منتديات حراس العقيدة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الوجود الإسلامي في الأمريكتين قبل كريستوف كولومبس (آخر رد :الانصار)       :: موضوعات تاريخية مقترحة للرسائل الجامعية (آخر رد :أبو خيثمة)       :: كتب في منهج البحث التاريخي (آخر رد :أبو خيثمة)       :: التقويم العربي؟ (آخر رد :انا الثانى)       :: ابحاث وعدتكم بها (فرنسا عقب سقوط نابليون) ,,!! (آخر رد :انا الثالث)       :: افتتاح أول مصلى في أحد سجون موسكو (آخر رد :الذهبي)       :: قائمة المتميزين الجديدة (آخر رد :الذهبي)       :: منتدى بقوانين زين الفارين (آخر رد :الذهبي)       :: لماذا عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد (آخر رد :الذهبي)       :: تونس وعواصف الحرية (آخر رد :النسر)      

أسهل طريقة للبحث فى المنتدى


العودة   منتدى التاريخ >
الأقسام العامة
> محاورات تاريخية



ساعدوووووووووونى!!!!!!

محاورات تاريخية


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-May-2008, 12:43 AM   رقم المشاركة : 1
matrix88
مصري قديم



(iconid:31) ساعدوووووووووونى!!!!!!

اسلكم ان تساعدوننى فى ايجاد بحث شامل عن ادب الاندلس وخاصة الادب النثرى(63::) اسالكم المساعدة وان وجد احدكم سبيلا لمساعدتي ...







آخر تعديل قطر الندى يوم 06-May-2008 في 07:05 AM.
 matrix88 غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 04:43 PM   رقم المشاركة : 2
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي


شعرية النثر الأندلسي (1-2) ... د. أيمن ميدان


شعرية النثر الأندلسي .. ابن برد الأصغر نموذجاً

وسط مناخ سياسي شديد التقلب عاشته الأندلس نتيجة سقوط الخلافة الأموية واستعار لهيب الفتنة ، وأمام حدود لا تعرف معنى للاستقرار ـ نتيجة طموحات أخوة الأمس أعداء اليوم ، وتربص النصراني القابع على الحدود يرقب فريسته - وسط هذا المناخ وفق مبدعو الأندلس بالقرن الخامس الهجري إلى الرقي بحياتهم الأدبية رقيا يستثير دهشتنا ؛ فقد " أنشأوا نثراً كثيراً ، غزير المادة .. لا يقل في أغراضه ، ولا في تنوع أشكاله ، ولا في عمق معانيه ولا في جمال مبانيه عما نظمه الشعراء من القريض .. وذلك في ظرف زمني وجيز نسبيا ، وفي بيئة مهددة دوما بالغزو ، مثقلة أبدا بأنباء الكوارث والملمات …".(1)

من بين هؤلاء المبدعين يأتي ابن بُرْد الأصغر ( كان حيّاً حتى 440هـ ) نسيج وحده ، فقد خاض غِمار الحياة السياسية كاتبا لمجاهد العامري ( ت436هـ )(2) والمعتصم بن صمادح ( ت484هـ )(3) دون أن تقف حجر عثرة على طريق ممارسة الكتابة في فنون أخرى ، فقد كان شاعراً رقيق الحواشي ، وكاتباً مولعاً بالبحث عن قوالب فنية جديدة ، وأطرِ تعبيرٍ غير مألوفة ، ومصنفاً لكتاب أسماه ( سر الأدب وسبك الذهب ) ، شأنه في ذلك شأن أبي العلاء المعري ( ت449هـ ) وأبي إسحاق الصّابي ، وابن زيدون أيضا ( ت463هـ ) .(4)

لم يذكر ابن بَسّام ( ت542هـ ) - الذي عُني بجمع نثره وما تبقى من شعره - شيئا عن نشأته الأولى وطقوس تحصيله ، ولكنه أشاد بمكانته مُعليا من قدره ؛ فقال : " كان أبوحفص بن بُرْد الأصغر في وقته فَلَك البلاغة الدائر ، وَمَثَلها السائر ، نفث فيها بسحره ، وأقام من أوَدِها بناصع نظمه وبارع نثره.. " (5) متطرقا إلى انتمائه لأسرة قرطبية لعبت دورا كبيرا في إثراء الحياة الأدبية آنذاك ؛ فقد كان " آل بُرْد جمهور كتابة ومحور خطابة " .(6)

لُقِّب ابن بُرْد بالأصغر تمييزا له عن جده ابن بُرْد الأكبر(7) الذي عنه أخذ العلم ، وعلى نهجه القويم سار ، فراح يفخر بالانتماء إليه ، والانتساب إلى علمه ، فقال من أرجوزة له :

من شاء خبري فأنا ابن بُرْد
حد حسامي قطعة من جدي
وأرفـع الناس بنـــاء جدي
من نظم الألفاظ نظم العقد
ونقد الكـلام حـق النقد به
وكف بالأقلام أيدي الأسد
استضاء في الخطوب الربد
كل إمــــــــام وولي عهد(8)

على أن أوجه التشابه الكبيرة بين الجد والحفيد - اسما وكنية وسمات فنية - حدت ببعض المؤرخين إلى الخلط بين آثارهما الفنية شعرا ونثرا ، فصاحب المطـمح ينسب مفاخرة السيف والقلم إلى ابن بُرْد الأكبر(9) ، على حين يـنسبها ياقوت الحمـوي ( ت626هـ ) إلى ابن بُرْد الأصغر(10) . ولم يقف الخلط عند النثر بل تخطّاه إلى الشعر أيضا ، فصاحب المطمح ينسب مقطعة غزلية رائية الرويِّ إلى ابن بُرْد الأكبر(11) على حين ينسبها كل من الحموي وابن بَسّام إلى ابن بُرْد الأصغر يقول فيها : (12) ( من الوافر )

لما بــدا فـي لازور
دي الحرير وقد بهر
كبرت من فـرط الجما
ل، وقلت : ما هذا بشر
فأجـابني : لا تنكـرن
ثوب السماء على القمر

ولابن بُــرْد الأصغر مقطـعات شعريـة كثيرة - أوردهـا ابن بَسّام(13) تدور في الإطار الغزلي الرقيق ، وتحذو حذوَ أعلام الشعر العباسي الكبار بصفة عامة ، وابن المعتز ( ت396هـ ) وابن الرومي ( 284 هـ ) بصفة خاصة ، " حتى أنها لتبلغ في ذلك مبلغا لا يكاد يدور بخلد الإنسان ، فقلما يوجد له معنى إلا وهو مسبوق به ، قد طرقه الشعراء من قبله.." (14)

والحقيقة أنه إن كان ابن بُرْد الأصغر كثير الإغارة على معاني السابقين ، فقد أعاد صياغتها ، ناقلا إياها الى حقول دلالية مختلفة ، موشحا إياها بوشاح إيقاعي جديد .. فتبدو لديه مختلفة المذاق خفيفة الروح ، سلسة النغمة ، مثال ذلك قوله : (من الرمل)

بخـــداع عللــــــوه
وبهجر وصلوه
لم يبـالوا يــوم صد
أي وجـد حملوه(15)

على أن القراءة الواعية لنثره وشعره تنفي ما ذهب إليه أحمد ضيف ( ت1945م )(16) إذ تشي بأن جيد نثره يفوق جيد شعره وإن كان في الحالتين صانعا ماهرا يحدوه حس مرهف وعقل واع .

نثر ابن بُرْد.. دراسة فنية :

إن العمل الأدبي - بتعدد اتجاهاته ، وتباين أنماطه - كل لا يتجزأ ، يستعصي على أي محاولة لتقسيمه أو تفكيكه ، فلا قيمة لمعنى مجرد بلا صياغة تبلوره ، أو إيقاع يثريه ويخلده ، أو صورة فنية تضفي عليه حركة وحياة ، ولا دور للغة لم توظف لأداء معنى أو نقل إحساس .

وعلى الرغم من تجانس العناصر المكونة للعمل الأدبي وامتزاجها امتزاجا يصعب معه فصل الخيوط الأولية المكونة لنسيجه، والتي تجعل من التصور القائم على أن العمل الأدبي نتاج تزاوج المبنى والمعنى تصورا " لا وجود له إلا في ذهن واضعه ، بل إنه مجرد وهم لا غير . ذلك أن المبنى الخارجي هو في حد ذاته المعنى الداخلي ، وهما يتوالدان معا في شكل وحدة كلية إبان عـملية الخـلق " .(17) أقول على الرغم من ذلك فإنني ولدواع علمية بحتة سوف أحاول - ما وسعتني المحاولة - أن أرد البناء الفني لنثر ابن بُرْد الأصغر إلى عناصره الأولية ، والمستويات الدلالية إلى فنونها التي تنتمي إليها .

طبقا لهذا التصور سوف أقترب من نثر ابن بُرْد الفني ، دارسا إياه عبر محورين كبيرين ، يتمثل المحور الأول في دراسة رأسية تتناول الفنون النثرية التي عالجها ، ويتمثل المحور الثاني في دراسة أفقية تعنى بوسائل التشكيل الفني ، مجسدة في : اللغة ، والصورة الفنية والإيقاع .

المحور الأول :

نثر ابن بُرْد .. دراسة رأسية :

خاض ابن بُرْد الأصغر غمار السياسة في مرحلة من أخطر المراحل التاريخية للأندلس ، فكتب لكل من مجاهد العامري والمعتصم بن صمادح ، على أن الحياة السياسية المضطربة لم تحل بينه وبين تعاطي فنون النثر الفني المتعددة ، فقد كان واحدا من المبدعين القلائل " الذين وجدنا عندهم غراما بينا بتنويع القوالب الإنشائية وولوعا بتجديد الأزياء التي يعرضون ضمنها مضامينهم النثرية "(18) فجاء نثره شديد الصلة بواقعه ، متخذا من أطر التعبير - مألوفة وغير مألوفة أيضا - وسيلة لرصد موقف أو تجسيد إحساس أو رفض سلوك .

أولا: النثر الديواني :

منذ ارتبطت الرسالة بديوان الإنشاء ، أواخر القرن الأول الهجري ، وامحت السمات الفارقة بين الكاتب والناثر ، راحت الرسالة الديوانية تحتل مكانها في صدارة الفنون النثرية كثرة وتنوعا ، متخذة من الإخبار والتواصل والتوثيق غاية . وكان للمناخ السياسي المهيمن على أندلس القرن الخامس الهجري وتنافس ملوك الطوائف فيما بينهم على استقطاب كبار كتاب العصر كبير أثر في ازدهار هذا اللون ، وتنوع أنماطه ، وكثرة ما كتب فيه .

ولابن بُرْد الأصغر دور كبير في إثراء هذا اللون باعتباره واحداً من كبار كتاب تلك الحقبة الذين أسهموا في صنع جانب من أحداثها ، وكاتبا لمجاهد العامري والمعتصم بن صمادح . أورد ابن بَسّام قطعة من نـثره الديواني ( تنخـرط في سلك الأمان ) على حـد تعبيره ،(19) يتأرجح فيها بين أسلوب المصانعة والملاطفة تارة ، وأسلوب الزجر والتهديد تارة ثانية ، والمزج بينهما تارة أخرى ، متكئا على أسلوب نثري " هو في جملته أسلوب خطابي ، يسلك فيه مسلك توارد الجمل والمترادفات .. وإن كان كثير من الجمل مكررا خاليا من معنى جديد ".(20)

ومن غريب عهود الأمان عهد لا نعرف باسم مَنْ مِن أمراء الطوائف صدر ؟ أو لمن من الناس وجه ؟ كتبه ابن بُرْد الأصغر لأناس لم يسعوا إليه سعي رضى واختيار ، بل سيقوا إليه سوق إكراه وإجبار ؛ فقال : " أما بعد ، فإنكم سألتم الأمان أوان تلمظت السيوف إليكم ، وحامت المنايا عليكم ، وهمت حظائر الخذلان أن تفرج لنا عنكم ، وأيدي العصيان أن تتحفنا بكم " .(21)

ثم يسارع ابن بُرْد الأصغر فيقرر أن منح أميره لـ " أمان غريب الصنعة " على حد تعبير ابن بَسّام ، لا يعكس ضعف موقف أو خوف عاقبة ، بل يجسد رغبة صادقة في الصفح والغفران ، لذلك راح يرصد رد الفعل الطبيعي ملوحا بما يملكه الأمير من قوة ، فقال : " ولو كلنا لكم بصاعكم ، ولم نرع فيكم ذمة اصطناعكم ، لضاق عنكم ملبس الغفران ، ولم ينسدل عليكم ستر الأمان… ولشربت دماءكم سباع الكماة ، وأكلت لحومكم ضياع الفلاة " .(22)

على أن الأمير آثر أسلوب المصانعة والملاطفة وسيلة للاستقطاب والهيمنة ، راجياً أن يكون العفو أداة تأليف بين نفوسهم ، ونزع جذور التمرد ونبذ الشقاق " ورجاؤنا أن يكون العفو على المقدرة تأديبا لكم " ، ثم يختم هذا العهد بصيغة الأمان التقليدية التي جاءت موشحة بنبرة زجر وتهديد ، فقال : " وقد أعطيناكم بتأميننا إياكم عهد الله تعالى وذمته ، ونحن لا نخفرهما أيام حياتنا إلا أن تكون لكم كرة ، ولغدرتكم ضرة ، فيومئذ لا إعذار لكم ، ولا إقصار عنكم، حتى تحصدكم ظباة السيوف ، وتقتضي ديون أنفسكم غرماء الحتوف " .(23)

ولعل مقولة ابن بَسّام التي صَّدر بها هذا العهد ( أمان غريب الصنعة ) ، توحي بأن هذا العهد لم يكتب لطائفة معينة ، ولم يرتبط بحادثة خاصة ، بل كان " بيانا عاما ، أو بلاغاً إعلامياً بالعفو لإخبار الناس به .. " .(24) إعلاء لمنزلة الأمير في نفوسهم ، وتحريضا للمارقين على العودة دون خوف من بطش أو عقاب .

ولابن بُرْد عهد أمان ثان كتب لطائفة من الثائرين الذين أرهفوا السمع لصوت العقل ، فعادوا إلى رشدهم طالبين إبراء الذمة مما ارتكبوا واقترفوا ، بدأه بالحض على إطفاء نار الفتنة وسد أبواب الشر ، محذرا إياهم - إن هم ارتدوا أو تمادوا - بعقاب سماوي يمحق النعمة من بين أيديهم ويشيع الفرقة بين صفوفهم ، فقال : " أما بعد ، فقد آن أن توقظوا سواهي العقول ، وأن تريحوا عوازب الأحلام ، فتسلوا السخائم ، وتغمدوا الصوارم .. وتعلموا أن الله القادر عليكم والآخذ بنواصيكم له غضبات أقلها استئصال آثار النعم عليكم ، وسطوات أبرزها تحكم أيدي البلاء فيكم " ثم يذكرهم بشمول فداحة ما يقدمون على فعله " فكم صالٍ بناركم لم يشرككم في قدحها , ويشقى بفتنتكم ولم يغمس معكم يدا فيها "، ويختم رسالته مذكرا إياهم بقوة الإمارة محذرا من مغبة التمرد أو شق عصا الطاعة مرة ثانية ، فقال : " أما والله لتجرعن الخطبان ، ولتقرعن الأسنان ، ولتحاولن الأوبة ولامآب لكم ، والتوبة ولا قبول منكم ".(25)

ولم يقف ملوك الطوائف في إسداء الأمان عند الجماعة - خاضعة ومتمردة - بل اتصل ليشمل بعض الأفراد الذين شقوا عصا الطاعة وتمادوا في تمردهم حتى وقعوا في الأسر ، لا يملكون لآسرهم ضرا أو نفعا ، ولعل هذا الملمح يدعم ما ذهبنا إليه من أن الإسراف في منح عهود الأمان يحمل في طياته حساً سياسيا ناضجاً كانوا يتسمون به ، إذ يبدون في صورة القادر على كبح جبروت القوة وإيثار العفو ، مما يعلي من منزلتهم في النفوس ، ويحرض المتمردين على الإصغاء لصوت العقل والانحياز إليه .

ولابن بُرْد عهد أمان كتبه عن أمير- شاء ابن بَسّام أن نجهله - موجه لثائر وهب أمانا لم يطلبه وفوزا لم يسع إليه ، فبدأ الرسالة بتقرير ذلك قائلا : " أما بعد ، فإن الغلبة لنا والظهور عليك جلباك إلينا على قدمك ، دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك .. وقد رأينا أن نظهر فضل سيرتنا فيك ..."(26) ثم راح يبين دواعي هذا العفو – الغريب - راداً إياها إلى خلال طيبة يتصف بها الأمير ، وعدم ضلوع الثائر في التدبير للثورة ، فما هو إلا صال بنار لم يشترك في قدحها .

ثم يتخذ من الملاطفة وسيلة للتقرب إليه ، ومدخلا لعهد أمان مرتبط بالالتزام والانضواء تحت لوائه دون تفكير في تمرد أو ثورة ، مما حدا بابن بُرْد إلى مزج الترغيب بالترهيب ، والملاطفة بشيء من الزجر والتخويف ؛ فقال : " مهدنا لك الترغيب لتأنس إليه ، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه .. وأمان الله لك منا ، ومواثيقه بالوفاء لك ، مقصورة علينا .. إلا أن تطيش الصنيعة عندك .. فلسنا بأول من بغي عليه ، ولست أول من بدت لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت ، وانفتحت لنا أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت ..".(27)

مما سبق يتضح للباحث أن ما تبقى لابن بُرْد الأصغر من نثر ديواني يعد قليلا إذا قورن بما تبقى له من فنون نثرية أخرى ، وأن هذا الكم القليل يندرج ضمن محور واحد من المحاور الدلالية الكثيرة التي عالجها النثر الديواني لتلك الفترة ، حيث دار جله حول مخاطبة الثائرين - فرادى وجماعات - متخذا من ( الإطناب ) أسلوباً ، والمزج بين الترغيب والترهيب وسيلة .

ثانيا: النثر الإخواني :

تعد الإخوانيات من أقدم صور النثر الفني بزوغا وأكثرها شيوعاً ورسوخ أسس وقوالب ،(28) ومع التزام مبدعي أندلس القرن الخامس الهجري بهذه الأسس وتلك القوالب في مراسلاتهم – شعرية (29) ونثرية - كان لبعضهم فضل استحداث لون إخواني جديد يتمثل في رسائل الاستزارة إلى مجالس الأنس والشراب ، دفعهم إلى ذلك عشق لطبيعة فاتنة ، وحرضهم على التمادي تهالك على متع متعددة الأنماط متباينة الآثار .

ولابن بُرْد الأصغر خمسة " فصول في الاستزارة "(30) توافرت فيها شروط هذا اللون من وصف لمحيط اللقاء طبيعة فاتنة تارة ومناخا متقلبا تارة أخرى ، ورصد لما يرتبط به من محرضات عقده ومثيرات التمادي في إتمامه ، وانتهاء بصيغة الاستدعاء التي غالبا ما تأتي مقتضبة واضحة .

ومن بين رسائل الاستزارة بطاقة دعوة بعث بها ابن بُرْد لصديق لم يعينه يحثه على المجيء ، فبدأ بوصف الطبيعة الموشحة لمكان اللقاء ، قائلا : " اليوم يوم بكت أمطاره ، وضحكت أزهاره ، وتقنعت شمسه ، وتعطر نسيمه " ثم ينتقل إلى رصد ما توفر لهذا المجلس من وسائل متعة " عندنا بلبل هزج وساق غنج ، وسلافتان : سلافة إخوان وسلافة دنان ، قد تشاكلتا في الطباع ، وازدوجتا في إثارة السرور ". ويختتم بطاقته بصيغة الاستدعاء " فاخرق إلينا سرادق الدجن تجد مرأى لم يحسن إلا لك ، ولا يتم إلا بك ".(31)

ولم تقتصر الدعوة على مجالس تتخذ من اللهو وسيلة وغاية ، بل امتدت لتشمل مجالس علمية رصينة تحقق متعة مغايرة وتخاطب مناطق حس مختلفة ، يقول ابن بُرْد الأصغر مازجا صيغة الاستدعاء بعناصر المتعة المتوفرة لذلك اللقاء : " فإن رأيت أن تخف إلى مجلس قد نسخت فيه الرياحين بالدواوين ، والمجامر بالمحابر ، والأطباق بالأوراق ، وتنازع المدام بتنازع الكلام ، واستماع الأوتار باستماع الأخبار ، وسجع البلابل بسجع الرسائل ، كان أشحذ لذهنك ، وأصقل لفكرك ، وآنس لخاطرك ، وأطيب لنفسك ، وأفرج لهمك ، وأرشد لرأيك ".(32)

وإذا كان أصحاب هذا اللون من المتعة قد اتخذوا من الطبيعة الفاتنة مسرحا يحتضن لقاءاتهم ، ووسيلة إشباع لكل مراكز الحس لديهم، فإنهم – أيضا - أقدموا على أن يستبدلوا بها دوراً محمية مسقوفة ، تمردا عليها عندما تبدي ثورة أو تظهر تنكرا ، وحرصا على عقد مجالسهم تحدوهم رغبة لا يحد من نزقها عائق ، يقول ابن بُرْد الأصغر يصف مجلسا شتائيا دفعهم إليه زخات مطر وبُرْد حالت دون عقده بين أحضان الطبيعة: " نحن من منزل أبي فلان بحيث نلتمس سناك ، ونتنسم رياك ؛ وقد راعنا اليوم باكفهرار وجهه ، وما ذر من كافور ثلجه ، فادّرعنا له بالستور…" ثم يتناول وسائل المتعة الثابتة والمعهودة بتلك المجالس (الخمر والغناء) ، مختتما رسالته بصيغة استدعاء تعكس - كما قررت - رغبة عارمة في عقد اللقاء ، فيقول : " وأحببنا أن تشهد جيش الشتاء كيف يهزم ؟ وأنفاس البُرْد كيف تكظم ؟ ".(33)

وإذا كان أدب الاستزارة إلى مجالس الأنس والشراب يكشف جانباً من جوانب النفس البشرية التي " جبلت على طبيعة لا تكتمل فيها سعادة الإنسان إلا إذا امتدت ظـلالها الوارفـة إلى كل من يحبـه قلبه "(34) فإن العتاب مهما بلغت حدته وتباينت أنماطه(35) يعد صورة من صور المودة ، ونمطا من أنماط الحفاظ عليها نقية دافئة لا تعرف معنى للتلاشي أو الذبول والفتور ، وقديما قال الشاعر: ( من الوافر)

إذا ذهـب العتـاب فليس ود
ويبقى الود ما بقي العتاب(36) .

ولابن بُرْد الأصغر رسالة يرد فيها على عتاب صديق لا نعرفه اسماً وقدراً ، يبدؤها برصد أمارات التبدل الذي طرأ على سلوكه ، وراح يوشح علاقتهما بوشاح من التنكر والتفريط والتقصير ؛ فقال : " أظلم لي جو صفائك ، وتوعرت عليّ أرض إخائك ، وأراك جلد الضمير على العتاب ، غير ناقع الغلة من الجفاء ، فليت شعري ما الذي أقسى مهجة ذلك الود ، وأذوى زهرة ذلك العهد ؟ - عهدي بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة ، ومودتنا تسمو على صفة العتاب ، ونسبة الجفاء ، واليوم هي آنس بذلك من الرضيع بالثدي ".(37) ثم ينتقل إلى رصد معاناته النفسية التي انتابته نتيجة ما اعترى علاقتهما من تنكر وتقصير في أداء واجباتها ، مما أصابه بشيء من الزهد في الكتابة إلى صديقه ومجاهدة أدواتها ، إذ "لم يبق في أحدها إسعاد لي على مكاتبتك ، ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك ".(38)

ويبدو أن تنكر صديقه فاق كل حد ، وتفريطه تجاوز قدرة الاحتمال ، فتبدلت نبرة الخطاب ، فجاءت متشحة بالحسم الموشى بغلالة من حدة ، واضعاً علاقتهما ضمن مدارات ثلاثة : فإما الإقدام على تبديد سحب الجفاء باعتراف يصحبه تبرير مقبول ، أو فعل يعيد وصل ما انقطع من أسباب الود ، أو رغبة في التمادي صارخة " فإما أن تدلي بحجة فأتنصل عندك ، وإما أن تنبئ بحقيقة فأستديم خلتك ، وإما أن تأزم على فأسك فأقطع حبلي منك ".(39) ثم يختم رسالته برأي ثاقب في نمطين من أنماط العتاب : أما أولهما فنمط حبيب يحفظ للمودة دفئها وديمومتها ، وذلك إذا صدقت دوافعه ورقت صور التعبير عنه ، وقصر زمن الإلحاح عليه، فقال " كثيراً ما يكون عتاب المتصافيين حيلة تسبر المودة بها ، وتستثار دفائن الأخوة عنها ، كما يعرض الذهب على اللهب ، وتصفق المدام بالفدام ، وقد يخلص الود على العتب خلاص الذهب على السبك ".(40) وأما النمط الثاني فبغيض ، وذلك إذا كثر العتاب ودام فقال : " فأما إذا أعيد وأبدى ، وردد وولي ، فإنه يفسد غرس الإخاء كما يفسد الزرع توالي الماء ".(41)

ولابن بُرْد الأصغر عبارات مقتضبة وجمل قصيرة تدور حول الإخاء ذمّا ومدحا ، والصديق إقبالا وإدبارا ، صاغها صياغة دقيقة للخيال دور كبير في تشكيلها ، أوردها ابن بَسّام الشنتريني في ذخيرته معزولة عن سياقها ، غير مصحوبة بما يبدد الغموض الموشح لها ، تحت عنوان ( فصول قصار في مدح الإخاء )(42) ثم أعقبها بقوله " وله في ضد ذلك ".(43)

فمن مقولاته يمدح الصديق الذي تصدق مودته وتصفو قوله: " رعيت به السعدان ، وأخذت من ريب دهري به الأمان / ناصري إذا تكاثرت الخطوب علي ، ومجيري إذا أثخنت الأيام جانبي / هو ذخري المعد ، وركني الأشد ، وسلاحي الأحد / أراؤه كالمرائي إذا جليت ، والسيوف إذا انتضيت ".(44) ثم يرصد الوجه المظلم لصداقة لا يرعى لها حرمة ، ولا يحفظ لها جانب أو ميثاق ؛ فيقول : " على وجهه من التعبيس قفل ضاع مفتاحه ، وليل مات صباحه / قصير الوفاء للإخوان ، عون عليهم مع الزمان / شر بقعة لغرس المودة وبذر الإخاء…".(45)







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 04:45 PM   رقم المشاركة : 3
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

ترى هل كانت هذه العبارات وتلك الجمل تنتمي إلى رسائل إخوانية أخرى للمؤلف لم يرد ابن بَسّام إثقال كتابه بإدراجها فقام بانتقائها إعجاباً بها إحكام صياغة ودقة معنى ؟ أم أن ابن بُرْد الأصغر نفسه أقدم على هذا الأمر فصاغ فلسفته الخاصة بالمودة وتبدل صورها وتداعياتها بأسلوب يقترب من مدارات الحكمة تارة والمثل السائر تارة أخرى ، فتكون بصياغتها تلك مهيأة للانتشار واللصوق بالذاكرة ؟ أقول : مجيء هذه العبارات المقتضبة وتلك الجمل القصيرة معزولة عن سياقها يجعلنا نقبل أحد هذين الاحتمالين - أو كليهما معا - مثيراً لوجود هذه الظاهرة وتكرارها في نثر ابن بُرْد الأصغر الديني والوصفي أيضا .

ثالثا - نثر المفاخرات :

بدأت المفاخرات على لسان الجاهليين نمطا شفهيا يسير التكوين ، خطابي الأداة ، اجتماعي الغاية ، وانتهت على يد الجاحظ جنسا أدبيا ، له سمات خاصة تميزه عن غيره من الأجناس الأدبية الأخرى ، ثم عرف طريقه صوب الأندلس عبر نماذجه المشرقية الراقية ، حيث وجد تربة خصبة احتضنته ومناخا مناسبا منحه القدرة على الازدهار ، فكثرت نماذجه وتعددت أنماطه تعددا " يدل على توسع فيه ، ولجوء في كثير من المناسبات إليه .. "(46)

وقد توزعت مفاخرات الأندلسيين ومناظراتهم على محورين كبيرين ، الأول : يتناول قضايا فكرية على جانب كبير من الخطورة في حياة الأندلس انتماء وتاريخا ثقافيا وعلميا . والثاني : يمثل طفرة نوعية في مسار نضج النثر ، حيث لم يكتف بوصف الأشياء والحديث عنها ، بل يصبح لسانها الذي تتحدث به ، وتتفاخر وتتباهى من خلاله (47). ولابن بُرْد الأصغر رسالتان تنتميان إلى النمط الثاني ، أدار الأولى بين السيف والقلم ، والثانية بين مجموعة من الزهور ، بينهما أوجه تشابه ونقاط خلاف ، سوف تبرزهما القراءة التحليلية لكليهما .

أ – المفاخرة بين السيف والقلم :

يعد ابن بُرْد الأصـغر أول من سبق إلى عقد مفاخرة بين السيف والقلم في الأندلس (48) ، حيث وفق – أيما توفيق – في نقل هذه الظاهرة من السياق الشعري القديم الذي وردت فيه عـلى ألسنة أعلام الشعـر العباسي الكبار ، كأبـي تمام ( ت231هـ ) والمتنبي ( ت354هـ ) وابن الرومي ( ت284هـ ). – وشوقي حديثا ( ت1932م )(49) - إلى النثر الفني من خلال رسالة كتبها لمجاهد العامري ، متخذا من هذه الصيغة المبتكرة وسيلة غير تقليدية لمدحه ، ورصد جانب من جوانب الصراع الخفي بين المنتمين لدولتي السيف والقلم بالأندلس آنذاك ، والإعراب - من طرف خفي - عن رغبته في المساواة بينهما ؛ فالسيف والقلم - باعتبارهما رمزين للقوة بوجهيها المادي والمعنوي - متكاملان متلازمان لا يستغنى بأحدهما عن الآخر .

يبدأ ابن بُرْد الأصغر رسالته التي تعد من بدائعه العقم بتقرير قاعدة إنسانية عامة ، تتمثل في التفاوت النسبي بين الأشياء المتشابهة طبيعة ، المتطابقة مناخا وعوامل تأثير ، فقد تنبت زهرتان في بقعة واحدة ، ومع ذلك ترى إحداهمـا أندى غضارة وأبهى لونا ، وربما " امتد أحد الجوادين خطوة ، أو خص أحد القضيبين بربوة ، أو راح أحـد النجـمين أضوأ تنويرا ، ... أو أمسـت إحدى البارقتين أسنى إنارة …"(50)

ثم يردف ذلك برصد العلاقة الوثيقة التي تجمع بينهما ، وتقوم على الالتحام والاتساق ، لا التشتت والانفصام ، باعتبارهما وجهي عملة واحدة ، ومطية الباحث عن المجد ، والمتيم بالاتشاح بأثواب الشرف والسؤدد ، فقد " كانا مصباحين يهديان إلى القصد من بات يسري إلى المجد ، وسلمين يلحقان بالكواكب من ارتقى لساميات المراتب ، وطريقين يشرعان نهج الشرف لمن تقرى إليه ، ويجمعان شمل الفخر لمن تأشَّبَ عليه ".(51)

ويبدو أن هذه العلاقة الوثيقة لم تحل دون تطلع كل طرف إلى الانفراد بالأمر دون غيره ، فينشب بينهما خلاف ضار واسع الشقة لا يمكن احتواؤه بيسر وسهولة .

ومن خلال أسلوب أثير لدى ابن بُرْد يعتمد الحوار أداة والمنطق وسيلة تدعيم لرأي أو إقناع الخصم ، موشحا إياه بثوب بياني للخيال كبير أثر في تشكيله - وإثرائه أيضا - راح يعرض وجهة نظر كل طرف في أحقيته بالريادة وموقفه من ادعاءات الخصم . فيجري الحديث بداية على لسان القلم في بادرة تمثل خروجا على ما شاع لدى كل من قابلوا بين السيف والقلم قديما ، وتعاطفا مع الكتاب الطامحين إلى مكانة تدنو من مكانة أصحاب السيف ، وتبنيا لموقفهم .

يبدأ القلم متباهيا بتلك القداسة التي غمرته ، مستمدا هذا التباهي من بعض آي الذكر الحكيم ، فيقول بادئا حديثه بصيحة تضفي على المناخ الخيالي مسحة واقعية ، وعلى مجريات المفاخرة نمطا من الدرامية : " ها ، الله أكبر ، أيها السائل ... خير الأقوال الحق ، وأحمد السجايا الصدق ، والأفضل من فضله الله - عز وجل - في تنزيله ، مقسما به لرسوله ، فقال : ( ن.. والقَلمِ وَما يَسْطُرُونْ ) ، وقال : ( اقرأ وَرَبُكَ الأَكْرَم الذي علَّمَ بالقَلَم ) ... لقد أخذت الفضل برمته ، وقدت الفخر بأزمته ".(52)

وينبري السيف للرد عليه مؤكدا أن مناط التفضيل الفعل لا القول ؛ إذ " قيمة كل امرئ ما يحسن "(53) وهنا يستصرخ القلم مصادر التاريخ باحثا عن دليل يشي بازدواجية الفائدة لديه ، فيقول : " وهل أنا إلا قطب تدور عليه الدول ، وجواد شأوه يدرك الأمل ، شفيع كل ملك الى مطالبه ، ووسيلته إلى مكاسبه ، وشاهد نجواه قبل كل شاهد ، ووارد معناه قبل كل وارد ".(54)

وعندما يفخر السيف بقدرته على الحسم وترسيخ دعائم الملك قائلا : " إن عاتقا حمل نجادي لسعيد ، وإن عضدا بات وسادي لسديد ، وإن فتى اتخذني دليله لمهدي ، وإن امرءا صيرني رسيله لمفدي "(55)، وهو ملمح طالما فخر السيف به - يتخذ القلم منه دليلا على إدانته والتقليل من قدره ، لا إثبات المزية له ، فالسيف يفتح أبواب الفرقة ، وينفح في نيران الشر فيتفرق الرفاق ، ويبدل الود الصافي بينهم بضغائن تتأجج في النفوس ، فقال : " تسود ما بيض الصفاء ، وتكدر ما أخلص الإخاء ، وتؤكد أسباب الفتن …".(56)

وأمام أدلة (القلم) الصائبة تطغى طبيعة السيف على نبرة الخطاب لديه ، فيتجاوز حدود النقد الهادئ المستند إلى التعقل إلى لغة تقترب من مدارات السخرية اللاذعة ، فيصمه بحقارة المظهر ، ورثاثة الحال ، وبخس الثمن ، فقال : " تحاول امتدادا بباع قصيرة ، وانتفاضا بجناح كسيرة . أمستعرب والفلس ثمنك ، ومستجلب وكل بقعة وطنك ؟! جسم عار ، ودمع بار ، تحفى فتنعل بريا ، حتى يعود جسمك فيا ".(57) فيرد القلم اتهاماته بأسلوب هادئ مدعم بما يفحم من الأدلة والأسانيد ، التي تتناول كل جزئية مهما صغرت حجما وقيمة ؛ فعندما ينعي السيف عليه صغر حجمه وقلة ثمنه ورثاثة هيئته يدحض كل ذلك بما اجتلب من أشياء نافعة وثمينة لم يقلل من قيمتها رثاثة مظهر أو رداءة منبت ، فقال : " إن الذهب معدنه في العفر وهو أنفس الجواهر ، والنار مكمنها في الحجر وهي إحدى العناصر ، وإن الماء - وهو الحياة - أكثر المعايش وجدانا وأقلها أثمانا ، وقلما تلفي الأعلاق النفيسة إلا في الأمكنة الخسيسة ".(58)

وهكذا تمتد المفاخرة بين طرفين نجح كل منهما في أن يصبغ آراءه بما يتسم به من سمات ، فجاء الحوار- طبيعة وتشكيلا - يتأرجح بين الحدة والهدوء ، وبين روحية الأثر ومادية الفعل .

وتنتهي المفاخرة بجنوح كلا الطرفين الى السلم بعد أن استنفدا ما لديهما من حجج لم تستطع حسم الموقف لأي منهما ، فلم " ينثن أحد الصارمين كهاما ، ولا ارتد أحد العارضين جهاما "(59)، وأجمعا رأيهما على أن يكتب القلم ميثاق تصاف يجسد رغبتهما في نبذ كل خلاف ، والعمل على إعلاء دولة الموفق أبي الجيوش مجاهد العامري ، الذي ينبري لمدحه نثرا وشعرا فيقول: ( من البسيط)

قد آن للسيف ألا يفضل القلما
مذ سخرا لفتى حاز العلى بهما
يـــا أيهـا الملك السـامي بهمته
إلى سماء علا قد أعيت الهمما
لولا طلابى غريب المدح فيك لما
وصفت قبل علاك السيف والقلما
وإنما كان تعريضا كشفت بــه
من البلاعة وجها كان ملتثما(60)

ب – المفاخرة بين الأزهار:

ذهب بعض الباحثين إلى أن ابن بُرْد الأصغر " مخترع هذا النوع "(61) وأول من كتب فيه ، والحقيقة أن الفضل في ابتكار المفاخرة بين صنوف الأزهار يعود إلى ابن الرومي ، الذي عالج الأمر في كثير من أشعاره معالجة انتصر من خلالها للنرجس ، مقدما إياه على الورد وبقية الزهور ، مما حدا بثلة من شعراء الأندلس إلى معارضته ، " فأكثروا من القصائد التي يفضلون الورد فيها على بقية الأزهار ".(62)

ولما كان أغلـب مترسلي القرنين الرابع والخامس الهجريين فرسان شعر ونثر " يحوزون إعجابـنا ، ويثيرون دهشتنا بجمعهم بين جوهري الشعر والنثر ، والإجادة فيهما على حد سواء "(63) راح النثر يحلق في آفاق كانت حكرا على الشـعر ، فتسـربت هذه الظاهرة – وغيرها - لتأخذ مكـانها في تضاعيف كتابـاتهم ، وكان الجـُزَيْري ( ت394هـ )(64) المعدود من المبدعين المولعين بالبحث عن صيغ جديدة ، أول من عالجها من خلال رسالة كتبها للمنصور بن أبي عامر ( ت392هـ ) على لسان بنفسج العامرية ، مفضلا إياه على كل من البهار والنرجس .(65) وكان لإعجاب المنصور بن أبي عامر بالزهور الذي حدا به إلى تسمية بناته بأسماء بعضها ، ولتشجيع ولده المظـفر ( ت399هـ ) ، كبير أثر في نفوس الشعراء والكتاب فأكثروا من القول في أنواع الزهور تفضيلا ونقدا ، فتوفر لأندلس القرنين الرابع والخامس الهجريين منه قدر كبير .(66)

كتب ابن بُرْد الأصغر رسالته في المفاخرة بين الأزهار لأبي الوليد بن جهور ( توفي بعد سنة 426هـ )(67) في سياق نجهله ، متخذا من القالب القصصي إطارا ، ومن الحوار المشوب بنفس خطابي أسلوبا ، ومن السمو بالورد إلى مرتبة الصدارة من خلال ( انتقاص للنفس ) أقدمت عليه بقية الزهور - راضية طائعة - غاية يسعى إلى تقريرها .

بدأها بداءة تستدعي مناخا طالما أشاعه كتاب المقامة فيما يكتبون ، من بث لدفء الواقع في تضاعيف موضوعاتهم التي تتسم أحيانا بالجفاف والإيهام ، فجاءت أحداث رسالته الخيالية مروية بإسنادها لثلة من المبدعين فقال : "… ذكر بعض أهل الأدب - المتقدمين فيه ، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه - أن صنوفا من الرياحين ، وأجناسا من أنوار البساتين جمعها - في بعض الأزمنة - خاطر خطر بنفوسها ، وهاجس هجس في ضمائرها.. ".(68)

وها هي تلك الزهور وقد تنادت لعقد اجتماع نابع من رغبة جماعية ملحة وصادقة لمناقشة خاطر خطر بالنفوس ، ومحق هاجس هجس في الضمائر ، يحتاج الحوار حوله والبت فيه إلى قدر كبير من الاحتشاد والإجماع " فتخيرت من البلاد أطيبها بقعة ، وأخصبها نجعة ، وأظلها شجرا ، وأغضرها زهرا ، وأعطرها نفس ريح ، وأرقها دمع ندى.."(69) موطنا لعقد اجتماعهم المهيب .

ومن خلال ملمح درامي يشيع أجواء خطابية يقوم حكيم مملكة الزهور مفتتحا جلسة المبايعة بالتطرق إلى حكمة المولى - عز وجل - من جعل المخلوقات - على اختلاف أنماطها ، وتباين سبل الحياة لديها - درجات متفاوتة ، متخذا - من تلك الحكمة - وسيلة لغاية ثلاثية الوجه ، مهيئا الحضور لقبول فكرة المفاضلة أولا ، ومحق الإحساس بالقدرة على المنافسة ثانية ، ثم مبايعة الورد ملكا لمملكة الزهور أخيرا ، فقال : "… حملنا مـَنْ فَضَّلَنَا، وإيثار من آثرنا ، على أن .. ادعينا الفضل بأسره ، والكمال بأجمعه ، ولم نعلم أن فينا من له المزية علينا ، ومن هو أولى بالرئاسة منا ، وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا ، ولم نسبح في بحر عمانا ، ولم نمل مع هوانا دنا له ، ودعونا إليه ، ومن لقيه منا حياه بالمك ".(70)

ولما استشعر حكيم مملكة الزهور أن حكمه السابق يفتقر إلى دليل راح يسلط الضوء على جوانب التفرد التي يتسم بها الورد ، فهو " إن فقد عينه لم يفقد أثره ، أو غاب شخصه لم يغب عرفه ، وهو أحمر والحمرة لون الدم ، والدم صديق الروح .. وأما الأشعار فبمحاسنه حسنت ، وباعتدال جماله وزنت ...".(71)

وما أن انتهى حكيم مملكة الزهور من سرد حيثيات تفضيل الورد على ما عداه حتى تدافع عدد من " مشاهير الأزهار ورؤساء الأنوار " للإدلاء بشهادة تضيف أدلة جديدة تستند على التصاغر أمامه ونقد النفس ، فيبدأ ابن بُرْد الأصغر بالنرجس الذي قدمه ابن الرومي ثم البنفسج الذي سبق أن قدمه الجزيري - وكأنه بصنيعه هذا يرد عليهما وينقض ما ذهبا إليه - ثم البهار فالخيري النمام ، مجريا على ألسنتهم حديثا يعكس قدرته على صياغة أسلوب جدلي يستمد اتساقه من أدلة عقلية دقيقة .

وتبلغ قدرة ابن بُرْد الأصغر غايتها دقة إحكام وبراعة إخراج عندما يجعل الخيري النمام يكتم عبيره نهارا ويبوح به ليلا ، لا لأن هذه طبيعته التي فطر عليها ، بل إكبارا للورد واستحياء منه ، فقال على لسان الخيري النمام : " والذي أعطاه الفضل دوني ، ومد له بالبيعة يميني ، ما اجترأت إجلالا له واستحياء منه ، على أن أتنفس نهارا ، أو أساعد في لذة صديقا أو جارا ، فلذلك جعلت الليل سترا ، واتخذت جوانحه كنا ".(72)

ثم ينتهي المجلس بكتابة عقد مبايعة للورد يكون شاهدا على صدق موقف مملكة الزهور ، حيث " أخلصت له .. وعرفت أنه أميرها المقدم .. واعتقدت له السمع والطاعة ، والتزمت له الرق والعبودية " وراحت تعلن التبرؤ من كل نور يرفض هذا العقد متطاولا عليه أو رافضا إياه " فأية زهرة قص عليها لسان الأيام هذا الحلف فلتعرف أن رشادها فيه، وقوام أمرها به ".(73)

وتنتهي الرسالة بلا إشارة واضحة أو إيماءة خفية إلى مغزى كتابتها ، فإذا كانت المفاخرة بين السيف والقلم مدحية تتشح زيا غير تقليدي ( لولا طلابي غريب المدح…) على حد تعبير ابن بُرْد - فإن حوارية الأزهار تخلو من الإشارة إلى شيء من هذا القبيل .

على أنني أسارع فأقرر أن عدم التصريح بالمدح لا ينفي وقوعه ، ولا يبدد أيضا الرغبة في التكسب به ؛ لأن "توجيه الكاتب لها إلى أبي الوليد بن جهور ، أمير قرطبة لا يترك مجالا للشك في أنها تحية أدبية لا تخلو من معنى من معاني التكسب ومدح الحكام "(74) ، وقد يرى البعض فيها " منحى رمزيا .. دفع بعض الكتاب الأندلسيين إلى تفضيل ملك بعينه على غيره من ملوك الأندلس ، فيتخذ من وردة أو زهر معين رمزا لأميره وولي نعمته ، ويجعل من تفرده بين الورود والأزهار نظيرا لتفرد أميره بين الأمراء ".(75)

ومما يلفت النظر أن رسالة ابن بُرْد الأصغر السابقة استنفرت قرائح عدد من الكتاب المعاصرين فراحوا يعارضونها معارضة لا تخلو من طرافة ورغبة في الغلبة .(76)

خامسا- النثر الفكاهي :

تضافرت عدة عوامل - فيما بينها - لتجعل الشخصية الأندلسية مؤهلة لاحتضان الفكاهة سلوكاً ونمط حياة ، تتمثل في بيئة فاتنة ، ومناخ حضاري يكرس ثقافة اللهو ، وواقع سياسي يبعث على الانكسار ، ومنافسة تيار فني مشرقي تجـسده كتابات سهل بن هارون ( ت215هـ ) والجاحظ ( ت255هـ ) وبديع الزمان الهمداني ( ت398هـ ) والحريري ( ت516هـ ) .. وغيرهم ، ينقل الظاهرة من إطارها السلوكي إلى مجالات إبداعية أكثر رحابة " فأصبحت طرائقهم في السخرية والفكاهة - وخاصة طريقة الجاحظ - مطلبا يحاولون بلوغه ".(77)

وسواء أأقدم الأندلسيون على الفكاهة - ببعديها التهكمي الساخر أو الفلسفي الباسم - إقبالا على طبيعة فاتنة تدعو مفرداتها إلى طرح كل ما من شأنه أن يعكر الصفو ، أو نقداً للذات - فردية وجماعية - أو سموا على انكسار نفسي ولده واقع سياسي مترد ، أو محاكاة لتيار فني مشرقي فإن الفكاهة شاعت لديهم شيوعا صبغ سلوكهم بميسمها الخاص فأضحت سمة أصيلة من مكونات الوجدان الأندلسي وأصبح نزوعهم إليها " يكاد يكون شاملا ... حتى لقد توفر عليها جماعة الأمـراء والفقهاء والوزراء ، بل كانوا يمتدحون أهلها ، ويـشيرون إلى خصائصها المتميزة في الإنسان ولو كان عالما ".(78)

وامتد تأثير الفكاهة ليشمل إبداعهم النثري الذي استجاب لسلطانها استجابة فاقت الشعر ، فراح يشاركه في إشاعة الروح الهزلي " بل أخذ النثر يحفل بالاهتمام ، ويحتل ما كان يؤديه الشعر من دور ، ولعل هذا التفوق للنثر في هذه الآونة في هذا المجال ، يرجع إلى الرفعة الذهنية ، والتقدم الحضاري ، فضلا عن صيرورة النثر أداة طيعة لدى الكتاب الذين جل أثرهم في العهد الطائفي ".(79)

لابن بُرْد الأصغر رسالتان تندرجان ضمن هذا النمط ، هما : البديعة والنخلة ، وهاتان الرسالتان تتفقان في ذم البخل وتشديد النكير على معتنقيه سلوكا ونمط حياة ، وتختلفان قالبا وأسلوب معالجة .

أ – البديعة :

تعد رسالة ابن بُرْد الأصغر التي أطلق عليها " البديعة في تفضيل أهب الشاء على ما يفترش من الوطاء " امتدادا لتأثير التيار المشرقي في مبدعي الأندلس ، حيث راح يترسم خطى سهل بن هارون في رسالته إلى بني عمه من آل راهبون ، حين ذموا مذهبه في البخل ، وتتبعوا كلامه في الكتب .(80)

اتكأ ابن بُرْد في صياغة رسالته تلك على الحوار المدعم بأدلة وبراهين تعتمد المنطق والقياس وسيلة ، صابغا - كل ذلك - بفكاهة رقيقة أحيانا ، لاذعة أحايين أخرى ، تنبع من " إلباس الكاتب التافه من الأسباب ثوب الجد والوقار بتصيد العلل والتبريرات…"(81) التي تحاول إبراز الأمر فإذا بها تعمل على نفيه وإخفائه .

يبدأ ابن بُرْد رسالته بدعاء يشي بموقفه السابق من القضية المثيرة للخلاف بينه وبين صديق له يعاتبه على " ارتخاص الأشياء ومقارعة الأقوام " للؤم متأصل فيه ، وهمة وضيعة أقعدته عن السمو ، فراح يدعو الله بأن يوشحه بالتواضع ، وأن ينزع من نفسه وشيجة الكبر ، وأن يحبب إليه ما عاد قليله بكـثير المنفعة عليه، فقال : " ألهمك الله إلى مراشد الأمور ، ومنحك صواب التدبير ، وعرفك من بركة التواضع ما يدخلك في أهله ، وقبح إليك من نقيصة الكبر ما يعدل بك عن سبله ، وجعل أحب أسباب معايشـك إليك ، ما عاد قليله بكثير المنفعة عليك ".(82)

وتعد الجملة الأخيرة من دعائه السابق - ما عاد قليله بكثير المنفعة عليك - حجر الزاوية في محاورة الصديق ودحض شبهاته ، حيث راح يؤكد على أن لأهب الشاء - على وضاعتها قيمة ومظهرا - جوانب نفع كثيرة تتخطاه لتشمل أهل بيته وزائري ، فهي " أدل على التواضع وأعرب عن القناعة .. لا تحوجك إلى خياط ينازلك في السوم ، ويخجلك أمام القوم .. للعيال - فضلا عنك - أكبر عون وأكمل انتفاع ، في التمهيد للطفل الصغير .. وإن أدلج إليك ضيف يكرم عليك ، لم يكن بحضوره لوقته عندك منفس تقيسه به وتقرنه معه ".(83)

ولم يقف ابن بُرْد - في دفاعه عن موقفه - عند رصد ما لأهب الشاء من فوائد مباشرة وغير مباشرة ، بل رأيناه يتكئ على التراث مضفيا على آرائه قوة ، وعلى جلود الشاء قداسة ، فقد كانت " زي النساك ولباس المنقطعين للتعبد.." وقد جعلها الله - عز وجل - " …… أقرب قربان فدى به ابن خليله ، وسماه ذبحا عظيما في تنزيله ".(84)

وتبلغ عبقرية ابن بُرْد الأصغر في الانتصار لرأيه مبلغا يستثير الدهشة عندما يتخذ من أدلة الخصم وسيلة لدحض اتهاماته لا تأكيدها ، فعندما يتخذ خصمه من استخدام المعلمين لها مدخلا للغض من قيمتها ينبري ابن بُرْد لتفنيد زعمه متخذا منه دليلا على رقي قيمتها وجدوى الاستعانة بها، فهي " الأقوى والأرفق " وهي أيضا " الأرخص والأوفق "، ثم يجري مقارنة بين (أهب الشاء) وما يريد خصمه افتراشه من فاخر الوطاء ، لينتهي إلى أن إيثارهم للوضيع من الأشياء ليس استجابة لشح متأصل في نفوسهم ، بل لبعد نظر يتسمون به ؛ فيقول : " إن تحاملوا على أنفسهم ، وافترشوا ما يزينهم لم يلبث أحدهم أن يقوم عن مجلسه لبعض الأمر أو لقضاء الفرض فتقوم حرب لعب الصبيان على ساق ، وتبلغ بتمزيق ذلك الذي افترشه وغالى فيه بالأيدي والأقدام ... فيعود فيرى ما يسخن العين ، ويوجب الرين ".(85)

وإذا كانت رسالة ابن بُرْد السابقة قد اتخذت من جلود الشاء - وهو ملمح غير جدير بأن يتناول تناولا أدبيا - محورا لها ونقطة انطلاق ، ومن المفاضلة المتكئة على الجدل المدعم بأدلة تبدو منطقية أسلوب معالجة ، ومن ذم البخل والبخلاء غاية تسعى لتقريرها ، مما يدنيها من مدارات السخرية الفكهة التي صبغت الوجدان الأندلسي آنذاك ؛ إذ لأهل الأندلس " دعابة وحلاوة في محاوراتهم ، وأجوبة بديهية مسكتة ، والظرف فيهم والأدب كالغريزة حتى في صبيانهم ويهودهم ، فضلا عن علمائهم وأكابرهم "(86) ، فإن هذه السخرية الفكهة تخفي خلفها بعدا رمزيا أكثر جدة يتمثل في دفاع مستميت عن طبقة المعلمين ؛ حيث يقول مخاطبا صاحبه " وأخاف عليك – شحابك - أن تستقبل بذم هذه الأهب كل مفترش لها مغتبط بها ، فلا تجده إلا شيخا رائع الوسامة أبيض الشعرة ،…. قد حفظ المسائل ، وملأ من إجازات الشيوخ الخزائن ، تقصده الفتيات والفتيان ، وتفديه الجارات والجيران… . أو معلما ذا سبلة طولى ، وجبين أخلى ، قد ائتمنته الملوك على ثمار قلوبها ، وعماد ظهورها ، وقطع أكبادها ، يتوسط من صبيته قلب الجيش ، ويعيش بألطاف أمهاتهم أخصب عيش ، يقعد عنده الوراقون ، ويتحاكم إليه في الخطوط الناسخون ".(87)

وكأن ابن بُرْد الأصغر بحديثه المسهب - الذي آثرت الإتيان به على طوله - يفند حجج من انتقص قدرهم ، وقلل من قيمة ما يقدمون على فعله ، فابن شهيد ( ت426هـ ) قد تناول المعلمين في تضاعيف رسالة ( التوابع والزوابع ) وغيرها ، تناولا يتجاوز حدود التندر بهم ورسم صورة مضحكة لهم إلى نمط من أنماط السخرية اللاذعة والاحتقار المهين ، فيصمهم بغباء عقل وتبلد حس وجهامة ملامح وجه ، فهم " يحنون على أكباد غليظة ، وقلوب كقلوب البعران ، ويرجعون إلى فطن حمئة ، وأذهان صدئة ... سقطت إليهم كتب في البديع والنقد فهموا منها ما يفهمه القرد اليماني من الرقص على الإيقاع "(88) ويقول في موطن آخر : " ومما علم من هذه العصابة إذا لمحتنا أبصارهم قابلونا بالملق ، وهم منطوون على حسد وحنق ".(89) راداً ذلك إلى " زيادة غلظ أعصاب الدماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي "(90) وتبلغ سخرية ابن شهيد مبلغا يحدو به إلى أن يدعو المولى - عز وجل - ألا يسلكه في زمرتهم خلقا وخلقة، فقال : " نستعيذ بالله ألا يشوه خلقة قلوبنا ولا يجسي أجرام أكبادنا ، ويضم أوتارنا وأعصابنا ، ولا يعظم أنوفنا ، ولا يجعلنا مثلة للعالمين ".(91)







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 04:49 PM   رقم المشاركة : 4
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

ب- رسالة النخلة :

إن قراءة متأنية لرسالة ( النخلة ) لابن بُرْد الأصغر تشي بتوفرها على حكاية تامة ، صاغها ضمن قالب قصصي ، للحوار البسيط والخيال الجذاب دور في إثرائه ونمائه ، مازجا إياه ببعض القضايا اللغوية والأدبية .

يبدأ ابن بُرْد رسالته بدعاء لصديق لم يعينه ينطوي على شيء من التعريض بالشح وعدم إنجاز الوعد : " أما بعد - جعلك الله من المؤثرين على أنفسهم والموقين شحها ، والمنجزين لمواعيدهم ، والمعطين صدقها "(92) ثم يتخذ من الدعاء المشوب بالتعريض مدخلا لحكاية راح يقص طرفا منها ، وتتمثل في أن صديقا له ولبعض رفاقه كان قد وعدهم بنصيب من تمر نخلته إن هي أثمرت في عامها المقبل ، وعندما أتوه لوعده فوجئوا بجز ثمارها ليلا، دون إعلان أو إنجاز وعد، فأجمعوا الرأي على لقائه ومقارعته حجة بحجة .

ويزداد الأمر سخرية - وطرافة أيضا - عندما يلقون طفلا صغيرا يلتصق ببابه يبكي أطلال تمر هام به عشقا زمنا طويلا ، ولم يجز منه سوى لذة النظر وقليل مما كانت تشفق به العصافير عليه ؛ فقال : " يا لإخواني في الخيبة ، وشركائي في فوت الأمل ... لقد كنت قبل صرامها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق ، فإن رأت الطير وهي على سعفها ما أواصل إليها من لحظاتي ، وأتابع عليها من زفراتي ، رمتني بأفراد من رطبها أحلى من شفاه العذارى ، وأنا اليوم أبكي منها ربعا خاليا ، وبعد ثالثة أغدو عنها جاليا ".(93)

ثم ينتقل من ذم البخل والسخرية من البخلاء إلى الحديث عن النخلة ، راصداً أسماءها وصفاتها ومراحل نموها وإثمارها ، وبعض ما قيل فيها من أشعار وأقوال رصدا يشي بسعة علم وحسن تخلص ، عندما يجعل الجماعة تطلب من صاحب النخل ( أبي عبدالله ) إعطاءهم قدراً من التمر لقاء إمتاعه بما لديهم من غريب لغة ، ورقيق أبيات شعر حول النخل ، فيقولون : " نحن عصابة نتحلى بأدب ، وننتمي إلى حفظ غريب وصياغة قريض … فأردنا أن نصف لك شيئا من كلام العرب في النخل وبدء نباته ، والتمر وتلون حالاته ، و… شيئا من منظوم الكلام ... فإن سرك ما جئنا به ، وراقك ما أفضنا فيه ، جعلت جوائزنا تمرا، وكان ذلك لنا أجرا ".(93)

وبعد أن رددوا على سمعه ما قالت العرب في النخل وثماره أدركوا أن شح نفسه راسخ وعميق ، وأن نواله جد قليل ، إذن فليجربوا وسيلة أخرى … ومتى أعيت الوسائل محتاجا ؟!: " يا عبدالله أمجدنا رطبا ، نمجدك خطبا ، هذا قليل من كثير ، وثماد من بحور ، وليس يطيب وصفنا نظما ونثرا لمناقب هذه النخلة إلا بعد اختيارنا منها ، وفوز قداحنا بها ... ولعلك تحب أن تسمع شيئا من منظوم الكلام في النخل ، يذيب من جمودك ، ويولد عقيم جودك … أنشد الأصمعي لأبي الغفار الرياحي : (من الوافر)

غدت سلمى تعاتبني وقالت
رأيتك لا تريغ لنا معاشا ... الأبيات(95)

وعندما أيقنت الجماعة أن حديثها - شعرا ونثرا - ضاع سدى ولم يجد فتيلا تبدلت لغة الخطاب من الاستجداء الموشح بنبرة خضوع إلى التهديد الموشى بنبرة زاعقة: " فإن أنت سويتنا مع نفسك فيما تدر به عليك ، وتملأ منه يديك ، وإلا نافرناك إلى السلطان وألبنا عليك أبناء الزمان ".(96)

والحقيقة أن نزعة الاستجـداء البادية بوضوح في رسالة النخلة لابن بُرْد الأصغر تعد امتداداً لتأثير مقامات بديع الزمان والحريري التي كانت " تقوم كلها على معاني الكدية ، والإلحاح في الطلب ، والتوسل إلى ذلك بأنواع من الحيل والثقافة الأدبية ".(97) وعليه فيمكن النظر إلى رسالة النخلة باعتبارها واحدة من أشد النصوص النثرية الأندلسية صلة بالكدية ، إذ " تشبه تمام الشبه كدية أبي الفتح الاسكندري أو أبي زيد السروجي ، واستجدائهما بما يعرضانه من جواهر الأدب ".(98)

مما سـبق يتضح للباحث أن رسالتي ابن بُرْد الأصغر السابقتين تتفقان منحى وغاية ، وتختلفان أسلوب عرض ومعالجة ، فهما تذمان البخل وتسخران من البـخلاء من خلال صور ضاحكة تشيع في تضاعيفها سخرية رقيقة " لا تبلغ في حدتـها منطقة الهجاء "(99) وتعكسان بوضوح أثر الاتجاهات الفنية المشرقية فيما يكتبه أندلسيو القرن الخامس الهجري ، وتختلفان حول القالب الفني الذي ارتضاه ابن بُرْد إطارا لكل منهما ، فإذا كان قد شاد رسالته ( البديعة ) وفق أطر المقال الإنشائي المتكئ على الجدل والحوار فإنه ارتضى قالبا فنيا يقترب من المقامة - وإن لم يصرح بذلك - إطارا لرسالة ( النخلة ) وهو قالب يدنو كثيرا من مدارات المقامة في صورتها المشرقية بصفة عامة ، ومقامات بديع الزمان الهمذاني بصفة خاصة .(100)

د. أيمن محمد علي ميدان
maidan@squ.edu.om
أستاذ الأندلسيات المساعد بكلية دار العلوم / جامعة القاهرة .
__________________

الحواشي والتعليقات :

1. النثر الأدبي الأندلسي ص6، 7، 128.
2. كان مجاهد العامري مولى للمنصور بن أبي عامر على دانية والجزائر الشرقية (ميورقة ومنورقة ويابسة)، ثم استقل بها منذ بداية الفتنة، دامت ولايته ستة وثلاثين عاما (400- 436هـ)، وسقطت إمارته على يد بني هود عام 468هـ، كان محبا لعلوم اللسان والقرآن، زاهدا في الشعر، جماعة للكتب، مدنيا للعلماء. انظر الذخيرة 3/1 ص22-24، المغرب 2/401.
3. المعتصم، مُحمَّدبن معن بن صمادح التجيبي تولى حكم المرية بعد وفاة والده وهو ابن أربع عشرة سنة، وتوفي محاصرا بجيش المرابطين سنة 484هـ، كان بلاطه ملتقى أهل الأدب، وممن لزم بلاطه من الشعراء والكتاب ابن الحداد وابن شرف القيرواني وغيرهما كثير، انظر ترجمته في الذخيرة 1/ 2 ص729 والمطرب 34، الحلة السيراء 2/78 ووفيات الأعيان 5/ص39-40.
4. الأدب الأندلسي، موضوعاته وفنونه 609، حيث أشار الدكتور الشكعة إلى نقاط الالتقاء بين أبي اسحاق الصابي وابن زيدون.
5. الذخيرة 1/1 ص486.
6. الذخيرة 1/1 ص486، الحقيقة أن نبوغ عدد من الأسر في مَيْدان الأدب شعرا ونثرا وتأليف مصنفات ظاهرة يكاد ينفرد بها الأندلس عما عداه من بقاع إسلامية وأصقاع عربية كثرة عطاء وشيوع ذكر، من هذه الأسر بنوعباد (القلائد 4-35 والذخيرة 2/1 ص13، 23، 41… والحلة السيراء 2/34-76). وبنوصمادح (القلائد 47 والذخيرة 1/1 ص729- 737 والمطرب ص33-34 والحلة السيراء 2/78- 91 والمغرب 2/195- 203 ونفح الطيب 4/70 ). وبنو الطبني (الذخيرة 1/1 ص535- 548 والمغرب 1/92-93). وبنو القبطرنة، وهم ثلاثة أخوة، انظر تراجمهم في القلائد 148 والذخيرة 2/2 ص735- 773 والمطرب 186-187، والمغرب 1/367 والإحاطة في أخبار غرناطة 1/528، هذا إلى جانب عدد آخر من الأسر التي لعبت دورا كبيرا في إثراء حركة الفكر بالأندلس.
7. أبوحفص ابن بُرْد الأكبر، واحد من أعلام النثر والنظم في القرن الرابع الهجري، تقلد ديوان الإنشاء في دولة بني عامر بعد ابن الجزيري، توفي بسرقطة سنة 418هـ عن عمر يناهز الثمانين عاما، انظر ترجمته في: المغرب 1/86 وبغية الملتمس 153، والمطمح 24 والذخيرة 2/18 ومعجم الأدباء 2/106، وثمة دراسة عن أدبه في النثر الفني في القرن الرابع لزكي مبارك ج12 ص256- 264.
8. الذخيرة 1/1 ص487.
9. نفح الطيب 2/367.
10. معجم الأدباء لياقوت الحموي 2/106.
11. نفح الطيب 2/368.
12. الذخيرة 1/1 ص505- 506، ومعجم الأدباء 2/106، والنثر الفني في القرن الرابع 2/257.
13. الذخيرة 1/1 ص505- 523.
14. الفن ومذاهبه في الشعر العربي 437.
15. الذخيرة 1/1 ص513.
16. بلاغة العرب في الأندلس 157.
17. في بنية الشعر العربي المعاصر 29.
18. النثر الأدبي الأندلسي 558، وممن كان مولعا بتنويع القوالب الإنشائية ابن شهيد وابن حسداي وعمر بن الشهيد.. وغيرهم.
19. الذخيرة 1/1 ص497- 501.
20. بلاغة العرب في الأندلس 150.
21. الذخيرة 1/1 ص500.
22. المصدر السابق 1/1 ص500- 501.
23. المصدر السابق 1/1 ص501.
24. النثر الأدبي الأندلسي 267.
25. الذخيرة 1/1 ص498.
26. المصدر السابق 1/1 ص499.
27. المصدر السابق 1/1 ص500.
28. النثر الفني في القرن الرابع 1/200.
29. ملامح التجديد في النثر الأندلسي 1185- 190.
30. الذخيرة 1/1 ص502- 503.
31. المصدر السابق 1/1 ص503.
32. المصدر السابق 1/1 ص503.
33. المصدر السابق1/1ص503
34. النثر الأدبي الأندلسي 341.
35. تباينت صور العتاب رقة وقسوة، تبعا لمكانة المعاتب من جهة، وفداحة تداعيات ما ارتكب من جرم أو تقصير من جهة ثانية، فعندما يخاطب ابن شُهيد مجاهد العامري معاتبا إياه يأتي حديثه رقيقاً؛ فيقول: "كنا قبل أن ترمي بنا النوى مراميها، وتلقي الخطوب علينا مراسيها… تربى صحبة، وحليفي صبوة، قد تخلينا عن الأنساب، وانتسبنا إلى الآداب" (الذخيرة 1/1 ص228). وعندما يخاطب ابن قزمان وأبو عبدالله البزلياني صديقين لهما في أمر صدر منهما تتبدل صيغة الخطاب شدة وعنفا (الذخيرة 2/2 ص774 و2/1 ص634). ويتأرجح ابن زيدون في رسالة كتبها وهو مختف بقرطبة بعد فراره من السجن- بين الحدة والرقة تارة، وبين العتاب والاعتذار المشوب بالاستعطاف وطلب العون تارات أخر، انظر الذخيرة 1/1 ص408.
36. لسان العرب (عتب).
37. الذخيرة 1/1 ص501.
38. المصدر السابق 1/1 ص501.
39. المصدر السابق 1/1 ص502.
40. المصدر السابق 1/1 ص502.
41. المصدر السابق 1/1 ص502.
42. المصدر السابق 1/1 ص503- 504، حيث أورد ابن بَسّام عشرة تعبيرات.
43. أورد ابن بَسّام خمسة عشر تعبيرا في الذخيرة 1/1 ص504- 505، وأورد المراكشي بعضها في المغرب 98.
44. الذخيرة 1/1 ص504
45. المصدر السابق 1/1 ص505.
46. النثر الأدبي الأندلسي 426
47. المرجع السابق (بتصرف) 426- 427.
48. معجم الأدباء 6/106.
49. خصائص الأسلوب في الشوقيات 117- 118.
50. الذخيرة 1/1 ص523.
51. المصدر السابق 1/1 ص523.
52. المصدر السابق 1/1 ص524.
53. المصدر السابق 1/1 ص524.
54. المصدر السابق 1/1 ص525.
55. المصدر السابق 1/1 ص524.
56. المصدر السابق 1/1 ص524.
57. المصدر السابق 1/1 ص525 .
58. المصدر السابق 1/1 ص525.
59. المصدر السابق 1/1 ص527.
60. المصدر السابق 1/1 ص528.
61. بلاغة العرب في الأندلس 152 وملامح التجديد في النثر الأندلسي 142 وابن بَسّام وكتابه الذخيرة 208. نص الرسالة تاما في البديع 53- 57، ومقتضبا في الذخيرة 2/1 ص127- 130.
62. تاريخ الأدب الأندلسي (عصر سيادة قرطبة) 110.
63. الأدب الأندلسي (الشكعة) 569، والأدب العربي في الأندلس (عتيق) 488.
64. أبومروان، عبدالملك بن إدريس الجزيري واحد من كبار أدباء الأندلس في عهد بني عامر، استوعب إجادة النظم والنثر جميعا معا، كان وزير المنصور بن أبي عامر وابنه المظفر الذي تغير عليه فقتله خنقا عام 394هـ، في خبر طويل ذكره ابن بَسّام نقلا عن ابن حيان في الذخيرة 1/1 ص50-52.
65. البديع في وصف الربيع 78- 79.
66. الذخيرة 4/1 ص32-33، ونفح الطيب 2/24، والبيان المغرب 3/19، وجذوة المقتبس 212، 363.
67. أبوالوليد بن جهور: الأمير الثاني- والأخير أيضا- في دولة بني جهور التي حكمت قرطبة عقب الفتنة الكبرى، ودامت أربعة عقود من الزمان (422- 462هـ)، خلف أباه أبا حزم بعد وفاته (435هـ)، وفي عهده التهم المعتمد بن عباد دولته ضاما إياها إلى دولته بإشبيلية سنة 462هـ. ولأبي الوليد هذا مقولة ثاقبة ترصد أحوال ملوك الطوائف وما آلت إليه من ترد وتهالك وتناقض أيضا، فقال: "جاهل يطلب قارئا وعلماء يطلبون الأباطيل" انظر أخبار دولة بني جهور في الذخيرة 1/ 2 604- 611 والبيان المغرب 3/258.
68. البديع ص53، والذخيرة 2/ 1 ص127.
69. البديع في وصف الربيع 53.
70. الذخيرة 2/ 1 ص128.
71. المصدر السابق 2/ 1 ص128.
72. المصدر السابق 2/1 ص129.
73. المصدر السابق 2 / 1 ص130.
74. النثر الأدبي الأندلسي 592.
75. أدب الرسائل في الأندلس 205.
76. تناول الباحث الرسائل التي عارضت رسالة ابن بُرْد الأصغر تلك وغيرها ضمن بحث أنجزه بعنوان: (المعارضات الأدبية في النثر الأندلسي )، وممن عارض هذه الرسالة أبوالوليد بن عامر الحميري وأبوعمر والباجي وابن حسداي… وغيرهم.
77. أدب الرسائل في الأندلس 233، وقال صاحب المسهب: "..ولشطار الأندلس من النوادر… وأنواع المضحكات ما تملأ الدواوين كثرته، وتضحك الثكلى، وتسكر المسلوب قصته" انظر: نفح الطيب 3/156.
78. أدب الفكاهة الأندلسي 49. انظر مزيدا من المواقف الفكهة في: قضاة قرطبة4، والأخلاق والسير 42، 43، ونفح الطيب 3/300، 4/210، 231، وملامح التجديد في النثر الأندلسي 459- 469.
79. أدب الفكاهة الأندلسي 45- 46.
80. البخلاء، تشغل الرسالة الصفحات من 33 إلى 46، وللدكتور شوقي ضيف دراسة تحليلية لمضمونها (العصر العباس الأول 536- 539). ومن طريف ما يروى حول هذه الرسالة أنه قدمها إلى الحسن بن سهل يرجو مكافأته عليها، فردها إليه مذيلا إياها بقوله: "وصلت رسالتك، ووقفنا على نصيحتك، وقد جعلنا المكافأة عنها القبول منك والتصديق لك" بلاغة الكتاب في العصر العباسي 152 والنثر الفني وأثر الجاحظ فيه 169.
81. أدب الرسائل في الأندلس 241.
82. الذخيرة 1/1 ص531- 532.
83. المصدر السابق 1/1 ص532- 533.
84. المصدر السابق 1/1 ص533- 543.
85. المصدر السابق 1/1 ص534.
86. نفح الطيب 3/381.
87. الذخيرة 1/1 ص535، والنثر الأدبي الأندلسي 505- 506.
88. الذخيرة 1/1 ص239.
89. الذخيرة 1/1 ص239.
90. المصدر السابق 1/1 ص240.
91. المصدر السابق 1/1 ص244.
92. المصدر السابق 1/1 ص528.
93. المصدر السابق 1/1 ص529.
94. المصدر السابق 1/1 ص530.
95. المصدر السابق 1/1 ص531.
96. المصدر السابق 1/1 ص531.
97. الفن ومذاهبه في النثر العربي 247 والنثر الأدبي الأندلسي 584.
98. النثر الأدبي الأندلسي 581.
99. تاريخ الأدب الأندلسي (عصر سيادة قرطبة) 118.
100. الفن ومذاهبه في النثر العربي 247 وما بعدها.







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 05:09 PM   رقم المشاركة : 5
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

بالنسبة لتسمية الأندلس بهذا الاسم، فمن الطبيعي أن نجد اختلافاً حول أمر كهذا، خاصة حين لا يكون هناك سند علمي يجزم بالحقيقة..و هناك آراء أقرب إلى الناحية الأسطورية، منها ذلك الرأي الذي يعتمد على رواية يوردها المقّري في كتابه نفح الطيب نقلاً عن الرازي - رغم أن كثيراً من الباحثين يأخذون به - و يقول فيه: (أول من سكن بالأندلس على قديم الأيام فيما نقله الإخباريون قوم يعرفون بالأندلش بهم سمي المكان، فعرب فيما بعد بالسين غير المعجمة، كانوا هم الذين عمروها و تناسلوا فيها و تداولوا ملكها دهراً على دين التمجس و الإهمال و الإفساد في الأرض، ثم أخذهم الله بذنوبهم فهلك أكثرهم.. فأقفرت الأندلس منهم و بقيت خالية فيما يزعمون مئة سنة و بضع عشرة سنة)
لكن هذه الرواية تفتقر إلى الدقة و الموضوعية في كثير من جوانبها، فإن كانت المصادر التاريخية قد أغفلت هذا الاسم فكيف قدر للعرب معرفة أول من سكنها. كما أن الرواية لا تحدد زمناً معيناً و لا تشير إلى هوية الإخباريين الذين ذكروا ذلك.

و لعل الرأي الأرجح هو أن البربر هم الذين أطلقوا هذه التسمية على بلاد الأندلس نسبة إلى قوم كانوا يعرفون بالوندال أو الفندال، سكنوا المناطق الجنوبية من إسبانيا في حدود القرن الخامس الميلادي ثم ارتحلوا إلى شمال إفريقيا، فأطلق البربر هذه التسمية على تلك البقعة الجغرافية نسبة إلى الفندال، فسموها فندلس و من ثم أندلس. و هذا التحوير يتفق مع السنن اللفظية البربرية و يتفق أيضاً مع ما نعرفه في التاريخ من أن الوندال سكنوا في الأندلس ثم ارتحلوا إلى الشمال الإفريقي، فليس غريباً أن ينسب البربر هذه البقعة إليهم. و عندما دخل المسلمون الأندلس كان من بين الجيش الإسلامي المشارك في الفتح عدد كبير من البربر، و لهذا فقد أطلقوا هذه التسمية عليها و أخذها العرب عنهم.
أما الفكرة التي تقول إن العرب هم الذين أطلقوا هذه التسمية على هذه البقعة نسبة إلى الوندال فلا أظنها فكرة صحيحة، لأن العرب لا يعرفون الوندال و لا يعرفون طبيعة صلتهم بالأندلس.




قبل أن نبتعد عن شعر وصف الطبيعة لا بد من الإشارة إلى أسباب تميز الأندلسيين بهذا الفن، فمن ذلك حب الأندلسيين لوطنهم حباً تميزوا فيه عن غيرهم، و سحر الأندلس و جمالها، مما فرض على معظم الأدباء أن يصفوا هذا الجمال في قطع مفردة أو قصائد طويلة، و لعل خير ما يعبر عن هذا الجمال و السحر قطعة لابن خفاجة يقول فيها:


يا أهل أندلس لله دركمُ=ماء و ظل و أنهار و أشجار
ما جنة الخلد إلا في دياركمُ=و لو تخيرت هذا كنت أختارُ


و من أسباب هذا التميز أيضاً كثرة مجالس الأنس الخاصة و العامة، حيث كانت تتخذ من الطبيعة مسرحاً لها و كان الشعراء يقومون بمزج وصف المجالس بوصف الطبيعة.

و نجد أن تغني الشعراء بجمال الطبيعة الأندلسية قد انقسم إلى قسمين؛ فمنهم من تغنى بجمال الطبيعة الأندلسية بشكل عام، و منهم من تغنى بمسقط رأسه كما في تلك الأشعار الجميلة التي أوردها أخي خميس.
و من الأمثلة على القسم الأول قصيدة لابن سفر المريني يتغنى فيها بجمال الطبيعة الأندلسية، و يقول فيها:


في أرض أندلس تلتذ نعماء=و لا يفارق فيها القلب سراءُ
و ليس في غيرها بالعيش منتفع=و لا تقوم بحق الأنس صهباءُ
أنهارها فضة و المسك تربتها=و الخزّ روضتها و الدرّ حصباءُ
و للهواء بها لطف يرقّ به=من لا يرقّ و تبدو منه أهواءُ
فيها خلعتُ عذاري ما بها عِوضٌ=فهي الرياضُ و كلّ الأرض صحراءُ


و لم يقتصر وصف الطبيعة على ذلك، فكما أشار أخي خميس، اتسع فن وصف الطبيعة ليشمل مجالي الطبيعة؛ الأرض و السماء، فقد أكثر الأندلسيون في هذا الاتجاه حتى إنهم لم يتركوا صغيرة أو كبيرة في الأرض و لا في السماء إلا و توقفوا عندها و وصفوها وصفاً جزئياً أو كلياً، يضاف إلى ذلك وصفهم لمجالس الأنس و القصور الذي امتزج بوصفهم للطبيعة.
يقول ابن خفاجة واصفاً نهراً:


لله نهر سال في بطحاء=أشهى وروداً من لمى الحسناء
متعطفٌ مثل السوار كأنه=و الزهر يكنفه مجرّ سماء
قد رقّ حتى ظُنّ قوساً مفرغا=من فضة في روضة خضراء
و غدت تحفّ به الغصون كأنها=هدب تحف بمقلة زرقاء
و الريح تعبث بالغصون و قد جرى=ذهب الأصيل على لجين الماء


أما سمات شعر وصف الطبيعة فأبرزها التشخيص؛ أي إسباغ الحياة على الأمور المعنوية أوعلى الجمادات و تجسيمها و مخاطبتها مخاطبة الكائن الحي، و هي سمة انتشرت في الشعر الأندلسي كثيراً. و من أشهر القصائد التي تمثل هذه السمة قصيدة لابن خفاجة شاعر الطبيعة في وصف جبل، يقول فيها:


وقور على ظهر الفلاة كأنه=طوال الليالي ناظر في العواقب
أصخت إليه و هو أخرس صامتٌ=فحدثني ليل السّرى بالعجائب
و قال ألا كم كنت ملجأ قاتل=و موطن أوّاه تبتل تائب
و كم مرّ بي من مدلج و مؤوّب=و قال بظلّي من مطي و راكب


ومن السمات أيضاً أن معظم شعر وصف الطبيعة جاء في قطع قصيرة، و قد قلت القصائد فيه. ثم إن معظم شعر الطبيعة جاء سهلاً واضحاً لا غرابة فيه و لا تعقيد.
كما نجد أن هذا الفن قد امتزج في معظم الأحيان بموضوعات تقليدية أخرى كالغزل و المدح و الخمر، و كانت تفتتح به بعض القصائد عوضاً عن المقدمة التقليدية، حتى إن بعض الشعراء مزج بين الرثاء و وصف الطبيعة.

--------------------------------------------------------------------------------







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 05:21 PM   رقم المشاركة : 6
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

كانت الأنهار الكثيرة الوفيرة المياه وما يتشعب عنها من برك وخلجان وغدران وما ينبت على شواطئها من حدائق ورياض وما يصاحبها من ظواهر طبيعية كمد وجزر وفجر ونهار وليل وشمس وأصيل من مظاهر الطبيعة الخلابة في بلاد الأندلس وكانت أكبر المدن مثل قرطبة وأشبيلية وغرناطة تقع على تلك الأنهار التي كانت ترفد الأرض بالخصب والعطاء فاتخذ الأندلسيون من ضفافها مراتع للمتعة واللهو ومن صفحاتها ساحات تمرح عليها زوارقهم وأشرعتهم وهم في هذه وتلك يعزفون أعذب الألحان ويتغنون بأعذب الشعر وأرقه . وقد كانت أبيات ابن خفاجة التي سبق وأن أوردتها الأخت العزيزة لمى أنموذجاً من تلك الصور الأنيقة البديعة المرسومة لأحد الأنهار حيث أبدع الشاعر في وصفه وكأنما يكتب أبياتاً غزلية في محبوب .
وكمثال آخر سأورد هذه الأبيات الرائعة لابن حمديس في وصف بركة من الماء في أحد القصور وقد احتوت على تماثيل لأسود تقذف الماء من أفواهها .. ولعل لفن النقش والنحت والزخرفة الذي كان سائداً آنذاك أثر كبير في جمال هذه الصورة التي رسمها الشاعر بكل براعة :

وضراغمٍ سكنت عرين رياسةٍ = تركت خرير الماء فيه زئيرا .
فكأنما غشَّى النُّضارُ جسومَها = وأذاب في أفواهها البلُّورا .
أُسْدٌ كأن سكونها متحركٌ = في النفس ، لو وجدت هناك مثيرا .
وتذكَّرت فتكاتِها فكأنما = أقْعت على أدبارها لتثورا .
وتخالها والشمس تجلو لونها = ناراً ، وألسنَها اللواحسَ نورا .
فكأنما سَلَّت سيوفَ جداولٍ = ذابت بلا نارٍ فعدُنَ خريرا .
وكأنما نسج النسيمُ لمائهِ = درعاً ، فقدَّر سردَها تقديرا .
وبديعة الثمرات تعبر نحوها = عيناي بحرَ عجائبٍ مسجورا .
شجريةٍ ذهبيةٍ نزعت إلى = سحرٍ يؤثر في النُّهى تأثيرا .
قد سَرَّحت أغصانَها فكأنما = قبضت بهن من الفضاء طيورا .

الأمثلة على وصف المائيات كثيرة جداً وسأكتفي بما قلته راجياً أن يكون المقصود قد تحقق خاصة وأن تلك التقسيمات والتصنيفات التي أوردتها في بداية حديثي عن وصف الأندلسيين للطبيعة لم تكن إلا لتسهيل العرض والتناول فقط وتبقى الطبيعة وحدة متكاملة من الصعب تجزيئها والدارس لشعر الطبيعة عند الأندلسيين لا بد وأن يستغرب من هذا الكم الهائل من الأشعار التي قيلت في هذا المجال ولا أظن أن أمة من الأمم قد برعت في تصوير الطبيعة بمظاهرها وظواهرها المختلفة كما برع الأندلسيون .
ودعونا ننتقل الآن إلى الثلج الجميل الذي يكسو الأرض والسطوح والسفوح والأغصان العارية بغلالة بيضاء نظيفة ناصعة وطاهرة وكأنه قطن مندوف فيبعث في النفس بهجة ما لها مثيل .
وعلى كل حال يبقى ما قيل في الثلجيات أقل مما قيل في الروضيات والمائيات حيث بدأ هذا النوع من الوصف متأخراً في بلاد الأندلس كمثيله في الشرق ومن الأبيات الرائعة التي قيلت في الثلج تلك التي قالها أبو جعفر بن سلام المعافري المتوفي عام 550م وجاء فيها :


ولم أر مثل الثلج في حسن منظرٍ = تقر به عينٌ وتشْنَؤه نفسُ .
فنارٌ بلا نور يضيء له سناً = وقطرٌ بلا ماءٍ يقلِّبه اللمسُ .
وأصبح ثغر الأرض يفترُّ ضاحكاً = فقد ذاب خوفاً أن تقبِّله الشمسُ .!

وهذه أبيات للشاعر الرقيق ابن زمرك يمدح فيها السلطان ويصف الثلج في نفس الوقت فيقول :

يا من به رتب الإمارة تُعتلى = ومعالمُ الفخر المشيدةُ تَبتنِي .
ازجر بهذا الثلج حالاً إنه = ثلج اليقين بنصر مولانا الغني .
بسط البياض كرامة لقدومه = وافترَّ ثغراً عن كرامة مُعتني .
فالأرض جوهرةٌ تلوح لمعتلٍ = والدوح مُزهِرةٌ تفوح لمجتني .
سبحان من أعطى الوجود وجوده = ليدل منه على الجواد المحسن
وبدائع الأكوان في إتقانها = أثرٌ يشير إلى البديع المتقن .

وهذه أبيات جميلة لابن خفاجة في وصف الثلج يقول فيها ( الرباب في الأبيات يعني السحاب والهيدب هو السحاب القريب من سطح الأرض وبرقع بمعنى كسا وغطى )

ألا فَضَلتْ ذيلَها ليلةٌ = تجرُّ الربابَ بها هيدبا .
وقد برقع الثلجُ وجهَ الثرى = وألحف غصنَ النَّقا فاختبى .
فشابت وراء قناع الظلام = نواصي الغصون وهامُ الربى .

وما دمنا نتحدث عن الثلج فلا بد من الإشارة إلى البَرَد أيضاً والذي كان له نصيب في شعر االأندلسيين ومنهم عبد الجبار بن حمديس الصقلي الذي كتب قصيدة تزيد عن العشرين بيتاً وصف فيها السيول والغدران والبرق والروض وخصص بعض أبياتها للبرد فشبهه بدرر على نحور فتيات حسان أو بلؤلؤ أصدافه سحاب أو بدموع تتساقط من السحاب وغير ذلك من الصور المألوفة وغير المألوفة فتعالوا لنقرأ هذه الابيات الرائعة :
نثر الجوُّ على الأرض بَرَدْ = أي درٍ لنحورٍ لو جمدْ . !
لؤلؤٌ أصدافه السحْب التي = أنجز البارق منها ما وعدْ .
ذوَّبتْهُ من سماء أدمعٌ = فوق أرض تتلقَّاه نَجَدْ .

وهذان بيتان جميلان في وصف البرد وهو يتساقط من السماء والريح تعبث به فتبعثره قالها أبو بكر عبد المعطي بن محمد بن المعين .:

كأن الهواء غديرٌ جَمَدْ = بحيث البرود تذيب البَرَدْ .
خيوطٌ وقد عُقدت في الهوا = وراحةُ ريحٍ تحل العُقد .

وبهذا نكون قد أنهينا حديثنا المختصر هذا عن وصف الطبيعة في شعر الأندلسيين وآن الأوان أن ننتقل إلى نقطة أخرى في حديثنا عن الأدب الأندلسي ..
فمن المظاهر الغريبة أن بلاد الأندلس المليئة بوسائل المتعة والمترعة بأسباب اللذه يكون شعر الزهد فيها أضعاف مثيله في الشرق فهل كان ذلك ردة فعل على ما ساد أهلها أحياناً من انغراق في المادية والابتعاد عن الروحية ؟! ربما ..
وعلى العموم فهناك الكثير من الأشعار الجميلة التي تجأر بالشكوى من نداء الدنيا وتهوِّن من شأنها وتدعو إلى تدبرها في أناة وتبصر وتتحدث عن لغز الموت الحياة ..



--------------------يقال أن عبد الرحمن الناصر كان مغرقاً في حب الدنيا وفي الإسراف والأبهة وبناء المدن والقصور واقتناء الجواري والقيان على عكس ابنه عبدالله الذي عمد إلى الزهد الشديد والابتعاد عن ترف الحياة حتى أنه حاول أن يتآمر على أبيه لكي يتخلص منه ولكن مؤامرته باءت بالفشل وتم إلقاء القبض عليه ويقال أن أباه قد قتله بيده يوم عيد الأضحى عام 339 هـ وهي نفس السنة التي قتل فيها فيلسوف الإسلام في دمشق أبا نصر الفارابي ..
ومن ألمع الزهاد على عهد الناصر أبو بكر المغيلي الذي كتب الابيات التالية الرائعة عن الحياة والموت :

تبيَّنْ ، فقد وضح المَعْلمُ = وبان لك الأمر لو تفهمُ .
هو الدهرُ ، لستَ له آمناً = ولا أنتَ من صرفه تسلمُ .
وإن أخطأتكَ له أسهمٌ = أصابتك بعدُ له أسهمُ .
لياليه تُدني إليكَ الردى = دوائبَ في ذاك ما تسأمُ .
أتفرحُ بالبُرْءِ بعد الضنا =وفي البرء داؤكَ لو تعلمُ .
فأين الملوكُ وأشياعهم ؟= ودنياهمُ أدبرت عنهمُ .
فهذي القبورُ بهم عُمرَت = وتلك القصور خلت منهمُ .


أبيات جميلة للغاية ومحزنة أيضاً ولعل الذكرى تنفع المؤمنين .
وهذه باقة أخرى من الأبيات لأبي وهب بن عبد الرحمن وهو عباسي حط رحاله في قرطبة ولُقِّبَ بأبي وهب القرطبي ولا يعرف إن كانت حالة الزهد التي عاشها قد حلت به بعد أن رأى ما رآه في قرطبة من حياة بذخ وترف أم أنه كان أصلاً وهو في بغداد من الزاهدين ..
يقول :

تنامُ وقد أُعِدَّ لك السهادُ ؟ = وتوقن بالرحيل وليس زادُ ؟
وتصبح مثلما تُمسي مضيعاً = كأنك لستَ تدري ما المرادُ .
أتطمعُ أن تفوز غداً هنيئاً = ولم يكُ منك في الدنيا اجتهادُ ؟
إذا فرَّطتَ في تقديم زرعٍ = فكيف يكونُ ، من عدمٍ ، حصادُ .؟


ولأبي وهب القرطبي أيضاً هذه الأبيات الجميلة التي يقارن فيها بين حالته وهو في ثياب الزهد وحالته وهو في ثوب الرفاهية فيقول :

أنا في حالتي التي قد تراني = أحسنُ الناس إن تفكَّرتُ حالا .
منزلي حيث شئتُ من مستقر ال = أرض أُسقى من المياه زلالا .
ليسَ لي كسوةٌ أخاف عليها = من مغيرٍ ، ولا ترى ليَ مالا .
قد تلذذتُ حقبةً بأمورٍ = فتدبرتها ، فكانت خيالا .!


ازدانت البيئة الأندلسية بعدد كبير من النساء الشاعرات اللاتي أسهمن في إثراء الحياة الأدبية في الأندلس بموضوعات طريفة وجميلة في فن الشعر ..





أما الشعر الأندلسي، فلعل الأسباب التي جعلته يتميز في هذا الجانب هو المكانة الاجتماعية المتميزة التي حظيت بها المرأة الأندلسية، و الحرية التي نالتها و التي كانت سمة المجتمع بشكل عام.
كما تميزت المرأة الأندلسية بوقوفها إلى جانب زوجها في حياته ومشاركته همومه و صعوبات الحياة كافة، مما جعله يقدر دورها و يحس بحاجته إلى سكن حقيقي يأوي إليه.

و كما قلنا فإن تميز الأندلسيين في هذا الفن كان من حيث الكم و الكيف؛ فمن حيث الكم نجد أن كثيراً من الشعراء رثوا زوجاتهم، حتى وصل الأمر بالرحالة ابن جبير أن يرثي زوجته بديوان كامل من الشعر و الموشحات.

أما من حيث المضمون، و هو الأهم، فإن الشاعر الأندلسي لم يعد يشعر بالحرج إزاء رثاء زوجه منصرفاً نحو الجانب العاطفي، متعرضاً لمفاتنها، مسترجعاً أيام سروره معها، ومشيراً إلى وحشته بعد فقدها، و مظهراً ألمه و ضعفه و انعدام جلده بعد فراقها.
و هذا الجانب الذاتي الوجداني هو الذي يعطي الموضوع هذا التميز، و يجعله حافلاً بالصور المبتكرة، و يضفي عليه صفة التجدد و الديمومة.

و نقف أولاً عند جانب يمثله الشاعر الزاهد البيري، من مدينة إلبيرة، و من كبار زهاد الأندلس. و له قصيدة رائية يذكر فيها صفات معنوية لزوجه، و يظهر الحالة التي آل إليها بعد وفاتها، مع تركيزه على وفائه لها و تأكيده على أنه لن يقترن بغيرها بعد وفاتها، فيقول:

عُج بالمطيِّ على اليباب الغامرِ=و اربع على قبر تضمن ناظري
فستستبينُ مكانه بضجيعه=و ينمُّ منه إليك عرف عاطر
فلكم تضمن من تقىً و تعففٍ=و كريم أعراض و عرق طاهرِ
و اقرا السلام عليه من ذي لوعةٍ=صدعتْه صدعاً ما له من جابرِ
فعساه يسمح لي بوصل في الكرى=متعاهداً لي بالخيال الزائر
فأعلل القلبَ العليلَ بطيفهِ=علّي أوفيه و لست بغادر
إني لأستحييه وهومغيبٌ=في لحده فكأنه كالحاضر
أرعى أذمّته و أحفظ عهده=عندي فما يجري سواه بخاطري
إن كان يدثر جسمه في رمسه=فهواي فيه الدهر ليس بداثر
قطع الزمان معي بأكرم عشرة=لهفي عليه من أبرّ معاشر
ما كان إلا ندرة لا أرتجي=عوضاً بها فرثيته بنوادري
و لو انني أنصفته في ودّه=لقضيت يوم قضى و لم أستأخر
و شققت في خلب الفؤاد ضريحه=و سقيته أبداً بماء محاجري
أجد الحلاوة في الفؤاد بكونه=فيه و أرعاه بعين ضمائري



نقف أيضاً عند جانب تمثله قصيدة للأعمى التطيلي في رثاء زوجه آمنة.
و في هذه القصيدة يمزج بين أحاسيسه و ما حل به بعد فقدها، و بين صفاتها الحسية، و القارئ لهذه القصيدة يحسّ بصدق المعاناة وحرقة الفقدان و آلام الفراق، و تتداخل فيها المعاني و تتفاوت بين الهمس و الجهر؛فبينما يصرخ الشاعر باكياً متوجعاً يعود ليهمس فيها آلامه و مصابه، و كأنها لا زالت تجلس إلى جانبه، يقول الشاعر:

و نُبئتُ ذاك الوجه غيَّرهُ البلى=على قرب عهد بالطلاقة و البشرِ
أمخبرتي كيف استقرت بك النّوى=على أن عندي ما يزيدُ على الخُبر
و ما فعلت تلك المحاسن في الثرى=فقد ساء ظنّي بين أدري و لا أدري
يهوّن وجدي أن وجهك زهرة=و أن ثراها من دموعي على ذكري
أآمنُ إن أجزع عليك فإنني=رُزئتك أحلى من شبابي و من وفري
أآمنُ لا و الله ما زلت موقناً=ببينك لو أني أخذتُ له حذري
خذي حدّثيني هل أطقتُ على النوى=أحدّتْكِ أني قد ضعفتُ عن الصبر
و من لي بعين تحمل الدمع كله=فأبكيك وحدي لا أقرّ ولا أدري
و لي مقلة أفضت بها لحظاتها=إلى عبرات جمّةٍ و كرىً نزر
و كان حراماً أن تجود بدمعةٍ=و قد تركتها الحادثات بلا شفر
ألا ليت شعري هل سمعت تأوهي=فقد رُعت لو أسمعتُ قاسية الصخر
و نُبّئتُ ذاك الجيد أصبح عاطلاً=خذي أدمعي إن كنت غضبى على الدرِّ
خذي فانظميها فهي كالدرّ إنني=أرى علّتي أورى بها وهي كالجمر
خذي اللؤلؤ الرطبَ الذي لهجوا به=محارته عيني و لجته صدري
خذي فانظميه أو كليني لنظمه=حليّاً على تلك الترائب و النّحر
و لا تخبري حور الجنان فربما=غَصَبْنَكِه بين الخديعة و المكر


و هكذا نجد أن الشاعر الأندلسي قد عبّر عن عواطفه بصدق و حرارة و دون قيود، و بالتالي استطاع أن يبدع عملاً كاملاً متكاملاً نابضاً بالحرارة و الانفعال الشعوري الصادق، و أن يبتكر صوراً جديداً في هذا الجانب.

--------------------------------------------------------------------------------



محطتنا التالية ستكون رثاء المدن و الأندلس بشكل عام للتعرف على اتجاهات هذا الفن و خصائصه مع إيراد نماذج من الشعر الذي قيل في هذا الموضوع ..
و قد وجد رثاء المدن في الشعر المشرقي، لكن الأدب الأندلسي تميز على غيره بهذا الموضوع كمّاً و كيفا.
فكان الشعر الأندلسي نابضاً بالعاطفة و الصدق، و لعل السبب يعود إلى أن الأندلسيين كانوا على يقين أن الأندلس ستضيع ضياعاً نهائياً، و قد بدأ هذا الإحساس يتولد ابتداء من عصر ملوك الطوائف بسبب الانقسام الداخلي و تمزق الأندلس إلى دويلات متفرقة. وقد تعمق هذا الإحساس بعد هزيمة المسلمين في معركة العقاب و تساقط المدن الأندلسية واحدة تلو أخرى الأمر الذي عمق الشعور بالمأساة في نفوس الشعراء.

و لعل أبرز السمات الموضوعية لهذا الفن تتلخص فيما يلي:
أولاً:
صدق الشعراء في بيان أسباب سقوط المدن الأندلسية، و قد حصروا هذه الأسباب في:
1- فساد الحكم في الأندلس، و ظلم الناس و مصادرة أموالهم، و طمع الحكام و تناحرهم فيما بينهم، و استعانة بعضهم بعدوه على أخيه.
2- الترف الشديد الذي انغمس به الأندلسيون، و تفشي الموبقات و المعاصي في حياتهم. فلم يكن حال الرعية أفضل من حال حكامها.
و هناك قطعة لشاعر أندلسي يدعى أبو عبد الله محمد الفازاري، في فترة غزو النصارى للأندلس في عصر الموحدين. و تذكر المصادر أن هذه القطعة وجدت في جيبه عند موته، يقول فيها:

الروم تضرب في البلاد و تغنمُ=و الجور يأخذ ما بقي و المغرم
و المال يورد كله قشتالةً=و الجند تسقط و الرعية تظلَم
و ذوو التعيّن ليس فيهم مسلم=إلا معين في الفساد مسلِّم
أسفي على تلك البلاد و أهلها=الله يلطف بالجميع و يرحم


و لا شك أن هذه القطعة الصغيرة تعطينا صورة تامة عن عصر الموحدين و سوء أحواله السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و قشتالة التي ورد ذكرها في الأبيات هي مملكة نصرانية كانت في الشمال، و كانت الأموال تدفع إليها ثمناً للسلاح.
أما حال الرعية فيصفها جزء من قصيدة لشاعر مجهول في رثاء مدينة طليطلة، يقول فيها:

و كان بنا و بالقينات أولى=لو انضمت على الكل القبور
فإن قلنا العقوبة أدركتهم=و جاءهمُ من الله النكيرُ
فإنا مثلهم و أشد منهم=نجور و كيف يسلم من يجورُ
أنأمل أن يحل بنا انتقامٌ=و فينا الفسق أجمع والفجورُ؟
و أكل للحرام و لا اضطرار=إليه فيسهل الأمر العسير
أصبراً بعد سبي و امتحانٍ=يلام عليهما القلب الصبورُ؟



السمة الثانية:
تركيز الشعراء على الناحية الدينية ومزجها بالناحية الإنسانية، فالمساجد تهدم أوتحول إلى كنائس، و أبناء المسلمين يباعون في الأسواق، و بناتهم تؤسر و نساؤهم تغتصب، و أطفالهم يقتّلون أوينصّرون. و هذا كله يؤكد طبيعة الحرب التي دارت بين المسلمين و النصارى، فهي حرب دينية كانت تهدف إلى اجتثاث كل ما يتعلق بالإسلام و المسلمين، و ليست حرباً استردادية كما يزعم الإسبان.
يقول أبو البقاء الرندي:

تبكي الحنيفة البيضاء من أسف=كما بكى لفراق الإلف هيمانُ
على ديار من الإسلام خالية=قد أقفرت ولها بالكفر عمرانُ
حيث المساجد قد صارت كنائس ما=فيهن إلا نواقيس وصلبانُ
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة=حتى المنابر ترثي وهي عيدانُ
يا غافلاً وله في الدهر موعظةٌ=إن كنتَ في سِنةٍ فالدهرُ يقظانُ


و ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الناحية الإنسانية و يمزجها بالكثير من الحقائق و الصور المؤثرة:

يا من لذلةِ قومٍ بعد عزهمُ=أحال حالهمُ كفرٌ وطغيانُ
بالأمسِ كانوا ملوكاً في منازلهم=واليوم هم في بلاد الكفر عبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليلَ لهم=عليهمُ من ثياب الذلِّ ألوانُ
ولو رأيتَ بكاهم عند بيعِهِمُ=لهالكَ الأمرُ واستهوتك أحزانُ
وطفلةٍ مثلَ حُسنِ الشمسِ إذ طلعت=كأنما هي ياقوت ومرجانُ
يقودها العلجُ للمكروه مكرهةً=والعينُ باكيةٌ والقلبُ حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ=إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ



من قصيدة لعمرو بن كلثوم وفيها يستغيث "ويقولون عن هذه القصيدة أنها من القصائد الرنانة"



أدرِكْ بخيلِك حيلِ الله أندلُسَا = إنَّ السبيلَ إلى منجاتِها دَرَسا
يا للجزيرةِ أضحى أهلها جَزَراً = للجادثاتٍ وأمسى جَدُّها تَعَسا
وفي بلنسيةٍ منها وقُرطُبةٍ = ما ينسفُ النَّفسَ أو ما ينزفُ النَّفَسَا
يا للمساجدِ عادت للعدا بيعاً = وللنداء عدا أثناءها جَرَسا
طَهِّر بلادك منهم إنهم نجسٌ = ولا طهارةَ ما لم نغسل النَجَسَا
واملأ – هنيئاً لك التأييدُ – ساحتها = جُرْداً سلاهبَ أو خَطِّيَّةً دُعسَا




السمة الثالثة:
الحنين إلى المدن الأندلسية بعد سقوطها، و وصفها قبل خرابها و بعده، و تصوير ما حل بها من هدم و دمار و حرق، و ما حل بأهلها من قتل و سبي و اغتصاب. و عنصر المقابلة الذي يلجأ له الشعراء في وصفهم لما كانت عليه الأندلس و ما آلت إليه يعدّ من أكثر العناصر تأثيراً في النفوس.
يقول أبو البقاء الرندي:

فاسأل بلنسية ما شأن مرسية=وأين شاطبة أم أين جيّانُ
وأين قرطبة دار العلوم فكم= من عالم قد سما فيها له شانُ
وأين حمص وما تحويه من نزه=ونهرها العذب فيّاض وملآنْ
قواعد كنَّ أركان البلاد فما=عسى البقاء إذا لم تبق أركانُ


السمة الرابعة:
الاستصراخ و طلب النجدة، و اتخذت هذه السمة أشكالاً عدة؛ منها أن تختلط بالمديح خاصة إذا وجهت القصيدة إلى حاكم، أو أن تقترن بالتعنيف و التقريع، أو بدعوة المسلمين إلى الجهاد الديني ضد أعدائهم.
و خير ما يمثل الجانب الممتزج بالمدح قصائد لابن الأبار القضاعي في ديوانه، خاصة مطالع قصائده التي يوجهها لأمير تونس أبي زكريا الحفصي، يقول في مطلع إحداها:

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا=إن السبيل إلى منجاتها درسا
و هَب لها من عزيز النصر ما التمست=فلم يزل منك عزّ النصر مُلتَمَسا


و يقول في مطلع قصيدة أخرى موجهة للأميرذاته:

نادتك أندلس فلبّ نداءها=و اجعل طواغيت الصليب فداءها
صرخَتْ بدعوتك العليّةِ فاحبُها=من عاطفاتك ما يقي حوباءها


و نجد في قصيدة الشاعر المجهول في رثاء طليطلة هذا الاستصراخ و البحث عن رجل ينقذ الأندلس و يحميها من خطر النصارى:

ألا رجل له رأي أصيلٌ=به مما نحاذرُ نستجيرُ؟
يكرّ إذا السيوفُ تناولته=و أين بنا إذا ولّت كرورُ؟
و طعنٌ بالقنا الخطار حتى=يقول الرمح ما هذا الخطيرُ؟
عظيمٌ أن يكون الناسُ طرّاً=بأندلس قتيل أو أسيرُ


و قد يتخذ الأمر أحياناً شكل التقريع لكل أولئك الذين يسمعون بمحنة الأندلس و يغضون الطرف عنها و عن نصرة إخوانهم، يقول أبو البقاء:

يا راكبينَ عتاقَ الخيل ضامرةً=كأنها في مجالِ السبق عقبانُ
وحاملينَ سيوفَ الهندِ مرهفةً=كأنها في ظلامِ النقعِ نيرانُ
وراتعين وراء البحرِ في دعةٍ=لهمُ بأوطانهم عزّ وسلطانُ
أعندكم نبأٌ من أهل أندلسِ= فقد سرى بحديث القومِ ركبانُ
كم يستغيثُ بنا المستضعفون وهم=أسرى وقتلى فما يهتزّ إنسانُ
ماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ=وأنتم يا عبادَ الله إخوانُ



السمة الخامسة و الأخيرة:
اصطناع الحكمة و الحديث عن نوائب الدهر و حوادث التاريخ القديم. و خير ما يمثل ذلك قصيدة أبي البقاء الرندي التي نظمها في القرن السابع الهجري. و قد توقف في مقدمة قصيدته عند كثير من الأمم التي بادت و انتهى أمرها، و في ذلك مواساة لنفسه أولاً و لكل أندلسي و مسلم أيضاً، حيث أن ما حدث يتفق مع سنة الله سبحانه في هذا الكون. يقول أبو البقاء:

لكل شيء إذا ما تمّ نقصانُ=فلا يُغَرّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دولٌ=من سرَّه زمن ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تبقي على أحدٍ=ولا يدوم على حال لها شانُ
أين الملوك ذوو التيجان من يمن=وأين منهم أكاليل وتيجانُ
وأين ما شاده شداد في إرم= وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ
وأين ما حازه قارون من ذهب=وأين عاد وشداد وقحطانُ
أتى على الكل أمر لا مرد له=حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك= كما حكى عن خيال الطيف وسنانُ
دار الزمان على دارا وقاتِلِه=وأم كسرى فما آواه إيوانُ
كأنما الصعب لم يسهل له سبب=يوماً ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة=وللزمان مسرات وأحزانُ
وللحوادث سلوان يسهله=وما لما حل بالإسلام سلوانُ
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له=هوى له أُحُد وانهدّ نهلانُ
أصابها العين في الإسلام فارتزأت=حتى خلت منه أقطار وبلدانُ



و نلاحظ في البيت الأخير أن الشاعر قد استخدم تعبيراً شعبياً متداولاً بين الناس ليعبر عن هذه المصيبة العظيمة.
و نلاحظ من خلال هذه القصيدة التي أوردنا نماذج عدة منها أن الشاعر كان متيقناً من ضياع الأندلس و من سقوطها بشكل نهائي على الرغم من أن مملكة غرناطة قد عاشت مائتي سنة بعد تاريخ نظم هذه القصيدة.

--------------------------------------------------------------------------------







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 05:31 PM   رقم المشاركة : 7
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

[COLOR="Blue"][B]عرف المشرق العربي عدداً من الشاعرات أمثال الخنساء وليلى الأخيلية وفضل وعلية بنت المهدي والشاعرة المهزمية وعريب المأمونية وسلمى القماطيسي ونيران بنت جعفر بنت موسى الهادي وهن قليلات مقارنة مع عدد شاعرات الأندلس وقصائدهن محدودة الكم كما أنهن لم يخرجن عن التقاليد الشرقية حيث ظل المجتمع الشرقي يحاسب المرأة على قولها وفعلها في حين تمتعت المرأة في الأندلس بكامل حريتها في ظل بيئة جديدة مختلفة فشاركت المرأة الشاعرة في كل فنون الشعر وأكثر أبوابه فكانت تتغزل بالرجل تماماً كما يتغزل الرجل بها وكانت تلح في إغرائه وتصف محاسنها ( لاحظوا كلمة محاسنها وليس محاسنه ) كما كانت تذهب إليه زائرة وتنادمه كما كانت تمدح وتفخر وتهجو ولم تتورع عن استعمال أساليب المسفِّين في الهجاء كما أنها لم تتحرج من ترديد بعض العبارات غير النظيفة التي يتحرج المحتشمون من الرجال من ذكرها ( حاجة مش معقولة أبداً ) كما كانت تساجل الرجل قصيدة بقصيدة وقافية بقافية والمهم أن كثرة عدد هؤلاء الشاعرات وما أبدعنه من فن يضاهي مثيله عند الرجال قد شكل ملمحاً بارزاً من ملامح الشعر الأندلسي تجدر الإشارة إليه والوقوف عنده .
ونستطيع التقرير ربما أنه كلما كانت المرأة الشاعرة قريبة العهد بزمان الفتح كلما كانت أقرب لعروبتها وإسلامها وبالتالي إلى حشمتها وتجنب الفاحش من القول وكلما بعد العهد بها وانغمست في أندلسيتها كلما كانت أقرب إلى التحرر أو التحلل إذا شئنا من التقاليد والعادات وبعض القيم الإسلامية ومن أوائل الشاعرات اللاتي التزمن جانب المحافظة في القول من حيث المعنى والصياغة :
** الشاعرة العجفاء : ويقال أنها أول شاعرات الأندلس وهي جارية وافدة من الشرق ويبدو أنها سميت هكذا لأنها كانت عجفاء بالفعل وهزيلة ونحيلة .
** حسانة التميمية : وهي مولودة في الأندلس وتعتبر الشاعرة الثانية من حيث الأقدمية والبعض اعتبرها الشاعرة الأولى لأنها ليست وافدة ويبدو أنها ورثت ملكة الشعر عن أبيها أبي الحسين الشاعر وقد مدحت ببعض أشعارها الحكم بن هشام .
وسأسرد هنا أسماء أهم الشاعرات اللاتي عرفن في بلاد الأندلس بحسب القرن الذي عشن فيه وسأختار ما أظنه الأجمل من الشعر لبعضهن .
القرن الثالث والرابع : خلال هذين القرنين كانت المرأة الشاعرة تتراوح بفنها بين الجد والمحافظة من جهة وبين التحرر والانطلاق من جهة أخرى وكأنها تختبر ردة فعل المجتمع من حولها وتتحسس موطيء قدميها على الأرض ..ومن شاعرات هذه الفترة :
1) قمر : وهي من القيان وعاشت في إشبيلية وكانت عازفة ومغنية .
2) عائشة بنت أحمد القرطبية : ويقال أنها كانت شاعرة قديرة وجريئة وحسنة الخط وكانت تكتب المصاحف وكانت تمدح الملوك في غير ما خنوع ولا مذلة وكانت ترتجل الشعر ارتجالاً وماتت دون أن تتزوج وقد رفضت أحد الذين تقدموا طالبين الزواج منها قائلة :
أنا لبوة لكنني لا أرتضي = نفسي مناخاً طول دهري من أحد .!

1) حفصة بنت حمدون الحجارية : وهي شاعرة مكثرة عاشت في وادي الحجارة بالقرب من مجريط ( مدريد اليوم) وكانت أول شاعرة أندلسية تقول الغزل ومن الجميل الذي قالته مبدية دلالها وكبرياءها ما يلي :

لي حبيبٌ لا ينثني بعتابٍ = وإذا ما تركته زاد تيها .
قال لي : هل رأيتِ لي من شبيهٍ = قلت أيضاً وهل ترى لي شبيها .؟!


القرن الخامس : وهو الفترة التي حكم فيها ملوك الطوائف وحرص كل منهم على أن يجمع حوله أكبر عدد من الأدباء والشعراء فأضاءت أنوار المعرفة والعلم وازدهر الفن والأدب وقد حوت هذه الفترة أكبر عدد من الأدباء والشعراء ونوابغ الأدب الأندلسي وكثر عدد الشاعرات المُجيدات اللاتي أسهم بعضهن في فن الموشحات أيضاً .
ومن هؤلاء الشاعرات :
1) الغسانية البجانية : من منطفة بجانة بأقاليم المرية وشعرها يتسم بالأصالة والعمق وهذه أبيات رقيقة لها في الغزل وشكوى الفراق وفيها كبرياء وحب وصبر كما فيها مسحة من الحزن جميلة .

أتجزع أن قالوا سترحل أظعانُ = وكيف تطيق الصبر ويحك إذ بانوا .
فما بعد إلا الموت عند رحيلهم = وإلاَّ فصبرٌ مثل صبرٍ ، وأحزانُ .
عهدتهمُ والعيش في ظل وصلهم = أنيقٌ ، وروض الوصل أخضرُ فَيْنانُ
فياليت شعري والفراق يكون هل = يكونون من بعد الفراق كما كانوا ؟


2) غاية المنى : وهي من القيان الجاريات ويروى أن قيَّاناً قد قدمها إلى المعتصم بن صمادح أحد ملوك الطوائف لكي يختبرها قبل أن يشتريها فقال لها ما اسمك ؟ فقالت : غاية المنى . فقال لها أجيزي :

إسألوا غاية المنى = من كسا جسميَ الضنا ؟

فأجابت بسرعة بديهة :
وأراني متيماً ؟ = سيقول الهوى أنا .

1) أم الكرم بنت المعتصم بن صمادح :
وهي أميرة وشاعرة أديبة بارعة أسهمت في إنشاء الموشحات وإذا كانت الشاعرات اللاتي سبق ذكرهن قد تمتعن ببعض الوقار والكبرياء في أشعارهن فإن أم الكرم والتي أحبت أحد فتيان القصر قد صرحت بحبها فيما كتبته من أشعار غزلية ومنه ما يلي :

يا معشر الناس ألا فاعجبوا = مما جنته لوعة الحبِ .
حسبي بمن أهواه لو أنه = فارقني تابعه قلبي .


ومما قالته أيضاً :

ألا ليت شعري هل سبيلٌ لخلوة = يُنزَّه عنها سمع كل مراقبِ .
ويا عجباً أشتاق خلوة من غدا = ومثواه ما بين الحشا والترائب .


1) حمدونة بنت زياد .
البعض لقبها بخنساء المغرب وشاعرة الأندلس وقد نشأت في واد جميل غير بعيد عن غرناطة ولم يعرف عنها أي لون من ألوان الانحراف والابتعاد عن الجادة فكانت عفيفة رغم غزلها .. ولها هذه الأبيات المتقنة الصياغة والتي ترسم فيها صوراً وتعقد مقارنات بين بياض الوجه وسواد الذوائب :

أباح الدمع أسراري بوادي = له للحسن أثارٌ بَوادي .
فمن نهر يطوف بكل روض = ومن روض يرف بكل وادي .
ومن بين الظباء مهاةُ أُنس = سبت لُبِّي وقد ملكت فؤادي .
لها لحظ ترقِّده لأمر = وذاك الأمر يمنعني رقادي .
إذا سدلت ذوائبها عليها = رأيت البدر في أفق السواد
كأن الصبح مات له شقيقٌ = فمن حزن تسربل بالحداد .


1) نزهون بنت القلاعي الغرناطية :
وكانت تساجل الرجال نظماً وتهاجيهم قولاً فاحشاً في نطاق ما يُسمى بالأدب المكشوف وكانت إذا سمعت شعراً يقال فيها ويخدش الحياء ترد بشعر أكثر جرأة وأفحش غير متحرجة من استعمال الألفاظ الساقطة و قد غمست نزهون نفسها في الحياة الأدبية بشكل كامل حتى لقبت بشاعرة غرناطة ولشعرها جانبان أحدهما مشرق نظيف والآخر جريء عنيف وغير عفيف ومن جوانب الإشراق في حياتها الشعرية ما جرى من مساجلات بينها وبين أبي بكر بن سعيد الذي أولع بأدبها ومحاضراتها وكان يغار من كثرة المعجبين بها فكتب لها هذين البيتين الطريفين يمازحها :

يا من له ألف خلٍّ = من عاشق وصديقِ
أراك خليت للنا = س منزلاً في الطريقِ !


فكتبت له تطمئنه على مكانته في قلبها وتؤكد له أنه الحبيب المقدم الذي يحتل مكان الصدارة فيه فتقول :


حللتَ أبا بكرٍ محلاً منعتُه = سواكَ وهل غير الحبيب له صدري .
وإن كان لي كم من حبيب فإنما = يقدِّم أهلُ الحق حبَّ أبي بكرِ .


ونزهون هذه مشاكلها كثيرة وسأكتفي بما قلته عنها ..
ومن شاعرات القرن الخامس شاعرات عشن في أشبيلية وهي من أجمل مدن الأندلس وتقع على النهر الكبير الذي تقع عليه قرطبة وجوها ساحر وهواؤها معتدل قال فيها ابن سفر واصفاً حالة المد والجزر لنهر أشبيلية هذين البيتين الرائعين :

شق النسيم عليه جيب قميصه = فانساب من شطيه يطلب ثاره .
فتضاحكت وُرْقُ الحمام بدوحها = هزءاً فضم من الحياء إزاره .


ومن شاعرات أشبيلية في القرن الخامس :
1) مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري .
وهي شاعرة أديبة حسنة السيرة والسلوك متدينة محتشمة وقد كتبت بعض الأشعار تمدح فيها عبيد الله بن محمد المهدي الأموي وكان يجيزها من ماله ويساجلها الشعر وتساجله وكان في مساجلاته معها يبدي لها الكثير من الاحترام والإجلال ويبدي إعجابه بورعها ويشبهها بالخنساء في شعرها .
2) بثينة بنت المعتمد بن عباد .
وهي أميرة شهدت مباهج ملك أبيها المعتمد أحد ملوك الطوائف وبطل من أبطال موقعة الزلاقة وكان أبوها شاعراً أيضاً تم أسره إلى أغمات بالمغرب بعد أن حلت النكبة بملكه وتم سبي ابنته بثينة وبيعت كجارية فأهداها من اشتراها لابنه لكي يتزوجها وقبل أن توافق على ذلك اضطرت أن تفصح عن نسبها وأنها أميرة سابقة وطلبت من سيدها أن يستشير والدها في زواجها ويأخذ موافقته وقد كتبت قصيدة جميلة بهذا المعنى لوالدها تعلمه بما حدث لها .
3) ام العلاء بنت يوسف : وهي شاعرة حكيمة لم يخل شعرها من الدعابة والطرافة ويحكى أن رجلاً أشيب قد وقع في حبها وحاول أن يلفت نظرها إليه فأرسلت إليه ببيتين ناعمين قائلة :

الشيب لا يُخدع فيه الصبا = بحيلة فاسمع إلى نصحي .
فلا تكن أجهل من في الورى = يبيت في الجهل كما يُضحي .


1) ولاَّدة بنت المستكفي .
وهي شاعرة قرطبة والأندلس وقد فتنت شعراء زمانها بجمالها وسحرها وشعرها وجمعت إلى منتداها من معاصريها الأدباء والشعراء وكانت تساجلهم وعمرت طويلا ولم تتزوج .
وهي واحدة من أميرات بني أمية وجدها الثاني عبد الرحمن الناصر ووالدها محمد بن عبد الرحمن ولقبه المستكفي وقد كان لاهياً عابثاً سيء السيرة واشتهر بالشرب والبطالة .
ويروى أن ولادة كتبت بالذهب على عاتقها الأيمن :

أنا والله أصلح للمعالي = وأمشي مشيتي وأتيه تيها .

بينما كتبت على عاتقها الايسر :

وأُمْكِنُ عاشقي من صحن خدي = وأعطي قبلتي من يشتهيها .!

وقد اقترن اسم ولادة باسم ابن زيدون أبي الوليد أحمد بن زيدون المخزومي الوزير الشاعر الذي منحته كثيراً من الحب فقال فيها أجمل الغزل وأرقه كما كتبت هي فيه العذب من القصائد الآسرة ومما قالته هذان البيتان الصريحان في المعنى والرائعان في المبنى :.

تَرَقَّبْ إذا جن الظلام زيارتي = فإني رأيتُ الليلَ أكتمَ للسرِ .
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلُحْ = وبالبدر لم يطلع وبالليل لم يسرِ


ويلتقي الشاعران وما يكادان يفترقان بعد اللقاء حتى تتفتق عبقرية ابن زيدون عن هذه الأبيات الرقيقة التي ظل الزمان يردد صداها طوال هذه القرون لرنة الشعر الجميلة فيها ولجرس الإيقاع الكامن في حواشيها :

ودَّع الصبرَ محبٌ ودَّعكْ = ذائعٌ من سره ما استودعكْ .
يقرع السِّن على أن لم يكن = زاد في تلك الخطى إذ شيَّعكْ .
يا أخا البدر سناءً وسنا = حفظ الله زماناً أرجعكْ .
إن يطُل بعدك ليلي فلكم = بت أشكو قصر الليل معكْ .


وقد ترجمت ولادة حبها لابن زيدون في غزل رقيق وجريء أيضاً على طريقة عدد من شاعرات الأندلس اللاتي أعطين لأنفسهن الحرية الكاملة في التغزل بالرجل تغزل الرجل بالمرأة فقالت تشكو فراقه بعد أن غاب عنها بعض الوقت :
ألا هل لنا من بعد هذا التفرِّقِ = سبيلٌ فيشكو كل صب بما لقي .
وقد كنتُ أوقاتَ التزاور في الشتا = أبيت على جمرٍ من الشوق محرقِ
فكيف وقد أمسيت في حال قَطعةٍ = لقد عجل المقدور ما كنت أتقي .
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي = ولا الصبر من رق التشوق معتقي .
سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً = بكل سكوب هاطل الوبل مغدق .


وقد كتب ابن زيدون في ولادة وخاصة في أوقات الجفاء التي كانت تحدث بينهما أعذب الشعر وأرقه مما لم يجر على لسان أحد في زمانه ومما قاله ولا زال كثير منا يحفظه منذ أيام الدراسة هذه الأبيات العذبة الرقيقة :

أيوحشني الزمان وأنتَ أنسي ؟ = ويظلم لي النهار وأنت شمسي .
وأغرس في محبتك الأماني = فأجني الموت من ثمرات غرسي ؟
لقد جازيتَ غدراً عن وفائي = وبعتَ مودتي ظلماً ببخسِ
ولو أن الزمان أطاع حكمي = فديتكَ من مكارهه بنفسي .


ولا تقل الأبيات التالية روعة وجمالاً عما قرأناه أعلاه :

بيني وبينك ما لو شئتَ لم يضعِ = سرٌ إذا ذاعت الأسرار لم يَذِعِ
يا بائعاً حظه مني ولو بُذلت = ليَ الحياةُ بحظي منه لم أبعِ
يكفيك أنك إنْ حَمَّلتَ قلبيَ ما = لم تستطعه قلوب الناس يستطعِ
تِهْ أَحتملْ ، واستطلْ أصبرْ ، وعزَّ أهُنْ = وولِّ أُقبِلْ ، وقل أسمعْ ، ومرْ أطعِ !!


وزادت علاقة ابن زيدون بولادة من سيء إلى أسوأ وتم اتهامه بالتواطؤ على حكومة قرطبة وأودع السجن ثم فر منه هارباً واختبأ في مدينة الزهراء بالقرب من قرطبة وهناك تذكر ولادة وكتب فيها قافيته المشهورة التي وصف فيها أيضاً الأجواء التي كان يلاقي فيها ولادة من ربيع وأنسام ورياض ومياه ونيلوفر وورد فكانت هذه الأبيات الرقيقة كأجمل ما يكون الشعر :

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا = والافق طلقٌ ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلالٌ في أصائله = كأنه رقَّ لي ، فاعتلَّ إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسمٌ = كما شققتَ عن اللبَّات أطواقا
يومٌ كأيام لذاتٍ لنا انصرمت = بتنا لها حين نام الدهر سرَّاقا
نلهو بما يستميل العين من زَهَرٍ = جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقي = بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته = فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى ينافحه نيلوفرٌ عبِقٌ = وسْنانَ نبَّه منه الصبحُ أحداقا
لا سكَّن الله قلباً عق ذكركمُ = فلم يطر بجناح الشوق خفَّاقا
لو شاء حملي نسيمُ الصبح حين سرى = وافاكمُ بفتىً أضناه ما لاقى
لو كان وفَّى المنى في جمعنا بكمُ = لكان من أكرم الأيام أخلاقا
يا علقيَ الأخضرَالأسنى الحبيب إلى= نفسي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا
كان التجاري بمحض الود مذ زمنٍ= ميدان أنس ، جرينا فيه أطلاقا
فالآن أحمد ما كنا لعهدكمُ = سلوتمُ ، وبقينا نحن عشَّاقا


وقد تم العفو عن ابن زيدون بفضل مساعي أبي الوليد بن جهور لدى أبيه حاكم قرطبة ابي الحزم فاقترب ابن زيدون منهما وتم تعيينه وزيراً لبني جهور لدى ملوك الطوائف ثم حدثت أمور سياسية جعلته يترك قرطبة إلى أشبيليه وظل دائماً يذكر ولادة حيثما حل ويشتاق لها ويحن لذكراها ولكن صدها عنه وإهمالها إياه وجرحها لكبريائه تجمع في حناياه كماء السيل ليتفجر فيما بعد عذباً سلسالاً تاركاً لنا بنونيته الشهيرة أثراً خالداً من أثار شعر الحنين واللوعة وعيناً من عيون الشعر العربي على مدى عصوره ودرةً من أجمل درره :
يقول في مطلع القصيدة

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا = وناب عن طيب لقيانا تجافينا



ابن زمرك (المتوفي سنة 795هج) قال هذه الأبيات في التشوق لغرناطة ومادحاً السلطان الغني بالله


نسيمُ غرناطةٍ عليلُ = لكنه ببريء العليل
وروضُها زهر بليلُ = ورشفهُ ينقعُ الغليلْ
سقى بنجدٍ رُبا المصلَّى = مباكراً روضه الغمامْ
فجفنه كلما استهلاّ = تبسَّم الزهرُ في الكِمامْ
والروضُ بالحسنِ قد تجلّى = وجردَ النهر عن حُسامْ
ودوحُها ظلُّه ظليلُ = يحسُنُ في ربيعه المقيلْ
والبرقُ والجوُّ مستطيلُ = يلعب بالصارم الصقيلْ
عقيلةٌ تاجها السبيكةْ = تُطِلُّ بالمرقبِ المنيفْ
كأنها فوقه مليكهْ = كرسيُّها جنةُ العريفْ
تطبعُ عن عسجدٍ سبيكةْ = شموسها كلها تُطِيف
أبدعها الخالق الجليلُ = يا منظراً كلُّه جميلْ
قلبي إلى حسنه يميلُ = وقبلَنا قد صبا جميلْ
وزاد للحسنِ فيك حسنا = محمدُ الحمدِ والسماح
جدَّدَ للفخر فيك معنى = في طالع اليمن والنجاحْ
تُدعَى رشاداً وفيك معْنَى = يخصُّك الفالُ بافتتاح
فالنصرُ والسعدُ لا يزولُ = لأنه ثابتٌ أصيلْ
سعدٌ وانصارُهُ قبيلُ = آباؤُهُ عِترة الرسولْ
أبدَى به حُكمَه القديرِ = ويوَّج الروضَ بالقباب
ودرعَ النهر بالغديرِ = وزّين الزهرَ بالحَبَابْ
فمن هديلٍ ومن هديرٍ = ما أولع الحُسنَ بالشبابْ
هبت على روضها القبولُ = وطرفُها بالسُّرى كليلْ
فلم يزل بينها يجولُ = حتى تبدت له حُجُول
للزهرِ في عِطفها رقومُ = تلوح للعين كالنجومْ
وللندى بينها رسومُ = عِقْدُ النَّدى فوقها نَظيمْ
وكل زاد بها يهيم = ولم يزل حولها يَحُومْ
سُنبلُها مُدّ منه نبيلُ = والسِّنُ ألف لمستنِيلْ
وعينُ وادٍ له تسيلُ = من فوق خدِّ له اسيلْ
كم من ظلالٍ به تَرفُّ = تطفو له فوقها سُتُورْ
ومن زجاجٍ به يشفُّ = ما بين نورٍ وبين نورْ
ومن شموس به تحفُّ = تُديرُها بينها البُدورْ
مزاجها العذبُ سلسبيلُ = ياهل إلى رشفِها سبيلْ
وكيف والشيبُ لي عذولُ = وضِبُغهُ صفرةُ الأصيلْ
يا سرحةً في الحمى ظليله = كم نلت في ظلِّكَ المُنَى
روضكِ اللهُ من خميلةْ = يُجنَى بها أطيبُ الجَنَى
وبرقُها صادقُ المَخِيلةْ = ما زال بالغيثِ محسِناً
أنجزَ لي وعدَك القبولُ = فلم أقل مثل من يقول:
يا سرحه يا مطلولُ = شرحُ الذي بيننا يطولُ





بعض أشعار حسانة التميمية و التي تمثل الاتجاه الجاد في شعر المرأة الأندلسية..
تقول في قطعة شعرية بعثت بها إلى الحكم بن هشام تستعطفه بعد وفاة والدها أبي الحسين و بعد أن أصبحت دون ناصر أو معين في الحياة:

إني إليك أبا العاصي موجعةٌ=أبا الحسين سقته الواكفُ الدّيمُ
قد كنت أرتع في نعماه عاكفةً=و اليوم آوي إلى نعماك يا حكمُ
أنت الإمام الذي انقاد الأنام له=و ملّكته مقاليد النهى الأممُ
لا شيء أخشى إذا ما كنتَ لي كنفاً=آوي إليه و لا يعروني العدمُ
لا زلتَ بالعزة القعساء مرتدياً=حتى تذلّ إليك العرب و العجم


و تقول في قطعة أخرى موجهة إلى عبد الرحمن الأوسط (ابن الحكم) بعد أن أنصفها من ظلم عامله بالبيرة الذي قطع عنها هبة كان قد أوصى لها الحكم بها:







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 05:32 PM   رقم المشاركة : 8
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

ابن الهشامين خير الناس مأثرةً=و خير مُنتَجَعٍ يوماً لروادِ
قل للإمام أيا خير الورى نسباً=مقابلاً بين آباء و أجداد
جوّدت طبعي و لم ترض الظلامة لي=فهاك فضل ثناء رائحٍ غادي
فإن أقمت ففي نعماك عاكفة=و إن رحلت فقد زودتني زادي


ومن الجدير ذكره أن ماحفظته لنا المصادر من شعر حسانة لا يتجاوز ثلاث قطع شعرية، لكننا مع ذلك نجد أننا أمام شعر ناضج من الناحية الفنية، و بالتالي فلا يعقل أن يكون كل ما نظمته الشاعرة في حياتها هو ثلاث قطع، و هذا يؤكد أن جزءاً كبيراً من شعر المرأة الأندلسية لا يزال ضائعا.





وأتحدث أولاً عن الشاعرة حفصة بنت الحاج والتي عرفت أيضاً بحفصة الركونية وهي من غرناطة وكانت ذا حسب وجمال ويذكر أنها كانت من أشراف غرناطة ولم تقل حفصة شاعرية عن ولادة في قرطبة رغم أن بعضهم قد اعتبرها أشعر من ولادة وهي في غزلها أكثر جرأة في الهجوم على معاني العشق والإثارة ..وكما ارتبطت ولادة بابن زيدون ارتبطت حفصة بالوزير الشاعر أبي جعفر أحمد بن سعيد وزير بني عبد المؤمن .
وقد عاشت حفصة في غرناطة التي خرَّجت من قبلها نزهون القلاعية وحمدونة وكانت قادرة على ارتجال الشعر ولشهرتها يقال أن الناس كانوا يستوقفونها في الطريق طالبين منها أن تسطر لهم بعضاً من شعرها على أوراق يحملونها وذلك على سبيل التذكرة كما يُفعل مع مشاهير هذه الأيام ..
كتبت حفصة في معظم أغراض الشعر وهذه أبيات هنئت فيها أبا جعفر عندما تولى الوزارة :

رأست فما زال العِداة بظلمهم = وعلمهمُ النامي يقولون ما رأسْ
وهل مَنَكرٌ أن ساد أهل زمانه = جموحٌ إلى العليا حرونٌ عن الدنس .؟


وهذه أبيات رقيقة قالتها متغزلة في الوزير :

سلامٌ يُفتِّح في زهره ال = كِمامَ ويُنطقُ وُرْقَ الغصونْ .
على نازحٍ قد ثوى في الحشا = وإن كان تحرم منه العيون
فلا تحسبوا العبد ينساكمُ = فذلك والله ما لا يكون .


وهذه أبيات أكثر جرأة واندفاعاً تعبر فيها الشاعرة عن غيرتها على صاحبها من الزمان والمكان ومن المرئي وغير المرئي وتعبر فيها عن أنانيتها ( وهما صفتان متأصلتان في الجنس اللطيف على ما يبدو ) فتقول :

أغار عليك من عينيْ رقيبٍ = ومنكَ ومن زمانك والمكانِ
ولو أني وضعتكَ في عيوني = إلى يوم القيامة ما كفاني .!


سأكتفي بما قلته عن حفصة والتي كانت آخر شاعرات الأندلس من حيث الشهرة والجرأة في القول والهجوم على معان ظلت طوال قرون وقفاً على الرجال دون النساء . وبقي أن نتحدث قليلاً عن الشاعرة :
***أسماء العامرية :
وهي من إشبيلية ولم يصل من شعرها إلا أبيات قليلة بعثت بها إلى عبد المؤمن بن علي ملك الموحدين طلبت فيها رفع ما وقع على أموالها من اعتقال فتقول :


عرفنا النصر والفتح المبينا = لسيدنا أمير المؤمنينا
إذا كان الحديث عن المعالي = رأيت حديثكم فينا شجونا


أما في قرطبة التي امتلأت شعراً وحياة في القرن الخامس فلم توجد فيها غير شاعرات قليلات جداً لم يشتهرن ولم تعرف منهن غير شاعرة مقلة هي:
*** أم الهناء بنت القاضي :
وكان والدها شاعراً من العلماء الأجلاء ( أبو محمد بن عبد الحق بن عطية ) ومن الأبيات الرائعة والرقيقة التي قالتها أم الهناء هذه :


جاء الكتاب من الحبيب بأنه = سيزورني فاستعبرت أجفاني .
غلب السرور علي حتى إنه = من عظم فرط مسرتي أبكاني .
يا عين صار الدمع عندك عادة = تبكين في فرحٍ وفي أحزان !
فاستقبلي بالبشر يوم لقائه = ودعي الدموع لليلة الهجران .


الله الله .!!
يا عين صار الدمع عندك عادة = تبكين في فرحٍ وفي أحزانِ .!

وفي أواخر القرن السادس وأوائل السابع تظهر شاعرة لم يعرف اسمها ولا نسبها وسميت بالشلبية نسبة إلى مدينتها شلب وكانت شاعرة جادة وجريئة على الحكام والملوك تكشف خطاياهم وتكافح ضد ظلم عمالهم على الأقاليم وتناضل بالكلمة ضد الفساد فقالت تخاطب السلطان يعقوب المنصور أحد ملوك الموحدين
قد آن أن تبكي العيون الآبية = ولقد أرى أن الحجارة باكية .
يا قاصد المصر الذي يرجى به = إن قدَّر الرحمن رفع كراهية .
ناد الأمير إذا وقفت ببابه = يا راعياً إن الرعية فانية
أرسلتها هَمَلاً ولا مرعى لها = وتركتها نهب السباع العادية
" شلبٌ " كلا شلبٍ وكانت جنةً = فأعادها الطاغون ناراً حامية
خافوا وما خافوا عقوبة ربهم = والله لا تخفى عليه خافية .






من ديوان الأعمى التطيلي المتوفي 525هح

دمعُ سفوحٌ وضلوعٌ حِرارَ ماءٌ ونار ما اجتمعنا إلا لأمر كبَارْ

بئس لعمري ما أراد العذولْ
عُمرٌ قصيرٌ وعناءٌ طويلْ
يا زفراتٌ نطقتُ عن غليلْ
ويا دموعاً قد أصابت مَسِيلْ

امتنع النومُ وشَطّ المزارْ ولا قرار طرت ولكن لم اصادف مطار

يا كعبةً حجّت إليها القلوبْ
بين هوى داعٍ وشوقٍ مُجيِيبْ
دعوة أواه إليها منيبْ
لبيك لا ألوي لقولِ الرقيبْ

جد لي بحج عندها واعتمار قلبي هَدِىٌّ ودموعي جُمارْ

أهلاً وإن عرّضّ بي للمنونْ
بمائسِ الأعطافِ ساجي الجفونْ
يا قسوةً يحسبها الصَّبُّ لينْ
علّمتني كيف تساءُ الظنون

وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله:
كيف السبيلُ إلى صبري وفي المعالم أشجانُ
والراكبُ وسطَ الفَلا بالخُرَّدِ النواعمِ قد بانوا


وهذا أبو الحسن بن مالك بغرناطة. يقول بأن والده كان يعجب بقوله:

إن سيلَ الصباحِ في الشرقِ
عادَ بحراً في أجمع الأفقِ
فتداعت نوادبُ الورقِ
أتراها خافت من الغرقِ
فبكت سحرة على الورقِ
وقول أبو الحسن بن الفضل أيضاً:
واحسرتا لزمانٍ مضى
عشيةَ بان الهوى وانقضى
وأفردتُ بالرغم لا بالرضى
وبت على جمراتِ الغضا
.....

ومن محاسن موشحات ابن الصابوني قوله


ما حالُ صبَّ ذي ضنا واكتئاب = أمرضه – يا ويلتاه – الطبيبْ
عامله محبوبُه باجتنابِ = ثم اقتدى فيه الكرى بالحبيبْ
جفا جفوني النوم لكنني = لم أبكه إلا لفقدِ الخيالْ
وذا الوصال اليوم غرّني = منه كما شاء وشاء الوصالْ
فلستُ بالائم من صدني = بصورة الحقِّ ولا بالمحالُ




و قد وجد هذا اللون في الشعر الأندلسي، رغم أن ما حفظته المصادر لا يمثل كل ما أبدعه الأندلسيون في هذا الموضوع، إذ يبدو أن مؤرخي الأدب لم تكن لديهم الجرأة لتضمين كتبهم مثل هذا النوع من الهجاء، كما أن هناك من الشعراء من كان يخفي هذه القصائد خوفاً من السلطة الحاكمة، و قد تندثر و ينتهي أمرها بموته.

أما الأسباب التي دفعت الأندلسيين إلى مثل هذا النوع من الهجاء فيمكن حصرها في سببين:
1- الروح الوطنية التي كانت تشد الأندلسيين و تجمع كلمتهم في سبيل إعادة بناء أندلس مستقل غير خاضع لتهديدات النصارى في الشمال.
2- ما كان يحدث في الأندلس في بعض الأحيان من ظلم اجتماعي و اقتصادي يخلق تصدعاً و تفاوتاً بين طبقات الشعب الأندلسي، الأمر الذي يثير مشاعر الفقراء و المظلومين و يولد عندهم شعوراً بالنقمة.

و هناك اتجاهان للهجاء السياسي:
1- هجاء الملوك و الحكام و الأمراء.
2- هجاء القضاة و الفقهاء الذين يشاركون في الظلم أو يسيرون في ركب الحكام أو يتكسبون بعلمهم.

و يمكن تقسيم الاتجاه الأول إلى قسممين:
الأول: هجاء الملوك و الأمراء الذين يعيشون في زمن الشاعر بشكل عام.
و من ذلك القطعة التي سبق ذكرها في موضوع الرثاء لأبي عبد الله الفازاري، و منه أيضاً هذه الأبيات للشاعر الهجّاء المعروف بالسميسر، و فيها يقول:

نادِ الملوك و قل لهم=ماذا الذي أحدثتمُ؟
أسلمتم الإسلام في=أسر العدا و قعدتمُ
وجب القيام عليكمُ=إذ بالنصارى قمتمُ!
لا تنكروا شقّ العصا=فعصا النبي شققتمُ


أما القسم الثاني من الاتجاه الأول فهو هجاء ملوك و حكام بشكل خاص.
و هذا النوع يحتاج إلى جرأة كبيرة من الشاعر، لأنه يواجه الحاكم و يهجوه بشكل صريح، و من هؤلاء الشعراء أبو بكر أحمد بن محمد الأنصاري المعروف بالأبيض، و الذي كان هجّاءً مقذعاً، و قد هجا أمير قرطبة الزبير المرابطي بمقطوعات كثيرة تناقلها الناس حتى وصلت إلى أسماع الزبير فأمر بإحضاره و قال له: ما الذي دفعك إلى هذا؟ فقال الشاعر: إني لم أر أحداً أحق بالهجو منك، و لو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك ، فلما سمع الزبير ذلك غضب غضباً شديداً و أمر بقتله، و بذلك يكون الأبيض قد دفع دمه ثمناً لتحديه و موقفه الشجاع، يقول في هجاء الزبير:

عكف الزبير على الضلالة جاهداً=و وزيره المشهور كلب النارِ
ما زال يأخذ سجدة في سجدة=بين الكؤوس و نغمة الأوتار
فإذا اعتراه السهو سبح خلفه=صوت القيان و رنة المزمار


و من ذلك قول الشاعر اليكي ( أبو بكر يحيى بن سهل) في المرابطين (و كانوا يعرفون بالملثمين) :

إن المرابط باخل بنواله=لكنه بعياله يتكرمُ
الوجه منه مخلَّق لقبيح ما=يأتيه فهو من اجله يتلثم


و له أيضاً في هجائهم:

في كل من ربط اللثام دناءةٌ=و لو انه يعلو على كيوانِ
المنتمون لحميرٍ لكنهم=وضعوا القرون مواضع التيجان
لا تطلبنّ مرابطاّ ذا عفةٍ=و اطلب شعاع النار في الغدران






و يمكن أن نلحق بالاتجاه السابق ما شهدته غرناطة من ثورة على اليهود بعد أن تولى أحد اليهود الوزارة و هو ابن النغرلّة و أصبح يأخذ الضرائب من الناس بدلاً من أن يأخذ المسلون الجزية من اليهود.
يقول ابن الجد في ذلك:

تحكمت اليهود على الفروج=و تاهت بالبغال و بالسروجِ
و قامت دولة الأنذال فينا=و صار الحكم فينا للعلوج
فقل للأعور الدجال هذا=زمانك إن عزمت على الخروج


أما الشاعر أبو حفص الزكرمي فيقول في هذا الأمر:

يا أهل دانية لقد خالفتمُ=حكم الشريعة و المروّة فينا
مالي أراكم تأمرون بضد ما=أمرت ترى نسخ الإله الدينا؟!
كنا نطالب لليهود بجزية=و أرى اليهود بجزية طلبونا
ما إن سمعنا مالكاً أفتى بذا=لا لا و لا من بعده سحنونا


و سحنون المذكور في البيت الأخير هو تلميذ الإمام مالك.
على أن أهم قصيدة أثارت أهل غرناطة و ساهمت في جعلهم يقومون بثورة تعد من أعظم الثورات في تاريخ الأندلس ضد اليهود قصيدة للشاعر الزاهد أبي إسحق الإلبيري، فقد نظم قصيدة مؤثرة قريبة من الأسلوب النثري، و وزعها ليلاً في شوارع غرناطة. و مما جاء في قصيدته:

ألا قل لصنهاجة أجمعين=بدور الزمان و أسد العرين
لقد زلّ سيدكم زلة=تقرّ بها أعين الشامتين
تخيّر كاتبه كافراً=و لو شاء كان من المسلمين
فعزّ اليهود به و انتخوا=و تاهوا و كانوا من الأرذلين
و نالوا مناهم و جازوا المدى=فحان الهلاك و ما يشعرون


و نلاحظ كيف أن الشاعر في هذه المقدمة يوجه اللوم إلى حاكم غرناطة الأمير باديس الذي اختار الوزير اليهودي ابن النغرِلّة ليكون كاتباً له.
و يحدثنا الشاعر عما رآه بعينه في غرناطة من اليهود فيقول:

و إني احتللت بغرناطة=فكنتُ أراهم بها عابثين
و قد قسموها و أعمالها=فمنهم بكل مكان لعين
و هم يقبضون جباياتها=وهم يخضمون و هم يقضمون


ثم يشير إلى الترف الذي حلّ بهذا الوزير فيقول:

و رخّم قردهمُ دارهُ=و أجرى إليها نمير العيون
فصارت حوائجنا عنده=و نحن على بابه واقفون
و يضحك منا و من ديننا=فإنا إلى ربنا راجعون


و قد دعا الشاعر صراحة إلى قتل ذلك اليهودي في نهاية قصيدته قائلاً:

فبادر إلى ذبحه قربةًً=و ضحّ به فهو كبش سمين
و لا ترفع الضغط عن رهطه=فقد كنزوا كل علق ثمين
و لا تحسبنْ قتلهم غدرة=بل الغدر في تركهم يعبثون






إليك بعض من الهجاء




أما الوِراقةُ أنكدُ حرفةٍ = أغصانها وثمارُها الحرمانُ
شبَّهتُ صاحبها بإبرة خائط = تكسو العراة وجِسمُها عريان



كثر في زمن المرابطين هجاء الفقراء، وابن سارة أحد من تعرض للأغنياء هاجياً ، ومثله ابن خفاجة وابن البَنِّي وفيهم يقول:


أهل الرياءِ لبستم ناموسكم = كالذئب أدلج في الظلام العاتمِ
فملكتم الدنيا بمذهب مالكٍ = وقسَمتُم الأموال بابن القاسمِ
وركبتمُ شهبَ الدوابِّ بأشهبٍ = وبأصبغٍ صُبغت لكم في العالمِ



ومن هجائه للزبير المرابطي حاكم قرطبة وكان في هجائه جرأة شديدة فاستدعاه الزبير وقال له: ما دعاك إلى هذا الهجاء؟ فإذا به يرد هازئاً به: إنني لم أر أحق بالهجو منك ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافاً ولم تكلها إلى أحد. وعندما سمع الزبير منه ذلك أمر بقتله .


عكف الزبير على الضلالة جاهداً = ووزيره المشهور كلبُ النارِ
ما زال يأخذ سَجْدةً في سجدةٍ = بين الكئوسِ ونغمة الأوتار
فإذا اعتراه السهوُ سبَّح خلفه = صوتُ القيان ورنةُ المزمارِ






نكمل مع الاتجاه الثاني و هو نقد القضاة و الفقهاء المرائين، المتكسبين بالعلم و الزهد، و هذا اللون من الهجاء أقرب إلى النقد الاجتماعي. و قد كان الشاعر ينظر إليهم على أنهم جزء من السلطة الحاكمة يساندونها و يستغلون نفوذهم الديني للإثراء، فلا بد من كشف حقيقتهم أمام الناس.
و كانت معظم أهاجيهم تتحرك ضمن وصفهم بالرشوة والدجل و الرياء و الجهل و تحليل المحرمات و استغلال الدين في المنافع الشخصية.
يقول ابن الزقاق البلنسي واصفاً أحدهم بالرياء و الرشوة و الجور:

قاضٍ يجور على الضعيف و ربما=لقي القوي بمثل حلم الأحنف
لعبتْ بطلعته الرُّشا لِعبَ الرّشا=بفؤاد خفّاق الجوانح مدنَفِ


و يقول الأبيض:

قل للإمام سنا الأئمة مالكً=نورِ العيون و نزهةِ الأسماعِ
لله درّك من إمامٍ ماجدٍ=قد كنتَ راعيَنا فنعم الراعي
فمضيتَ محمودَ النقيبة طاهراً=و تركتنا قنصاً لشرّ سباعِ
أكلوا بك الدنيا و أنتَ بعزل=طاوي الحشا متكَفِّت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك بَرَّةً=ماذا رفعت بها من الأوضاع


و يقول ابن خفاجة ناقداً المتكسبين بالعلم و الزهد:

درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم=فيها صدور مراتب و مجالسِ
و تزهدواحتى أصابوا فرصةً=في أخذ مال مساجدٍ و كنائسِ


أما أبو بكر بن مغاور فيسخر من طوال اللحى المتسترين بالدين فيقول:

إنا إلى الله ماذا حلّ بالدينِ=من الطوال اللحى البيض العثانينِ
باعوا رضا الله و ابتاعوا مساخطه=و غيروا الشرع يا لله للدينِ
أضحت شهادتهم بالزور ناطقةً=إن الشهودَ لأعوان الشياطين



و هكذا فقد كان شعر الهجاء السياسي يمثل جانباً معتماً من حياة الأندلسيين، و كثيراً ما أهمله المؤرخون الأدباء، مع أنه ينبه إلى مواطن الضعف في السلطة الحاكمة أو في أعوانها، كما أنه استطاع أن يداعب مشاعر الأندلسي المظلوم في بعض فترات الفوضى و الاستقلال و الفساد.




الموشحات الأندلسية :
قد تكون لفظة " موشح " مأخوذة من وشاح المرأة وهو المنديل الذي تتشح به ووجه الشبه بينهما هو أن الوشاح يتضمن لؤلؤاً وجوهراً مصفوفين بالتناوب كما أن الموشح مصنوع من أقفال وأدوار بالتناوب أيضاً . وقد اختلف الباحثون في أصل الموشح وبيئته ونشأته فذهب بعضهم إلى أنه قد نشأ في المشرق وقال الأكثرون إنه أندلسي النشأة وبغض النظر عما إذا كان للموشح بذور شرقية أم لا فإنه لم يجد مقومات النمو والنضج إلا في الأندلس حيث شاع في القرن التاسع الميلادي ( الثالث الهجري ) وازدهر على مدى خمسة قرون ثم شاع بعد ذلك في المشرق شيوعه في المغرب وقد افتتن به شعراء المهجر المحدثين فعنوا به عناية فائقة ونظموا فيه الكثير من النماذج الجيدة .
وقد ذكر المؤرخ الأندلسي ابن بسام أن محمد بن محمود القبري هو أول من ابتدع الموشح في حين ذكر ابن خلدون أنه مقدم بن معافي القبري ولم يعرف إذا كانا اسمين للشخص نفسه أم لا كما أن اسم أحمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد يجيء في مقدمة مبتدعي هذا الفن ولكن الأمر المهم هو أن المؤلف الفعلي لفن الموشحات الذي وصل إلينا هو أبو بكر عبادة بن ماء السماء المتوفي عام 422 هـ .
ومن أشهر الشعراء الوشاحين في الاندلس عبادة القزاز تلميذ أحمد بن عبد ربه وشاعر المعتصم بن صمادح وابن اللبانة المتوفي سنة 507هـ والأعمى التطيلي كبير شعراء الموشحات في عصر المرابطين المتوفي سنة 520 هـ وابن بقّي 540 هـ وابن باجة الفيلسوف الشاعر 533هـ وابن سهل الأشبيلي 649 هـ ولسان الدين ابن الخطيب وزير بني الأحمر بغرناطة وابن زمرك وزير بني الأحمر 797هـ
وقد نشأ الموشح في باديء الأمر بغرض الغناء وعالج في البداية موضوعات الغزل ووصف الطبيعة ثم سرعان ما تطرق إلى المدح وذلك لأن أكثر حفلات الغناء كانت تعقد في بلاطات الملوك والأمراء وما لبث الوشاحون أن توسعوا في موضوعاته فنظموه في الهجاء والرثاء والتصوف والزهد وفي بعض الأحيان ق تجتمع في الموشح الواحد أغراض عدة من أغراض الشعر الغنائي .
ومن الناحية الفنية يعتمد الموشح الواحد على أكثر من وزن وأكثر من قافية ويعمد الوشّاح فيه إلى ضرب من التنويع العروضي والذي هو أقرب للتوزيع الموسيقي مما يجعل الموشحة أقرب للقطعة الموسيقية منها إلى القصيدة الشعرية .
وقد اتخذ الموشح أكثر من شكل غير أن المشتغلون به اصطلحوا على تسمية أجزائه كما يلي :
1) المطلع أو المذهب : هو مطلع الموشحة ويتكون عادة من شطرين أو أربعة أشطر والشطر هنا بمعنى غصن .
2) الدور : وهو مجموعة الأسماط التي تلي المطلع ويشترط تكرارها بنفس العدد في بقية الموشحة وأن تكون من وزن المطلع ولكن بقافية مختلفة وقد يتكون كل سمط منها من شطر أو شطرين
3) السمط . وهو كل شطر من أشطر الدور وقد يتكون من فقرة واحدة أو فقرتين ( تشبهان الصدر والعجز في بيت القصيدة أو الغصنين في الموشحة )
4) القفل : وهو ما يلي الدور مباشرة وهو شبيه بالمطلع .
5) البيت : يتكون من الدور والقفل الذي يليه .
6) الغصن : هو كل شطر من أشطر المطلع أو القفل .
7) الخرجة .: وهي آخر قفل في الموشحة وهي نوعان إما عربية فصيحة وإما عامية ( زجل ) أو أعجمية .
وتجدر الملاحظة إلى أن كلمة ( بيت ) هنا لها معنى مختلف عن كلمة بيت التي نعرفها عند حديثنا عن القصيدة حيث البيت في الموشح يتكون من الدور مضافاً إليه القفل الذي يليه والشكل التالي يوضح أجزاء الموشح :
ــــــــــــــــــــــ غصن ـــــــــــــــــ غصن ــــــــــــــــــــــــ ( الغصنان يشكلان المطلع )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــسمط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــسمط ( الأسماط الثلاثة تشكل دور )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــسمط
ــــــــــــــــــــــ غصن ـــــــــــــــــ غصن ــــــــــــــــــــــــ ( الغصنان يشكلان القفل )

وقد توضح هذه الموشحة لابن مهلهل والتي يصف فيها الطبيعة شكل الموشحة :

النهر سلَّ حُساما = على قدود الغصونِ .
وللنسيم مجالُ
والروض فيه اختيالُ
مُدَّت عليه ظلالُ
والزهر شق كماما = وجداً بتلك اللحونِ .
أما ترى الطير صاحا
والصبح في الأفق لاحا
والزهر في الروض فاحا
والبرق ساق الغماما = تبكي بدمع هتون .

ولغرض توضيح أجزاء الموشحة أكثر أختم هذه المشاركة بهذا الموشح الشهير ( جادك الغيث ) والمختلف في شكله عن الموشح السابق رغم أنه يتبع قاعدة الموشحة وهو للسان الدين بن الخطيب :

جادك الغيث إذا الغيث همى = يا زمان الوصل بالأندلسِ .
لم يكن وصلك إلا حُلُما = في الكرى أو خلسةَ المختلسِ

في ليالٍ كتمت سر الهوى = بالدجى لولا شموس الغررِ
مال نجم الكأس فيها وهوى = مستقيمَ السير سعدَ الأثر .
وطرٌ ما فيه من عيب سوى = أنه مر كلمح البصرِ .

حين لذ الأنس شيئاً أو كما = هجم الصبح هجوم الحَرَس .
غارت الشهْب بنا أو ربما = أثَّرت فينا عيونُ النرجس .






من الموشحات الجميلة التي قيلت في وصف الرياض موشحة الوزير أبي جعفر أحمد بن سعيد بن عبد المؤمن الذي مر ذكره عندما تحدثنا عن الشاعرة حفصة الركونية وموشحته هذه قيلت في منتزه جميل في ضواحي غرناطة عرف ب ( حوْر مؤمل ) .
يقول :

ذهَّبت شمسُ الأصيلِ=فضَّةَ النهرِ
أي نهر كالمدامة .
صيَّر الظل فِدامه .
نسجته الريح لامه .
وثنت للغصن لامه .
فهو كالعضب الصقيلِ = حُفَّ بالشَّفْر .
مضحكاً ثغر الكِمامِ .
مبكياً جفن الغمامِ .
منطقاً ورْق الحمامِ .
داعياً إلى المدامِ .
فلهذا بالقبول = خُطَّ كالسطرِ.
حبذا بالحور مغنى .
هي لفظ وهو معنى .
مذهب الاشجان عنا .
كم درينا كيف سرنا .
ثم في وقت الأصيلِ = لم نكن ندري .
وعد الحِب فأخلف .
واشتهى المطل فسوَّفْ .
ورسولي قد تعرف .
منه بما أدري فحرَّف .
بالله قل لي يا رسولي = لِشْ يغِبْ بدري .






الزجل .
ظهر الزجل متأخراً بعض الوقت عن التوشيح لأنه يشكل المرحلة الثالثة في تحول الشعر الأندلسي الذي بدأ بالفصيح في مرحلته الأولى ثم انتقل إلى الموشحات التي حوت بعض الخرجات العامية في مرحلته الثانية وكانت المرحلة الثالثة هي مرحلة قول منظومات عامية تلتقي مع رغبات العامة ممن لا يجيدون العربية من أبناء البلاد وملوك البربر الذين استولوا على الأندلس في عهد يوسف بن تاشفين ( والذي كان يجهل العربية الفصحى ) حيث كان لا بد للشعر أن " ينتكس " بصورة أو بأخرى حتى يسهل فهمه على هذا الفريق من العوام من أمير ووضيع وأعجمي فجاء الزجل معبراً عن خواطرهم وملتقياً مع عواطفهم وقدراتهم على الفهم والتذوق والإدراك
وقد ظهر في الأندلس زجالون كثيرون ولكنهم لم يتجاوزوا رغم ذلك نصف عدد الوشاحين وكان على رأسهم أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان الأصغر الذي بدأ شاعراً ولكن يبدو أنه بعدما أحس بعدم قدرته على منافسة الشعراء الكبار انتقل إلى الزجل فأجاد فيه وأصبح يحتل في ميدانه مكانة مرموقة ومن الزجالين أيضاً أحمد بن الحاج وابن غرله وابن جحدر وأبو زيد الحداد وأبو عبد الله محمد بن حسون الحلا وأبو عمرو الزاهر وأبو بكر الحصار وكثيرون آخرون ..وقد كان لبعضهم دواوين مماثلة لدواوين الشعر الفصيح وقد ضاع أغلبها ويقال أنه لم يصل منها إلا ديوان بن قزمان ونصوص أخرى متفرقة ذكرتها كتب الأدب الأندلسي ويبدو أن الزجل لم يكن يلقى الاعتبار والتقدير الكافيين لدرجة أن يحافظ الناس عليه محافظتهم على دواوين الشعر والموشحات خاصة وأن حفظة التراث يميلون عادة لحفظ الفصيح وليس العامي من الشعر .
وكان الزجل في بدايته مقتصراً على مواضيع الغزل والمجون ثم أصبح بعد ذلك يعالج مواضيع أخرى كالوصف والزهد والرثاء والهجاء والمديح …
وكمثال على الزجل الأندلسي ( وبما أننا في عيد الأضحى هذه الأيام ) فقد اخترت لكم مثالاً طريفاً لابن قزمان قاله في كبش العيد . ( وينك يا حميد ؟! ) فقد يلزمنا الأخ حميد لتفسير بعض الكلمات الغريبة التي وردت فيه !! لكن الله أعلم إن كان حميد من متابعي هذا الموضوع أم لا ..
على كل حال يقول ابن قزمان : ( حريفك يعني معاملك / تصطحي يعني تستحي / صديفك يعني سديفك أي اللحم / القطيطس يعني القط )

حبيبي كبش العيد أنا حريفكْ .
لِشْ تصطحي تنفر ؟ أنا ضعيفك .
إشْ حال جبينك إش حال صديفك .
إشْ حال شواياتك إش حال قديدك .
من يراني ثالث العيد وأنا نقطع ونشوي .
وترى كبش معلق والقطيطيس تحت يعوي .
وانا عريان في السراول أو في منديل خبز ملوي .
وانا نصهل ان عرس ماعي أو عقيقة .

وأكتفي أيضاً بهذا المثال عن الزجل الأندلسي .







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 05:33 PM   رقم المشاركة : 9
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

اقتفى النثر في الأندلس أثر قرينه في المشرق وكان ينسج على منواله ويسير على نهجه وقد كان كبار النثر في الأندلس هم انفسهم كبار شعرائها المرموقين من أمثال ابن زيدون وابن شهيد وابن حزم وأبي حفص ابن برد وابن دراج القسطلي ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم وهذا على عكس أساتذة النثر في المشرق حيث كان شعرهم أقل جودة من نثرهم ونذكر منهم على سبيل المثال أبا الفضل بن العميد والصاحب ابن عباد وأبا بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني ولذلك فقد نشأ في المشرق ما يسمى بشعر الكتاب أي شعر هذه الطبقة الممتازة من الكتَّاب الذين لا يرقى شعرهم إلى مستوى نثرهم .
وعند الحديث عن النثر الأندلسي يتبادر للذهن ما كان يعرف حينها بالرسائل الديوانية والرسائل الإخوانية والأولى كانت تتم بين مسؤولي الدولة من وزراء وعاملين عليها ومن الأمثلة عليها هذه المقتطفات مما كتبه أبو حفص بن برد وكان وزيراً ( توفي عام 414 هـ ) إلى هذيل بن رزين ( الذي حاول أن ينفرد بحكم بعض الجهات ) محاولاً إعادته إلى نطاق الطاعة وفيها يقول :
أما بعد :
( آتاك الله رشدك ، وأجزل من توفيقه قسطك ، فإن الله تعالى خلق الخلق غنيا عنهم ، وأنسأهم بمَهَل غير مُهْملٍ ، بل ليحصي آثارهم وليبلوا أخبارهم وجعلهم اصنافاً متباينين ، وأطواراً مختلفين ، فمنهم المختص بالطاعة ومنهم المبتلى بالمعصية وبين الفريقين أقوام خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ولو شاء الله لكان الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ، ولذلك خلقهم ، والسعيد من خاف ربه ، وعرف ذنبه ، وبادر بالتوبة قبل فوتها ، واستعطى الرحمة قبل منعها ……. )

ويقول في نهايتها مرغباً مهدداً :

( وأنت بين طاعة سالفة ، واستقامة موروثة وبين إنابة منتظرة ، وتوبة مستقبلة ، فبإحدى الحالتين تحط الذنوب الكبيرة ، ويغطى على العيوب الكثيرة فالآن عصمك الله : واللبب رَخِيٌّ ، والمركب وَطِيٌّ ، وبابك إلى رضا أمير المؤمنين مفتوح وسبيلك إلى حسن رأيه سهل ولا يذهب بك اللجاج إلى عار الدنيا ونار الآخرة ، إياك ومصارع الناكئين وحذار موارط الغادرين . )

وتجدر الإشارة إلى أن الرسائل الديوانية لم تتطور مع مرور الوقت كمثيلتها في الشرق فقد استمرت على حالها موغلة في الجناس والسجع كأسلوب ظل متَّبعاً في الكتابة .
ومن الرسائل الديوانية المشهورة رسالة لسان الدين بن الخطيب إلى السلطان المنصور بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون والتي شرح فيها حال بلاد الأندلس وما يعتريها من أخطار في الفترة التي كانت أعمدة الدولة الإسلامية تنهار فيها عموداً إثر آخر وتسقط حصنا بعد حصن وقد ورد فيها كثير من الإسراف في السجع وإيغال في الصنعة وتقليد لأسلوب المشارقة .
ولا تختلف الرسائل الإخوانية والتي يمكن اعتبارها بمثابة " رسائل خاصة " عن الرسائل الديوانية في طبيعتها وأسلوبها ومن الأمثلة عليها رسالتي ابن زيدون الهزلية والجدية وقد كتب الأولى على لسان محبوبته ولاده إلى غريمه في حبها الوزير أحمد بن عبدوس والثانية كتبها أثناء وجوده في السجن يستعطف فيها أبا الحزم جهور صاحب قرطبة ويسأله العفو ويرجو منه أن يطلق سراحه .
وكلا الرسالتين كتبت بإسلوب مسجوع وعبارات منمقة وكانت غنية بالأعلام والأمثال والوقائع التاريخية والأشعار المقتبسة وقد شرح الكاتب جمال الدين بن نباتة المصري رسالة ابن زيدون الهزلية في كتابه ( سرح العيون في شرح رسالة بن زيدون ).
وقبل أن أنتقل إلى موضوع القصة لا بد من الإشارة إلى أن هناك نوعاً آخر من الكتابة قد ظهر في الأندلس وهو ما يمكن تسميته بالكتابة العلمية ذات الصبغة الأدبية حيث حرص صفوة علماء وكتاب الأندلس على تسجيل مفاخر وطنهم نثراً كما سجله الشعراء شعراً وأشهر كاتبين في هذا المضمار كانا ابن حزم الأندلسي المتوفي عام 456هـ وإسماعيل بن محمد الشقندي حيث ترك الأول ما يقرب من 400 مؤلف أشهرها الفصل في الملل والأهواء والنحل / الإحكام لأصول الأحكام / جمهرة الأنساب / الناسخ والمنسوخ / والمحلى في الفقه / طوق الحمامة وغيرها ..
القصة :
لم تحظ القصة في بلاد الأندلس بما حظي به الشعر من اهتمام غير أن القليل الذي وصل منها جدير بالعناية والدراسة والتحليل .
ومن أشهر كتاب القصة في الأندلس أبو عامر بن شهيد صاحب قصة ( التوابع والزوابع ) وهي قصة طويلة ضاع أكثرها ولم يصل منها إلا القليل ويبدو أن دافع صاحبها لكتابتها كان شخصياً ونابعاً من اعتقاده بأنه لم يحظ بالتكريم المناسب من أدباء عصره ولذا فقد راح يلتمس هذا التكريم والتقدير من أدباء هم أكثر شهرة من معاصريه فكتب تلك القصة والتي يلتقي فيها بجني اسمه زهير بن نمير فحمله هذا الأخير إلى بلاد الجن فيلتقي هناك بتوابع الأدباء والشعراء المشهورين كامريء القيس وعنترة والمتنبي والبحتري وغيرهم كثيرون حيث يجري معهم محاورات طريفة فيسمعهم ألواناً مختلفة من شعره ونثره تلقى استحسانهم وإعجابهم فيخرج من كل هذا مشهوداً له بالفضل والتفوق !!
وسأكتفي بهذا التلخيص لقصة التوابع والزوابع لأنتقل للحديث عن :
قصة ( حي بن يقظان ) الشهيرة والتي تعتبر من أكبر الأعمال القصصية في العصور الوسطى ليس في الأدب العربي فقط وإنما في العالمي أيضاً .
ومؤلفها هو الفيلسوف المشهور والطبيب والعالم والشاعر ابن طفيل وهو تلميذ لفيلسوف الشرق ابن سينا وقصته أقرب إلى القصص الفكري منها إلى الأدبي ..
وتنبع أهمية هذه القصة من هدفها السامي وهو الوصول إلى معرفة الخالق والإيمان به .
وملخصها أن ( حي ) هو وليد من غير أبوين ولد في جزيرة نائية من جزر الهند ( وفي رواية أخرى ولد لأم وأب في جزيرة نائية وخافت أمه من أخيها لأنها تزوجت بدون علمه فألقت بحي في اليم فحمله المد إلى ساحل جزيرة أخرى ) والمهم أن حي كان وحيدا ومحتاجا إلى رعاية وعناية فأخذته ظبية شفقة عليه فقامت بإرضاعه وتغذيته حتى نشأ على سليقة أمه الظبية فحاكى الظباء في حركاتها وطباعها وأصواتها ثم كبر وتعلم المشي وفكر في أمر نفسه وقارن بينها وبين الحيوانات الأخرى في الجزيرة فوجد أن الحيوانات مستورة وهو عار فعمل على ستر جسمه بأوراق الشجر ولاحظ أنها مسلحة وهو أعزل فتسلح بعصا من أغصان الشجر ثم فكر بالصيد لاستغلال يديه وأخذت أساليب تعامله مع الحياة ترقى وتتحسن فاستعاض عن أوراق الشجر بأثواب من جلد النسور التي كان يصيدها ثم بدأ يهتم بما عنده من حواس مختلفة وتستمر قدراته في النمو نتيجة التجارب التي قام بها حتى تعلم غزل الصوف والملابس وتعلم فن البناء وأخذ يقوم بتشريح الحيوانات وعمل تجارب عليها ومعرفة وظائف أعضائها .. وهكذا وكأن هذه القصة باختصار تحكي عن تطور الإنسان وعن طريق التجربة والاستقصاء يتمكن ابن طفيل من الوصول إلى نتيجة ومن ثم إلى ثانية وثالثة وهكذا وهو ما يعتبر شيئاً جديداً في ميدان القصة الفلسفية والعلمية التجريبية وتأخذ معارف ( حي ) في التقدم فيدرس المعادن والروح التي فطن إلى وجودها حين اكتشف قلب الظبية ( أمه ) بعد أن ماتت وشرح جسمها وتقوده دراسته إلى النفس الحيوانية والنباتية وتتطور معارفه لتصبح فلسفة يؤمن بها إيمان المجرب ..
وفي النهاية يتوصل إلى قناعة مفادها أن لكل موجود علة فأخذ يبحث عنها في الطبيعة ولكنه لم يتوصل لشيء لأن جميع ما في الطبيعة عرضة للتحول والفساد فحاول أن يبحث عنها في الأجرام السماوية وبدأ يتأمل السماء وهل هي ممتدة إلى ما لانهاية أم لا ثم تصورها كروية واستنتج ضرورة وجود أفلاك خاصة بالكواكب وهكذا شيئاً فشيئاً وبالتدريج يقترب من معرفة الله ويصل لنتيجة مفادها أن محرك هذا العالم لا بد أن يكون خارجاً عنه ثم أمعن النظر في فكرة الله الخالق وتوصل لمعرفة صفاته نتيجة دراسته لصفات الكائنات ثم ينتهي الأمر به إلى الإيمان بالله خالق الكون ومبدعه وأنه قادر وعاقل وعليم ورحيم ..
ولا شك أن هذه القصة العظيمة والرائدة متأثرة شأنها شأن كل قصة بشخصية صاحبها الفيلسوف ولذلك فقد غلبت على تفاصيلها السمة الفلسفية .
والخلاصة أن القصة العربية في الأندلس كانت ثمرة يانعة من ثمرات الثقافة العربية والإسلامية وولدت في ظل تلك الحضارة العريقة نامية عملاقة مكتملة أسباب النجاح الفني والعمق الفكري .
وفي خاتمة هذا الموضوع الذي أرجو أن تكونوا قد استفدتم واستمتعتم به أقول :
حق لنا أن نرثي بلاد الأندلس بالشعر والدموع وأن نبكي عليها ما حيينا كما نبكي على فلسطين وأكثر ، ففلسطين وكما بشرنا رسولنا الكريم ستعود لنا بإذن الله إن آجلاً أم عاجلاً ولكن ماذا عن الأندلس ؟
الله أعلم ..







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 07:17 PM   رقم المشاركة : 10
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

يعد كتاب "طوق الحمامة" من أهم المراجع حول الحب في الثقافة العربية الإسلامية، فهو يتصدى لمحاولة تحديد جادة وعلمية لماهية الحب ووصف لأعراض وصنوف الحب المختلفة؛ فقد أفرد الفقيه الأندلسي بابا في كتابه لكل علامة من علامات الحب مدللا عليها بأبيات شعرية من نظمه في الغالب.

ولكن ما يؤخذ على كتاب ابن حزم - برغم أهميته وأصالته - أنه كتاب "طبقي": بمعنى أن ابن حزم الأندلسي قد صور لنا الحب تصويرا دقيقا في قصور الأمراء والملوك وعلية القوم دون أن يلتفت للعامة من الناس البسطاء الذين قد تكون لهم رؤية مغايرة لماهية الحب عما هي لدى القوم المترفين؛ فأغلب قصص الحب التي أوردها ابن حزم عبر صفحات كتابه - المتفرد في بابه - تدور حول الجواري والقيان, ونحن نعلم من خلال التاريخ الذي وصلنا عن تلك الأيام أن اقتناء الجواري والقيان هو ترف لا يقدر عليه إلا ذوي الجاه والسلطان أما عامة الناس فإنهم محرومون في الغالب من هذه المتع.

ابن حزم يلتقي مع الشعراء العذريين في التأكيد على أن الحب إنما يكون لمحبوب واحد وأن ارتباط الرجل إنما يكون بامرأة واحدة دون سواها. ومع هذا فهو لا يعد من زمرة العذريين لأنه يتجاوزهم من خلال طرحه لقضية الحب, فطرحه علمي تثقيفي بالأساس هذا من ناحية المضمون, أما من ناحية الشكل فالفقيه الأندلسي -على خلاف سابقيه - لم يضمن كتابه منتخبات شعرية فقط, بل إن عمله محاولة نثرية جادة ورصينة للاقتراب من موضوع ظل ولفترة ليست بالقصيرة حكرا على الشعر لوحده.

إن ابن حزم وهو يسجل ويحلل ما عاشه بنفسه أو ما وصل إلى سمعه من أخبار وقصص يسعى عبر أبواب الكتاب المتعددة لتعداد وتحليل العلامات والصفات التي عن لاحظناها على شخص ما قلنا عنه بكل ثقة غنه عاشق.

إن ما يميز طوق الحمامة هو قدرته الفائقة على سبر أغوار النفس البشرية وشرحه الدقيق والموفق في الغالب لطبائع الرجال والنساء. وإذا كان الشعراء العذريين قد أوصلوا صوت الرجل وشرحوا حاله وهو يعاني ما يعاني بسبب الحب, وحللوا نفسيته وكل ما يختلج بدواخله التي لم تكن سوى دواخلهم في حقيقة الأمر, فإن المرأة: حالها ووضعها وما يختلج بداخلها, ظلت مبهمةوغامضة لأنها وبالرغم من كونها الموضوع الرئيسي لكل أشعارهم ظلت صامتة, ولأنها صامتة ظلت مجهولة لدينا كقراء. هنا وفي هذه النقطة أيضا يتميز ابن حزم عن الشعراء العذريين بكونه يشرح ويحلل لنا نفسية المرأة عاشقة كانت أم معشوقة؛ فالفقيه الأندلسي يؤكد على أنه أعلم من غيره بطبائع النساء: " لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري, لأنني ربيت في حجورهن, ونشأت بين أيديهن, ولم أعرف غيرهن, ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تفيّل وجهي وهم علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار, ودربنني في الخط, ولم يكن وكدي وإعمال ذهني منذ أول فهمي, وأنا في سن الطفولة جدا, إلا تعرف أسبابهن والبحث عن أخبارهن وتحصيل ذلك".

إن الميزة الأساسية لكتاب ابن حزم جول موضوع الحب, أنه لم يكن بحثا نظريا أو فلسفيا محضا, ولا سردا ورصفا لأخبار وقصص وأشعار دون أن يكون هناك رابط شديد بينها؛ بل هو مزج بين هذا وذاك, فهذا يشرح ذاك, وذاك يوضح هذا.
الحب ذو الطابع الإباحي

بعيدا عن البادية وما تتميز به من محافظة أخلاقية تؤطر العلاقات بين الرجل والمرأة وتضع لها حدودا يصعب تجاوزها، رغم حرية الاختلاط النسبية التي تتفاوت من قبيلة لأخرى.

قلت بعيدا عن هذه البوادي، أخذت تنشأ الحواضر الإسلامية الكبرى وتتوسع ( بغداد، دمشق ، نيسابور) جالبة إليها أخلاطا بشرية من كل الأعراق؛ مما اوجد ثقافة متعددة ومنفتحة وذات مرجعيات متعددة.

في ظل هذه الحواضر نشأ نوع من الحب مختلف تمام المخالفة لما هو عليه في البادية؛ إنه حب ماجن وداعر يستمد مفرداته من المعجم اللغوي العربي الثري بمفردات الإيروسية والاحتفاء بالجسد.

ميزة هذا الحب أنه يختصر العلاقة بين الرجل والمرأة في جانبها المتعوي ملغيا بصفة شبه كلية الجانب الروحي لهذه العلاقة وإن تم استحضاره فبوصفه وسيلة موصلة للجانب الآخر من العلاقة، أي جانب المتع الحسية.

مثل هذا النوع من الحب شعراء كبار لهم مكانتهم التي لا تنافس في المتن الشعري العربي القديم؛ وإن كنا سنقصر حديثنا هنا عن الشعر فقط فذلك لأن الثقافة العربية ظلت ولقرون طويلة ثقافة شعرية بالأساس، ليس للنثر فيها سوى مكانة ثانوية.







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 07:31 PM   رقم المشاركة : 11
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

يمكن أن نلحق بالاتجاه السابق ما شهدته غرناطة من ثورة على اليهود بعد أن تولى أحد اليهود الوزارة و هو ابن النغرلّة و أصبح يأخذ الضرائب من الناس بدلاً من أن يأخذ المسلون الجزية من اليهود.
يقول ابن الجد في ذلك:


تحكمت اليهود على الفروجو تاهت بالبغال و بالسروجِ
و قامت دولة الأنذال فيناو صار الحكم فينا للعلوج
فقل للأعور الدجال هذازمانك إن عزمت على الخروج


أما الشاعر أبو حفص الزكرمي فيقول في هذا الأمر:



يا أهل دانية لقد خالفتمُحكم الشريعة و المروّة فينا
مالي أراكم تأمرون بضد ماأمرت ترى نسخ الإله الدينا؟!
كنا نطالب لليهود بجزيةو أرى اليهود بجزية طلبونا
ما إن سمعنا مالكاً أفتى بذالا لا و لا من بعده سحنونا


و سحنون المذكور في البيت الأخير هو تلميذ الإمام مالك.
على أن أهم قصيدة أثارت أهل غرناطة و ساهمت في جعلهم يقومون بثورة تعد من أعظم الثورات في تاريخ الأندلس ضد اليهود قصيدة للشاعر الزاهد أبي إسحق الإلبيري، فقد نظم قصيدة مؤثرة قريبة من الأسلوب النثري، و وزعها ليلاً في شوارع غرناطة. و مما جاء في قصيدته:



ألا قل لصنهاجة أجمعينبدور الزمان و أسد العرين
لقد زلّ سيدكم زلةتقرّ بها أعين الشامتين
تخيّر كاتبه كافراًو لو شاء كان من المسلمين
فعزّ اليهود به و انتخواو تاهوا و كانوا من الأرذلين
و نالوا مناهم و جازوا المدىفحان الهلاك و ما يشعرون


و نلاحظ كيف أن الشاعر في هذه المقدمة يوجه اللوم إلى حاكم غرناطة الأمير باديس الذي اختار الوزير اليهودي ابن النغرِلّة ليكون كاتباً له.
و يحدثنا الشاعر عما رآه بعينه في غرناطة من اليهود فيقول:



و إني احتللت بغرناطةفكنتُ أراهم بها عابثين
و قد قسموها و أعمالهافمنهم بكل مكان لعين
و هم يقبضون جباياتهاوهم يخضمون و هم يقضمون


ثم يشير إلى الترف الذي حلّ بهذا الوزير فيقول:



و رخّم قردهمُ دارهُو أجرى إليها نمير العيون
فصارت حوائجنا عندهو نحن على بابه واقفون
و يضحك منا و من ديننافإنا إلى ربنا راجعون


و قد دعا الشاعر صراحة إلى قتل ذلك اليهودي في نهاية قصيدته قائلاً:



فبادر إلى ذبحه قربةًًو ضحّ به فهو كبش سمين
و لا ترفع الضغط عن رهطهفقد كنزوا كل علق ثمين
و لا تحسبنْ قتلهم غدرةبل الغدر في تركهم يعبثون




إليك بعض من الهجاء






أما الوِراقةُ أنكدُ حرفةٍأغصانها وثمارُها الحرمانُ
شبَّهتُ صاحبها بإبرة خائطتكسو العراة وجِسمُها عريان



كثر في زمن المرابطين هجاء الفقراء، وابن سارة أحد من تعرض للأغنياء هاجياً ، ومثله ابن خفاجة وابن البَنِّي وفيهم يقول:




أهل الرياءِ لبستم ناموسكمكالذئب أدلج في الظلام العاتمِ
فملكتم الدنيا بمذهب مالكٍوقسَمتُم الأموال بابن القاسمِ
وركبتمُ شهبَ الدوابِّ بأشهبٍوبأصبغٍ صُبغت لكم في العالمِ



ومن هجائه للزبير المرابطي حاكم قرطبة وكان في هجائه جرأة شديدة فاستدعاه الزبير وقال له: ما دعاك إلى هذا الهجاء؟ فإذا به يرد هازئاً به: إنني لم أر أحق بالهجو منك ولو علمت ما أنت عليه من المخازي لهجوت نفسك إنصافاً ولم تكلها إلى أحد. وعندما سمع الزبير منه ذلك أمر بقتله .





نكمل مع الاتجاه الثاني و هو نقد القضاة و الفقهاء المرائين، المتكسبين بالعلم و الزهد، و هذا اللون من الهجاء أقرب إلى النقد الاجتماعي. و قد كان الشاعر ينظر إليهم على أنهم جزء من السلطة الحاكمة يساندونها و يستغلون نفوذهم الديني للإثراء، فلا بد من كشف حقيقتهم أمام الناس.
و كانت معظم أهاجيهم تتحرك ضمن وصفهم بالرشوة والدجل و الرياء و الجهل و تحليل المحرمات و استغلال الدين في المنافع الشخصية.
يقول ابن الزقاق البلنسي واصفاً أحدهم بالرياء و الرشوة و الجور:



قاضٍ يجور على الضعيف و ربمالقي القوي بمثل حلم الأحنف
لعبتْ بطلعته الرُّشا لِعبَ الرّشابفؤاد خفّاق الجوانح مدنَفِ


و يقول الأبيض:



قل للإمام سنا الأئمة مالكًنورِ العيون و نزهةِ الأسماعِ
لله درّك من إمامٍ ماجدٍقد كنتَ راعيَنا فنعم الراعي
فمضيتَ محمودَ النقيبة طاهراًو تركتنا قنصاً لشرّ سباعِ
أكلوا بك الدنيا و أنتَ بعزلطاوي الحشا متكَفِّت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك بَرَّةًماذا رفعت بها من الأوضاع


و يقول ابن خفاجة ناقداً المتكسبين بالعلم و الزهد:



درسوا العلوم ليملكوا بجدالهمفيها صدور مراتب و مجالسِ
و تزهدواحتى أصابوا فرصةًفي أخذ مال مساجدٍ و كنائسِ



أما أبو بكر بن مغاور فيسخر من طوال اللحى المتسترين بالدين فيقول:



إنا إلى الله ماذا حلّ بالدينِمن الطوال اللحى البيض العثانينِ
باعوا رضا الله و ابتاعوا مساخطهو غيروا الشرع يا لله للدينِ
أضحت شهادتهم بالزور ناطقةًإن الشهودَ لأعوان الشياطين



و هكذا فقد كان شعر الهجاء السياسي يمثل جانباً معتماً من حياة الأندلسيين، و كثيراً ما أهمله المؤرخون الأدباء، مع أنه ينبه إلى مواطن الضعف في السلطة الحاكمة أو في أعوانها، كما أنه استطاع أن يداعب مشاعر الأندلسي المظلوم في بعض فترات الفوضى و الاستقلال و الفساد.
و نلاحظ أن المقطوعات تغلب على هذا الشعر و ذلك ليحقق الهدف و ليسهل حفظه و تداوله بين عامة الناس. كما أنه شعر يخلو من التكلف و اصطناع المحسنات اللفظية و يجري بعفوية و صدق و يعبر عن تجربة و معاناة و ينقل بإخلاص موقفاً شعرياً تجاه قضية عامة. و لم يخل هذا الشعر من صور مبتكرة كان لها عظيم التأثير في نفوس سامعيها.




الموشحات الأندلسية :
قد تكون لفظة " موشح " مأخوذة من وشاح المرأة وهو المنديل الذي تتشح به ووجه الشبه بينهما هو أن الوشاح يتضمن لؤلؤاً وجوهراً مصفوفين بالتناوب كما أن الموشح مصنوع من أقفال وأدوار بالتناوب أيضاً . وقد اختلف الباحثون في أصل الموشح وبيئته ونشأته فذهب بعضهم إلى أنه قد نشأ في المشرق وقال الأكثرون إنه أندلسي النشأة وبغض النظر عما إذا كان للموشح بذور شرقية أم لا فإنه لم يجد مقومات النمو والنضج إلا في الأندلس حيث شاع في القرن التاسع الميلادي ( الثالث الهجري ) وازدهر على مدى خمسة قرون ثم شاع بعد ذلك في المشرق شيوعه في المغرب وقد افتتن به شعراء المهجر المحدثين فعنوا به عناية فائقة ونظموا فيه الكثير من النماذج الجيدة .
وقد ذكر المؤرخ الأندلسي ابن بسام أن محمد بن محمود القبري هو أول من ابتدع الموشح في حين ذكر ابن خلدون أنه مقدم بن معافي القبري ولم يعرف إذا كانا اسمين للشخص نفسه أم لا كما أن اسم أحمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد يجيء في مقدمة مبتدعي هذا الفن ولكن الأمر المهم هو أن المؤلف الفعلي لفن الموشحات الذي وصل إلينا هو أبو بكر عبادة بن ماء السماء المتوفي عام 422 هـ .
ومن أشهر الشعراء الوشاحين في الاندلس عبادة القزاز تلميذ أحمد بن عبد ربه وشاعر المعتصم بن صمادح وابن اللبانة المتوفي سنة 507هـ والأعمى التطيلي كبير شعراء الموشحات في عصر المرابطين المتوفي سنة 520 هـ وابن بقّي 540 هـ وابن باجة الفيلسوف الشاعر 533هـ وابن سهل الأشبيلي 649 هـ ولسان الدين ابن الخطيب وزير بني الأحمر بغرناطة وابن زمرك وزير بني الأحمر 797هـ
وقد نشأ الموشح في باديء الأمر بغرض الغناء وعالج في البداية موضوعات الغزل ووصف الطبيعة ثم سرعان ما تطرق إلى المدح وذلك لأن أكثر حفلات الغناء كانت تعقد في بلاطات الملوك والأمراء وما لبث الوشاحون أن توسعوا في موضوعاته فنظموه في الهجاء والرثاء والتصوف والزهد وفي بعض الأحيان ق تجتمع في الموشح الواحد أغراض عدة من أغراض الشعر الغنائي .
ومن الناحية الفنية يعتمد الموشح الواحد على أكثر من وزن وأكثر من قافية ويعمد الوشّاح فيه إلى ضرب من التنويع العروضي والذي هو أقرب للتوزيع الموسيقي مما يجعل الموشحة أقرب للقطعة الموسيقية منها إلى القصيدة الشعرية .
وقد اتخذ الموشح أكثر من شكل غير أن المشتغلون به اصطلحوا على تسمية أجزائه كما يلي :
1) المطلع أو المذهب : هو مطلع الموشحة ويتكون عادة من شطرين أو أربعة أشطر والشطر هنا بمعنى غصن .
2) الدور : وهو مجموعة الأسماط التي تلي المطلع ويشترط تكرارها بنفس العدد في بقية الموشحة وأن تكون من وزن المطلع ولكن بقافية مختلفة وقد يتكون كل سمط منها من شطر أو شطرين
3) السمط . وهو كل شطر من أشطر الدور وقد يتكون من فقرة واحدة أو فقرتين ( تشبهان الصدر والعجز في بيت القصيدة أو الغصنين في الموشحة )
4) القفل : وهو ما يلي الدور مباشرة وهو شبيه بالمطلع .
5) البيت : يتكون من الدور والقفل الذي يليه .
6) الغصن : هو كل شطر من أشطر المطلع أو القفل .
7) الخرجة .: وهي آخر قفل في الموشحة وهي نوعان إما عربية فصيحة وإما عامية ( زجل ) أو أعجمية .
وتجدر الملاحظة إلى أن كلمة ( بيت ) هنا لها معنى مختلف عن كلمة بيت التي نعرفها عند حديثنا عن القصيدة حيث البيت في الموشح يتكون من الدور مضافاً إليه القفل الذي يليه والشكل التالي يوضح أجزاء الموشح :
ــــــــــــــــــــــ غصن ـــــــــــــــــ غصن ــــــــــــــــــــــــ ( الغصنان يشكلان المطلع )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــسمط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــسمط ( الأسماط الثلاثة تشكل دور )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــسمط
ــــــــــــــــــــــ غصن ـــــــــــــــــ غصن ــــــــــــــــــــــــ ( الغصنان يشكلان القفل )

وقد توضح هذه الموشحة لابن مهلهل والتي يصف فيها الطبيعة شكل الموشحة :



النهر سلَّ حُساماعلى قدود الغصونِ .
وللنسيم مجالُ
والروض فيه اختيالُ
مُدَّت عليه ظلالُ
والزهر شق كماماوجداً بتلك اللحونِ .
أما ترى الطير صاحا
والصبح في الأفق لاحا
والزهر في الروض فاحا
والبرق ساق الغماماتبكي بدمع هتون .


ولغرض توضيح أجزاء الموشحة أكثر أختم هذه المشاركة بهذا الموشح الشهير ( جادك الغيث ) والمختلف في شكله عن الموشح السابق رغم أنه يتبع قاعدة الموشحة وهو للسان الدين بن الخطيب :



جادك الغيث إذا الغيث همىيا زمان الوصل بالأندلسِ .
لم يكن وصلك إلا حُلُمافي الكرى أو خلسةَ المختلسِ

في ليالٍ كتمت سر الهوىبالدجى لولا شموس الغررِ
مال نجم الكأس فيها وهوىمستقيمَ السير سعدَ الأثر .
وطرٌ ما فيه من عيب سوىأنه مر كلمح البصرِ .

حين لذ الأنس شيئاً أو كماهجم الصبح هجوم الحَرَس .
غارت الشهْب بنا أو ربماأثَّرت فينا عيونُ النرجس .







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 07:32 PM   رقم المشاركة : 12
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

لقد وضع الدكتور باقر سماكة كتاباً سماه:- (التجديد في الأدب الأندلسي)؛ ينسب فيه الكثير من التجديد /في الشعر والنثر للأندلسيين، وسيكون هذا الكتاب أهم الكتب التي سنحاورها بشأن التجديد في الأدب الأندلسي، وإن لم يكن الدكتور باقر سماكة؛ أول من قال بالتجديد في الأدب الأندلسي، لكنه كان أهم من قال بهذا الأمر، فقد سبقه إلى ذلك الدكتور محمد مهدي البصير حين قال:- ‘‘وقد تفرد الأندلسيون بنظم الموشح نحواً من ثلاثة قرون أنتقل بعدها إلى الشرق‘‘، في حين قال الدكتور باقر سماكة:- ‘‘وقد ظل هذا التقليد زمناً طويلاً حتى استطاع الشعراء الأندلسيون التحلل من قيود الالتزام به والسير على منواله ونظموا وجددوا بكثير من الأغراض الشعرية المستمدة من الواقع الأندلسي وجددوا حتى بطريقة بناء القصيدة فيما يتعلق بالوزن والقافية كما يتضح ذلك في شعر الموشحات.‘‘ و إلى جانب التجديد في الموشحات والأزجال /الذي نسبه الدكتور باقر سماكة إلى أهل الأندلس نص على أنهم أنشؤوا فنوناً أخرى حين قال:- ‘‘لقد تميز الأدب الأندلسي فيما تميز بظهور فنون شعرية عديدة مثل الدوبيت والقوما والكان وكان والموال ولكن أكبر تلك الفنون وأهمها الموشحات والأزجال.‘‘ أما الموشحات، فما يزال في النفس من نشأتها شيء، وأما الدوبيت والقوما والكان وكان والموال، فهي جميعاً من الفنون التي سبق المشرق إلى معرفتها، ومما يدل على ذلك، ما قاله صفي الدين الحلي عن المواليا هي الفن الثاني من فنون كتاب العاطل الحالي:- ‘‘المواليا وله وزن واحد، وأربع قواف على روي واحد، ومخترعوه أهل واسط‘‘ وأهل واسط من أهل العراق في المشرق /كما هو معروف كذلك قال الحلي عن (الكان وكان) /وهو الفن الثالث في كتاب العاطل الحالي بعد أن وصفه:- ‘‘ومخترعوه البغداديون، ثم تداوله الناس في البلاد فلم يجارهم فيه مجار ولم يدخل لهم مبار في غبار‘‘
كذا قال عن (القوما) /وهو الفن الرابع في الكتاب بعد أن وصفه: ‘‘ومخترعوه البغداديون أيضا، في دولة الخلفاء من بني العباس رضي الله تعالى عنهم، برسم السحور في شهر رمضان‘‘، وبغداد عاصمة المشرق عدة قرون كما هو معروف، وقال صفي الدين الحلي في العاطل الحالي عن (القوما) و(الكان وكان):- ‘‘وهذا الفن وما قبله من الكان وكان لا يعرفه أهل البلاد سوى أهل العراق‘‘ وهكذا يتبين أن هذه الفنون؛ فنون مشرقية؛ لم يعرفها قبل أهل العراق أحد، فإن عرفها غيرهم، فإنما أخذها منهم.
وإنما اعتمدْتُ (العاطل الحالي)، لقدمهِ ولأهميتهِ التي قررها الدكتور باقر سماكة حين قال عن مصادر الزجل ومراجعهِ:-
‘‘من المراجع الهامة القليلة كتاب (العاطل الحالي) للشاعر صفي الدين الحلي وكتاب (ملح الزجالين) لابن الدباغ الأندلسي ويعتبر ديوان ابن قزمان الذي يضم 149 زجلية أهم مصدر لدراسة الزجل والتعرف عليه.‘‘
و إذ يعترف الدكتور باقر سماكة بأهمية العاطل الحالي في دراسة هذه الفنون، يبدو العاطل الحالي مناسباً لمناقشتهِ وتصحيح ما ذهب إليه.
والدكتور باقر سماكة يُعَرِّفُ بابن قزمان قائلاً:-
‘‘فمن هو ابن قزمان؟ انه محمد ابن عبد الملك المكنى بأبي بكر ولد في قرطبة.‘‘
لم يكتفِ الدكتور باقر سماكة بما تقدم، بل نسب إلى أهل الأندلس التجديد بنظم الأراجيز التاريخية حين قال:- ‘‘وهكذا كان الشعر في عهد الإمارة يسير بين التقليد والتجديد ومن الملاحظ في هذا العصر ظهور بعض الأراجيز التاريخية التي أصبحت مصدراً من مصادر الدراسات الأندلسية والتي اعتمد عليها كثير من الباحثين فقد تضمنت الحوادث والمضاعفات والتطورات التي تخللت أوضاع الأندلس.‘‘ ولعل الدكتور باقر سماكة /فيما سبق يشير إلى أأرجوزة ابن عبد ربه ت328 التاريخية /التي ذكرناها سابقاً وليس في ظهور الأراجيز التاريخية الأندلسية؛ تجديد في الشعر الأندلسي، فقد سبق ابن المعتز ت296 /من أهل المشرق إلى مثل هذه الأراجيز، حيث نظم أرجوزته التاريخية المزدوجة التي مطلعها:-
بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ ذي العِزِّ وَالقُدرَةِ وَالسُلطانِ
وهي مزدوجة من بحر الرجز في 418 بيتاً، قال الدكتور يونس السامرائي
عن وقت نظمها:- ‘‘إن نظمه للمزدوجة التأريخية كان بعد وفاة المعتضد ولم تكن في أثناء حياته‘‘وهكذا يتبين سبق ابن المعتز /من أهل العراق في المشرق إلى هذا الفن.
ليس هذا فحسب، بل ذهب الدكتور باقر سماكة إلى أن شعر النساء من مميزات الشعر الأندلسي حين قال:-
‘‘مما تميز به الشعر الأندلسي ظهور عدد غير قليل من النساء الأندلسيات نظمن الشعر وأكثرهن من الجواري الحسان، وكانت قيمة الجارية تقاس بقدر ما لها من الجمال وحسن الصوت والاهتمام بالشعر وقد اقتصرت أشعارهن على الغزل والنوازع الوجدانية الأخرى تقريباً مما أضفى على الشعر الأندلسي حلاوة وطلاوة التجديد.‘‘
العرب /في كل زمان و مكان عرفوا النساء الشواعر، فهذه المسألة ليست مقصورة على الأندلس.
فليس دقيقا ما تصوره البعض /ومنهم الدكتور باقر سماكة من أن شعر النساء مقصور على الأندلس أو كان خصيصة من خصائصه، فقد عرف العرب شعر النساء في جاهليتهم وبعد إسلامهم، ومن يتتبع هذا الأمر، يجد نَصَبا، فكتب الأدب والتاريخ؛ ملأى بهذا الشعر النسائي الإنساني، ولا يجادل أحد في الخنساء وشعرها من المخضرمات، كما لا يجادل أحد في ليلى الأخيلية وشعرها من الأمويات، وبالرجوع إلى كتاب واحد هو:- (نزهة الجلساء في أشعار النساء) للسيوطي مثلا؛ نجد جملة من الشواعر المشرقيات اللاتي عشن في العصر العباسي، فبعضهم من بنات الخلفاء والكبراء، وبعضهن معروفة بمدينتها المشرقية، ومن هاتيك الشاعرات المشرقيات:-
1. ‘‘بوران بنت الحسن بن سهل‘‘
2. ‘‘خديجة بنت أمير المؤمنين عبد الله المأمون‘‘
3. ‘‘سلمى البغدادية الشاعرة‘‘
4. ‘‘شمسة الموصلية‘‘
5. ‘‘صفية البغدادية‘‘
6. ‘‘طيف البغدادية‘‘
7. ‘‘عائشة بنت الخليفة المعتصم‘‘
8.‘‘عائشة الإسكندرانية‘‘
9. ‘‘العباسة بنت الخليفة المهدي‘‘
10. ‘‘علية بنت الخليفة المهدي‘‘

وحين يتطرف الباحث كل هذا التطرف لا يُستغرب منهُ أن يقول:-
‘‘لقد مرت الإشارة إلى أن أغراض الشعر الأندلسي كان منها المقلد المترسم للشعر المشرقي ومنها الأصيل المستمد من بيئتي الأندلس الطبيعية والاجتماعية وأهم تلك الأغراض الأصلية هي:-
أ‌. وصف الطبيعة.
ب‌. الغزل .
ج .الخمريات .
د. رثاء الدول. ‘‘
كذلك لا يُستغرب قوله:-
‘‘أن الأندلسيين لم يقتصر تجديدهم على ناحية معينة من نواحي العطاء الفكري في مختلف مجالاته.‘‘
وهو يفصل مسائل من تجديد الأندلسيين في مختلف الجوانب حين يقول:- ‘‘أهتم الأندلسيون بالنثر وتفننوا وجددوا به.‘‘
ولا شك أن الأندلسيين اهتموا بالنثر وجددوا في جوانب منهُ، كذلك يقول:- ‘‘أن الأندلسيين قد جددوا في الشعر والنثر.‘‘
ويأخذ أحد الشعراء الأندلسيين /ابن خفاجة مثالاً على التجديد الشعري في الأندلس حين يقول:-
‘‘أن أبن خفاجة /كما سبق الحديث عنه تناول أكثر الأغراض الشعرية فجود وجدد بكل ما تناوله متمثلاً بالمعنى الرقيق والأداء الرشيق.
فمن شعره قصيدة نظمها بمدح الأمير أبي يحيى بن إبراهيم ويذكر فيها خروجه للصيد ويتعرض لوصف الكثير من الطير والوحش وهذه من المعاني التي جدد بها الشعراء الأندلسيون، إن القصيدة طويلة لا مجال لإثباتها كلها مادام الغرض هو التعرف على أغراض الشاعر وأسلوبه.
وهذا القسم من القصيدة وهي بعنوان:-(سمح الخيال) ‘‘…الخ، وهي أبيات تتضمن أفكاراً جميلة مصوغة صياغة حسنة، لكنها لا تخرج عن كونها تشبيهات أو استعارات أو كنايات منفصلة؛ تجمع بينها روح القصيدة التي لا تبتعد كثيراً عن شعر الصيد في الأدب العربي /وهو كثير لولا حضرية هذه الألفاظ وبداوة تلك؛ هذا من ناحية القصيدة، أما أن يكون ابن خفاجة قد (جود وجدد بكل ما تناوله متمثلاً بالمعنى الرقيق والأداء الرشيق)، فأمر ينظر إليهِ بحذر شديد، إذ أين الشاعر الذي يجدد ويجود في كل ما يتناوله؟!
قد تكون الرقة والرشاقة من طوابع شعرهِ، وحين ذاك، لا يكون تجديد ولا تجويد، فالرقة والرشاقة من طوابع هذا الشعر، ومن ذا الذي ينكر رقة الكثير من شعر شعراء المشرق ورشاقة ألفاظهم؟!
عند ذاك يبدو عدم تميز الأندلسيين برقة الشعر ورشاقة ألفاظهِ، فهذه أمور تطبع شعر شعراء معينين؛ في المشرق والمغرب، وفي أوقات متعددة، لا يختص بها شاعر دون شاعر، وإقليم دون إقليم ولا زمان دون زمان، ففي كل إقليم، وفي كل زمان شعراء؛ يذوبون رقة ورشاقة، كما أن هناك شعراء آخرين؛ يوشكون أن يكونوا من الحديد أو الحجر الصوان قوة وصلابة، فكأنهم ينحتون الأحجار القاسية؛ من الجلامد الصلدة.
وكما يتطرف الدكتور باقر سماكة في مسألة التجديد عند الأندلسيين، يتطرف الدكتور علي محمد سلامة حين يقول:- ‘‘فالشعر الأندلسي في جملتهِ يمتاز على الشعر العربي عامة بما فيه من المعاني المبتكرة الجميلة التي كان يعالجها الشعراء، بين الوصف البديع، والكلام الرشيق، والذوق الفني، والافتنان في أساليب الخيال، ولأنه يدل على الحياة الأندلسية ويرسم صورتين من أحوال العرب، فبينما نرى الشاعر يحن إلى ذكر بلاده الأولى من حياته البدوية،فنجده يذكر الرياض والبساتين والأزهار، والمياه الجارية، وظلال الأشجار، والنسيم العليل والآراء العامة والخاصة، وأحوال الاجتماع والعادات‘‘
وواضح أنهُ ليس فيما تقدم امتياز للأندلسيين بغير ذكر الأندلس، فقد كانت للعرب الآخرين معانٍ مبتكرة وكانوا يصفون وكانوا يذكرون الأطلال ويحنون إلى البداوة ويتفننون في وصف الحضارة، الشيء الوحيد الذي لم يذكره للأندلسيين ما اختلف الباحثون على أوليتهِ /وهو الموشح وإن كان خصه بفصلين /في كتابه المذكور سابقاً أما وصف الطبيعة والجهاد، فلم يحتكرهما الأندلسيون، فبقيت الفنون التقليدية التي ذكرها /فيما بعد وهي:-
‘‘المديح‘‘و‘‘الغزل‘‘و‘‘الرثاء‘‘و‘‘الزهد‘‘و‘‘الهجاء ‘‘و‘‘اللهو والمجون‘‘.
وإذ تطرف الدكتور (علي محـمد سلامة) في حديثهِ عن الامتياز الشعـري عند الأندلسيين، فقد تطرف في حديثهِ عن تقليدهم في النثر إذ قال:- ‘‘لم يقتصر تأثر الأندلسيين بالمشارقة على الشعر فحسب بل تعداه إلى النثر، فكل تطور إلى الأمام، أو رجعة إلى الوراء في النثر المشرقي سرعان ما يجد طريقه إلى الأندلس‘‘
وقال كذلك:- ‘‘مر النثر الأندلسي بمراحل متأثرا فيها وخلالها بالنثر المشرقي‘‘
وليت شعري:- ما الذي دفع الدكتور علي محمد سلامة /المندفع لتصور الامتياز في الشعر الأندلسـي، كما تقدم إلى التطرف كل هذا التطرف في تصور تقليد الأندلسيين للمشارقة في الشعر والنثر كما هو واضح في النصوص المتقدمة؟!
إنني أشعر بأن لهذا الاندفاع في التطرف؛ سببين مهمين هما:-
1. عدم التدقيق.
2. التقليد الأعمى للسابقين، فقد قال الدكتور مصطفى الشكعة /وكتابه أسبق من كتاب الدكتور سلامة عن الكتابة الديوانية:- ‘‘كان النثر في الأندلس يقتفي أثر قرينه في المشرق وينسج على منواله ويسير على نهجه ويجري في مضماره، وكان في الأندلس كما كان في المشرق عد كبير من الكتاب المجيدين الذين رق أسلوبهم وراق نهجهم وأمسكوا في الكتابة بخير زمام وملكوا منها ناحية الإتقان وضروب البيان، غير أن الأمر الذي يدعو إلى الدهشة هو أن كبار كتاب الأندلس هم أنفسهم كبار شعرائها المرموقين من امثال ابن زيدون وابن شهيد وابن حزم وأبي حفص بن برد وابن دراج القصطلي ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم.‘‘
وقال كذلك عن الرسالة الأندلسـية:- ‘‘ولا تصيب الرسالة الديوانية الأندلسية أي تطور أو تغيير، بل تظل مصرة على السير في ركاب قرينتها المشرقية واقتفاء أثرها،‘‘
وقد تبين أثناء دراسة النثر الأندلسي بعض تفصيل هذه المسائل، وواقع الحال أن الأندلسيين؛ لم يكونوا مقلدين كل التقليد، ولا مجددين كل التجديد، إذ أنهم يقررون عروبتهم وأخذهم عن أهل المشرق، لكننا نعرف تميزهم واختلافهم، عبر مسائل تجديدهم ووسائل هذا التجديد، من هنا يصح /عندي قول المستشرق إيميليو غرسيه غومس:- ‘‘و إنه لمن العسير أن نتبين الخيوط المشرقية من الخيوط المغربية في نسيج الشعر الأندلسي الدقيق‘‘ ، فمن الصواب أنهُ يعسر على الباحث غير المدقق أن يكتشف الخيوط المشرقية من الخيوط المغربية، لا أقول (في الشعر فقط) /كما قال (غومس) لكن أقول:- من العسير على الباحث غير المدقق أن يكتشف الخيوط المشرقية من الخيوط المغربية في مجمل الفكر الأندلسي /شعرهِ ونثرهِ لأن التداخل واسع وواضح؛ يتيح لمن ظنه تقليداً أن يجد ما يدل على رأيهِ، كما أن من اليسير على من يظنه تجديداً أن يجد أدلة على مذهبهِ، وأجد التقليد والتجديد واضحين في الأدب الأندلسي؛ متداخلين، لا يغني أحدهما عن الآخر، كما لا يستغني أحدهما عن الآخر.




--------------------------------------------------------------------------------







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 07:36 PM   رقم المشاركة : 13
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

تقييم العصور السياسية والأدبية في الأندلس. اتسمت هذه العصور بسمات خاصة، فإن كان عصر تأسيس الإمارة هو بداية الطريق في وضع اللبنات الأولى لما أعقبه من نهضة عمرانية وعلمية وأدبية، فإن العصر الأموي يمثل ذروة مابلغته الأندلس من نهضة مزدهرة. أما عصر ملوك الطوائف، فبالرغم من ترديه السياسي، تميّز بازدهار الحركة الأدبية وكثرة الشعر والشعراء وازدهار فن الموشح، مع تأسيس لمكانة العلماء والأدباء، لما وجدوه من حفاوة في بلاط الحكام المختلفين. أما عصر المرابطين فكان عصرًا دينيًا ضعفت فيه الحركة الأدبية شيئًا، وظهر فيه فن الزجل ولقي رواجًا كبيرًا. ومثله كان عصر الموحدين الذي أدى التأمل الديني فيه إلى نشاط الحركة الفلسفية وما تبع ذلك من التفكير الفلسفي الحر. ويبقى عصر بني الأحمر أو عصر الجلاء بما فيه من حياة قلق وتوجس وترف ورخاء يفيض بشعر كثير، فهو تارة يصف النكبة وأخرى يصور حــياة الدعة والمجون، فقد نضجت الفنون الأدبية على نار هادئة من المحن والكوارث، فنهض الموشح والزجل والشعر نهضة واسعة.


الفنون الأدبية في الأندلس. تشمل الفنون الأدبية الشعر بأنواعه: التقليدي والموشحات والزجل وكذلك النثر من ترسل ومقامات وتوقيعات وخلافه، كما سيلي تفصيله.

الشعر. يلفت النظر شيوع الشعر في المجتمع الأندلسي، إذ لم يكن الشعر وقفًا على الشعراء المحترفين وإنما شاركهم في ذلك الأمراء والوزراء والكتاب والفقهاء والفلاسفة والأطباء وأهل النحو واللغة وغيرهم. فالمجتمع الأندلسي بسبب تكوينه الثقافي القائم على علوم العربية وآدابها، ثم طبيعة الأندلس التي تستثير العواطف وتحرك الخيال، كل ذلك جعل المجتمع يتنفس الشعر طبعًا وسليقة وكأنما تحول معظم أهله إلى شعراء.

اتجاهات الشعر الأندلسي. ينقسم الشعر في الأندلس إلى ثلاثة اتجاهات: 1- الاتجاه المحافظ، ويهتم هذا الاتجاه بالموضوعات التقليدية ويتبع منهج القدماء في بناء القصيدة، وأسلوبه بدوي، وفي ألفاظه جزالة وعبارات لا تخلو من خشونة وحوشيّة، وأما بحوره فطويلة وقوافيه غنائية. هذا الاتجاه يحتذي نماذج المشرق وإن كان في واقع الأندلس في تلك الفترة، وهي فترة تأسيس الإمارة، ما يسوِّغ غلبة الموضوعات التقليدية وهي سمة الشعر المحافظ. فالفترة كانت فترة صراعات وحروب تتطلب شعرًا يعبِّر عن الفخر والحماسة. كما كان الحكام عربًا تهزهم أريحية المدح والكرم. أما الغزل فكان يعبّر عن الحب الصادق فلا مجال إلا لفارس عاشق أو عاشق فارس يُذكر بعنترة بن شداد. ولعل أهل الأندلس كانوا يتمثلون عالم الآباء والأجداد، حيث الصحراء والكثبان والواحات، وهم في عالم الأندلس الذي يبعد عن ذلك العالم، وكأنهم يستلهمون العالم المثالي. وقد فطن ابن بسام لتقليد الأندلس للمشرق، فأطلق العبارة التي أصبحت مثلاً، وهي قوله: ¸إن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب أو طَنَّ بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنمًا وتلوا ذلك كتابًا محكمًا·. وبالرغم من ذلك كان لهذا الاتجاه سماته الخاصة في الشعر الأندلسي، وقد جعلت تلك السمات لهذا الشعر ذاتية مستقلة، وطبعت الملامح الأولى للشعر الأندلسي وميزته عن الشعر المشرقي. ومن أشهر شعراء هذا الاتجاه: عبد الرحمن الداخل وأبو المخشى والحكم بن هشام وعباس بن ناصح وغيرهم من شعراء الفترة الباكرة. 2- الاتجاه المحدث، وهو الاتجاه الذي حمل لواءه بالمشرق أبو نواس ومسلم بن الوليد وأبوالعتاهية ومن إليهم من دعاة التجديد، حيث ثاروا على الاتجاه المحافظ وطرقوا موضوعات جديدة بأسلوب جديد، خالفوا فيه طريقة القدماء في بناء القصيدة.

عرف الأندلس هذا الاتجاه على يد عباس بن ناصح حيث نقله من المشرق. وتمثل الاتجاه المحدث في الأندلس باهتمامه بأغراض لم تكن قائمة بذاتها في القصيدة من قبل. فظهرت الخمريات والغزل الشاذ والمجون والزهد، كل ذلك في أسلوب قصصي لا يخلو من روح الدعابة والسخرية. أما صوره فتتألّف من عناصر حضرية في لغة يسيرة الألفاظ وإيقاع يميل إلى البحور القصيرة والقوافي الرقيقة.

وجد هذا الاتجاه صدى واسعًا في الأندلس، إذ إن حياة الأندلس انفتحت على لون من الترف ودعة العيش، فكثرت مجالس الموسيقى والغناء بفضل ما أدخله زرياب من ألحان وآلات، ثم بفضل مالقيه من الحكام من تشجيع وعناية. فتلقى الشعراء هذا الاتجاه بالإعجاب لأنه أصدق في التعبير عن واقعهم وعن حياتهم التي غمرها الترف ورقة العيش. ويعد الشاعر يحيى بن حكم الغزال من أشهر رواد الاتجاه المحدث. 3- الاتجاه المحافظ الجديد. ظهر هذا الاتجاه في المشرق بسبب تطرف الاتجاه المحدث ومن ثم هو محاولة لإعادة الشعر العربي إلى طبيعته وإلى موروثه دون جمود أو بداوة. عمد هذا الاتجاه إلى الإفادة من رقي العقل العربي بما بَلَغَتْه الثقافة العربية الإسلامية من نهضة واسعة في مجتمع توفرت له أسباب الحضارة. وكان هذا الاتجاه محافظًا في منهج بناء القصيدة ولغتها وموسيقاها، وكذلك في قيمها وأخلاقها وروحها، ولكنه مجدد في المضمون وفي معاني الشعر وصوره، وكذلك في أسلوبه. ويمثل أبو تمام والبحتري والمتنبي دعائم هذا الاتجاه في المشرق. وقد عرفت الأندلس هذا الاتجاه على يد نفر من الأندلسيين رحلوا للمشرق وعادوا للأندلس بأشعار البحتري وأبي تمام. وكانت فترة الخلافة هي ذروة نضجه، إذ كان المجتمع الأندلسي في هذه الفترة قد تجاوز الانبهار بالمستحدثات الحضارية التي بهرت شعراء القرن الثاني، فعبروا عنها في لهو ومجون وتمرد. ولكن في القرن الثالث كان المجتمع الأندلسي أكثر استقرارًا وتعقلاً ومن ثم وجد الاتجاه المحافظ قبولاً وأصبح هو الصورة المثلى للشعر الفصيح متجاوزًا الاتجاهين القديم والمحدث.

تأثرت أشعار الأندلس منذ القرن الثالث بهذا الاتجاه في المنهج والروح والأفكار واللغة والموسيقى والصياغة والأسلوب. وأضحى شعر أعلام المشارقة هو النموذج الذي يحتذى. ومن أعلام هذا الاتجاه في الأندلس ابن عبد ربه وابن هانئ والرمادي وغيرهم.

أغراض الشعر الأندلسي. عالج شعراء الأندلس مختلف أغراض الشعر وإن تميزت بعض الأغراض باهتمام أكثر من غيرها. ويمثل الشعر خاصة أحد جوانب الحضارة العربية الأندلسية، فقد عبر عن قوالب تلك الحضارة وعن مضمونها، كما عبر عن طبيعة الصراعات السياسية والتغيّرات الاجتماعية في الأندلس.

ومن أهم الأغراض التي عالجها الشعر الأندلسي الغزل، وأوضح سماته تلك الرقة في العواطف المعبّر عنها في رقة البيان. وكان للحياة الأندلسية دور إيجابي في طبيعة شعر الغزل، فهو غزل حسّي يقف عند حدود الوصف المادي مستعيرًا، أوصاف المحبوب من البيئة حوله. وبالرغم من ذلك فهناك من اتخذوا الغزل العفيف مذهبًا لهم، كابن فرج الجياني الذي يقول:


وطالعة الوصال صددت عنها وما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرة فباتت دياجي الليل سافرة القناع
فملّكت الهوى جمحات قلبي لأجري في العفاف على طباعي

ومن أهم سمات الغزل الأندلسي ارتباطه بمجالس اللهو والخمر وتعبيره عن تلك الحياة اللاهية. ومن ثم لم يسلم الغزل من ألفاظ نابية، خاصة في عصر ملوك الطوائف حين أسَفَّ في معانيه معبّرًا عن مستوى ماجن.

كما كان الغزل الشاذ غرضًا شعريًا له رواده، وإن لم يكثروا منه، كأبي نواس في المشرق مثلاً. وبالمثل يبدو تأثير البيئة في الغزل بالفتيات النصرانيات وذكر الكنائس والأديرة والرهبان والصلبان وما إلى ذلك من معطيات البيئة الأندلسيّة.

وأجمل مافي الغزل الأندلسي بجانب لطف التعبير، أن الصادق منه شديد التأثير خاصة حين يبكي الشاعر ويحن في إيقاع غير متكلف. ويمثل ابن زيدون قمة هذا الاتجاه خاصة في قصائده إلى وَلادَة بنت المستكفي، ومن أجملها قوله في نونيّته:


تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا

ومن أشهر شعراء الغزل في الأندلس ابن زيدون وابن سهل الإسرائيلي وابن شُهَيْدِ، وإن كان كل الشعراء قد أدلوا بدلوهم في شعر الغزل.

أما شعر المدح فكان موجهًا إلى الأمراء والخلفاء والحكام. ويتناول جانبين من حياتهم: أولهما الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه من شجاعة ووفاء وكرم، والجانب الثاني انتصارات الممدوح التي هي نصر وعزٌ للإسلام والمسلمين، ثم وصف لمعاركهم الحربية.

ويتراوح أسلوب المدح بين الجزالة والسهولة، والفخامة والرقة، وفقًا لطبيعة المعاني المعبّر عنها. ولكنه بوجه عام يميل إلى التأنق في العبارة والصياغة. وقد تختلف طريقة بناء قصائد المدح بين شاعر وآخر. فبعضها كان ينهج نهج الأقدمين، فيبدأ بمقدمة طللية ونسيبٍ ووصف للرحلة ثم يتخلص إلى المدح، بينما نجد من الشعراء من يعمد إلى موضوعه مباشرة دون مقدمات. ويقدم صنف ثالث بين يدي ممدوحه شيئًا من الغزل أو وصف الطبيعة أو مجالس الخمر أو الشكوى والعتاب، وعقب ذلك ينتقل إلى المدح.

ومن أشهر شعراء الأندلس في هذا الغرض الشعري ابن حمديس وابن هانئ وابن زيدون وابن دراج القسطلي. ولا نجد من الشعراء المحترفين شاعرًا لم يعالج هذا الغرض.

يقول ابن حمديس مادحًا الأمير أبا الحسن علي بن يحيى:


تُفشي يداك سرائر الأغماد لقطاف هام واختلاء هوادي
إلاّ على غزوٍ يبيد به العِدى لله من غزو له وجهاد
ما صونُ دين محمد من ضَيْمِه إلاّ بسيفك يوم كلِّ جلاد
وطلوع راياتٍ وقود جحافل وقراع أبطال وكرِّ جياد

ويقول ابن هانئ مادحًا إبراهيم بن جعفر:


لا أرى كابن جعفر بن عليّ ملكًا لابسًا جلالة مُلْك
مثلُ ماء الغمام يندي شبابًا وهو في حُلّتي تَوَقٍّ ونُسك
يطأ الأرض فالثرى لؤلؤ رطـ ـب وماء الثرى مُجَاجة مسك

ويقول ابن زيدون للوليد بن جهور:


للجهوريِّ أبي الوليد خلائق كالروض أضحَكه الـغمام الباكي
مَلِكٌ يسوس الدهرَ منه مهذبٌ تدبيره للمُلك خيرُ مِلاك
جارى أباه بعد ما فات المدى فتلاه بين الفوت والإدراك

أما شعر الرثاء في الأندلس، في معناه التقليدي، فلم يكن من الأغراض الرائجة، وظل يحذو حذو نماذج الشعر المشرقي حين يستهلّ برد الفواجع ووصف المصيبة التي حلت بموت الفقيد. وعادة تستهل القصيدة بالحِكَم وتختتم بالعظات والعبر.

أما رثاء المدن والممالك فهو الغرض الأندلسي الذي نبعت سماته وأفكاره من طبيعة الاضطراب السياسي في الأندلس. وكان مجال إبداعٍ في الشعر الأندلسي. وقد ظلت قصيدة أبي البقاء الرَّنْدِي التي مطلعها:


لكل شيء إذا ماتم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

ورائية ابن عبدون:


الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور

وسينية ابن الأبَّار:


أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن الطريق إلى منجاتها درسا

عدا ما قيل في مراثي بني عبّاد ووزيرهم المعتمد، ظل كل ذلك من عيون الشعر العربي عامة والأندلسي خاصة.

تبع الشعر الأندلسي الشعر المشرقي في هذا اللون من التعبير، وإن كان شعراء الأندلس، لعناية الأندلس بالفلسفة، قد حققوا قدرًا ملحوظًا من العمق في المعنى والبراعة في التصوير حين يتناولون موضوعات في الحكمة. فقد كان من شعراء الأندلس من طوعوا الفلسفة للشعر والشعر للفلسفة، فصوروا الخواطر النفسية والتأملات الفكرية مما يُعد مجال إبداع في هذا اللون من الشعر. ونمثل لهذا الغرض بقول أمية بن عبد العزيز:


وما غربة الإنسان في غير داره ولكنها في قرب من لايشاكله

أو قول الآخر:


تفكر في نقصان مالك دائمًا وتغفل عن نقصان جسمك والعمر

ويقول الشاعر الغزال:


أرى أهل اليسار إذا تُوُفُّوا بَنوا تلك المقابر بالصخور
أبوْا إلاّ مُبَاهاة وفخرًا على الفقراء حتى في القبور
إذا أكل الثرى هذا وهذا فما فضل الغنيّ على الفقير

أما الزهد والتصوف والمدائح النبوية؛ فلعل حياة الدعة والترف والمجون التي غرق فيها المجتمع الأندلسي، أدت إلى اتجاه معاكس، يفسر نزعة الزهد والتصوف التي راجت في الشعر الأندلسي. فالأندلسيون تفوقوا على الـمَشَاِرقَة في هذا الغرض، غزارةً في الإنتاج وتوليدًا للمعاني ورسمًا للصور المؤثرة القوية. ويلفت النظر أن عددًا من شعراء الأندلس أدركتهم التوبة بعد طول حياة لاهية، فوجهوا طاقتهم الشعرية في آخر أيامهم إلى طلب مغفرة الله ومرضاته وإلى ذم حياة اللهو والمجون والدعوة إلى الزهد والتقشف. ومن أشهرهم في هذا المقام ابن عبدربه وابن حمديس والغزال. يقول ابن عبدربه:


إنّ الذين اشتروا دنيا بآخرة وشقوة بنعيم، ساءَ ما تجروا
يامن تلهىَّ وشيب الرأس يندبه ماذا الذي بعد وَخْطِ الشيب تنتظر
لو لم يكن لك غير الموت موعظة لكان فيه عن اللذات مزدجر

وأما التصوف فقد اشتهر به من شعراء الأندلس أعلام على رأسهم شيخ المتصوفين ابن عربي وابن سبعين وابن العريف والشستري وغيرهم.

وقد وجه الشعر الأندلسي طاقة كبيرة للتغني بمدائح الرسول ³، وكان أهل الأندلس قاطبة يحنون إلى الحجاز وإلى مهبط الوحي وإلى المدينة المنورة. وقد اتسع المديح النبوي منذ القرن السادس الهجري وأصبح من أغراض الشعر الأندلسي المقدَّمة، وكان من أسباب ذلك إحساس أهل الأندلس بضيعة الإسلام، عندما تكاثرت عليهم جيوش النصارى، فاتخذوا من الشعر أداة للاستغاثة بالرسول الكريم وكانوا يرسلون القصائد إلى القبر النّبوي الشريف واصفين محنهم وأذاهم.

ومن أشهر هؤلاء الشعراء أبو زيد الفازازي وابن جابر الأندلسي وأبو الحسن الرُّعَيْني وغيرهم من شعراء الأندلس.

وكثر شعر الطبيعة والخمر، وكان لطبيعة الأندلس الأثر الحاسم في جعل هذا الغرض من أميز أغراض الشعر الأندلسي. وتمثل طبيعة الأندلس الملهم الأول لشعراء الأندلس، خاصة أن مجالس الخمر واللهو والغناء كانت تقام في أحضان هذه الطبيعة. وقد عبّر ابن خفاجة، أشهر شعراء الطبيعة في الأندلس، عن هذه الصلة، فقال:


يا أهل أندلس لله درُّكمُ ماءٌ وظلٌ وأنهار وأشجار
ما جنة الخلد إلاّ في دياركمُ ولو تخيرت هذا كنت أختار

ويتَّسِم هذا اللون من الشعر بإغراقه في التشبيهات والاستعارات وتشخيص مظاهر الطبيعة وسمو الخيال. كما كان يقوم غرضًا مستقلاً بذاته ولا يمتزج بأغراض أخرى، وإن امتزج بها لم يتجاوز الغزل أو مقدمات قصائد المدح.

ويعد معظم شعراء الأندلس من شعراء الطبيعة. فكل منهم أدلى بدلوه في هذا المجال، إما متغنيًا بجمال طبيعة الأندلس، أو واصفًا لمجالس الأنس والطرب المنعقدة فيها، وإما واصفًا القصور والحدائق التي شُيدت بين أحضان الطبيعة. ولذلك كان كل شعراء الأندلس ممن وصفوا الطبيعة.

ويُعدُّ الشاعر ابن خفاجة الأندلسي المقدَّم بين هؤلاء الشعراء، إذ وقف نفسه وشعره على التغني بالطبيعة لا يتجاوزها وجعل أغراض شعره الأخرى تدور حولها.

النثر. تماثل حالة النثر في الأندلس حالته في المشرق إلى حد بعيد. فالتأثير الفكري والفني بين الأندلس والمشرق كان متبادلاً. وكانت رحلة العلماء والأدباء ضرورة علمية يُحرص عليها. ومن ثم اتفق المشرق والأندلس في طبيعة الموضوعات والأساليب فعرف الأندلس طريقة الجاحظ في الكتابة، وبديع الزمان الهمذاني والحريري في المقامات، وابن العميد والقاضي الفاضل في الترسل. ونحاول في إيجاز التَّعريف بأهم الفنون النثرية التي راجت في الأدب الأندلسي
__________________







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 07:38 PM   رقم المشاركة : 14
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

مراجع ومصادر
-النثر الاندلسي من بداية عهد الخليفة الناصر إلى نهاية المرابطين لعبد العزيز بن عبد الله العواد...2 -تاريخ الادب الاندلسي عصر سية قرطبة لإحسان عباس...3 -الادب الاندلسي من الفتح إلى سقوط غرناطة لمنجد مصطفى بهجت...4 -أدب الرسائل في الاندلس في القرن الخامس الهجري لفايز فلاح القيسي...5 -ملامح التجديد في النثر الاندلسي خلال القرن الخامس الهجري لمحمد أحمد السيوفي...هذا وغير هذه العناوين كثير ككتابات..احمد هيكل-عبد المنعم خفاجة-جودت الركابي-مصطفى الشكعة..إلا أنها تدخل في باب التأريخ للأدب..و بالتالي لا تتوفر على البعد التحليلي العميق للظواهر الادبية...







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 06-May-2008, 07:49 PM   رقم المشاركة : 15
مجد الغد
عضو موقوف



افتراضي

شعرية النثر الأندلسي .. ابن برد الأصغر نموذجاً

النثر الديني :


ثمة عوامل كثيرة جعلت الأندلس تربة خصبة مؤهلة لاحتضان النثر الديني وتعهدا بالرعاية تعهدا حدا بالأندلسيين إلى ابتكار رسائل كان لهم فضل السبق إليها ؛ كرسائل الشوق والوجد الديني لزيارة قبر النبي – ص - وتأدية فريضة الحج .(101)

لابن بُرْد الأصغر ( فصول في التحميدات ) أوردها ابن بَسّام معزولة عن سياقها الذي قيلت فيه ، وغير مصحوبة بما يبدد الغموض الموشح لطبيعتها(102)، وقراءة هذه الفصول تشي بأنها لا تنطوي - في نفسها - على قيمة فنية كبيرة ، إذ لا تعدو كونها مقدمات لرسائل مختلفة الانتماء متباينة الغايات ساقها ابن بُرْد خضوعا لتقاليد فنية راسخة .

على أن ثمة ملاحظة لابن لصاحب المغرب تتمثل في أن هـذه الفصول ما هي إلا جزء من كتاب ألفه ابن بُرْد للمعتصم بن صمادح (103) تجعل الإقدام على إيراد هذه الفصول مبتورة السياق فعلا أقدم عليه ابن بُرْد نفسه لا ابن بَسّام ، تحدوه غايات تعليمية أو تهيمن عليه حالة من الإعجاب بها .

اتسمت تحميدات ابن بُرْد الأصغر بالتباين الكمي ، فبعضها قصير لا يتجاوز أربع جمل ، وبعضها الآخر يطول - بعض الشيء - فيبلغ خمس عشرة جملة ، صيغت جميعها بلغة يسيرة ، ليس للخيال من أثر في تشكيلها ، متكئة – غالبا - على فنون البديع اللفظية والمعنوية ، من ذلك قوله : " الحمدلله الذي علا وقهر ، وبطن وظهر ، وبحكمته قدر وأمر ، وبعدله قدم وأخر .."(104) حيث طابق بين علا وقهر ، بطن وظهر ، قدم وأخر .

وقد دارت حول تمجيد الله – عزوجل – وتقديسه ، وتجسيد قدرته المطلقة ، ورصد تجلياتها المتنوعة ، محاولا - ما وسعته المحاولة - أن يحدث اتساقا بين هذه المقدمات والغرض الأساسي للرسائل التي انتزعت فيها . ففي إحدى تحميداته يشير إلى قدرة المولى – عزوجل - على تبديد الكروب ، وتفريج الهموم ، ومحق ما يعترض الإنسان من عثرات ومصائب ، وإحلال الراحة بعد الجهد ، فقال : " الحمدلله جالي الكرب السود ، وفاتح المبهم المسدود الذي أقال العثرات ، وأدال من الحسرات ، وانتاش من البأساء ، وأعقب بالنعماء ، وأراح من جهد البلاء ".(105)

ولابن بُرْد " فصول أخرى في شكر النعم " تمثل امتدادا لفصوله السابقة ، " فكما حمد الله وأثنى عليه فإنه شكره على نعمه ، والحمد والشكر متلا زمان "(106) إلا أنه يتكئ على الخيال كثيرا في صياغة تلك الفصول ، مما يدنيها من مدارات الشعر ، ويجعلها بالمنظوم أشبه منه بالمنثور ، فالنعمة عين . وزهرة وطفل .. والشكر كحل وطل وحضن دافئ ؛ يقول ابن بُرْد : " إن للنعم عيونا إذا كحلن بالشكر أرين المنعم عليه السبيل التي يأتي المزيد منها / نعم حاضن النعمة الشكر / إن زهر النعمة إذا تفتح بوابل الشكر رأت فيه قرتها العين ، وأخذت منه حاجتها النفس ".(107)

المحور الثاني :

نثر ابن بُرْد الأصغر … دراسة أفقية :

تعرف الباحث فيما سبق على المضامين الدلالية المكونة لنسيج نثر ابن بُرْد الفني ، من خلال ردها إلى جذورها الأساسية المتشابكة تشابكا يجعل التقسيم والتبسيط أمراً عسيراً ، حيث تبين له أن ابن بُرْد الأصغر وفق في الاستفادة من غايات النثر الثلاثة ، باعتباره أداة تواصل وإخبار وتوثيق ، وذاتا اجتماعية ترصد بعض جوانب الخلل في مجتمع ما ، وخطابا أدبيا يتزيا بالغموض ، والآن سوف يدرس نثر ابن بُرْد مرة ثانية دراسة تستجلي السمات الفنية ووسائل التعبير .

أولا: السمات الفنية :

أ - الخلط بين المذاهب :

اتسم نثر ابن بُرْد الأصغر بعدم الانتماء إلى مذهب فني واحد في الكتابة ، بل راح يتأرجح بين مذاهب النثر الفني المشرقي ، مازجا بينها مزجا يشي بقلة إدراك للحدود الزمنية والفنية الفاصلة بينها ؛ فهو حينا يحاكي سهل بن هارون في رسالته إلى بني عمه من آل راهبون حين ذموا مذهبه في البخل ،(108) وتارة ثانية يذكرنا بالجاحظ من حيث شيوع النزعة العقلية ، وتارة أخرى يبدو شديد الارتباط ببديع الزمان والحريري كما في رسالة النخلة ، من توفر على حكاية تامة الجوانب ، تصاغ ضمن قالب سردي ، للحوار والخيال كبير أثر في إثرائه ونمائه ، مع زج لبعض القضايا الأدبية واللغوية الموشاة بمظهر من مظاهر الكدية .

وقد نجده مولعا بالسجع أحيانا ، وبالازدواج أحايين أخرى ، وقد نجد شيئا آخر لا ينتمي الى السجع أو الازدواج ، من خلال تنسيق للجمل في لون من الانسجام الموسيقي بين مقاطع صوتية متعادلة ومتجانسة ، وقد نجده يرسل القول إرسالا دون اتكاء على أي محسن بديعي .

ب – تنوع وسائل التعبير :

تنوعت وسائل التعبير لدى ابن بُرْد الأصغر تنوعا يعكس ولعه بالبحث عن أطر تعبيرية جديدة ، مازجا إياها بما شاع من أطر تقليدية، فتارة يلجأ إلى السرد وسيلة والوضوح غاية ، رصدا لعاطفة او إصغاء لصوت قلب، أو تبليغا لموقف ، أو تنبيها على خطأ ، كما في نثره الإخواني والديواني. وتارة يتكئ على الإيحاء والرمز بغية إخفاء ما يرمي اليه ، متخذا من الأقصوصة والحوار وسيلته لتحقيق هذا المرام ؛ مثال ذلك مفاخرته بين السيف والقلم ، وحوارية الزهور ، ففي رسالته الأولى اتخذ من الحوار المستند على أسانيد تراثية ومنطقية وسيلة لرصد جانب من جوانب الصراع الدائر آنذاك بين الفرسان والكتاب والرغبة في المساواة بينهما ، فالسيف والقلم - باعتبارهما رمزين للقوة بوجهيها القبيح والحسن / المادي والمعنوي - متكاملان متلازمان لا يستغني بأحدهما عن الآخر . وفي الرسالة الثانية يقدم الورد على ما عداه من أزهار ونواوير ، متخذا منه رمزا لأميره ( أبو الوليد بن جهور ) ، مفضلا إياه على ما عداه من أمراء الطوائف .

وإذا كان ابن بُرْد الأصغر قد آثر المزاوجة بين الإيحاء والإفضاء - بما ينطويان عليه من غموض ووضوح - مستفيدا من آليات النثر رسالة تحمل معنى أحادي الدلالة ، وخطابا أدبيا يحقق فعل الكتابة تارة ، فيبدو موهماً حينا ، متعدد الدلالات أحايين أخرى ، فإنه أيضا نوع في الأطر التعبيرية أو القوالب الفنية التي من خلالها فكر وجلل مبدياً رأيا ، فقد استخدم صيغة الترسل التقليدية في نثره الإخواني والديواني ، واعتمد على المقال الإنشائي في رسالته ( البديعة في تفضيل أهب الشاء على ما يفترش من وطاء ) ، حيث انطلق من فكرة ذهنية راح يدافع عنها ما وسعته الحيلة ، وكذلك اتكأ على قالب ( المقامة ) في رسالة النخلة التي تعد أكثر الرسائل الأندلسية - خلال القرن الخامس الهجري - اكتمالا من الناحية الفنية لفن المقامة ، وأكثرها اقتراباً وانتماء للمقامة المشرقية بصفة عامة ، ومقامات بديع الزمان والحريري بصفة خاصة .

ولابن بُرْد فصول لا تنتمي إلى أي من القوالب السابقة ساقها ابن بَسّام مبتورة السياق ، لا تنطوي على ما يبدد الغموض الموشح لطبيعتها، وإن كنت قد رجحت انتماءها لرسائل متعددة ، انتزعها ابن بَسّام إعجابا بها إحكام صنعة ودقة التقاط معنى ، من هذا النمط فصول في مدح الإخاء ووصف القلم .. وغيرها .

جـ- التباين الكمي :

كذلك اتسم نثر ابن بُرْد الأصغر بالتباين الكمي ، فتارة تقصر المقطعة لديه قصراً شديداً ، فتقتصر على الجملتين ، كما في وصف الإخاء مدحا وذما ، وبعض أدوات الكتابة كالقلم والدواة والمداد ، وبعض الرسائل الدينية ، من ذلك قوله في وصف القلم : " ما أصوغ القلم لحلي الحكم "(109) وقوله : " إن زهر النعمة إذا تفتح بوابل الشكر رأت فيه قرتها العين ، وأخذت منه حاجتها النفس "(110). وقد تأتي متوسطة الطول كالرسائل الإخوانية والديوانية ، وقد تأتي مفرطة الطول كرسائل النخلة والبديعة والمفاخرة بين السيف والقلم ، وحوارية الزهور ، فهو متأرجح - في نثره - بين الإيجاز والإطناب ، وإن كان إلى الإطناب أميل وإلى الاسترسال أقرب ، وقديماً قال الجاحظ : " وللإطالة موضع وليس ذلك بخطل ، وللإقلال موضع وليس ذلك من عجز ".(111)

ثانيا : وسائل التشكيل :

ثمة وسائل تشكيل فنية اتكأ عليها ابن بُرْد الأصغر في صياغة نثره الفني ، وبلورة تجربته وآرائه ، تمثلت في اللغة والصورة والإيقاع .

اللغـة :

جاء نثر ابن بُرْد الأصغر تجسيدا دقيقا لبلاغة زمانه ، فقد كان معاصروه يشددون النكير على من يتقعر في لغة أو يغرب في أسلوب ، فابن بَسّام في معرض وصف أسلوب معاصريه بقوله : " وكان يستعمل وحشي الألفاظ ، ويخاطب العوام بكلام لو خوطب به رؤبة بن العجاج ما فهم عنه "(112) مجسدا ازدراء الذوق الأندلسي للمبدع الذي يحتفي بالمفردات الموشية التي تضفي على الأسلوب اضطرابا ، وتصم المعنى بنبو يفضي إلى شيء من الغموض ، ومظهرا ميله لجانب " السهولة واليسر والقوة البيانية ".(113)

ومفردات ابن بُرْد سهلة دون ركاكة ، وجزلة دون إغراب أو تعقيد ، لا تحتاج – غالبا - إلى إعمال ذهن ، أو استصراخ مواد معجم ، قادرة على نقل تجربته كاملة ، فعندما أراد أن يرصد ما للقلم من دور عملي فاعل قال : " لولا القلم ما عبئت كتائب ، ولا سريت مقانب ، ولا انتضيت سيوف ، ولا ازدلفت صفوف "(114) فلو بحثنا في تضاعيف هذه المقطعة عن شيء يردنا إلى خيال ثر يمكن أن نرد إليه ما تتشح به من جمال لما عثرنا على شيء من ذلك ، ولحظتها ندرك أن الجمال الكامن فيها منبعه مفردات سهلة بلا ركاكة ، جزلة – أيضا - بلا إغراب ، قادرة على رصد ما يريد تقريره من معان وآراء .

على أن حرص ابن بُرْد الأصغر على أن تأتي مفرداته جزلة أوقعه في شيء من الإغراب اللفظي ، ولكن هذه المفردات التي تبدو غامضة الدلالة عندما تأتي منعزلة عن سياقها سرعان ما يتبدد غموضها عندما ينتظمها سياق ، مثال ذلك قوله : " أما بعد ، فإنكم سألتم الأمان أوان تلمظت السيوف إليكم وحامت المنايا عليكم "(115) ، فكلمة ( تلمَّظتْ ) تبدو غامضة الدلالة إذا قرئت منعزلة عن سياقها ، ولكن الإيحاء الصوتي الذي تثيره والسياق الذي انتظمت في سلكه يبددان هذا الغموض ويدفعان ذاك الإيهام .

يضاف إلى ما سبق أن ابن بُرْد - باعتباره واحداً من الشعراء الكبار - اقترب بلغته من مدارات الشعر ، فراح يخوض بملكته النثرية حقولا ظلت ردحاً طويلاً من الزمان حكراً على الشعر ، فها هو ذا يوجه دعوة لصديق لم يعينه إلى مجلس شراب ، فيقول : " الزيارة في الليل أخفى ، وبالزائر والمزور أحفى ، وقد سدلت حجابه ، ووقع غرابه ، وتبرقعت نجومه بغيومه ، وتلفعت كواكبه بسحائبه ، فأهتك إلينا ستره ، وخض نحونا بحره ، ولك الأمان من عين واش تراك ، وشخص رقيب يلقاك ".(116) فأنت راء ما تتسم به مقطعته النثرية السابقة من شعرية اللفظ والمعنى وهيمنة الخيال على وسائل التشكيل ، معيدة إلى أذهاننا مقولة ابن بَسّام عن رسائل ابن زيدون : " وتأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منه بالمنثور ".(117) وقوله أيضا في تضاعيف ترجمته : " كان أبوالوليد صاحب منظوم ومنثور … وحظ من النثر غريب المباني ، شعري الألفاظ والمعاني "(118).

ولم تقف عناية ابن بُرْد الأصغر بمفرداته عند حد الانتقاء ، بل وجدناه يسعى سعياً حثيثاً لإثراء بنائه اللغوي بكل ما من شأنه أن يحقق غاياته ، ويدنيه أكثر وأكثر من مدارات الشعر ، فراح يتوسل بالتراث موظفا إياه توظيفا يستحق الوقوف أمامه ، رصداً لصوره ، ولمساً لتجلياته .

الروافد التراثية :

القارئ لنثر القرن الخامس الهجري بالأندلس سوف يرصد ظاهرة واضحة الملامح ، تتمثل في أن الروافد التراثية السابقة وجدت فيه تربة خصبة لاستقبالها وتعهدها بالرعاية ، فراحت تتعايش جنبا إلى جنب، مولدة آثاراً متعددة ، بعضها ظاهر يمكن رصده بيسر ، وبعضها الآخر باطن ، ومراوغ يستعصي على محاولة التتبع والرصد ، وهنا يأتي دور الباحث في النظر إلى هذه الروافد المختلفة طبيعة وأثرا ، ورصد تجلياتها عندما تتجاور وتتواصل وتتعايش بغض النظر عن قيمتها رفعة ووضاعة .

وابن بُرْد الأصغر - شأنه شأن معاصريه - تركت ثقافته أثراً واضحاً على نثره الفني ؛ إذ كل كلام فيه من أثر الثقافة نصيب ، فتعددت الروافد التراثية التي اتكأ عليها ، وتباينت وسائل الاستعانة بها والإفادة منها . من بين هذه الروافد : القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي والأمثال … وغيرها من روافد تراثية أخرى .

القرآن الكريم والحديث النبوي :

حظي القرآن الكريم بعناية ابن بُرْد الأصغر فراح ينهل من معينه الثر اقتباسا لنصه أو استيحاء لمعانيه ، فتارة يقتبس لفظة مفردة ، وتارة ثانية يقتبس تركيبا جزئيا ، وتارة أخرى يقتبس آية أو أكثر ، موظفا النص القرآني امتداداً لجملة ورقيا لأسلوب وتدعيما لرأي .

اقتبس ابن بُرْد آيتين من الذكر الحكيم مجريا إياهما على لسان القلم في معرض تفاخره وتباهيه بتلك القداسة التي طرحت عليه ، فقال : " أيها السائل .. خير الأقوال الحق ، وأحمد السجايا الصدق ، والأفضل من فضله الله – عزوجل - في تنزيله مقسما به لرسوله ، فقال : ( ن . والقلم وما يسطـرون ) ، ( القلم:1 ) وقال : ( اقرأ وربك الأكرم الذي عـلم بالقلم ) ( العلق:4 ) ، لقد أخـذت الفضل برمته وقدت الفخر بأزمته ".(119)

وإذا كانت عهود الأمان التي كتبها ابن بُرْد قد اتسمت بالمزج بين الترغيب والترهيب ، وبين الملاطفة وشيء من الزجر والتخويف، فإنه عندما راح يستصرخ آيات القرآن جاء بآيات تحض وأخرى تردع وتزجر ، ففي سلك أمان منحه لبعض الطوائف الناس المتناحرة محذرها من مغبة فتح أبواب الفتنة ، داعيا إياهم إلى الإصغاء لصوت العقل استند إلى قوله تعالى من سورة النساء ( آية114 ) ، ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) ثم ينتقل إلى لهجة خطاب زاعقة ، مشيرا الى أن الأمر إذا تجاوز حده فثمة أسلوب مغاير للمعالجة ، وعليه فراح يدعم رأيه بالآية رقم ( 9 ) من سورة الحجرات التي تقول : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) .(120)

أما اعتماد ابن بُرْد على الحديث النبوي الشريف فقد جاء نادرا حيث اقتصر وروده على موطن واحد في تضاعيف رسالة النخلة ، ونصه: " نعمت العمة لكم النخلة " . (121)

الأمثال العربية :

تعد الأمثال العربية من الروافد التراثية التي غذت النسيج اللغوي لابن بُرْد مثرية إياه ، فراحت تتسلل إليه تلقائية أوحى بها الطبع تارة ، مقصودة سعى إليها تلبية لمقام أو إظهارا لسعة رصيد ثقافي تارة أخرى .

وتتجسد عبقرية ابن بُرْد في توظيف المثل في مفاخرته التي أدارها على لسان السيف والقلم ، حيث افتتح كل محاورة بمثل يبلور الحجة التي يدحض بها كل طرف رأي الآخر ، وتأتي الجمل الباقية موضحة للمثل مدعمة له، فعندما يقول القلم : من ساء سمعا ساء إجابة .. يرد السيف قائلا : جعجعة رحى لا يتبعها طحن ، وجلجلة رعد لا يليها مزن ، ثم ينبري القلم مرة ثالثة قائلا : إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ، ما كل بيضاء شحمة ، ولا كل سوداء تمرة .. وهـكذا دواليك .(122)

وإذا كان ابن بُرْد قد وفق في أن يصبغ آراء كل من السيف والقلم بما يتسم كل منهما من سمات ، فجاءت اللغة - طبيعة وتشكيلا - تتأرجح بين الحدة والهدوء ، بين روحية الأثر ومادية الفعل ؛ فإنه أيضا وفق في الاستعانة بالأمثال العربية التي لا تنتمي إلى مَيْدان دلالي واحد ، وتناسب أيضا السيف والقلم حدة ورجاحة .

الشعـر :

هيمنت ذائقة ابن بُرْد الشعرية على نثره هيمنة تمثلت في الاتكاء على الخيال كثيرا ، وتضمين أشعاره في تضاعيف نثره تارة ، والإتيان به خاتمة رسالة له تارة أخرى ، فقد ضمن ابن بُرْد الأصغر كتابه المسمى بـ " سر الأدب وسبك الذهب " بعض أشعاره التي تفاخر فيها بنفسه وبأسرته ،(123) على حين ذيل مفاخرته بين السيف والقلم بقصيدة شعرية ، ممهدا لذلك بقوله : " فقال القلم : إن النثر في ذلك مثل يسير ، وإن الشعر في ذلك ذكر خطير ، وإنه لشدو الحادي ، وزاد الرائح والغادي ، واختاره على النثر ، تنويها بالذكر ، فقال :

قد آن للسيف ألا يفضــل القلـــــما مذ سخرا لفتى حاز العلى بهما
إن يجتني المجد غضا من كمائمه فإنما يجتني من بعض غرسهما (124)

ولم يقف اعتداده بالشـعر وولعه به عند هذا الحد ، بل راح يفسح المجال لعدد من الشعراء المشارقة ، من مـثل امرئ القيس والخـنساء والمجنون وأبـي الغفار الريـاحي وأبي تمام ، وإن كان بأبي تمام ألصق وإلى امرئ القيس أقرب ، مقتبسا بعض أشعارهم معزوة إليهما تارة ، حالا معقودها تارة أخرى ، والمثير للدهشة أنه لم يستشهد ببيت أندلسي واحد .

ففي حوارية الزهور التي أدارها على لسان بعض الأزهار راح يجري الشعر على لسان ( البهار ) ، مدعما ما يرمي إليه من إعلاء لقدر الورد وانتقاص للنفس ، فاقتبس بيتا لكل من عمر بن أبي ربيعة والخنساء ؛ فقال : " ثم قام البهار ، فقال :

ثم قالوا : تحبها ؟ قلت : بهرا عدد النجم والحصى والتراب

لا تنظرن إلى غضارة منبتي ونضارة ورقي ، وانظر إلي وقد صرت حدقة باهتة ، تشير إليه ، وعينا شاخصة تندى بكاء عليه :

ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي "(125)

ومن ذلك أيضا اقتباس أبيات لأبي الغفار الرياحي تدور حول بعض أطوار نمو النخل ، ضمنها نسيج رسالة له تتخذ من البخل موضوعا ، ومن المقامة قالبا فنيا .(126)

يضاف لما سبق حرصه على حل معقود الشعر ، مثال ذلك قوله في وصف القلم : " فساد القلم خدر في أعضاء الخط " حيث ذهب ابن بَسّام إلى أنه محلول من قول القائل :

من خط يوما ببرية فسدت أصاب أعضاء خطه خدر(127)

وقوله: " وقد يكون قلم الكاتب ، أمضى من سنان المحارب "، محلول من قول امرئ القيس : وجرح اللسان كجرح اليد ".(128)

الأماكن والشخصيات :

وقد اتسع نثر ابن بُرْد الأصغر أيضا ليحتضن عددا من الأماكن والشخصيات التراثية ، موظفا ما تنطوي عليه من رصيد معرفي ووجداني لدى المتلقي ، تستدعيه الذاكرة – عفوياً - بمجرد التفوه به أو مطالعته ، واللافت للانتباه أن ابن بُرْد اقتصر على استدعاء عدد قليل من الأماكن والشخصيات التي تنحصر في إطار دلالي ضيق ، فهي تنتمي إلى التاريخ العربي جاهلياً وإسـلامياً ، فمن هذه الشخصيات التي استدعاها حجر ( ملك كندة )(129) وعبدالله بن الزبير بن العوام(130). ومن الأماكن بطحاء مكـة وبيت الله الـعتيق(131) وبُصْرى(132) ووادي عبقر(133) وهو توظيف يستدعي الدلالة المباشرة للمكان أو الشخصية بهدف تدعيم ما يقول ، وتقوية ما يطرح من حجج .

المحسنات البديعية :

توسل ابن بُرْد الأصغر بالمحسنات البديعية لفظية ومعنوية موظفا إياها توظيفا أثرى إيقاعه الموسيقي تارة ، ودعم ما طرح من أفكار وآراء تارة أخرى ، وجاء استناده إلى المحسنات اللفظية أكثر شيوعا من المحسنات المعنوية التي أخذت طريقها صوب نسيجه النثري تلقائية - يستدعي وجودها المقام - من مثل الطباق والمقابلة ورد العجز على الصدر والعكس والتبديل . فمن الطباق قوله من رسالة السيف والقلم : " إن ماءك السائل لجامد ، وإن جرمك الملتهب لبارد " ، وقوله في تضاعيف مدحه لمجاهد العامري : " المقدم إذا أحجمت الأبطال ، والضاحك إذا بكت الآجال ، والساري إلى العلياء إذا أدلج الكرام ، والمسهد في الآراء إذا هجد الأنام "(134) ، فقد طابق طباق إيجاب بين ( سائل وجامد ) و( ملتهب وبارد ) و( إقدام وإحجام ) و( الضحك والبكاء ) و( السرى والإدلاج ) و( السهد والهجود ) متخذاً من الطباق وسيلة لسخرية القلم من السيف والتقليل من قدره في النموذج الأول . والرقي بممدوحه ( مجاهد العامري ) إلى مرتبة لا يزاحمه فيها غيره من ملوك الطوائف في النموذج الثاني .

والمقابلة قليلة الورود لديه نسبيا ، وهو أمر شائع في نتاجات غيره من الكتاب ؛ لأن الجمع بين معنيين أو أكثر ، ثم الإتيان بما يقابل ذلك على نحو مضاد مرتب في نفس الوقت مما يعسر على الكاتب ويشق عليه . ومن مقابلاته قوله من عهد أمان وجهه إلى متمرد لا نعرفه وعن أمير شاء ابن بَسّام أن نجهله : " وقد رأينا أن نظهر فضل سيرتنا فيك ، ونعتبر بالنظر في أمرك ، فمهدنا لك الترغيب لتأنس إليه ، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه "(135) فالجملتان الأخيرتان تحتضنا أربع كلمات متقابلة هي : ( مهدنا وظللنا ) و( الترغيب والترهيب ) و( تأنس وتفرق ) و( إليه ومنه ) .

وقد يمزج ابن بُرْد الأصغر بين الطباق والمقابلة(136) ، مثال ذلك قوله في تضاعيف عقد بيعة : " بايع الإمام عبدالله فلان ... بيعة رضى واختيار ، لا بيعة إكراه وإجبار … في السر والعلانية ، والجهر والنية ، والعمل على موالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، من بعيد وقريب ، وغريب ونسيب ".(137)

ب – الصورة :

لم تقف رغبة ابن بُرْد الأصغر في إزالة الحواجز الفاصلة بين الشعر والنثر عند حد " شعرية الألفاظ والمعاني " على حد تعبير ابن بَسّام ، بل تخطاهما إلى الخيال ، فألفيناه يفسح له مجالا واسعا في تشكيل الجملة لديه تارة ، والرسالة كاملة تارة أخرى ، ويعد هذا الملمح قفزة نوعية هائلة نجح نثر القرن الخامس الهجري بالأندلس في إنجازها . فقد حاول النثر الفني منافسة الشعر رويدا رويدا متخليا عن شيء من نثريته ، مقتبسا بعض خصائصه لغوية وإيقاعية وبيانية ، والعجيب أن يضج الشعر بنفسه وبأثوابه التقليدية فيتدانى من النثر الفني ، ويتدانى من النثر الفني منه حتى التقيا على عهدنا هذا في صيغة لا تلقى قبولا لدى كثير ممن يتعاطون الشعر .

تجلت قدرة ابن بُرْد الأصغر على توظيف الخيال في جل رسائله الأدبية ، فراح يصبغ آراءه ومواقفه ، متسربا إلى حقول دلالية تبدو غير حفية به ، أو مؤهلة لاحتضانه كالرسائل الدينية والديوانية ، وتبدت قدرته في رسائله الطوال كالمفاخرة بين السيف والقلم ، والمفاضلة بين الزهور ، ورسالة النخلة .. وغيرها ، وتعد هذه الرسائل ، وغيرها كثير لابن بُرْد وغيره من معاصريه " طفرة نوعية .. في مسار نضج النثر ، وتطلعه إلى الخوض في كل مجالات التعبير الإنساني . ومن أرقى صور هذا التعبير المرحلة التجريدية التي يغدو فيها الإنشاء النثري صالحا ، لا للحديث عن أحاسيس الجمال التي توحي بها الجوامد والكائنات المتضمنة لرموز الجمال ، كالأزهار ، والنباتات المعطرة الأخرى ، وهو ما كان الشعر يحتكره حتى بدأ النثر يغزوه منذ أواخر القرن الرابع ... بل إن النثر في هذه المرحلة المتقدمة من مسيرة النضج يصبح فيها لغة لهذه الرموز فيما بينها ، وأداة لتحاورها بالذات ، وذلك منتهى التطور ، أليس ارتقاء مدهشا للنثر في القرن الخامس ألا يكتفي النثر بوصف هذه الرموز ، والحديث عنها ، بل يصبح لسانا لها تتحدث به ، وتتفاخر وتتباهى من خلاله ، بما تنتقي له ، وتفضل من أجله ، وتحب بسببه ".(138)

وكذلك تجلت قدرة ابن بُرْد على توظيف الخيال في إثراء بنائه الفني في رسائل وصف الطبيعة ، إذ راح يرصد بعض جوانبها رصدا للخيال كبير أثر فيه ، فبدت حية متحركة دافئة ، مضفياً عليها من أحاسيسه ما يجعلها تشاركه أتراحه وأفراحه ، فها هو ذا يصور يوما ممطرا ، فقال : " اليوم يوم بكت أمطاره ، وضحكت أزهاره ، وتقنعت شمسه ، وتعطر نسيمه .." ويصف الليل قائلا : " وقد سدل حجابه ، ورفع غرابه ، وتبرقعت نجومه بغيومه ، وتلفعت كواكبه بسحائبه "(139) فكما ترى اتكأ على الخيال الذي توسل بالتجسيد تارة والتشخيص تارة ثانية .

ولم يقف ابن بُرْد الأصغر عند الاستعانة بالتشخيص والتجريد والتجسيد ، بل تعداهما إلى ما نطلق عليه الآن " تراسل الحواس " ويتمثل في " وصف مدركات كل حاسة من الحواس بصفات الحاسة الأخرى ، فتعطي المسموعات ألوانا ، وتصير المشمومات أنفاسا ، وتصبح المرئيات عاطرة ..."(140)، من ذلك قول ابن بُرْد : " ما أعجب القلم يشرب ظلمة ويلفظ نورا " فالظلمة وهي من مدركات حاسة الإبصار ، يجعلها سائلا يشرب ، ناقلا إياها إلى المستوى الإدراكي لحاسة الذوق .(140)

هذا وقد استند على الوسائل التقليدية لبناء الصورة كالتشبيه والكناية والاستعارة والمجاز ، وإن كان اعتماده على التشبيه أكثر ، مثال ذلك قوله : " المداد كالبحر ، والقلم كالغواص ، واللفظ كالجوهر ، والقرطاس كالسلك "(141) حيث أتى بأربع صور تتخذ من التشبيه أداة ، ومن البيئة البحرية مصدراً ، ومن الكناية قوله في عتاب صديق لم يرع للصداقة حقها : " أظلم لي جو صفائك ، وتوعرت عليّ أرض إخائك ..."(142)، وغير ذلك كثير .

على أن حرص ابن بُرْد على تعقب جوانب الصورة أوقعه في شيء من الرتابة والابتذال ؛ مثال ذلك قوله : " العقل أب ، والعلم أم ، والفكر ابن ، والقلم خادم "(143) ومن الصور المبتذلة وصفه لمن لا يحفظ سرا بقوله : " غربال حديث ، إذا وعى سرا قطر منه "(144) وقوله : " مهر النعمة الشكر ، وطلاقها الكفر " وقوله أيضا : " إذا أقفل باب النعمة ، فالشكر مفتاحها "(145).

جـ- الإيقـاع :

النثر الفني كالشعر ، له إيقاع خاص به ، لا يحلو إلا إذا تجلى من خلاله ، ولا يحدث أثره الفاعل إلا إذا اتشح به ، وإذا كان الوزن والقافية عماد إيقاع الشعر ، فإن السجع والازدواج حجر أساس إيقاع النثر ، وقديما أدرك علماؤنا هذا الأمر ؛ إذ ذهب قدامة بن جعفر إلى أن " السجع في الكلام كمثل القافية في الشعر ".(146)

والحقيقة أن ابن بُرْد الأصغر عني بنثره الفني عناية فائقة ، فراح يبحث عن أطر تعبيرية جديدة ، ووسائل تشكيل دقيقة ، على أنني أسارع فأقرر أن عنايته تلك لم تدفعه إلى المغالاة ، بل جاء سجعه محمودا ، وازدواجه بعيدا عن الاستكراه ، وهذا النمط المعتدل قبله قدامة ، وحض على اتباعه ، مشدداً النكير على من راحوا يبحثون عنه غاية في نفسه ، فقال : " فأما أن يلزمه الإنسان في جميع قوله ورسائله وخطبه .. فذلك جهل من فاعله ، وعي من قائله ".(147)

وقد تبلور ولع ابن بُرْد الأصغر بجانب الإيقاع في استناده الى السجع تارة والازدواج تارة ثانية ، والمزج بينهما تارة ثالثة ، وقد نجد شيئا مغايرا ، لا ينتمي إلى السجع أو الازدواج ، من خلال توظيف دقيق للإيحاء الصوتي للمفردات ، أو تنسيق الجمل في لون من الانسجام الموسيقي بين مقاطع صوتية قد تتعادل وقد تتجانس ، وقد نراه يرسل القول إرسالا دون استناد إلى محسن بديعي ، لفظياً كان أو معنويا .

ولابن بُرْد الأصغر رسالة إخوانية يبداؤها بداءة زاهد في السجع غير حريص عليه ، فالجمل تنتهي بمفردات لا تتفق قافية فتنتمي إلى السجع ، أو وزنا فتنتمي إلى الازدواج ، فيقول : " لا أستبد - أعزك الله - من الكتابة إليك ، وإن رغم أنف القلم ، وانزوت أحشاء القرطاس ، وأخرس فم الفكر "(148) فالمفردات ( إليك / القلم / القرطاس / الفكر ) لا تربط بينها وحدة قافية أو وزن ، تبديه زاهدا غير حريص على الاتكاء على السجع والازدواج باعتبارهما حجر أساس الإيقاع في النثر الفني ، على أننا نفاجأ - وسط هذا المناخ الموهم - بابن بُرْد المخادع يقبل على السجع والازدواج إقبال المتشط المغالي في البحث عنهما ، فيقول : " فلم يبق في أحدها إسعاد لي على مكاتبتك ، ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك ، لقوارص عتابك ، وقوارع ملامك ، التي قد أكلت أقلامك وأغصت كتبك ، وأضجرت رسلك ..." وعندما يأخذنا العجب ونظن أن الإيقاع هيمن عليه هيمنة بالغة نراه يقدم على طرحه ، طرحاً يوحي بالانقطاع الظاهري ، والامتداد الدلالي ، فيقول : " كثيرا ما يكون عتاب المتصافيين حيلة تسبر المودة بها ، وتستثار دفائن الأخوة عنها ، كما يعرض الذهب على اللهب ، وتصفق المدام بالفدام ، وقد يخلص الود على العتب خلاص الذهب على السبك " ثم يرتد مرة أخرى الى السجع ، وهكذا نحن بازاء نمطين من أنماط الكتابة يمزج بينهما ابن بُرْد ، تجسيداً لإحساس ودفعاً لرتابة قد تصيب أسلوبه .

على أن لابن بُرْد بعض النماذج القليلة التي يحرص من خلالها على إضافة حرف زائد - أو حرفين - في قافية السجع محاكيا بصنيعه هذا بعض الشعراء الذين يلزمون أنفسهم بما لا يلزم من قواعد الإيقاع ، وهذا النمط عندما يتكرر " يحدث في القطعة أصداء موسيقية جليلة ، تكسب الإنشاء جمالا متميزا ، وتفتح طريقه إلى القلب ، وتدل على براعة حقيقية عند صاحبه "(149) من ذلك قوله يمدح جده ابن بُرْد الأكبر : " وكان جدي أحمد بن بُرْد - رحمه الله - بطول ممارسته لهذه الصناعة ...... قد اقتعد سنامها ، ورفع أعلامها ، واصبح إمامها ، وزين أيامها ، وركب وسط مساقها ، وأحرز قصب سباقها ".(150)

ولم تقف عناية ابن بُرْد الأصغر بالإيقاع عند هذا الحد ، بل تخطته إلى النموذج الأمثل للسجع ، ويتمثل في التطابق الإيقاعي بين جملتين متعاقبتين أو أكثر ، بحيث تتشابه كل مفردة وما يوازيها وزنا وقافية وقيمة صوتية ، وهذا النموذج رصده أبوالقاسم مُحمَّد بن عبدالغفور الكلاعي(151) ولمس سعة شيوعه لدى كتاب الأندلس في القرن الخامس الهجري ، وقد أسماه ( المغصن ) .

ولما كان ابن بُرْد الأصغر مولعا بالصيغ الجديدة ، وحريصاً على إثراء الإيقاع الموسيقي لنثره ، وواعيا بما للإيقاع من أثر فاعل في نفوس سامعيه - راح يكثر من هذا النمط كثرة وشحت نثره بنغم عذب لا يكدره تقعير ، ولا يفسده علينا غلو تنبو عنه الطباع ، أو تجفوه الأسماع . من مثل ذلك قوله من رسالة يعاتب فيها صديقا له ، راصداً أمارات التبدل:

فليت شعري ما الذي أقسى مهجة ذلك الـود

وأذوى زهرة ذلك العـهد؟ (152)

وقوله من عهد أمان منح لأناس لم يسعوا إليه سعي رضى واختيار ، بل سيقوا إليه سوق خوف واضطرار :

ولولا تحرجنا أن نقطع أعضاءكم بكم…

لـ شربتْ دماءَكم سبـاعُ الكماة

و أكلتْ لحومَكم ضباعُ الفلاة (153)

والقراءة الواعية للنموذجين السابقين تفضي بنا إلى أن ، ثمة جملة محورية تعد مدخلا طبيعيا للجمل المتفقة وزنا وقافية ، والمتقاربة قيما صوتية ( فليت شعري ما الذي ... / ولولا تحرجنا أن نقطع أعضاءكم بكم ) ثم تأتي واو العطف – غالبا - أداة ربط ، أما الجملتان فتضم كل واحدة أربع كلمات متفقة وزنا وقافية ( أقسى / أذوى ) و( مهجة / زهرة ) و( ذلك / ذلك ) و( الود / العهد ) .. وهكذا دواليك .

ووسط هذه العناية الفائقة بجانب الإيقاع قد ينساب الأسلوب في بعض الفقرات انسيابا سلسلا ومقبولا ، دون أن يستند إلى سجع أو يتكئ على ازدواج ؛ من مثل ذلك قوله : " ما أعجب شأن القلم يشرب ظلمة ، ويلفظ نورا "(154)، وقوله في رسـالة النخلة على لسان فتى عشق النخلة فراح يتحلق حولها تحلق المشوق ، فما جنى من عشقه سوى مرارة الانتظار ، وقلة ما نال من زاد : " يا لإخواني في الخيبة ، وشركائي في فوت الأمل ، أنا ساكن المحلة التي منبت هـذه النخلة في ساحتها ، وقد صرمها منذ خمسة عشر يوما ؛ ولقد كنت قبل صرامها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق "(155) . ومنه أيضا قوله : " المداد كالبحر ، والقلم كالغواص ، واللفظ كالجوهـر ، والقرطـاس كالمسلك ..".(156)

وللجناس - باعتباره محسنا بديعيا لفظيا - أثره في إثراء الجانب الإيقاعي للنثر الفني ، على أن الناظر في نثر ابن بُرْد المتبقي لدينا لا يكاد يعثر عليه إلا لماما ، شأنه في ذلك شأن معاصريه ؛ وذلك " لأن العثور على لفظين متشابهين أو متفقين في الحروف التي يتشكلان منها ، مختلفين في المعنى في نفس الوقت ، مما يعسر الظفر به باطراد حتى في أغنى اللغات بالمترادفات ... كالعربية ".(157)







 مجد الغد غير متواجد حالياً
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ساعدوووووووووونى

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
الابتسامات متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

قوانين المنتدى


الساعة الآن 09:55 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.0
تصميم موقع