« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: تفكيك أيديولوجيا السلطة في "مولانا" لإبراهيم عيسى (آخر رد :ماجد الروقي)       :: اشتد البرد على اخواننا اللاجئين السوريين والندوة العالمية تستقبل التبرعات وتوصلها لهم (آخر رد :ساكتون)       :: البدوى يسهل سيطرة اللوبى اليهودى على الإعلام (آخر رد :أمان)       :: نساء مصر المملوكية من "المخدع" إلى "التسلطن" (آخر رد :النسر)       :: أصل الرئيس الامريكي اوباما والسياسه الأمريكيه (آخر رد :النسر)       :: مصر وربيع التقدم (آخر رد :النسر)       :: ملف العراق الجريح ( قراءات سياسية مميزة ) (آخر رد :النسر)       :: اخبار اسرائيل (آخر رد :النسر)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)       :: كاريكاتير مُعبر (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام التاريخية
> المكتبة التاريخية




إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-May-2008, 03:20 AM   رقم المشاركة : 1
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




(iconid:16) رحلة عبر ذكريات الطنطاوي ..أبو خيثمة ، أبو محمد ، قطر الندى .



كان تدوين الذكريات ونشرها حلماً حمله علي الطنطاوي في قلبه وأملاً ظل يراوده سنين طوالاً، حتى قال -في بعض سطور مقدمته لكتاب ـ تعريف عام ـ إنه يرضى أن يتنازل عن كل ما كتبه ويوفق الله إلى إكمال ذلك الكتاب (تعريف عام) وكتاب ـ ذكريات نصف قرن ـ .

وتأخر الأمر، وأجّل المؤلف الشروع فيه ثم ما زال يؤجّل (ألم يكن التأجيل من صفاته؟!)، ومرت السنون بإثر السنين، حتى كان يوم من أيام سنة 1981، جاءه فيه زهير الأيوبي يسعى إلى إقناعه بنشر ذكرياته في مجلة >المسلمون< التي كان قد ابتدأ صدورها في ذلك الحين: "ثم أحالتني الأيام على التقاعد، فودعت قلمي كما يودَّع المحتضر، وغسلته من آثار المداد كما يُغسل من مات، ثم لففته بمثل الكفن وجعلت له من أعماق الخزانة قبراً كالذي يُدفن فيه الأموات. حتى جاءني من سنة واحدة أخ عزيز، هو في السن صغير مثل ولدي، ولكنه في الفضل كبير، فما زال بي يفتلني في الذروة والغارب (كما كان يقول الأولون)، يحاصرني باللفظ الحلو، والحجة المقنعة، والإلحاح المقبول؛ يريدني على أن أعود إلى الميت فأنفض عنه التراب وأمزق من حوله الكفن، وأنا أحاول أن أتخلص وأن أتملص، حتى عجزت فوافقت على أن أكتب عنده ذكرياتي. فيا زهير: أشكرك؛ فلولاك ما كتبت".

لقد استجاب علي الطنطاوي لهذا الإلحاح وهو لا يتصور ما هو مقدم عليه، وأكاد أجزم أنه لو كان يعلم لأحجم وما أقدم، فقد هونوا عليه الأمر -بداية- حتى راح يتحدث وهم يكتبون ما يقول، وظهرت في مجلة >المسلمون< حلقتان كذلك، ولكنه ما لبث أن استثيرت همته ودبت فيه الحماسة فتحول إلى كتابة الحلقات بنفسه، ومضى فيها تجرّ كل حلقة حلقة بعدها حتى قاربت ربع ألف حلقة. وأحسب أنه لو لم يوافق -في ذلك اليوم- على الشروع بهذا المشروع لما رأينا هذه الذكريات بين أيدينا أبداً.

لقد كانت كتابتها أملاً من آمال علي الطنطاوي العظام كما قلت، وها هو يحدثنا عنها في مقدمتها في أول الجزء الأول: "هذه ذكرياتي؛ حملتها طول حياتي، وكنت أعدّها أغلى مقتنياتي، لأجد فيها -يوماً- نفسي وأسترجع أمسي، كما يحمل قربةَ الماء سالكُ المفازة لتردّ عنه الموت عطشاً. ولكن طال الطريق وانثقبت القربة، فكلما خطوت خطوة قطرتْ منها قطرة، حتى إذا قارب ماؤها النفاد، وثقل عليّ الحمل، وكلّ مني الساعد، جاء مَن يرتق خرقها، ويحمل عني ثقلها، ويحفظ لي ما بقي فيها من مائها؛ وكان اسمه زهير الأيوبي. جاء ني يطلب مني أن أدوّن ذكرياتي... وكان نشرُ هذه الذكريات إحدى أمانيّ الكبار في الحياة، ولطالما عزمت عليها ثم شُغلت عنها، وأعلنت عنها لأربط نفسي بها فلا أهرب منها ثم لم أكتبها، بل أنا لم أشرع بها؛ لأني لا أكتب إلا للمطبعة. لذلك لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع -عند تدوين هذه الذكريات- إليه وأعتمد عليه، وما استودعتُ الذاكرةَ ضعفت الذاكرةُ عن حفظه وعجزت عن تذكّره. لذلك أجّلت وماطلت، وحاولت الهرب من غير إبداء السبب، وهو يحاصرني ويسدّ المهارب عليّ، ويمسك -بأدبه ولطفه وحسن مدخله- لساني عن التصريح بالرفض. ثم اتفقنا على أن أحدّث بها واحداً من إخواننا الأدباء وهو يكتبها بقلمه. واخترنا الأخ العالم الأديب إبراهيم سرسيق، فسمع مني ونقل عني، وكتب حلقتين أحسن فيهما وأجمل، ولكن لا يحك جسمَك مثلُ ظفرك؛ فكان من فضله عليّ أن أعاد بعض نشاطي إليّ فبدأت أكتب".

ولكنه بدأ -كما قال- على غير خطة أو نظام: "بدأت كتابة الذكريات وليس في ذهني خطة أسير عليها ولا طريقة أسلكها، وأصدق القارئ أني شرعت فيها شبه المكرَه عليها؛ أكتب الحلقة ولا أعرف ما يأتي بعدها، فجاء ت غريبة عن أساليب المذكرات وطرائق المؤرخين". ولذلك قال في أول حلقة كتبها بيده للمجلة: "هذه ذكريات وليست مذكرات؛ فالمذكرات تكون متسلسلة مرتبة، تمدها وثائق معدَّة أو أوراق مكتوبة، وذاكرة غضة قوية. وأنا رجل قد أدركه الكِبَر؛ فكلّت الذاكرة وتسرّب إلى مكامنها النسيان". ثم يقول: "الجندي حين يمشي في مهمة عسكرية يمضي إلى غايته قدماً؛ لا يعرج على شيء ولا يلتفت إليه، ولكن السائح يسير متمهلاً؛ ينظر يمنة ويسرة، فإن رأى منظراً عجيباً وقف عليه، وإن أبصر شيئاً غريباً صوّره، وإن مرّ بأثر قديم سأل عن تاريخه؛ فيكون له من سيره متعة، ويكون له منه منفعة. وأنا لا أحب -في هذه الذكريات- أن أمشي مشية الجندي، بل أسير مسيرة السائح".

هذا ما كان في ذهنه حين بدأ يكتب الذكريات، فهلمّوا بنا -الآن- نقرأ أجزاءها المنشورة الثمانية لنرى ماذا وضع فيها.

أ . مجاهد مأمون ديرانية .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

آخر تعديل أبو خيثمة يوم 04-May-2008 في 03:25 AM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 04-May-2008, 03:27 AM   رقم المشاركة : 2
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

تعريف بالجزء الأول :

الجزء الأول بدأ -كما يمكن لنا أن نتوقع- من طفولة المؤلف المبكرة؛ من أيام دراسته الابتدائية، بل من >الكُتّاب< قبلها، وفيها ذكر للحرب العالمية الأولى وتذكّر لنمط الحياة في الشام في تلك الأيام. ونحن نمضي فيه مع علي الطنطاوي الصغير وهو يتنقل من مدرسة إلى مدرسة، ومن عهد إلى عهد؛ من العهد التركي إلى العربي إلى الاستعمار الفرنسي، ونقرأ عن أيامه في >مكتب عنبر< (وهو المدرسة الثانوية) وعن شيوخه وأساتذته. ثم نجد والده قد توفي فاضطرب أمره، فانصرف إلى التجارة أمداً يسيراً ثم عاد إلى الدراسة، ونجده قد سافر -بعد النجاح في الثانوية- إلى مصر للدراسة بدار العلوم، ولكنه يقطع السنة قبل تمامها ويعود إلى الشام. وهو يحدّثنا -في مواطن متفرقة من هذا الجزء- عن أصل أسرته وعن أبيه وجده وعن أمه وأسرة أمه. وفي أواخر هذا الجزء نقرأ عن الثورة على الفرنسيين ونقرأ من شعر هذه الثورة الكثير.













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 04-May-2008, 05:05 AM   رقم المشاركة : 3
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي

على بركه الله نبحر في بحر الجمال والذكريات ، بحر الأدب والحروف الراقيه بحر الإبداع والتأمل ، نقف على ميناء الشوق الممزوج بمشاعر الحماسه ننتظر سفينه الطنطاوي لتأخذنا الى محطات من حياته ومواقف نراها كل يوم ولكنه رآها بعين الأديب صاحب الفكر والقلم.

للذكريات لمن يعرف كتب الطنطاوي وحديثه وقع خاص على النفس فمن تنقل بين درر الطنطاوي وبساتينه قبل قراءه الذكريات يعرف شعور اللذه في متابعه جمل الذكريات يعرف معنى الجمال الذي وصفه الكاتب الاديب الفقيه الطنطاوي ، جمال جميل وروعه رائعه سطرها لنا الشيخ الطنطاوي رحمه الله في ذكرياته.

من فضل الله علينا أن جعل آخر كتب الطنطاوي هي ذكرياته فما نرجوا بعدها هي اجمل كتبه بل ان الذكريات (بنظري) جمعت كل ما كتب ، الذكريات كتبت بحكمه الشيوخ وقلم الاديب وفكر الفقيه .

لو لم يكتب الطنطاوي ذكرياته لظلم محبيه اي والله لظلمنا ورحل عنا وهو يحبس في خزانة ادبه أجمل درة لديه.

لعل الكثير منكم سيعرف جمال ما أحكي بعد أن نبدأ في الابحار في محيط الأدب الطنطاوي ونصل لبعض الجزر الهانئه الهادئه التي لا نجد غير المتعه والجمال عنوانا لوصفها.

على بركه الله نسير













التوقيع



أسعى أن أكون مؤرخا أديبا

منّ الله علي بكتابة

ترانيم قلب

أعرابي في بلاد الإنجليز

والكتابين تجدونهم في مكتبة النيل والفرات
www.neelwfurat.com




 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 04:46 PM   رقم المشاركة : 4
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الجزء الأول :

مقدمة :

قال الشيخ رحمه الله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم لك الحمد ، اللهم وفّقنا لما ترضى و اختم لنا بالحسنى . و بعد :

فهذه ذكرياتي ، حملتُها طول حياتي و كنت أعُدّها أغلى مقتنياتي ، لأجد فيها يوماً نفسي و استرجع أمسي ؛ كما يحمل قِربةَ الماء سالكُ المفازة لتردّ عنه الموت عطشاً . و لكن طال الطريق و انثقبت القربة ، فكلما خطوت خطوة قطَرت منها قطرة . حتى إذا قارب ماؤها النفاد ، و ثقل عليّ الحمل ، و كلّ مني الساعد ، جاء من يرتق خرقها و يحمل عني ثقلها و يحفظ لي ما بقي فيها من مائها ، و كان اسمه زهير الأيوبي .

جاءني يطلب مني أن أدوّن ذكرياتي في مجلة " المسلمون " لمّا عزم الأخوان الأستاذان هشام و محمد ابنا أخي الأستاذ علي حافظ على إصدارها . و كان نشرُ هذه الذكريات إحدى أمانيّ الكبار في الحياة ، و لطالما عزمت عليها ثم شُغلت عنها ، و أعلنت عنها لأربط نفسي بها فلا أهرب منها ، ثم لم أكتبها ، بل أنا لم أشرع بها ؛ لأني لا أكتب إلا للمطبعة . لذلك لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع عند تدوين الذكريات إليه و أعتمد عليه ، و ما استودعتُ الذاكرة ضعفت الذاكرة عن حفظه و عجزَتْ عن تذكّره ؛ لذلك أجّلت و ماطلت و حاولت الهرب من غير إبداء السبب ، و هو يحاصرني و يسدّ المهارب عليّ و يمسك بأدبه و لطفه و حسن مدخله ، يمسك لساني عن التصريح بالرفض . ثم اتفقنا على أن أحدّث بها واحداً من إخواننا الأدباء و هو يكتبها بقلمه ، و اخترنا الأخ العالم الأديب إبراهيم سرسيق ، فسمع مني و نقل عني ، و كتب حلقتين كانتا من براعة الاستهلال لهذا الكتاب . و ما قصّر أحسن الله إليه ، بل لقد تطوّل و أحسن و أجمل ، و لكن لا يَحُكّ جسمَك مثلُ ظفرك ، فكان من فضله عليّ أن أعاد بعض نشاطي إليّ ، فبدأت أكتب .

و لولا زهير الذي اقترح ، و لولا إبراهيم الذي نشّط و شجّع ، لما كتبتُ ؛ فلهما و للأستاذين هشام و محمد ، وَلَدي الأستاذ حافظ و ابنَي أخ الأستاذ عثمان حافظ ، رائد الصحافة في هذه البلد ، لهم الشكر .

و الشكر لولدي و صهري صاحب دار المنارة التي تقدّم الطبعة الأولى من هذه الذكريات ، و لحفيدي الذي عمل على ترتيبها و تنسيقها و إعدادها للطبع . و إن كان صهري محمد نادر حتاحت و حفيدي مجاهد ديرانية مني ، ليسا غريبين عني ، فإن شكرتهما فحمداً لله أن رزقني مثلهما ، و إلّا فما يشكر امرؤٌ نفسَه .

و الشكر للأستاذ محمد علي دولة ، الذي آثر العمل في نشر الكتب على التعليم الذي كان من أهله و كان موفّقاً فيه ، لما يجد في النشر من نفع الناس و رجاء ثواب الله . فهو الذي وقف على طبع الكتاب و وضع فيه ذوقه و فنه و خبرته و تجرِبته .

بدأتُ كتابة الذكريات و ليس في ذهني خطّة أسير عليها و لا طريقة أسلكها ، و أصدقُ القارئ أني شرعت فيها شبه المكرَه عليها ، أكتب الحلقة و لا أعرف ما يأتي بعدها ، و كثيراً ما كنت أنسى ما الذي كتبته في التي قبلها ، فجاءت غريبة عن أساليب المذكّرات و طرائق المؤرّخين ؛ فمن المؤرخين من مشى مع السنين اقتداء بشيخهم و شيخ المفسّرين الطبري ، فقطّع الحادث الواحد تقطيعاً فأضاعَ وحدته و أبلى جِدّته ، و منهم من جمع الأحداث ، ربط مبداها بمنتهاها و لكنه أخفى زمانها .

و وجدت الذين كتبوا مذكّراتهم في هذه الأيام منهم من اعتمد على وثائق مدوّنة أو وصف للحادثات كتبه في حينها . و أنا لا أملك إلا بعض الأوراق الرسمية المدرسية أو الوظيفية أو الصور الشمسية ، و كثيرٌ منها لم يكُن تحت يدي و أنا أكتب ، و قلت لنفسي : إن جاءت مهوّشة على غير نظام فكذلك الدنيا ؛ الدنيا فيها صحو و مطر ، و مسرّة و كدر ، و يسر و عسر ، و ضحك و بكاء ، و شدة و رخاء . و لكن هل يأتي ذلك على ترتيب معروف و نهج واضح ؟

كذلك جاءت ذكرياتي .

و لعلي إن مدّ الله في الأجل و نشّطني للعمل أعود إليها فأستأنف النظر فيها فأَنْظمها في خيط واحد ، أضمّ النظير إلى نظيره ، أجمع الأشياء و أؤلف بين النظائر حتى يأتي الحديث مسلسَلاً . و إن لم يقدّر لي ذلك فحسبي أن أنقذت من النسيان ما أمكن إنقاذه .

هذا و أنا إلى الآن قد كتبتُ ( أو أنا على الصحيح قد أمليتُ و كتبوا ) مئة و ثلاثين حلقة و لا أزال في سنة 1359 هـ ، فهل أصل إلى نهاية الشوط ؟

اللهم إن أحييتني فوفّقني لما يرضيك ، و إن توفّيتني فعلى دينك ، و اكتب لي بكرمك العفوَ عن سيئاتي و النجاةَ يوم الحساب .

مكة المكرمة : صفر 1405 هـ
علي الطنطاوي













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

آخر تعديل أبو خيثمة يوم 06-May-2008 في 04:49 PM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 07-May-2008, 02:17 PM   رقم المشاركة : 5
التاريخ
مشرف
 
الصورة الرمزية التاريخ

 




افتراضي

سلسلة حديثة ، رائعة رائقة ، وجهد جماعي يقوم به ثلاثة هم من أشراف هيئة الإشراف بمنتدانا ، وأعيان عيون أدبائنا ونبلائنا ، فلهم مني التحية على هذه الفكرة السخية ، وأسألهم أن يمتعونا فيه برائق الإمتاع ، بأحاديث مختارة من كلام الطنطاوي أديب الفقهاء وعلم أدباء الشام في هذا الزمان ..

رحم الله العلامة الفقيه الأديب الشيخ علي الطنطاوي ، على فكره وقلمه وفعله الذي قدمه خلال عمره الطويل في خدمة دين الله لرفع كلمة الله ، لتعلو راية الله ، بين عباد الله ، على أرض الله.







 التاريخ غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-May-2008, 02:22 PM   رقم المشاركة : 6
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي

اقتباس:
بدأتُ كتابة الذكريات و ليس في ذهني خطّة أسير عليها و لا طريقة أسلكها ، و أصدقُ القارئ أني شرعت فيها شبه المكرَه عليها ، أكتب الحلقة و لا أعرف ما يأتي بعدها ، و كثيراً ما كنت أنسى ما الذي كتبته في التي قبلها ، فجاءت غريبة عن أساليب المذكّرات و طرائق المؤرّخين ؛ فمن المؤرخين من مشى مع السنين اقتداء بشيخهم و شيخ المفسّرين الطبري ، فقطّع الحادث الواحد تقطيعاً فأضاعَ وحدته و أبلى جِدّته ، و منهم من جمع الأحداث ، ربط مبداها بمنتهاها و لكنه أخفى زمانها .

جاءت غريبه لأنك يا شيخ مميز ولك خطك الخاص الخاص ومدرستك المبتكره التي لم يسبقك اليها أحد ، لو تأملنا في مقدمه الشيخ لوجدناه يشير الى أمور عديده أولها أنه رغم اقتناعه بجمال كتاباته وعلو ذائقته الادبيه إلى انه يستميح القراء عذرا على القصور بل يجعل بعض من حوله مشتركون معه في هذا الانجاز وهذا والله قمه التواضع والتشجيع من الشيخ رحمه الله.

المقدمه هنا جاءت على أنها تعريف بما سيكتب ولكن كعاده الشيخ رحمه الله دائما الاسترسال المفيد الراقي في الأمور ولو نظرنا الى اللون المميز الذي وضعه أخونا ابوخيثمه حول السجع الجميل الذي كتبته الشيخ وسطره .

اقتباس:
؛ الدنيا فيها صحو و مطر ، و مسرّة و كدر ، و يسر و عسر ، و ضحك و بكاء ، و شدة و رخاء . و لكن هل يأتي ذلك على ترتيب معروف و نهج واضح ؟

الشيخ يقول لكم انتبهوا يا ساده فالدنيا جميله فإن كنت اليوم سعيدا فانتبه قد تصبح يوم غد على كدر وان كنت معسرا فربما جائك في الليل اليسر وما بعد الشده الا الرخاء وبعد البكاء التبسم والرضى.

متابعين للسلسله اخي ابو خيثمه واتمنى ان يكون الاخوه والاخوات مستمتعون معنا ويسطرون هذا الاستمتاع ردودا أو يكفينا مرورهم الكريم والدعاء في ظهر الغيب.

بانتظار الحلقه الأولى












التوقيع



أسعى أن أكون مؤرخا أديبا

منّ الله علي بكتابة

ترانيم قلب

أعرابي في بلاد الإنجليز

والكتابين تجدونهم في مكتبة النيل والفرات
www.neelwfurat.com




 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 04:41 PM   رقم المشاركة : 7
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 1 :

قال الشيخ رحمه الله تعالى :

ذكريات لا مذكّرات

هذه ذكريات و ليست مذكّرات ؛ فالمذكّرات تكون متسلسلة مرتبة ، تمدها وثائق معدّة أو أوراق مكتوبة و ذاكرة غضة قوية . و أنا رجل قد أدركه الكِبَرُ فكلّت الذاكرة و تسرب إلى مكامنها النسيان .

و النسيان آفة الإنسان ، و إن كان نعمة من الله . و لولا أن المرء ينسى آلام الحياة ما استطاع السكون إليها و لا الرضا بها .

و ليس لديّ أوراق مكتوبة أدوّن فيها الحادثة حين حدوثها و أصف أثرها في نفسي ، و هذا تفريط كامل مني لم يعد إلى تداركه من سبيل ، لذلك أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتخذ له دفتراً يدون فيه كل عشية ما رأى في يومه ، لا أن يكتب ماذا طبخ و ماذا أكل و لا كم ربح و كم أنفق ، فما أريد قائمة مطعم و لا حساب مصرف ، بل أريد أن يسجّل ما خطر على باله من أفكار و ما اعتلج في نفسه من عواطف ، و أثر ما رأى أو سمع في نفسه ، لا ليطبعها و ينشرها ( فما كل الناس من أهل الأدب و الكتابة و النشر ) و لكن ليجد فيها ـ يوماً ـ نفسه التي فقدها

لا تعجبوا من هذا الكلام ، فنحن في تبدّل مستمر ، كل يوم يموت فيّ شخص و يولد شخص جديد ، و الميت أنا و المولود أنا . خلايا جسدي تتجدد كل بضع سنوات حتى لا يبقى منها شيء مما كان . عواطف نفسي تتبدّل ، فأحب اليوم ما كنت أكره بالأمس و أكره ما كنت أحبّ . أحكام عقلي تتغير ، فأصوّب ما كنت أراه خطأ و أخطّئ ما كنت أجده صواباً .

فإذا كانت خلايا الجسد تتجدد ، و عواطف النفس تتغير ، و حكم العقل يتبدل ، فما هو العنصر الثابت الذي لا يتبدّل و لا يتغير ؟ أقول : قال لي عقلي ، و قلت لنفسي ، فمن أنا ـ إذن ـ إذا كان عقلي غيري فأقول له و كانت نفسي غيري فتقول لي ؟

العنصر الثابت الباقي هو الذي لا ينقص إن قُطع عضو من أعضائي و لا يموت إن متّ ، بل يبقى حياً يحاسَب ، فيكافأ أو يعاقب .هذا العنصر هو " أنا " الحقيقي ، و هو شيء من غير عالمنا الأرضي فلا تنطبق عليه قوانين علومنا الأرضية ، هو الروح .

هذا تفسير قولي إن من تعوّد أن يكتب كل يوم في هذا الدفتر وجد فيه يوماً نفسَه التي فقدها .


قلت إني أدوّن ذكريات لا أكتب مذكّرات . أنا لا أستطيع أن أكتب قصة حياتي متسلسلة مرتّبة لأني أعتمد على ذاكرة فقدت حِدّتها و أبلت الأيام جِدّتها ، فقد أنسى الحادثة في موضعها ثم أذكرها في غير موضعها .

و عيبٌ آخر عندي ، هو عيب كتب الأدب العربي القديم و من نشأ عليها و ألِفها ، هو الاستطراد و الخروج عن الموضوع .

هذا كتاب " الحيوان " للجاحظ مثلاً أسألُ من قرأه منكم : كم في أبوابه ممّا يدل عليه عنوانه ؟ هل التزم فيه علم الحيوان ( أي علم الحياة ) أم ذهب به الاستطراد يميناً و شمالاً فتكلم في كل شيء ؟ هذا هو أسلوب كتبنا الأدبية فلا تلوموني ـ و قد نشأت عليها ـ أن أسلك سبيلها .

لقد صار الاستطراد عادة لي . أعترفُ أنها عادة سيئة و لكن ما أكثرَ العادات السيئة التي لزمتنا فلم نستطع الانفكاك عنها ! ولو كانت من المحرّمات لأكرهت نفسي على تركها ، فليس لمسلم يأتي المحرّمات أن يحتجّ بتعوده عليها ، و لكنها ـ لسوء حظي ـ ليست من المحرمات .

و لطالما كنت أخطب في الحشد الكبير أو أتكلم في الإذاعة أو الرائي ( و أحاديثي فيهما كلها ارتجال ليس أمامي ورقة مكتوبة أقرأ فيها ) ، فأستطرد و أخرج عن الخط ، فإذا انتهى الاستطراد وقفت كما وقف حمار الشيخ في العقبة ، فلا أذكر من أين خرجت و لا إلى أين أعود . و لا تسألوني من هو هذا الشيخ فإن المثل خلّد ذِكر الحمار و نسي اسم الشيخ ليعلّمنا أن خلود الأسماء ليس الدليل على عظمة أصحابها .

و المذكّرات يكتبها أرباب المناصب و رجال السياسة و قادة الجيوش ، الذين شاركوا في صنع الأحداث فاستحقوا أن تكون مذكّراتهم من مصادر التأريخ لهذه الأحداث ( بعد ضرب بعضها ببعض ٍ و تمحيص لأن كل خبّاز يجرّ النار إلى قرصه و كل راوٍ لقصة يكبّر دوره فيها و يصغّر أو يمحو دور غيره )
و لست من هؤلاء ، و إن كنت قد شاركت ـ من فوق المنبر ، أو من وراء المذياع ، أو من بين سطور الصحف و الكتب ـ في كثير من الأحداث في بلدي . شاركت فيها و لم أكن من صانعيها و لا من قاطفي أثمارها . و إني طول عمري أقرب إلى العزلة ، أعيش بين كتبي و قلة من إخواني ، ذهب جلّهم إلى رحمة الله .

و قد يقرأ امرؤٌ ما كتبت في الحادث العظيم أو يسمع ما قلت فيه ، فيحسب أني أنا مدبّر الأمر و أني مديره ، لا يعلم أني جئت من بيتي فدخلت من الباب الخلفي إلى المنبر ، ثم نزلت من المنبر فخرجت من الباب الخلفي إلى بيتي ، و إن كانت لي مواقف حوّلت مسار الحوادث و أقامت و أقعدت و أثارت و حمّست ، لا يزال يذكرها كثير من أهل بلدي .

عفواً فأنا لا أمدح نفسي ، و أنا أعلم أن الحديث عن النفس ثقيل على السمع و كلمة " أنا " ليست من الكلمات المستساغات و لكن ماذا أصنع و أنا أدوّن ذكريات موضوعها " أنا " فإن لم أتكلم عن نفسي في سرد ذكرياتي فعمّن تريدون أن أتكلم ؟ و لكن لكم عليّ عهداً أنا موفٍ به إن شاء الله ، هو ألاّ أقول إلاّ الحقّ و ألاّ أذكر مما صنعت إلاّ ما يشهد كل من " عاصره " أنني صنعته .

و بيان آخر : الجندي حين يمشي في مهمة عسكرية يمضي إلى غايته قُدُماً لا يعرج على شيء و لا يلتفت إليه ، و لكن السائح يسير متمهلاً ينظر يَمنةً و يسرةً ، فإن رأى منظراً عجيباً وقف عليه ، و إن أبصر شيئاً غريباً صوّره ، و إن مرّ بأثر قديم سأل عن تاريخه فيكون له من سيره متعة و يكون له منه منفعة و أنا لا أحب في هذه الذكريات أن أمشي مشي الجندي ، بل أسير مسيرة السائح .

لا أكون مغمض العينين لا يرى من الدنيا إلاّ نفسه كالذي يدخل بهو المرايا في " فرساي " . و لا أريد أن أتحدث عن نفسي وحدها و أغفل ما حولي .

و لعلّ وصف ما كان حولي أجدى على القراء من سرد قصة حياتي وحدها ؛ ذلك أن ما كان في صغري أمراً عادياً صار الآن عند أكثر الناس تاريخاً .

دمشق التي عرفتها و أنا صغير ليست دمشق التي نراها الآن تبدلت دورها و حاراتها و أزياء أهلها و كثير من أعرافهم و أوضاعهم و دخل الحديث عنها في باب التاريخ . و لست أصف هنا دمشق فإن لي كتاباً اسمه " دمشق " فيه صور من جمالها و عِبَر من نضالها و نشرت في " الرسالة " في عَشر الثلاثين من هذا القرن الميلادي ( أو الثلاثينيات كما تقولون ) مقالات كثيرة عنها .

و في الدنيا اليوم مدن كثيرة موغلة في القِدم ، حتى إن التاريخ نفسه لم يدرك ولادتها ، و لكن دمشق أقدم المدن العامرة المسكونة في الدنيا . و في الدنيا مدن كثيرة بارعة الجمال ، و لكن دمشق ( في نظر أهلها على الأقل ) أجمل مدن الدنيا . أو كانت أجمل بلاد الدنيا فأفسدنا نحن ـ أهلها ـ جمالها .

أدهَشت غوطتُها العربَ لمّا رأوها ، فأنطقت شعراءهم بروائع البيان و خوالد القصائد . فأين اليوم الغوطة ؟ الغوطة الغربية قطعنا أشجارها و قلعنا أورادها و أزهارها و رمينا فوق رأسها الحجارة و الأبرق ( أس الإسمنت المسلّح ) فقتلناها خنقاً و دفنّاها حية ، و أقمنا عليها بيوتاً طبقاتها صناديق و علب لسردين البشر جعلناها قبوراً لها .

تبدلت دمشق حتى جوها . من كان يحتاج في صيف دمشق إلى مراوح فضلاً عن المكيّفات ؟ متى كانت تصل الحرارة فيها إلى أربعين درجة مئوية ؟ كان إخواننا من أهل المملكة السعودية و أهل العراق يصيّفون في دمشق نفسها ، و ما كنا نحن ـ أهل دمشق ـ نعرف الانتقال في الصيف إلى الجبال . فما الذي غيّرها ؟ من ألهب هواءها و سدّ مسارب النسيم الناعش إليها ؟ نحن ، نحن الذين قطعوا أشجارها . الناس يزرعون و نحن نقلع ، و هم يحوّلون الصحارى بساتين و نحن نمسخ البساتين صحراء . ما صنعنا هذا اليوم و لا قبل خمس سنين ، بل هي جناية جنيناها على دمشق من عشرات مضت من السنين حتى ضاع الجاني و قُيّدت " جناية من مجهول " !

حتى الغوطة الشرقية ، الغوطة الكبرى ، ما سلمت منا و لا نجت من أذى أيدينا . في طرف الغوطة منطقة تُدعى " درب الجوز " أعرفها أنا ، فيها من أشجار الجوز ما لا يحيط بجذع الشجرة منها رجلان إذا مدّا أيديهما لست أدري من هو العبقري الذي اختارها لمنطقة المصانع ولا متى كان ذلك فقامت مكان الأشجار الضخمة التي تثمر الجوز مداخن ُ تنفث الدخان .

الذي يقف على باب داره يرى الطريق و الدكاكين و المارّة رؤية وضوح و بيان و لكنه لا يرى ما بعد المنعطف و لا ما وراء الحيّ . فإن صعد المنارة رأى الحيّ كله فاتسعت ساحة النظر و لكن قلّت تفاصيل المنظور . فإن ركب الطيارة أبصر البلدة كلها بنظرة شاملة لأطرافها مبيّنة لحدودها لكنها مضيّعة لتفاصيلها ماحية لدقائقها .

فما صورة دمشق التي عرفتها و أنا صغير ؟

كنت إذا صعدت جبل قاسيون و بدت لي دمشق بغوطتيها و انجلت لعينيّ لوحة عرضها أكثر من عشرين كيلاً ألفّها بنظرة واحدة من شرفة داري ؛ أرى الدنيا كلها تجمعت مصغّرة فيها : فالعمران في البلد يتوسطه الجامع الأموي و قبة النسر التي كانت ـ منذ كانت ـ من أعظم القباب التي أقامها العقل المفكر و اليد الصنّاع ، و الحدائق و الجنّات من حولها ، و بردى و أبناؤه الستة تجري من تحتها ، و المِزّة تنظر إليها ، و قاسيون يطل عليها و سهول المزة و الكسوة تجاورها . فيها كل ما في الدنيا من سهل و جبل و بستان و قفر و ساقية و نهر و مسجد و قصر إلاّ البحر .

على أنك ترى حول البلد ( أو كنت ترى ) بحراً من الخضرة و النبت و الشجر .

و أرى دمشق كأنها طائر حط ليستريح ، جسده وسط السور و جناحاه ممتدّان إلى ميدان الحصى و حيّ المهاجرين أو كأنها عروس أتعبتها حفلة الزفاف فنامت : رأسها على ركبتي قاسيون و قدماها في قرية " القدم " و قبلها حيال قلب البلد الذي يهفو إليه قلب كلّ مسلم و هو المسجد ، الجامع الأموي ، أقدم المساجد الفخمة في ديار الإسلام ( حاشا الحرمين ) و إن كان التأنق في تفخيم المساجد و تزويقها و زخرفتها مما لا يستحسنه الإسلام .

على أني سأعود ثم أعود إلى الحديث عن دمشق و الحديثُ عن دمشق لا يُملّ و لو أني كتبت عن كل شهر عشته فيها صفحتين لكان من ذلك كتاب أكبر من القاموس المحيط .

أرجع إلى ذكرياتي :

قرأتم في بعض ما كتبت قديماً قصة الساعات التي قضيتها في الكتّاب . بل الذي قرأتموه هو بعض القصة ، طرف منها . في المحكمة يحلّفون الشاهد بأن يقول الحق ، كل الحق و لا شيء غير الحق ؛ ذلك لأن بعض الحق أقرب إلى الباطل . و الذي قرأتموه عن ساعاتي في ذلك الكتّاب صحيح و لكنه بعض الحق .

كانت تلك الساعات أمرّ مما قرأتم عنها و كان جرحها في نفسي أعمق و حسبكم أن تعلموا أنه مرّ عليها اليوم سبع وستون سنة و لم أنسها . و لكني لم أعُد أحسّ ألمها ، لأنني حين أتحدث عني و أنا صغير أكون كمن يتحدث عن إنسان آخر هو أنا و ليس أنا . لا أتفلسف و لا آتي بالأحاجي و الألغاز بل أقرر حقيقة . قلت لكم إنه مر في حياتي عشرات من الناس كلهم يحمل اسمي ، و كلهم " أنا " بمعنى الكلمة عند زملائنا أساتذة علم النفس و ما منهم إلا واحد هو أنا بإحساسي و عاطفتي و فكري .

حسبتموني قد أثّر فيّ الكبر فخرفت ؟ أتريدون أن أفسر لكم ما قلت ؟ قفوا على الجسر و راقبوا ماء النهر يجري تحت أرجلكم . هل ترون قطرة تقف ؟ أليس كل ما ترونه قطرات يدفع بعضها بعضاً ؟ واحدة تروح فلا ترجع أبداً و واحدة تأتي على أثرها فلا تقف أبداً. إنه أبداً في تبدّل ، في تجدد ، لا يمكن ـ مهما أطلت الوقوف على الجسر و مهما عدت فوقفت من جديد ـ لا يمكن أن ترى قطرة واحدة مرتين . و كذلك الإنسان ، إنه في تبدل و تجدد و لكن هذا التبدل لا يُفقد النهرَ اسمه و لا خصائصه و لا يجعل النيل دجلة و لا دجلة بردى و لا بردى نهر التايمس .

و كذلك الإنسان تبقى شخصيته ثابتة فلا يصير زيد عمراً و لا صالح بكراً .

لذلك أشكر أخي زهيراً أن أرجعني القهقرى في طريق العمر حتى لقيت ما أضعت من نفسي ، حين ألزمني كتابة هذه الذكريات ، و غرّه مني شيبي و شبابه فأمسك بي بقبضة لم أستطع الإفلات منها ، و بعث في أثري شرطياً عنيفاً هو إبراهيم سرسيق رجل له لسان طريّ ليّن و يد طويلة قاسية فسحبني بلسانه و لفّ عليّ يده و لو جاءاني من أربعين سنة و أنا في مثل سنهما لما قدرا عليّ ، و لو كانت هذه الكتابة يومئذ لكتبت غير هذا الذي أكتبه الآن .

كنت أغرف من بحر و أنا اليوم أنحت في الصخر . كان الفكر شاباً فشاخ ، فمن قال لكم إن الفكر لا يشيخ فلا تصدّقوه . كان قلمي يجري على القرطاس كفرس السباق لا أستيطع أن أجاريه فأمسى كالحصان العجوز أجرّه فلا يكاد يُجرّ . كانت المعاني حاضرة و القلم مستعداً و لكن الصحف مفقودة أو قليلة و كنا نكتب بلا أجر فلا نجد من ينشر لنا فكثرت المجلات و زادت الأجور و لكن كلّ الذهن و ثَقُل و ضعفت الذاكرة كنا جياعاً فقدنا الطعام فلما حضر الطعام فقدنا الشهية !

كنت كمن أقام مصنعاً جلب له أحسن الآلات و شغّل فيه أقدر العمال و أخرج من أجود المنتجات فلم يجد لها شارياً . و ملّ الانتظار فباع البضاعة جزافاً و سرّح العمال و باع الآلات فأقبل عليه الشارون و تواترت الطلبات .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

آخر تعديل قطر الندى يوم 01-Mar-2010 في 11:42 AM.
 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 08:34 PM   رقم المشاركة : 8
شهر زاد
راشدي
 
الصورة الرمزية شهر زاد

 




افتراضي

ما أروع هذا الموضوعو ما أقوى القائمين عليه

بارك الله بكم

نتستمتع و نتابع و نعيد قراءة ما كتب مرارا فالكلمات تمسنا تحدث عنا

أشعر و أنا أقرأ الموضوع أني فقدت الإحساس بمن حولي و سلبت إرادتي فلم أتمكن التوقف لحظة عن المتابعة

و هذه بعض العبارات التي استوقفتني


اقتباس:
أريد أن يسجّل ما خطر على باله من أفكار و ما اعتلج في نفسه من عواطف ، و أثر ما رأى أو سمع في نفسه ، لا ليطبعها و ينشرها ( فما كل الناس من أهل الأدب و الكتابة و النشر ) و لكن ليجد فيها ـ يوماً ـ نفسه التي فقدها


اقتباس:
فنحن في تبدّل مستمر ، كل يوم يموت فيّ شخص و يولد شخص جديد ، و الميت أنا و المولود أنا . خلايا جسدي تتجدد كل بضع سنوات حتى لا يبقى منها شيء مما كان . عواطف نفسي تتبدّل ، فأحب اليوم ما كنت أكره بالأمس و أكره ما كنت أحبّ . أحكام عقلي تتغير ، فأصوّب ما كنت أراه خطأ و أخطّئ ما كنت أجده صواباً .


اقتباس:
لا يمكن أن ترى قطرة واحدة مرتين . و كذلك الإنسان ، إنه في تبدل و تجدد و لكن هذا التبدل لا يُفقد النهرَ اسمه و لا خصائصه و لا يجعل النيل دجلة و لا دجلة بردى و لا بردى نهر التايمس .

و كذلك الإنسان تبقى شخصيته ثابتة فلا يصير زيد عمراً و لا صالح بكراً .



اقتباس:
فمن قال لكم إن الفكر لا يشيخ فلا تصدّقوه . كان قلمي يجري على القرطاس كفرس السباق لا أستيطع أن أجاريه فأمسى كالحصان العجوز أجرّه فلا يكاد يُجرّ .













التوقيع

 شهر زاد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-May-2008, 09:18 AM   رقم المشاركة : 9
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 2 :

من ذكرياتي عن دمشق :


الحياة الحب والحب الحياة . هذا ما قاله شوقي , ولكني لست في هذا معه , فقد يموت المحب ويعيش الناس بلا حب . وما انا من أنداد شوقي , لكن لو قال : ما العيش إلا الذكريات , لكان أصدق .

النبات يمتص حياته من أرضه بجذوره , فإن نقلته منها تقطعت , فذبلت الأوراق وتراخت العروق , والإنسان في هذا كالنبات وجذوره ذكرياته فإن نقلته إلى بلد ما له فيها ذكرى , وما تربطه بها رابطة , أحس كأن قد انقطع سلك حياته , فإذا أقام في البلد الجديد اتصل المنقطع , كالنبات يضرب جذوراً جديدة في المكان الجديد وتنمو وتمتد كلما امتد المقام , فإذا أعدته إلى أرضه الأولى عاد إلى الذبول .

وهذه مشاعر عرفتها لما ذهبت إلى مصر للدراسة سنة 1928 , وإلى العراق للتدريس سنة 1936 , وإلى بيروت سنة 1937 .

ثم قدمت المملكة سنة 1963 وأقمت فيها إلى الآن , وإن لم أجد الاستقرار لأن دنيا طالب العلم مكتبته , ومكتبتي في الشام مودعة في خمسة وثمانين صندوقاً لم تفتح من إحدى عشرة سنة , ولست أدري أأكلتها الأرضة أم هي سالمة لا تزال , وانا هنا محروم منها , لا أستطيع الوصول إليها ولم أجد المحسن الكريم الذي يوصلها إلي بالأجرة لا بالمجان , فما أريد إحساناً من احد لأن الله أغناني بإحسانه .

وقد أصبحت أزور الشام لماماً , لما حيل بيني وبين زيارتها بعد أن كتبت عنها مالم يكتب مثله أحد من أهلها , وشاركت أهلها النضال للاستقلال .

وكان آخر عهدي بها من أربع سنين ( كتب هذا الكلام سنة 1401 ( : ذهبت إليها بعدما انقطعت عنها ( أو قُطعت ) خمساً , فهبطت بي الطيارة في المطار الجديد , ولم أكن أعرفه من قبل , فنظرت إلى البلد من بعيد , فقلت مقالة بلقيس : ( كأنه هو ) .

الجبل الذي يلوح لي جاثماً على حافة الأفق هو قاسيون , وهذه المنازل الماثلات صفوفاً كالأولاد المدللين في حضن الأب الحاني , هي أحياء السفح : المتشهد , يشير بكلمة الحق نحو السماء , هي مآذن المساجد , ومن نعم الله على أهل الشام , أنه لا ينشأ فيها حي جديد إلا كان أول ما يقام فيه المسجد , يقيمه الشعب بماله , مساجد ليست للمظهر ولا للزينة ولكن لتمتلئ بالمصلين والدارسين وجلهم من الشباب .

هذي دمشق , فلِمَ لا أحس فرحة الآيب إلى بلده ؟ لماذا أراها متغيرة في عيني ؟

وتوجهت بي السيارة إلى البلد , تمشي خمسة وعشرين كيلاً في بستان واحد , هو ما بقي من الغوطة الشرقية , تتماسك أشجاره تماسك أيدي الأصدقاء ساعة اللقاء , وتتعانق فروعها تعانق العشاق بعد طول فراق , حتى بلغنا دمشق ...

ولكني لم أشعر بانها دمشق , وحسبت الطيارة ضلت الطريق إليها , فهبطت غيرها , شوارع عراض وعمارات عالية وساحات وجسور ( يسميها إخواننا المصريون باسمها التركي : الكباري ) ولكن مالي ولها ؟ هذه مدينة جديدة طالما رأيت مثلها حيثما مشيت في مناكب الأرض , ولقد مشيت إلى أقصى الشرق من أندونيسيا وأبعد الشمال من هولندا .

إنها متشابهة كالنسخة المطبوعة من الكتاب وأنا أريد نسختي المخطوطة , نسختي المفردة على ما فيها من عيوب , هل يتخلى أب عن ابنه لعيوبه , ويأخذ ابن غيره المنزه عن العيوب ؟

أريد دمشق مربع أسرتي ومرتع صباي ومغنى فتوتي , فأين هي دمشق التي تشممت رياها ونشقت صَباها ونشأت في حماها ؟

أهذي هي دمشق ؟ فما لها تغيرت معالمها وتبدلت أزياؤها , وأن ازداد عمرانها وعلا بنيانها ؟

ما للوجوه غدت غير الوجوه ؟ كنت إن قابلت في الطريق عشرة , عرفت منهم واحداً أو أثنين , وعرفني أربعة أو خمسة ... فما لي اليوم أبصر مئة فلا أكاد أعرف من المئة واحداً , ولا يعرفني ثلاثة ؟

أبدلت الدنيا , أم صرت غريباً في بلدي ؟

أما الخيام فإنها كخيامهم ****** وأرى نساء الحي غير نسائها

وطفت في هذه الشوارع المتشابهة , أفتش عن دمشق التي عرفتها وأحببتها , ومن يعرف دمشق ( تلك ) ويملك نفسه ألا يحبها ؟

وطفقت أسأل المحسنين من المارين : ألا من يدلني على دار الحبيب , ولكن ما من مجيب , حتى هبت نسمة من جهتها , شممت من طيبها , فهداني أريجها إلى مكانها ...

فإذا أنا في ساحة (المرجة ) تلك التي كانت طرف البلد فصارت وسط القديم منه , ذلك ان المدن كالناس تعيش وتموت , تنمو وتشب ثم تهرم وتشيخ , وربما ولدت طفلاً فكبر الطفل فزاحمها على مكانها وأزاحها عنه ...

ودخلت سوق ( الحميدية ) الذي سارت بذكره الركبان ( كما يقال ) ولكن وقفت فيه المشاة , وقفت فلم تتحرك إلا بمثل حركة ( التصوير البطيئ ) في الأفلام , ورحت أزاحم ونسيت أن الأيام لم تبق لي كتفاً تشق الزحام , وتطيق الصدام , غامرت ودخلت وصبرت , حتى إذا صرت عند السوق الذي يصل إلى خندق القلعة ( قلعة دمشق ) التي لا تزال باقية سليمة , انحرفت يميناً فإذا أنا أمام مدرسة التجارة , وما مدرسة التجارة ؟ إن هذا المكان أقدم وأكرم وأعظم , إن فيه مأثرة من اعظم المآثر في تاريخنا العلمي بل في تاريخ العلم الإنساني , ها هنا كان أكبر مستشفى في الدنيا وأرقاه وأكمله , لم ينشأ مثله إلى عصره , هو البيمارستان النوري , أي المستشفى الذي أقامه السلطان نور الدين زنكي .

لا لن أحدثكم هنا عن عظمته , فاذهبوا فابحثوا عن تاريخه .

ثم انعطفت يساراً فدخلت زقاق الفخر الرازي وفيه قبر له ولهذا القبر قصة طريفة سأقصها عليكم , فمررت بين القبر وبين منزل الأديب الشاعر خليل مردم بك , وكم كانت لنا فيه من مجالس مع شيخنا عالم الشام الشيخ محمد بهجة البيطار , وصديقنا ( بل أستاذنا ) العالم الأديب الشاعر عز الدين التنوخي , وأستاذنا صاحب الدار , رحم الله الجميع , وأخوي رفيقي العمر , أنور العطار الشاعر رحمه الله والأستاذ سعيد الأفغاني سلمه الله .
وجزت بها حتى وصلت إلى زاوية الزقاق ومن هذه الزاوية يبدأ حديث اليوم ...

****

في هذه الزاوية بقايا باب , تدخل منه إلى دار صغيرة , تفضي إلى صحن واسع جداً , في صدره إيوان له قوس عالية جداً , وإلى جانبك واجهة قاعة بعيدة الجنبات , رفيعة السقف , ولكن الدار مخربة الجدران , والقوس مهدمة الأركان , والأرض قد تحطم بلاطها وتكسرت حجارتها وفي وسطها بركة ما فيها ماء وليس عليها رواء , وحول الصحن غرف مهترئة الأبواب , مخلعة النوافذ , ( والقاعة ) الكبيرة التي تمتد على نصف طول الصحن مملوءة هي والغرف بالبضائع , والحمالون يدخلون ويخرجون يحملون صناديق , وينزلون صناديق , وهم يصيحون ويصرخون , فوقفت أنظر وفي العين عَبْرة وفي النفس عِبْرة , وتصورت أني اخرج من مكاني الذي أقف فيه ثم أنأي عنه , وانحصر ذهني في الماضي , فتوهمت أنها تحققت خرافة ( نفق الزمان ) التي عرضها علينا الرائي هنا في يوم من الأيام : يدخل منه المرء فيسافر في الماضي يقف حيث شاء , فدخلت فإذا أنا أعود أدراجي أتخطى رقاب السنين , أتقدم ولكن إلى الوراء , أوغل في مسالك النفق , والأيام تكر راجعة بي حتى وقفت على أوائل سنة 1914 .
ورأيت الدار تعود معادي فإذا هي كمثيلاتها من دور دمشق العظام في تلك الأيام .

الأرض تفرش بالحجر المنقوش والمرمر الصافي , والجدران تكتسي الرخام ذا الألوان , والنقوش الروائع الحسان , وتتجدد البركة ويعود إليها رواؤها ويجري فيها ماؤها , أما ( القاعة ) فيكون فيها مثل ما في ( قاعات ) الدور الكبار في الشام : ( فسقية ) وهي طبق من الرخام المجزع والحجر المِزي ( نسبة إلى المزة في دمشق ) منحوت بيد صناع , مقرنص الجوانب , ينصب فيه الماء من نوافير صغار , ترسم خطوطها متعاطفاً بعضها مع بعض , يكون منها مثل القبة الصغيرة , إذا تكسرت عليها أشعة النور بدت كأن فيها ألفي حجر من الألماس , ثم ينصب الماء من الجوانب إلى طبق مثله أكبر منه , وكذلك ينتقل الماء من طبق إلى طبق , بأبرع صناعة واجمل فن .

وفي هذه (القاعة) من هذا المنزل شيء لم أر مثله في غيره من دور دمشق الكبار , هو موقد ( شومينة ) من الرخام المتشابك لها مدخنة من مثله , ومن حولها ممران في الجدار , يجري فيهما الماء شلالاً صغيراً في الصيف ليبرد الجو في حين يدفئه الموقد في الشتاء .

وفي صحن الدار أشجار لا بد من مثلها في دور دمشق : الليمون والنارنج , ودوالي العنب تمتد جذوعها حتى تبلغ ( المشرقة ) وهي سطح الدور الثاني , وأكثر المنازل من طابقين أو دورين , أرضي للصيف وعلوي للشتاء , ويقام لدوالي العنب ( عريشة ) وهي سطح من جذوع الخشب تتمدد عروقها عليها , تثمر العنب ( البلدي ) وثمرته بيضاء مستطيلة قاسية , أو ( الحلواني ) وهو مستدير أشقر قاس , وكان لدار عمي في الصالحية دوالي تغطي سطوح الدار , تنتج في السنة ( حقيقة لا تقديراً ) من سبعمئة إلى ألف كيل , صدقوني فلست أبالغ , لقد أقاموا مرة في ( داريا ) من قرى الغوطة الغربية معرضاً للعنب الشامي عرض فيه مئة وأربعة أنواع من العنب .
وجدران الدار مغطاة بأجمل أنواع النباتات المعروشات : الياسمين البلدي والمليسة والياسمين العراتلي وأنواع أخرى , لا ينفعكم سرد أسمائها إن لم تذهبوا إلى الشام وتروها في دورها , وتروا في كل دار عشرات الأصص الصغار فيها من كل الأوراد والأزهار .

ولكن يا للأسف ويا للحسرة , لقد ذهبت تلك الدور وما فيها , تلك ( بيوتنا هدمناها بأيدينا ) ( هذا عنوان فصل أو قصة حقيقية في كتابي ( من حديث النفس ) ) .

كانت جنات تجري من تحتها الأنهار , كانت مصيفاً وكانت مشتى , كان من فيها حراً , لا يرى حرم جار , ولا يرى جار حرمه , فاستبدلنا بها صناديق من الأسمنت , لا تدفع حر الصيف ولا برد الشتاء , من كان فيها رآه جاره وهو في فراشه ورأى هو الجار , إن ضحك أو بكى أو عطس سمعه من ( المنور ) كل سكان العمارة ؛؛
كانت بيوتنا من خارجها كانها مستودعات بضاعة أو مخازن تبن , فإذا دخلت فتح لك باب إلى الجنة , بهاؤها لأهلها , لا نافذة تفتح على طريق , بل لقد ادركت عهداً في الشام : الدار التي يفتح بابها على الجادة يقل ثمنها , لأن الدار المرغوب فيها التي يكون بابها في ( دخلة ) أو ( حارة ) .


وكانت نساؤنا كمنازلنا , يسترها عن العيون الحجاب السابغ , فلا يبدو جمالها إلا لمن يحل له النظر إليها , فهتكت الأستار عن المرأة والدار , هذه هي الدور الشامية التي انتقل طرازها , لا إلى جيرانها , بل إلى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط ( الذي كان يوماً بحيرة عربية ولا تزال شواطئه أكثرها عربي وغالبها مسلم ) .

إنها قفزت البحر بطوله لا بعرضه , إلى الأندلس ثم إلى المغرب .

ما الذي أريد ان أقوله بعد هذه المقدمة التي نويت ان أجعلها سطوراً فصارت صفحات وغدت مقالة كاملة ؟

أريد ان أقول إن المدرسة التي انتقلت إليها بعد تلك الساعات المعدودة في ذلك الكتّاب المرعب , كانت في هذه الدار .

هذه هي إحدى دور أسرة مردم بك , ما زهد فيها أهلها حتى جعلوها خراباً , بل إن صاحبها تنبه إلى سقف القاعة , وكان كأمثاله من السقوف القديمة , فيه أبرع النقوش وأحلاها , بأثبت الألوان وأبقاها , أدرك قيمته ففكّه قبل أن يتخلى عن الدار , وباعه لمديرية الآثار وهو محفوظ الآن في متحف الفنون الشعبية في دمشق .

وهذا المتحف أقيم في أكمل نموذج للدور الشامية , وهو ( دار العظم ) فإن زرتم دمشق فستزورونه وترونه .
ومن أصحاب هذه الدور من نقل القاعة بحجارة جدرانها وسقفها المنقوش إلى عمارته الجديدة , فجعلها في غرفة فيها , صنع ذلك ( لطفي الحفار ) رحمه الله من قدماء السياسيين ومن رؤساء الوزارات .







آخر تعديل قطر الندى يوم 01-Mar-2010 في 11:42 AM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-May-2008, 03:36 PM   رقم المشاركة : 10
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 3

من الكُتّاب إلى المدرسة التجارية

تركتكم عند باب الدار قبل أن ندخل إليها ، فهل أتبع معكم سنة نسائنا عند باب الدار قبل أن يخرجن منها ؟ من سننهنّ في الشام أنها مهما طالت الزيارة و مهما امتدّ الحديث فلا بدّ للزائرات من وقفة وراء الباب للدّردجة ، فهل تقفون معي أمام باب لمثلها ؟

أقف لأشكر و لأشكو ، " فاعجب لشاكٍ منهُ شاكرٍ " كما قال البهاء زهير . أشكر الأستاذيين الناشرين و الأستاذ رئيس التحرير ، و الأستاذ إبراهيم سرسيق على ما كتب في جريدة المدينة ، فقد ألبسوني من ثنائهم ثوباً أطول من جسدي و أعرض فجعلوني أتعثّر بذيوله إن مشيت ، لذا اضطررت إلى الوقوف .

و هذا الذي أشكوه :

يا إخوتي ، إن مَثَلَي و مثلكم مثل رجل غنّى لنفسه في الحمّام ( كما غنى جحا ) فأعجبه صوته ، فغنّى لنفر من أصدقائه الأدنَين فأطربهم غناؤه ، فلما طربوا طلبوا إليه أن يعود فيغني لهم ، و هو يتشجع و يزيد . فقام واحد منهم على المنبر في مجمع الناس فقال لهم : أعرّفكم بمغنٍّ ما سمع السامعون أندى منه صوتاً و لا أطيب حنجرة ، و لا أبصر بالألحان و لا أعرف بالأنغام . فهل تعرفون ماذا كان بعد ؟

الذي كان أنه لم يَعد يحسن شيئاً . إن النتيجة تُعلن بعد الامتحان ، فما لكم تعلونها قبله ؟ ألا تخافون أن أسقط فيه ؟ ألا تعلمون أنكم بما رفعتموني فوق منزلتي ( في صدر العدد الرابع من مجلة " المسلمون " ستجعلون سقطتي أشدّ لأن الذي يقع من فوق النضد أو الكرسي ليس كمن يقع من فوق المنارة ؟

و لماذا وضعتم صورتي على الغلاف ؟ إننا نسمع أن " فتاة الغلاف " لا تكون إلاّ من ذوات الصبا و الجمال فماذا يصنع القرّاء بصورة شيخ مثلي ؟ ثم إنكم اخترتم صورة لي كبّرتني و جعلتني أبدو أكبر من سنّي . إن الذي يراها يظنها صورة ( عجوز ) في السادسة و السبعين مع أني في الخامسة و السبعين فقط لا غير .

قال الأستاذ زهير إنه أقنعني بأن أكتب بعد جهود استمرّت أكثر من ثمانية شهور ، فظنّ القرّاء أنها كانت مفاوضات مالية و مساومات على نشر المذكّرات ، و لم يعلموا أننا لم نذكر فيها قطّ المال و لا حق النشر ، و إنما كانت حرصاً منه ( أحسن الله إليه ) على إخراجي من المحبَس الذي حبست فيه نفسي و ظناً منه أنه سيأتي " بما عَجَزَت عنه الأوائلُ " فيعيد الشباب إلى ذهن قد دبّ إليه المشيب ، يريد أن أصف عرس الربيع و أنا في مأتم الشتاء .

إن إخواني في المملكة العربية السعودية لا يعرفون ما الربيع ، و لو كانوا في الشام و رأوا الغوطة حين تشم روائح آذار ، فتنبثق فيه الزهور من الحطب حتى تصير الشجرة بيضاء كالألماس ثم تتناثر الزهور و ينبت مكانها الورق فتغدوا خضراء كالزبرجد ثم تحبل الشجرة فتلد الثمار حتى تميل إلى الأغصان .

و لكن ما لي أترك سماء الواقع و أنزل إلى حضيض التشابيه ؟

ما لي و للألماس و الزبرجد ؟ تلك حجارة ميتة و أنا أصف الزهر الحيّ . إن أشجار الغوطة في الربيع كالعرائس في ليالي الزفاف و لكن لا ، أتريدون أن أشبّه العروس بتمثال الشمع في المتحف أو في مخازن الثياب عند عارضي الأزياء كما كان يصنع ابن المعتز ؟ لست في سوق الصاغة و لكني في معرض الأذواق .

و ينتهي الصيف و يأتي الخريف فيصفّر الورق و يسّاقط و ترجع الشجرة حطباً و تصير أيام الربيع ذكرى و لكن الشجرة يتجدد ربيعها . إن شتاءها يلد ربيعاً جديداً و ربيع حياتي الذي ولّى لا يتجدد .

ودّعت أحلامي بطرف باكي

و لممتُ من طُرُق الملاح شِباكي

و إن لم أنصُب في عمري شبكة لفتاة ( صدقوني ) و لا أوقعت حسناء يوماً في شرَك .

كان لي بالأمس قلبٌ فقضى

و أراحَ الناس َمنه و استراح

لقد قضى فهل رأيت ميتاً عاد بعدما مات ؟ هل أبصرت في سنة واحدة تعاقب ربيعين ؟ هل سمعت بإنسان عاش شبابه مرّتين ؟

كنتُ إن برقَت لي بارقة من جمال في وجوه البشر أو صفحات الكون أحسست بالعاطفة تشتعل في صدري و المشاعر تلعب بشغاف قلبي فأفزع إلى القلم لأسجّل ما أحسست به فيسابق قلمي فكري . و إن قرأت أخبار الوفاء أو الغدر أو سمعت أنباء الخبر أو الشرّ شعرت بالأفكار تقرع جوانب رأسي فأسارع إلى القلم لأقيّدها فأسكنّها . و إن صافح سمعي أبياتٌ من شاعر ينظم حبّات قلبه عقودَ بيان ( لا كشعر هذا الزمان ) أو نغمات من مغنٍّ يصوغ عواطفه طاقات من ألحان هزّتني فهززت قلمي .
أسمع المغني في هدآت الليل يقول آه فأحسّ أنه يوقظ نائم الأشجان في كل قلب عاشق هيمان ، أو مفجوع أسيان ، حتى يقول معه " آه " يقتلعها من أعماق فؤاده و إن نادى " يا ليل يا ليل " أصغى إليه الليل و توقّف يستمع فما يسير ، و تأخر الفجر و استمهل حتى يفرغ من نداء الليل .


كان كل ما أرى و كل ما أسمع يجعلني أكتب ؛ أقوم من منامي و أكتب ، و أقف على جانب الرصيف لأكتب ، و لطالما كتبت المقالات و القصص على حواشي الجرائد و على كيس البقّال ! لقد قرأت مرة ما كتبه الأستاذ محمد نمر الخطيب عن " بنات العرب في إسرائيل " و أنا على قوس المحكمة بعدما فرغت من المحاكمات فكتبتها على كل قطعة ورق تحت يدي لم أنتظر حتى أنزل عن القوس إلى غرفتي و لم أنزل حتى كتبت القصة كلها في جلسة واحدة .

لذلك بلغ المطبوع ممّا كتبت إلى الآن أكثرَ من أحد عشر ألف صفحة ، و ما ضاع منه كثير . فلماذا لم تلقني يا أستاذ زهير في تلك الأيام ؟ يا أسفي على تلك الأيام ! لماذا لم تأتني و قلبي شاب ، و ذهني حاد ، و ذاكرتي قوية و همّتي لا يقف أمامها شيء ؟ لماذا ؟

آلآن يا أستاذ ، آلآن ؟ بعدما جف القلم و طُويت الصحف و نُسيت الوقائع و خمدت نار الحماسة و سكنتُ إلى عزلتي ...

جئت تدعوني أن أملأ بالمداد قلماً ما عاد يصلح للكتابة و أنشر صحفاً بليت و اصفّرت من طول الإهمال ؟ و لئن قدرت على هذا ففعلته فمن لي بأن تتقد بين جوانحي النار التي خمدت ، و تُبعث في نفسي الحماسة التي ماتت ؟

أبعدما ولّى الربيع و صوّح النبت جئت تطلب مني الزهر ؟ من أين آتيك باللبن و شاتي قد جف ضرعها ؟ أين مني الزهر و روضتي قد يبس زرعها ؟

على أني لا أيأس فلا يكلّف الله نفساً إلا وسعها فاقبل مني ما عندي فهذا هو اليوم غاية جهدي .


و تعليق آخر :

قال الأخوان الأستاذان الناشران إني لو أعلنت رقم هاتفي لما تركني السائلون ساعة في الأربع و العشرين ساعة .

يا سيديّ الكريمين ، إني لم أعلن رقم الهاتف و لكن قد كان الذي صوّرتماه و طالما رجوت أن ينحصر سؤال السائلين بين العصر و المغرب فما استُجيب رجائي . إني لا أكتم شيئاً من علمي القليل و لا أضنّ بمشورة على من يثق بي و يستشيرني و لكن طاقة المرء محدودة " و الصبر له حدود " كما تقول الأغنية .

و بعد فلقد طال الوقوف على الباب فتفضّلوا بالدخول لا إلى الأطلال التي وصفتها في الحلقة التي مضت بل إلى الدار أيام عزّها أترون جلالها و تحسّون جمالها ؟

هنا كانت المدرسة الأولى التي دخلتها في حياتي . لا تعجلوا عليّ فتغبطوني أن انتقلت من ذلك الكُتّاب المُعتم إلى هذه المدرسة المشرقة و من ضيقه إلى سعتها ، فقد يعيش المرء سعيداً في الكوخ و قد يشقى في القصر . أما أنا فقد استهللت دراستي شقياً في الكُتّاب و شقياً في المدرسة . هذه المدرسة الكبيرة ، التي كانت تسمى " اتحاد و ترقي مكتبي إعدادي سي " و التي اختصر الناس اسمها و عرّبوه فقالوا " المدرسة التجارية " لأن الذي فتحها جماعة من التجار .

و كانت مدرسة جامعة ، فيها قسم للحضانة و قسم للابتدائي و قسم للإعدادي و الثانوي ، و مجموع سنوات الدراسة فيها اثنتا عشرة سنة و منها إلى الطب أو السفر لإسطمبول و هي إحدى مدارس أهلية ثلاث : " الكاملية " التي أنشأها الشيخ كامل القصاب ، العالم الوطني السياسي و من مؤسسي " المعارف " في المملكة و " الكلية العلمية الوطنية " و هذه ( المدرسة التجارية )

و مدارس حكومية أنشئت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري مع مدارس البنات التي فُتحت بسعي المصلح الموجّه المعلم الشيخ طاهر الجزائري و لي عمة كانت رحمها الله من أوائل من تعلّم في هذه المدارس و أخذت منها الشهادة " الرشدية " ( و هي بين الابتدائية و المتوسطة ) سنة 1300 هـ و كانت الشهادة عندي فضاعت من عهد قريب .

و مدارس نصرانية أقيمت في الأصل للنصارى و لكن كان يدخلها بعض المسلمين بحجة تعلم اللغة الأجنبية ( الحجة الواهية الباقية إلى الآن ) و من أعجب العجب أن شيخنا عالم الشام السلفي الجليل منشئ دار التوحيد في الطائف و عضو المجمع العلمي في دمشق ( و هو أقدم المجامع العربية أنشئ سنة 1920 ) شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار درس مدة في المدرسة العازارية النصرانية و فيها تعلم اللسان الفرنسي . و لا أقول هذا ليكون حجّة لمن يُدخل ولده إليها فقد كان دخول شيخنا إليها " فتنة وقى الله شرّها " كما قال عمر رضي الله عنه .

كان المدير العام لهذه المدرسة ( المدرسة التجارية ) هو أبي الشيخ مصطفى بن أحمد بن علي بن مصطفى الطنطاوي و هذا كل ما أعرف من نسبي أما الباقي فاسألوا عنه أهل طنطا فإنه هناك و لن يعرفه أحد لأن لقب الطنطاوي أخذناه في الشام فماذا كان لقب أسرتنا هناك ؟

كان المدير هو أبي فهل تحسبون أني كنت مدللاً مكرّماً لأني ابن المدير ؟ لا و الله و لقد رأيت أول عهدي بها ما كرّه إليّ العلم و أهله و لولا أن الله تداركني بغير معلمي الأول لما قرأتم لي صفحة كتبتها و لا سمعتم مني حديثاً أو خطاباً ألقيته بل لما قرأت أنا كتاباً .

هذه القاعة التي وصفتها لكم بأنها من روائع فنّ العمارة و التي يأتي السياح للتفرّج برؤيتها لبثت حيناً من دهري أرتجف من النظر إليها أو التفكر فيها . وكَلوا بنا معلماً شيخاً كبيراً لا أسميه فقد ذهب إلى رحمة الله فكان يحبسنا فيها و نحن أطفال لا يدعنا نخرج منها حتى نكتب " ألف باء " كلها في ألواحنا الحجرية أربعاً و عشرين مرة نكتبها ليراها و ليمحوها ثم نكتبها ليراها و يمحوها إلاّ أن يُضطرّ أحدنا ( أو يزعم أنه مضطر ) إلى الخروج إلى المرحاض فيسمح له بدقائق ، إن زاد عليها ازدادت عليه ضربات الخيزران ، كنّا نكذب ، نعم ! أفليسوا هم الذين دفعونا إلى الكذب ؟

كنت أنظر من شبّاك القاعة إلى التلاميذ يلعبون في الساحة الداخلية و الطلاب الكبار يمشون في الصحن الكبير كما ينظر السجين إلى الطلقاء من طاقة السجن .


كانت هذه بدايتي ، أنا ابن المدير العام ، فهل يحمد الله تلاميذُ المدارس اليوم على ما يتمتعون به من النعم ؟

و غاب الشيخ يوماً و جاؤونا بطالب كبير من طلاّب الفصول العالية فوجدنا ( للمرة الأولى ) مدرّساً من بني آدم يكلّمنا و نكلمه و يضحك في وجوهنا و ما كنت أعلم أن المعلم يستطيع أن يضحك !

هذا الطالب الشاب الذي عرفته و لم يعرفني لأن التلاميذ يعرفون معلمهم و لا يعرفهم كلهم ، مرت عليّ و عليه الأيام و صار صاحب مكتبة و لم ينقطع عن العلم فوضع معجماً لألفاظ القرآن اسمه " المرشد " ثم وضع معجماً للموضوعات مع صديق له من نوادر المكفوفين من الرجال ، حافظ لكتاب الله أديب ، ينظم الشعر ارتجالاً عارف بالموسيقى ملحّن ، يقرأ الكتابة الموسيقية ( بالحروف البارزة ) و يعزفها و أمامه في مجلسه خرز صغير من كل الألوان في علب صغار يؤلف منه بالإبرة و الخيط صوراً على القماش لو حاولها مبصر بعينيه و هو متفرغ لها لما استطاعها يصنعها و هو يتكلم معك أو يناقشك أو يُنشدك الشعر و هو أعمى !

و هو من نوادر العميان و اسمه الشيخ عارف القلطقجي و هو قريب في هذه المزايا من الرجل العجيب المشهور الشيخ عثمان الموصلي رحمهما الله .

و هذا كله استطراد و قد أنذرتكم به من أول الحديث و سأعود إلى الكلام الأصلي :

كنت أتكلم عن هذا الطالب الذي كان أول من ردّ إلى ثقتي بالله ثم بنفسي و حبي للدراسة و قلت إنه وضع مع الشيخ عارف هذا معجماً آخر لموضوعات القرآن و كلّفني أن أكتب مقدمة له فذكرت هذه القصة التي لم يكن يعرفها في مقدمة الكتاب .

ثم انتقلت إلى معلم آخر فيه أنس و فيه إنسانية فزاد من تقربي من العلم و الدراسة اسمه الشيخ كامل البغال ، عُمّر حتى ناهز المئة أو زاد عليها رحمه الله .

و لم أكن أمتاز من التلاميذ إلا بأني كنت آكُلُ أحياناً في غرفة في مدخل المدرسة هي غرفة الفراشين و كنت يوماً آكلُ رغيفاً وسطه لحم مشوي أمر لي به أبي و كان في غرفة الإدارة ولد رجلاه في الفلق و الخيزران ينزل عليهما فدعا بي و أخذت من وسط طعامي و رُبطت بالفلق و كانت علقة أقسم بالله إني لم أعرف سببها إلى الآن و قد مضى على ذلك أكثر من سبعين سنة !

هكذا كان أسلوب التعليم ! أفترونني حين أعيبه أعيب أبي ؟
لا و لكن أصف ما كان ليعرف التلاميذ ما هم فيه من النعم الآن .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-May-2008, 04:03 PM   رقم المشاركة : 11
تاريخ6
مصري قديم
 

 




(iconid:23)

مشكووووووووووور













التوقيع

لولا التاريخ لما عاش الانسان

 تاريخ6 غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-May-2008, 04:08 PM   رقم المشاركة : 12
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

أهلاً بك معنا ، أتمنى لك الفائدة و النفع .













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-May-2008, 08:02 AM   رقم المشاركة : 13
قطر الندى
مشرفة
 
الصورة الرمزية قطر الندى

 




افتراضي

الحلقة 4

من ذكريات الطفولة
ذكرياتي عن الحرب العالمية الأولى



بقيت في هذه المدرسة إلى سنة 1918 فماذا بقي لدي من ذكرياتي الشخصية فيها ؟ لقد قلبت جيوبي , ونفضت ثوبي , وفتشت كل زاوية من ذاكرتي , وبحثت في كل ركن , فلم أجد إلا القليل الذي سأجلوه لكم .

أما الذكريات العامة فقد كان منها الكثير , وإن لم أدرك منها يوم حدوثها إلا ما يدركه ذلك الولد الصغير .

وكانت أياماً عشتها , ورأيت أحداثها ولكني لم أستوعبها , وأحس الآن وأنا أتحدث عنها كأني أسرد قصة حلم من الأحلام أو رؤيا منام صحا من رآها فلم يجد في يده شيئاً منها .

أشعر كأني ألخص صفحات من تاريخ قديم , قديم جداً , إي والله , لقد تبدلت حياتنا كلها من سنة 1914 إلى سنة 1981 .

لم يبق شيء على ما كان عليه , وأنا إنما أعني هنا أوضاع الدنيا , أما الدين فلم يتبدل لأن الذي أنزله هو حافظه .

من هذه الأوضاع ما صار إلى أحسن مما كان عليه , ومنها ما ساء وفسد .

لقد استمتعنا بثمرات الحضارة , ورأينا من جديدها ما كنا نظنه من المستحيلات , ولقد ازددنا علماً بالأرض وقوانين الله فيها , وضاقت مسافة الخلف بيننا وبين من كنا نراهم وحدهم المتمدنين من أهل أوروبا وأمريكا , وصارت لنا جامعات كجامعاتهم , وقام فينا ومنا علماء مثل علمائهم , ومن ينطق بألسنهم ( اللسان بمعنى اللغة جمع ألسن , أما العضو فجمعه ألسنة ) ويعرف آدابها مثلهم بل ربما فاقهم .

كل هذا وأكثر منه قد كان , ولكن تعالوا فكروا معي ما هو ثمنها الذي دفعناه فيها ؟ لقد ربحنا هذا كله فماذا خسرنا فيه من عقيدتنا ومن أخلاقنا ومن كريم سجايانا ؟ .


أخشى أن ياتي يوم نقول فيه ونحن نعض بنان الندم , حين لا ينفع الندم :

خذوا هذا كله , لا نريده , وردوا علينا ديننا وخلائقنا .

كنا نعيش على شط بحر الحياة , نائمين على لجه , ما غصنا على لآلئه , ولا تعرضنا لعض كلابه , ولا لخطر الغرق فيه .

كنا ( أعني الطبقة التي أنا منها من العلماء المستورين , لا أعني الأغنياء ولا الموسرين ) كنا نحيا حياة ضيقة محدودة , ولكنها سعيدة مجدودة ( أي محظوظة ) , كانت تسلياتنا قليلة ولكنها نبيلة , ليس عندنا إذاعات ولم تكن قد اخترعت , ولا كان الرائي ولا السينمات , إلا سينما واحدة أخذونا إليها , فأرونا ( فلماً ) صامتاً ( إذ لم تكن السينما قد نطقت ) عن معركة ( جنان قلعة ) وكانت هذه (السِنما) في موضع المجلس النيابي , احترقت وبقيت أنقاضها سنين طويلة , حتى أقيم المجلس مكانها ببنائه الجميل وما فيه من الخشب المحفور (( من جنس الذي في مكة وجدة في واجهات العمارات , ورواشن الشبابيك , ولكنه أجمل وأكمل , وقد دعوت في حلقة الجمعة 25 المحرم 1402 هـ من - نور وهداية – إلى حفظ ما في مكة وصيانته ولكن كان العمال يكسرونه ويلقونه مع الأنقاض في الساعة التي كنت أتكلم فيها ... فإذا نتاج تلك الأيدي الماهرة وبقايا ذلك الفن البديع قد صار حطاماً تطؤه الأقدام مع انقاض الدور بل القصور التي هدمت في أجياد لتوسعة الشارع )) الذي أتقن صناعته أبوسليمان الخياط (( وهو الأخ الأكبر لشيخ أطباء الشام الدكتور حمدي الخياط أول متخصص في البكتريا والجراثيم , كان أستاذاً في كلية الطب في دمشق من سنة 1920 وهو أحد مؤلفي معجم المصطلحات الطبية , يحسن علوم العربية كما يحسن الفرنسية والإنكليزية والألمانية واليونانية واللاتينية , توفي رحمه الله سنة 1400 هـ , وابنه الدكتور هيثم من انبغ شباب العصر )) وصنع بعده خشب ( دار عين الفيجة ) ثم دار ( بيت الدين ) في لبنان .

ما كانت عندنا سيارات ولا شوارع يمكن أن تمشي فيها السيارات إنما كانت عندنا العربات الجميلة , تجرها الخيول الأصيلة .

وأنا أذكر أن أول سيارة وصلت إلينا , وصلت سنة 1916 وخرج الناس ينظرون إليها , فلما رأوها تمشي وحدها لا يسحبها حصان , قال قائل من العوام : إن الجن تسيرها , فتدافع ضعاف القلوب هاربين , وهربنا نحن الصغار معهم وضاعت حقيبة كتبي ونلت على ذلك جزائي .

أم الطيارة فقد جاءتنا قبل سنة 1915 , سمعت بذلك ولم أره لأني كنت صغيراً , وكانت قصة عجباً , تحدث الناس عنها طويلاً مع أن الطيران إنما ابتدأ سنة 1903 , يقودها طياران تركيان مسلمان . فتحي وآخر نسيت اسمه ( ذكرني ولدي النابغة زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي أن اسمه صادق ) , واستقبلت في المرج الأخضر وهو الملعب البلدي اليوم , وفيه معرض دمشق الدائم , وهو وقف إسلامي , استقبلت استقبالاً عظيماً وكان يوماً ( كما قالوا ) مشهوداً , وطارت بسلام وودع الطياران باحترام ولكنها سقطت عند طبرية , ودفن الطياران في صحن مدفن بطل الإسلام وفاتح القدس صلاح الدين الأيوبي وراء الجدار الشمالي للجامع الأموي .

وأول شارع فتح في دمشق هو شارع جمال باشا من رأس سوق الحميدية إلى محطة الحجاز , التي يبدأ منها خط القطار وينتهي عند محطة باب العنبرية في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم , والخط وقف إسلامي ثابت بصكوك قضائية وقرارات دولية , وهو من آثار السلطان عبدالحميد ( انتهى مدهُ سنة 1908 قبل مولدي بسنة وخربناه نحن , نحن العرب , بأيدينا وأيدي لورنس وجماعته سنة 1918 ).

هذا أول شارع عرفناه وكان عريضاً جداً , وسطه ممر حوله الحدائق وأغراس المرجان وفتح معه شارع من محطة الحجاز إلى نهر بردى , ومن أقدم عماراته ( العباسية ) نسبة إلى رجل بيروتي يقال له أبوعباس وكانت طابقين من الخشب واللبن فيها مقهى ( كلمة مقهى فصيحة وأقهى أي أدام شرب القهوة ) وملهى .

ومن طريف أخبار ذوي الغفلة من الوعاظ ( أذكره ولو لم يكن هذا مكانه ) أن أحد مشايخنا جاءه من يقول له إن منيرة المهدية تغني وترقص في ( العباسية ) فأعلن غضبه في درسه في ( الأموي ) وقال كيف ترقص هذه المرأة أمام الرجال وهي كاشفة جسدها , مبدية مفاتنها ؟ أين الدين وأين النخوة ؟
قالوا : نعوذ بالله , وكيف يكون هذا وأين يا سيدنا ومتى ؟
قال : في العباسية في الليل بعد صلاة العشاء .
وكان نصف المقاعد خالياً , فامتلأت تلك الليلة المقاعد كلها . فلينتبه الواعظون فكثيراً ما تكون المبالغة في وصف المنكر دعاية له .
****

وجمال باشا , كان قائد الجيش الرابع العثماني وأحد أركان جمعية الاتحاد والترقي وهم : قائد الجيش أنور باشا , ووزير الداخلية طلعت باشا , وجاويد ( دافيد-داود ) وزير المالية ومترجم كتاب ( شارل جيد ) في الاقتصاد ( وكنا ندرسه معرباً في معهد –أي كلية – الحقوق سنة 1931 لما كنا طلاباً فيها ) إلى التركية ثم جاء من بعدهم مصطفى كمال –أتاتورك- .

وأصل أكثرهم من يهود الأندلس ممن يدعون ( الدونمة ) أضاعوا الدولة العثمانية التي كانت ثالثة الدولتين العظيمتين : الأموية والعباسية والتي عاشت المدة الطويلة وفتحت بالإسلام وللإسلام الفتوح الجليلة , وكانت يوماً أقوى دول الأرض وملكها أكبر ملوكها .


فهدم هؤلاء ما بنى بنو عثمان , ونسوا ( أو لم يعلموا ) أن الإسلام لا يفرق الناس للألسن ولا للألوان , فأرادوا ( تتريك ) العناصر العثمانية , فبدؤوا , بهذا , الفتنة التي جعلت الأمة الواحدة ( أمة محمد ) هيئة أمم , حين قالوا : ترك , فقال ناس منا : عرب , وقال الفرس , وقال الأكراد , وكانت عودة إلى الجاهلية , مع أننا ما كنا نفرق في معلمينا وفي رفاقنا بين عربي وتركي وكردي , ولا الإسلام يسمح لنا أن نفرق , وقد ماتت الآن هذه الفتنة أو هي على سرير الاحتضار , وستلحق بها إن شاء الله أخواتها ولا تبقى إلا دعوة الإسلام .

كانت مدرستنا أهلية ولكنا ذقنا مع هذا الكثير من الثمر المّر لهذه الدعوة , كان عندنا معلمون من الأتراك , أما الديّنُ التّقي منهم فينكر هذه التفرقة الجاهلية وأما من كان غير ذلك فكان يؤيدها .

حتى قواعد اللغة العربية ( النحو والصرف ) فقد درسناها آخر المدة على معلم تركي , فكان يسأل الواحد منا : فاعل ندر ؟ أي ما هو الفاعل , وأنتقل خوف جمال باشا من الكبار إلينا , فكان عندنا معلم للموسيقى قالوا إنه نسيب الباشا , فكنا نخشى أن نكلمه .
****

كان هذا كله استطراداً , وسبقاً للحوادث , فلنعد إلى سنة 1914 , إلى السنة التي اشتعلت فيها نيران أول حرب عالمية في تاريخ البشر , ولكن لا تنتظروا مني أن أحدثكم عنها حديث المؤرخ المحقّق , فإني أدون ذكريات إنسان كان طفلاً في تلك الأيام , لا انقل عن ابن خلدون ولا عن شارل سنيوبوس ( مؤلف - تاريخ الحضارة – الذي ترجمه أستاذنا محمد كرد علي ودرسناه في الثانوية )
****

مرّ عليّ في هذه المدرسة شهور , لم أخالط فيها أحد من الأولاد , ولم أكلمهم إلا الكلمة التي لا بدّ منها , فقد نشات أول ما نشأت على الوحدة , لم ألعب يوماً مع الأولاد في الحارة ولا زرت أحداً من لداتي ولا زارني , فكنت ( طول عمري عائشاً وحدي .... ) أنيسي كتابي , وإن زرت فالكبار من تلاميذ إبي أو إخوانه , كان يصحبني أحياناً معه , فأستمع ولا أتكلم لأن الصغار لا يتكلمون في مجالس الكبار .

لذلك كنت في المدرسة متوحداً منفرداً , حتى كان يوم رأيت فيه سماء ( الصحن ) الواسع مغطاة بسحابة سوداء , دانية منا ليست بعيدة عنا , وكان يتساقط شيء منها على رؤوسنا ....

...... لا لم تكن قطرات المطر , فلم تكن سحابة ممطرة , وإنما كانت رجِلاً من الجراد , ملأ سماء الشام وأرضها , وأتى على الأخضر واليابس من زرعها وكان شيئاً رهيباً .

ولم تكن يومئذ هذه المبيدات ولم يكن شيء من هذه الوسائل التي قضت اليوم أو كادت على الجراد .

فبدأ القحط في البلد .

ثم سمعنا من أفواه الكبار كلاماً لم ندرك غوره , ولكن فهمنا من لهجة كلامهم ومن ملامح وجوههم ومن جزعهم أنه شيء مكروه مخيف .

فهمنا انها قامت حرب في مكان بعيد عنا , ليست كحرب البسوس التي دامت ( كما قالوا ) أربعين سنة , ولم تقع فيها إلا أربعون معركة ما زادت المعركة منها عن مناوشة خفيفة بين فصيلين من الجنود .

وأن هذه الحرب يموت في المعركة الواحدة منها , ما يزيد مئة مرة عن كل الذين ماتوا في معارك الجاهلية كلها , بل والذين ماتوا في (بدر) و ( أحد ) و( القادسية) و( اليرموك) .

سمعنا هذا فلم نبال به , ما لنا ولقوم لا نعرفهم , ليسوا منا ولا نحن منهم , يتقاتلون في مكان لا نعرفه ولم نسمع به .
حريق ولكن لم تمتد إلينا ناره , ولم يلذعنا أواره , ولكنا ما لبثنا إلاّ قليلاً حتى بلغنا شراره , وروّعتنا أخباره , حين كنت أمشي إلى المدرسة من داري في العقيبة , فأرى ( الفرن ) مسدودة واجهته بالخشب , ما فيها إلا طاقة صغيرة , والناس يسدّون نصف عرض الطريق , يطلبون أرغفة من الخبز الأسود , فلا يكادون يصلون إليها .

كانت الشام أرض الخيرات , وكانت تسمى قديماً ( أنبار روما ) فأين ذهب قمحها , حتى صرنا نطلب الخبز المخلوط بالشعير والذرة وبأشياء لا تبلغ قدر الذرة ولا الشعير فلا نصل إليه .

كان عهدنا بالخبز معروضاً بأثمان لا يتصورها القارئ اليوم من شدة الرخص , وكان منه المشروح والتنوري وخبز الصاج والمصنوع من خالص القمح , والمعمول من الدقيق الأبيض المنخول .

فأين ذهب هذا كله ؟

ذهب ببعضه الجراد وبباقيه حلفاؤنا ( بل حلفاء الحكام الاتحاديين ) من الألمان .

ثم خلت الشام إلا من الشيوخ والنساء والأطفال , أما الشبان فقد ساقوهم ( مشاة على أقدامهم ) إلى حرب ترعة السويس أولاً , التي عدنا منها بالهزيمة , وإلى معركة ( جناق قلعة ) لمحاربة أعداء الألمان .

وكان الضابط الذي يتعقب الفُرّار يلبس لبادة , لذلك يدعونه بـ ( أبو لبادة ) , وإذا رأوه نادوا ( عباية) ليهرب من ليس معه وثيقة إجازة من الجندية , وكان كلما أبصر شاباً أمسك به أعوانه وقال له : ( نرده وثيقة ؟ ) أين وثيقتك , فإن لم يجدها جره إلى السوقيات في البناءين القائمين إلى الآن في سوق صاروجا , حيث فتح مرة الشيخ أحمد كفتارو ( مدرسة الأنصار ) .

ثم رأينا الناس ( ونحن في طريقنا إلى المدرسة ) ينبشون أكوام القمامة لعلهم يجدون بقايا طعام .

وعزّ السكر حتى صارت الأوقية ( 200 جرام ) بريال مجيدي , وقد كان المجيدي قبل الحرب يكفي لوليمة ضخمة , أي أن الكيلو بليرة ( أي بجنية ذهبي ) .

وقل الكاز ( البترول ) وفقدت أشياء كثيرة مما كنا نستورده , وما كان منه عند التجار قبضوا عليه بأيديهم , وأخفوه في مستودعاتهم وكانت أيام شداد .

ولكن الأتراك مسلمون , وإن كان حكامنا وحكامهم يومئذ من الاتحاديين أعداء العربية , وكدت أقول أعداء الدين , فقد عزّ عليهم أن يجوع علماء المسلمين , فخصّصوا لهم جرايات من القمح , تسد حاجة بطونهم وتصون ماء وجوههم .

وكان والدي – وقد نسيت أن أقول لكم – قد ترك إدارة المدرسة وصار ( أمين الفتوى ) عند المفتي الشيخ أبي الخير عابدين , والد شيخنا الشيخ أبي اليسر عابدين مفتي الشام ( الطبيب الذي نال شهادة الطب على كبر ) والذي صار أستاذاً في كلية الحقوق ( وكانت تدعى معهد الحقوق وكانت هي وكلية الطب نواة جامعة دمشق ) .
كان والدي هو الذي يتولى إعداد قوائم بأسماء العلماء وطلبة العلم لينالوا أنصباءهم من القمح .







آخر تعديل أبو خيثمة يوم 15-May-2008 في 04:05 PM.
 قطر الندى غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-May-2008, 11:33 AM   رقم المشاركة : 14
شهر زاد
راشدي
 
الصورة الرمزية شهر زاد

 




افتراضي

استمروا بارك الله بكم لدي وقفات و تعليقات كثيرة و لكن خوفي أن أقطع السرد

تعاون مثمر و موضوع متميز حقا


شكرا للجميع













التوقيع

 شهر زاد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 29-May-2008, 03:54 AM   رقم المشاركة : 15
 
الصورة الرمزية أبو خيثمة

 




افتراضي

الحلقة 5

من ذكريات الطفولة أيضاً

و كان من المناظر المألوفة أيضاً أن نرى جنود " أبي لبّادة " يمسكون بجماعة من الشبان الفُرّار ( و كانوا يدعونهم الفرّارية ) مربوطين يُساقون و حراب البنادق في ظهورهم إلى حيث لا ندري . فلماذا يفرّون من الجيش ؟ و متى كان العربي المسلم ، بل متى كان المسلم ـ عربياً كان أم تركياً أم كردياً ـ يهرب من مقارعة الأعداء و مقابلة الخصوم ؟

إنه يستحيل أن يكون اليهودي شجاعاً أو نبيلاً ، و لو قاتل بالسلاح الكثير الذي جاء به من يضعه في يده و يسلّطه به على الناس . و يستحيل أن يكون المسلم جباناً أو نذلاً ، و لو أعوزه البارود أو فقد الرغيف . إنه يقاتل بالبندقية القديمة و يقاتل بالسيف و يقاتل بالحجارة ، و لو كان خصمه أقوى دول الأرض . و يقاتل جائعاً أو يصبر يومه على تمرة أو يأكل الكلأ .

لا ، ما هذه قصيدة فخر و حماسة بل هي حقيقة واقعة . أما ترون ما يصنع المسلمون الأفغان أمام المعتدين الشيوعيين ، و دولتُهم إحدى الدولتين الكبرَيين في عالم اليوم ؟ أليست هذه الوقفة إعادة كريمة ماجدة لموقف المسلمين الأوّلين ، يوم نازلوا الدولتين الكبريين في عالم الأمس في اليرموك و القادسية ؟
إن الإسلام صبّ البطولة صباً في أعصاب المسلمين و أجراها في دمائهم ، فمهما حاقت بهم الشدائد و توالت المحن فلن تتبدل طبيعة البطولة فيهم و العاقبة لهم إن كانوا مع الله لأن الله سيكون حينئذ ٍ معهم و من كان الله معه لا يغلبه مخلوق .

أتذكرون يوم عادوا من معركة الأحزاب و قد نفدت منهم آخر قطرة من الطاقة البشرية ، استنفدها ما قاسوا من الشدة و الامتحان في ذلك اليوم حتى لم يبقَ لأحدهم أمنيّة إلا أن يأكل لُقيمات ثم يطرح نفسه على الأرض يستسلم إلى نومة مريحة .

فجاءهم الأمر من القائد العام من الذي لا ينطق عن الهوى من الذي يأتيه " البريد الخاص ّ " من السماء . جاء الأمر بالمسير إلى الناقضي العهد إلى حثالة البشر و زبالة بني آدم إلى اليهود ، إلى بني قريظة . أما مسحوا النوم من عيونهم و استلّوا بعزائمهم ( بل بإيمانهم ) التعب من أجسادهم و امتثلوا الأمر و ساروا ؟
لقد دُعوا بعدها إلى الجهاد ، إلى التضحية ، إلى بذل الروح مئة مرة ، فما تقاعسوا و لا ترددوا . لقد لبّوا دوماً و ما أبوا يوماً و لا يزالون حاضرين ليلبّوا إن دُعوا من جديد . على أن يدعوهم الداعي بلسانهم لا بلسان غريب عنهم لا يفهمونه و لا يعرفونه يدعوهم باسم الدين جهاداً في سبيل الله و إعلاءً لكلمة الله لا باسم الوطنية و لا القومية و لا التقدمية . إن الله يعطي الشهيد الذي يموت في سبيله جنة عرضها السموات و الأرض ، يعيطه حياة مدتها مليار مليار قرن ، بل إن مدتها لا تحيط بها الأرقام لأنها لا نهاية لها ، حياة ما فيها إلا السعادة و كل لذيذ مشتهى بدل حياة على الأرض مهما طالت فإن نهايتها الموت و فيها ما فيها من المتاعب و الآلام .

هذا جزاء من يقاتل في سبيل الله . فماذا تعطي القومية و تعطي التقدمية و تعطي الوطنية من يموت في سبيلها ؟ هل عندها ما تعطيه ؟ بل قولوا ما هي ؟ هل هي شيء له وجود أم أسماء سميناها نحن ( لا آباؤنا ) ما أنزل الله بها من سلطان ؟ فما لنا ندع شرعة الإسلام إلى نظام أساسه أوهام ، و نتائجه أحلام ، و لن يكون له ( كما لم يُكن لأمثاله ) دوام ؟

فإذا كنا نحن أبناء الحرب ، و إذا كنا أبطال القتال ، و إذا كنا نحن ، " نحن المسلمين " أحفاد من خاضوا عشرة آلاف معركة مظفرة ، و من أزاحوا عن صدر البشر كابوس الدولتين الظالميتن الروم و الفرس ، و من فتحوا بالحق و العدل و للعدل و الحق ما بين قلب فرنسا و قلب الهند .. فكيف كنا نفرّ من الجيش العثماني أيام الحرب الأولى ؟

نفرّ لأننا كنا نُساق إلى حرب لم تكُن جهاداً في سبيل الله فنرجوا فيها الأجر من الله ، و لم تكن حرباً اضطُررنا إليها فلم يكُن لنا بدّ من خوضها و لا كان لنا فيها مصلحة ظاهرة فندخلها لتحقيق مصلحتنا .
حرب كان قادتها من غيرنا ، لا أقصد أنهم من غير العرب فإن الله قال : ( إنّما المؤمنون إخوةٌ ) لم يقل : " إنما العرب " ؛ بل لأنّي أشكّ في صدق إسلام أكثر أولئك القادة من الاتحاديين و لا أشكّ أن أيدي غيرنا هي التي كانت تحرّكهم .

و لما انجلى غبار المعركة و وضح الأمر عرفنا حقيقتهم مما صنع أتاتورك ، و قد كان واحداً منهم . و ليس الضمير راجعاً إلى الأتراك ، لا و الله ، فالشعب التركي ما عدل بالإسلام شيئاً من يوم دخل فيه مختاراً ، و السلاطين الأوّلون كانوا من أحاسن الملوك ، فتحوا للإسلام أوربا . و لو مدّ الله في عمر محمد الفاتح ، و لو استمر الخير في أحفاده ، و لو لم تفتنهم و تُعشِ أبصارهم بهارجُ هذه الحضارة لكان لهم تاريخ آخر .
و استمرّت الحرب و كان الكبار لا يعرفون من أخبارها شيئاً فيكف بنا نحن الصغار ؟ و لم نكُن نقرأ الجرائد لأنها لم تكُن عندنا جرائد كجرائد اليوم و لم نكن نسمع أخبار الإذاعات لأنها لم تكُن قد اخترعت الإذاعات ؛ كانت حياتنا قبل الحرب كالبركة الساكنة ، و إن كانت مياهها آسنة . كنا في عزلة عن الدنيا : عزلة مادية و فكرية ، أضعنا ثمرات حضارتنا الأولى التي قَبست منها أوربا في عصر نهضتها و لم نأخذ إلا القليل من نتاج الحضارة الجديدة .

و لكن كانت في حياتنا فضائل و كانت لها مزايا ، إن فتحتُ بابَ الحديث عنها الآن لم أستطع أن أغقله و إن دخلت فيه لم أقدر أن أخرج منه فأوالي طريقي . و لقد كتبت عن دمشق التي عرفتها و أنا صغير فصولاً و مقالات كثيرة في " رسالة " الزيات رحمه الله و في غيرها من الصحف و المجلات و أودعت بعضها كتابي " دمشق " و كتابي " من حديث النفس " و " صور و خواطر " و " قصص من الحياة " و كل هذه الكتب مطبوع مرّات تتداوله أيدي القرّاء .

أما موقفنا من هذه الحضارة فقد ألقيت فيه محاضرة جامعة في " ندوة الشباب العالمية " من نحو عشر سنين في الرياض ، طبعتها الندوة طبعة غاب عنها المصحّح فامتلأت بأخطاء الطبع التي كان يدعوها صديقنا أديب العربية إسعاف النشاشيبي رحمه الله " التطبيعات " .

لذلك أدعها الآن و أرجع فأقتصر على حديث الذكريات ، إلاّ وقفات و لفتات ؛ أقف قليلاً أو ألتفت يميناً أو شمالاً ثم أمضي في طريقي .

قلت لكم إني كنت أرى الجياع ينبشون أكوام القمامة علّهم يجدون ما يؤكل ، و ما جاعت دمشق قط في عمرها الطويل إلاّ تلك الأيام .

و كانت دمشق ـ مذ كانت ـ أرخص بلاد الله و أكثرها خيرات ، كان ثمن رطل الخبز ( و الرطل كيلان و نصف ) ما يعادل ثلاثة قروش سعودية ، فصار رطل الخبز الأسود الذي فيه كلّ ما يُطحن دقيقاً إلا دقيق القمح ، صار بستين قرشاً ، و لو وُجدت القروش الستون ( على صعوبة إيجادها ) لم يوجد الخبز و صار كيلو السكر بدينار ( أي جنيه ذهبي ) و صار النفط ( زيت الكاز ) أغلى من عطر الورد الأصلي الذي يُستخرج من ورد مسرابا في الغوطة ، و وردها الجوري ّ أعطر الأوراد .

و ازدادت مناظر الجياع و الهاربين من الجندية لأن مدرستنا قد انتقلت إلى سوق صاروجا إلى دار هولو باشا العابد بجوار السويقات ، و ترك والدي المدرسة و جاء مدير جديد اسمه شكري بك عابدين .

و كانت دمشق في التقسيم الرسمي ثمانية " أثمان " أي أحياء ، فأحياء " العمارة " و " باب السلام " يسكنها في الغالب العلماء ، و " القيمرية " للتجار ، و " القنوات " للوجهاء أما سوق صاروجا الذي يمتد من " العقيبة " إلى بوابة الصالحية فلكبار الموظفين و للأتراك ، و أما حي الميدان و حي الصالحية و حي الأكراد فكانت في الغالب مفلَقة على أهلها .

و هولو باشا والد أقوى و أشهر عربي كان على عهد السلطان عبد الحميد و كان كاتبه بمثابة أمين الدولة و هو أحمد عزت باشا العابد . و من آثاره " بناية العابد " في المرجة ، و هي أول عمارة حديثة ضخمة أقيمت في دمشق على النمط الإفرنجي و هي أربعة طوابق من الحجر لا تزال من أضخم العمارات .
أما سبب ترك والدي إدارة المدرسة و انتقاله إلى دائرة المفتي " أميناً للفتوى " و هو بمثابة مساعد للمفتي فإني لا أعرفه .

وصلت سنة 1918 إلى الصف الخامس الابتدائي و كانت مدرستنا الأهلية تتبع منهج مديرية المعارف و تزيد عليه العناية بالعلوم الإسلامية ، و لكن تدريسها سيء الأسلوب معوجّ الطريقة و لا أذكر لمدرّس من مدرّسيها أثراً في نفسي فكأني كنت أنتقل من سنة إلى سنة و أرتقي من فصل إلى فصل و أنا نائم .

و وصلَت إلى أسماعنا أطرافٌ من أحاديث الكبار عن ثورة قام بها شريف مكة على الدولة العثمانية . و كنا قد شهدنا من قبل شنق جماعة من كبار الناس في المرجة ، دعاهم الناس " الشهداء " و سمّوا ـ من بعد ـ " المرجة " من أجلهم " ساحة الشهداء " و بقينا سنين طوالاً نحتفل كل سنة في اليوم السادس من أيار ( مايو) بذكراهم و لقد كتبت في مطلع شبابي كما كتب غيري في رثائهم و تمجيد أسمائهم و دعوا جمال باشا ـ لما صنع بهم ـ " جمال السفاح "

ثم حصص الحق و شهد مؤرخو النصارى في لبنان و فتحت مجلاتهم ملفات عنهم ، فتبين أنهم إلا قليلاً منهم ( نحو الخُمس منهم ) تبين أنهم كانوا خونة للدولة جواسيس لأعدائها عليها و أن الدولة العثمانية ـ لمّا وضعت يدها على قنصليتي فرنسا و إنكلترا أيام الحرب ـ وجدت الأدلّة القاطعة و البراهين الدامغة على خيانة أكثرهم و تجسسهم .

( علق الأستاذ مجاهد هنا قائلاً : في آخر الجزء الرابع من الطبعة الأولى من هذه الذكريات التي نشرتها دار المنارة سنة 1986 أضاف جدي رحمه الله تعليقاً استحسنتُ نقله إلى هذا الموضع للمناسبة و هو : " كتب إليّ الأخ الكريم الأستاذ الكبير أكرم زعيتر يقول إن الذي جاء في هذه الذكريات عن الذين شنقهم جمال باشا لا ينطبق عليهم كلهم و إن فيهم صالحين مصلحين عاشوا فضلاء و ماتوا شهداء و هذا الذي قاله حقٌ أوافقه فيه و أشكره عليه " مجاهد " )

و استيقظنا يوماً من أيام سنة 1918 المحرم 1337 على صوت رعد شديد و لكن السماء ما فيها قطعة من غمام و رجّات هائلة كأنها زلزال و لكن ما اهتزّت الدار فصعدنا نحاول أن نرى من سطوح المنازل فشاهدنا نوراً يسطع ثم يخمد و ناراً تتفجّر في الجو ثم تهمد و انتظرنا فجاء من يخبرنا بأن " الجبخانة " في " القدم " أي مستودع الذخائر قد فُجّر ! و سألنا : لماذا ؟ فلم يعرف أحد لماذا .

فلما أصبحنا قالوا إن الجيش التركي قد انسحب في ظلام الليل و خرج من دمشق و إن الشريف فيصل بن الحسين قادم إلى دمشق و كانت رجة في البلد و كانت مظاهرات و ما كنا نعرف ما المظاهرات إنما نعرف " العرضة " في زفة العريس أو في مثلها من المناسبات .

و كنا نهتف في المدرسة كل صباح بالتركية " باديشاهم جوق يشا " و معناها " يعيش سطاننا طويلاً " فسمعنا هتافاً جديداً ما كان لنا بمثله عهد هو " يعيش الاستقلال العربي " و رأيناه مطبوعاً في أوراق ليُعلّق على الجدران لا أدري متى طبع و لعلهم طبعوه و حملوه معهم .

و رأينا العلم الأحمر ذا الهلال و النجم الذي عشنا إلى ذلك اليوم تحته قد نزل و رأينا في مكانه علماً جديداً فيه الألوان الأربعة : الأبيض للأمويين و الأسود للعباسيين و الأخضر للهاشميين و الأحمر ما أدري لمن هو ... فكأنه يقول مع صفي الدين :
بيضٌ صنائعنا ، سودٌ وقائعنا خضرٌ مرابعنا ، حمرٌ مواضينا













التوقيع

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ

 أبو خيثمة غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, أحمد, الندى, الطنطاو

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
مشاهدة صفحة طباعة الموضوع مشاهدة صفحة طباعة الموضوع
أرسل هذا الموضوع إلى صديق أرسل هذا الموضوع إلى صديق
انواع عرض الموضوع
العرض العادي العرض العادي
العرض المتطور الانتقال إلى العرض المتطور
العرض الشجري الانتقال إلى العرض الشجري

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 02:42 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع