشاركة : 88
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات (37)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" الشهرة و خلود الذكر ليست ما ينفع الناس و يمكث في الأرض بل هو رضا الله و ثوابه العظيم فاطلبوا ما يبقى لا تجعلوا أكبر همكم السعي لما يفنى . أسأل الله أن يوقظ قلبي و قلوبكم من غفلتها فأنا أحوج إلى هذه الدعوة أكثر منكم " .
ج1 ص 101













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-Oct-2010, 09:29 AM   رقم المشاركة : 89
النسر
عميد المشرفين
 
الصورة الرمزية النسر

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

اقتباس:
" الشهرة و خلود الذكر ليست ما ينفع الناس و يمكث في الأرض بل هو رضا الله و ثوابه العظيم فاطلبوا ما يبقى لا تجعلوا أكبر همكم السعي لما يفنى . أسأل الله أن يوقظ قلبي و قلوبكم من غفلتها فأنا أحوج إلى هذه الدعوة أكثر منكم " .
ج1 ص 101



نعم والله ,,, ءامين












التوقيع

 النسر غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-Oct-2010, 04:05 PM   رقم المشاركة : 90
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي رد: رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .

الذكريات في كلمات ( 38)
من أقوال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى :
" لقد كنت في تلك الأيام التي أتكلم الآن عنها ( سنة 1919 ) كلما سمعت خبراً عن الأموي أختزنه في ذاكرتي و كنت لا أنسى شيئاً سمعته أو قرأته أحفظه من مرة واحدة فلا يفلت مني . تقولون : إنّ الفتى من يقول هأنذا فلا تفخر بما كان بل صف ما هو كائن الآن . أصدقكم القول : إنني لا أزال أحفظ ما أسمع أو أقرأ و لكني أنسى نصفه فأرويه بمعناه و أنسى ممّن سمعته أو أين قرأته . و هذه نعمة أحمد الله عليها . أتريدون أن أكون في الشيخوخة كما كنت في الصبا ؟ هيهات !
أترجو أن تكونَ و أنتَ شيخٌ كما قد كنتَ أيامَ الشباب ؟
لقد كذبتك نفسك ليس ثوبٌ خليقٌ كالجديدِ من الثياب
و حسبي أنني الآن ـ بفضل الله ـ أقوى جسداً و أوعى ذاكرةً من أكثر من أعرف من الشيوخ "
ج1 ص 102













التوقيع

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, أحمد, الندى, الطنطاو

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 07:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع